أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زكي رضا - الوطن أكبر من العقيدة .. الفن في حسابات القوة الناعمة















المزيد.....

الوطن أكبر من العقيدة .. الفن في حسابات القوة الناعمة


زكي رضا

الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 17:29
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عبر التاريخ كانت العلاقة بين الفن والسياسة علاقة معقدة، فعندما كان الفن اداة لمقاومة الانظمة والسلطات الدكتاتورية، كانت تلك الانظمة والسلطات تسعى بل وتعمل جاهدة على احتواء الفن وتوظيفه لخدمة سياساتها. فكان الفن عند السلطات والانظمة هذه وسيلة دعاية لترسيخ سلطتها وتحكمها بالوعي الجمعي، لا بل صياغة وعي جمعي على مقاساتها. وبهذا وحينما يتحول الفن من اداة للتعبير الى اداة بيد السلطة فانه يفقد بعض قيمه ، وبذلك يدخل هذا العالم المتشابك والمعقد الذي تحكمه المنفعة الخاصة والخوف من السلطة، وحينها يصبح المشتغلين بالفنون المختلفة في خدمة الآلة الدعائية للسلطة طوعا او خوفا، ليكون الفنان حينها في جوقة السلطة. وتبقى هذه العلاقة مستمرة مع استمرار تلك الانظمة والسلطات في الحكم، وتنهار عادة بعد انهيارها. ويبقى الفنان الحقيقي القريب من حاجات وهموم الناس في وطنه هو الوحيد القادر على تأرخة نضال ذلك البلد والشعب وترجمة تطلعاته، وهنا بالتحديد يكمن الفرق بين فنان وآخر.

من اوائل من صاغ مصطلح القوة الناعمة (Soft Power) هو المفكر الامريكي (جوزيف ناي) قائلا أنها:" القدرة على الجذب والإقناع والحصول على ما تريد عبر الثقافة، والقيم السياسية، والسياسات الخارجية، بدلا من الإكراه العسكري أو الضغط الاقتصادي (القوة الخشنة)". تعتبر الفنون ومنها السينما والمسرح والموسيقى وكل حقول الثقافة ركيزة من ركائز القوة الناعمة ولذا نراها هدف تسعى دول للسيطرة عليها وتسويقها لصالحها ، لانها تقدم وبتدخل تلك الدول في الحياة الفنية والثقافية صورة ايجابية عن دولة او نظام سياسي معين تريد اختراقه. ومن خلال الفن والثقافة بشكل عام ومن خلال تعريف القوة الناعمة أدركت النظم السياسية وخصوصا الشمولية منها قيمة الفن وقوته في توجيه الرأي العام . ففي المانيا النازية سخرت الدولة كل وسائل البروبوغاندا من اجل ترسيخ افضلية العرق الآري على غيره من الاعراق، كما واصلت طيلة العهد النازي تمجيد يومي بل ساعة بساعة لهتلر وتصويره كمنقذ لالمانيا، وقد قام وزير الدعاية غوبلز بتحويل الفن بكل اشكاله الى آلة للتأثير في الرأي العام بما يخدم سياسات النازية. ولم يتخلف الاتحاد السوفيتي عهد ستالين عن هتلر في تمجيد النظام وتأليه القائد، على الرغم من الفروقات الآيديولوجية والعقائدية بين النظامين، وفي ايطاليا الفاشية استخدم النظام هناك حتى فن العمارة كفن من الفنون في العودة بالذاكرة المجتمعية الى امجاد الامبراطورية الرومانية وتأليه موسوليني.

في ايران وبعد نجاح الثورة حكمت الايديولوجية الاسلامية الفن هناك، فخضعت كل الفنون الى حد كبير لقاعدة الفن الملتزم (هنر متعهد) والفن الثوري (هنر انقلابي)، فعلاوة على الانتاج الكبير للافلام ومنها الوثائقية حول الحرب وضحاياها وربطها بالبعد الديني المذهبي، كانت الجداريات تنتشر في شوراع وساحات المدن الايرانية المختلفة لتمجيد القادة الدينيين والسياسيين والعسكريين وضحايا الحرب. اما في العراق وخصوصا بعد تولي صدام حسين السلطة، تحول الفن بكل اشكاله الى اداة لتمجيد النظام وعبادة الشخصية، وكما ايران مع بعض الفروقات فان الدولة اخضعت كل الفنون لقاعدة الفكر البعثي الفاشي، فكانت السلطة تجبر كل الفنانين ومنهم المطربين والملحنين على تقديم واداء اغان واناشيد تمجد الطاغية، هذا فضلا عن نصب وتماثيل وجداريات منها بالمئات للطاغية والتي دمرت بعد الاحتلال الامريكي، وهذا التدمير للجداريات والتماثيل والنصب درس بحد ذاته للانظمة السياسية، التي تكرس عبادة الشخصية.

يعتبر التبادل الثقافي وتكريم الفنانين داخل السفارات من الاجراءات الديبلوماسية المتعارف عليها في جميع انحاء العالم، ولا يقتصر تكريم الفنانين على المهرجانات فقط. لكن التكريم داخل السفارة له دلالات وابعاد مختلفة عن التكريم في المهرجانات. فتكريم فناني دولة ما داخل سفارة اجنبية في بلدهم هو سياسة قوة ناعمة من تلك الدولة، فبينما تركز المهرجانات على التقييم المهني للمنجز الفني، تركز السفارات على التأثير الثقافي، وتمرير رسائل سياسية. لذا على الفنانين توخي الحذر والتعامل بحرفية عالية وخصوصا من خلال تصريحاتهم، اذا ما تمت دعوتهم لسفارة من اجل تكريمهم.

هناك العديد من الفنانين ولظروف قاهرة تركوا بلدانهم ولجأوا الى بلدان أخرى، وفي تلك البلدان ولما قدموه من خدمة للفن نالوا جوائز كبيرة منها، لكنهم وطيلة فترة ابتعادهم عن اوطانهم كانت تلك الاوطان اولا وبعدها تأتي عقائدهم وايديولوجياتهم، فها هو الروائي والشاعر الالماني توماس مان الفار من المانيا النازية يرفض مقارنة وطنه باية عقيدة او آيديولوجية يقول: " حيثما اكون انا تكون الثقافة الالمانية" وهناك فنانون عرب كالمخرج السوري الراحل حاتم علي تميز بالترفع الكامل عن الاستقطاب الطائفي والسياسي، ولم يخرج في لقاء تلفزيوني حتى وفاته ليقارن بين وطن وعقيدة، وهو لليوم يحظى باحترام السوريين بمختلف توجهاتهم السياسية وعقائدهم.

عراقيا هناك مطرب الشعب فؤاد سالم وايقونة المسرح الفنانة زينب وعيون المسرح العراقي الفناة ناهدة الرماح، والملحنين كوكب حمزة وطالب غالي وكمال السيد وحميد البصري وغيرهم العشرات ان لم يكن المئات من فنانين وكتاب وروائيين، هؤلاء الفنانين والمثقفين دفعوا اثمانا باهضة من حريتهم وصحتهم وسنوات طويلة في عيشهم بعيدين عن وطنهم، لكنهم لم يغنوا او يلحنوا او يمثلوا او يكتبوا للطاغية، وعلى الرغم من وطنيتهم ونقائهم وامتلاكهم عقيدة وآيديولوجية فكرية، الا ان بلدهم لا عقيدتهم بقى فنارا يهتدون به لغد اجمل لشعبهم. هؤلاء ستبقى اسماؤهم خالدة في وجدان وضمير شعبنا، فشعبنا والتاريخ سيكرمهم كونهم لم يطالبوا بتكريم من اية جهة، ليبحثوا بعدها عن تبرير عقائدي وآيديولوجي لذلك التكريم. الفنان والمثقف الحقيقي والملتزم بقضايا شعبه ووطنه، أي الفنان واالمثقف العضوي يرفض دعوة لتكريمه من قبل سفارة او حكومة معينة خاصة ان كانت هناك اشكالية في تلك العلاقة على المستوى الشعبي بين بلده والبلد الآخر، ليس لشيء بل لقطع الطريق امام تسييس الفن وابعاده عن الصراعات السياسية بين البلدان. فإن كرم كل فنان او مثقف من سفارة ما ودافع عنها باسم العقيدة، سيأتي فنان ومثقف آخر مغاير له بالعقيدة ليكرم من سفارة غيرها ويدافع عن تكريمه بأسم العقيدة ايضا، وحينها يضيع الوطن بين سفارة مانا وسفارة حانا.

الوطن هو الأم التي تتربى في حضنها عقائد وآيديولوجيات وأديان وأعراق ومذاهب مختلفة، وحينما يتعرض الوطن للخطر هناك الملايين ممن لا يمتلكون عقائد وآيديولوجيات يهبون للدفاع عن تلك الأم، وهنا تكون النقطة الفاصلة بين الوطن والعقيدة، فالوطن المشترك ثابت والعقيدة متغيرة.



#زكي_رضا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوطن بين -ابناء السفارات- وابناء السفارة
- من هم الكفّار حقا وصدقا ...؟
- لماذا يثور إيلوان ويصمت عبد الزهرة..
- العراق بين حكم السنة -التتار- والشيعة -المغول-.. نفس العضة و ...
- الحوار بالعراق ، ايراني عراقي وليس عراقي عراقي
- انهاء الوجود العسكري، قد...انهاء الوجود الأمني، لا
- ترامب يستفيد من تجربة نوري المالكي للفوز بالأنتخابات
- الولائيون وازدواجية المواقف.. المرجعية وموقفها ممّا يجري بال ...
- كلمة العامري بالنجف.. الاعتراف سيد الادلة
- فلوس عبد الزهرة
- الكتاب بين بغداد وبراغ
- إيران والحرب الهجينة بالعراق
- حزب الدعوة الإسلامية ودوره في ترسيخ الفساد في عراق المحاصصة
- الفساد لا يُحارب في السر
- 14 تموز 1958 حدث غيّر مسار العراق
- 14 تموز 1958 حدث غيّر مسار العراق
- الفساد لا يكشفه المواطن... بل تكشفه الدولة
- 7x7 منطق الثأر الطائفي... أم عدالة تشمل الجميع؟
- بعد فضيحة الجميلي: العراق بحاجة الى بديل ديمقراطي
- الصراع الطبقي وإنتاج الوعي قراءة في دور المؤسسات الثقافية لل ...


المزيد.....




- عبدول السيد يعتمد على -الأدرينالين والكافيين- في معركة الفوز ...
- المفوضية الأوروبية تبحث إعادة إعمار أوكرانيا بعد انتهاء الحر ...
- دميترييف: الإعلام البريطاني أضعف موقف ترامب قبل انتخابات الت ...
- بين الاحتفاء والهجوم.. لماذا تباينت ردود فعل المصريين على فو ...
- العثور على نائب رئيس حكومة بافاريا جثة هامدة في فندق ببرلين ...
- المستشار الألماني: هيمنة ترامب السياسية مستمرة رغم هزيمة الج ...
- رئيس الأركان الإسرائيلي يهدّد حزب الله.. ويُعلن عن توجّه لتو ...
- هزيمة الجمهوريين تلاحق بيت هيغسيث.. هل يطيح ترامب بوزير الحر ...
- على وقع خسارة الجمهوريين في انتخابات الكونغرس.. إيران تحيي ذ ...
- حزب القائمة العربية الموحّدة يوصي بتكليف آيزنكوت لتشكيل الحك ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زكي رضا - الوطن أكبر من العقيدة .. الفن في حسابات القوة الناعمة