|
|
الولائيون وازدواجية المواقف.. المرجعية وموقفها ممّا يجري بالعراق
زكي رضا
الحوار المتمدن-العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 02:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
التقليد في الفقه الشيعي، هو العودة الى المرجع الديني والعمل بفتواه في ما يخص الأحكام الشرعية. وهذا الأمر واضح في تعريف عدد من كبار فقهاء الشيعة الإمامية، كالسيد أبو القاسم الخوئي الذي عرّف التقليد بأنه الاستناد إلى قول المجتهد في مقام العمل، بينما يعرّفه السيد علي السيستاني بأنه العمل وفق فتوى المجتهد في الأحكام الدينية. وعليه فأن التقليد يتعلق بشكل كبير جدا بالأحكام الشرعية، كالعبادات والمعاملات وسائر المسائل الفقهية التي يحتاج فيها الشيعي إلى معرفة الأحكام الشرعية في حياته العملية. وبمعنى آخر فأن هناك فرق بين التقليد الفقهي والمواقف السياسية للمرجع الديني، أو وبشكل أكثر دقّة، فأن تقليد مرجع ما لا يعني قبول واتباع مواقفه السياسية. والسؤال الذي ينبغي طرحه على الولائيين في العراق هو ليس، مَن تقلدون؟ بل لماذا تتعاملون مع مواقف المرجعية بصورة انتقائية؟
إذا كان الولائيون يستندون إلى مرجعية السيد السيستاني في بعض مواقفهم كحشد الناس للذهاب الى صناديق الاقتراع كما جرى في اول انتخابات بالبلاد، او اثناء كتابة الدستور فلماذا لا يلتزمون بمواقفه الأخرى، ولا سيما في موقف المرجعية من الفساد وحصر السلاح بيد الدولة؟ وإذا كان ولائهم السياسي والفكري مرتبطً بالمرشد في إيران، فلماذا يستندون إلى موقف مرجعية النجف عندما تخدم نظرتهم للأحداث بالبلاد، ثم يتجاهلون مواقفها حينما تتعارض مع مشروعهم السياسي .
أن ولاية الفقيه بصيغتها التي أقام عليها الخميني النظام السياسي الإيراني، لم تكن مجرد مرجعية دينية فقط، بل نظرية في الحكم تمنح الفقيه اعلى سلطة سياسية ودستورية بالبلاد. الا ان مرجعية النجف وفي اتجاهها الفقهي والسياسي، لم تتبنَّى هذه النظرية بوصفها نظام للحكم.. والسؤال للولائيين هنا هو، كيف ترفعون شعار الولاء للعراق والدفاع عن مصالح شعبه ووحدة ترابه وأستقلاله، وانتم تتعاملون مع ولي الفقية في ايران باعتباره صاحب الولاية السياسية!؟ في الوقت الذي أنتم اتباع بلد هو العراق، والذي كما المتعارف عليه بين البلدان المستقلة ، يجب ان يكون بلد مستقل له قراره السياسي المستقل ومؤسساته التي تعمل لصالح شعبه.
أيها السادة، هناك فرق بين المرجعية الدينية والولاية السياسية والتقليد والولاء، فحينما تتعارض المواقف السياسية ومصلحة البلاد واستقرارها وأمن المواطنين، مع المواقف الايرانية ومصلحة بلادها وأمن مواطنيها، سيكون السؤال وطنيا بامتياز، حول اولياتكم إن كانت عراقية ام ايرانية. بمعنى ادق، هل انتم مع مصلحة العراق وسيادته وابعاده عن تدخلات اقليمية تتعارض وهذه المصلحة، أم انتم مع الموقف الايراني ومصلحة بلادهم وشعبهم!؟
ولأننا تحدثنا عن عدم تدخل رجال الدين في الشأن السياسي، فسنقف امام سؤال يطرح نفسه بقوة، حول تدخل رجال الدين في الثورة الدستورية الايرانية اوائل القرن الماضي والمعروفة بالمشروطة، والتي قادها رجال دين منهم السيد محمد الطباطبائي والسيد عبدالله البهباني، وثورة السربداران (رؤوس على المشانق) التي قادها كلا من الشيخين خليفة المازندراني و حسن الجوري نهاية القرن الرابع عشر الميلادي. وتدخل رجال الدين في السياسة أثناء ثورة العشرين بشخص المرجع الديني الميرزا محمد تقي الشيرازي وغيره من رجال الدين في النجف وكربلاء وبقية المدن المقدسة. لكن علينا الأنتباه الى ان هذا الدور التاريخي لرجال الدين، لا يجب ان يتحول الى قاعدة سياسية وما يترتب عنها من وصاية على الدولة او حكمها.
فثورة العشرين كانت في سياق تاريخي، تمثل في الاحتلال البريطاني ومحاولة فرض نظام سياسي على العراق. وكذلك كانت الثورة الدستورية الإيرانية (المشروطة) صراعا تاريخيا حول الاستبداد والدستور وحدود السلطة. ومثلهما كانت ثورة السربداران ضد السلطة الايلخانية في آخر ايامها لملىء الفراغ السياسي وقتها.
عراقيا وبعد سيطرة تنظيم داعش الارهابي على ثلث مساحة البلاد وتهديد استقلال البلاد والامن المجتمعي، تدخلت مرجعية النجف بشخص السيد السيستاني واصدرت فتوى الجهاد الكفائي لمواجهته. وكان لهذه الفتوى تأثير كبير في حشد المتطوعين لمواجهة تنظيم داعش والدفاع عن المدن والمناطق التي كانت مهددة بالسقوط، كما ساهمت في تشكيل الحشد الشعبي الذي أصبح لاحقا جزء أساسي من المشهد الأمني والسياسي في العراق.
إذن فان تدخل رجال الدين في الشأن السياسي ليس بالامر الجديد، ولا يمكن القفز على الظروف التاريخية التي جاء تدخلها فيها من خلال ظروف استئناثية فرضها واقع سياسي حينها. فتدخل رجال الدين إن جاء كمواجهة ومقاومة لاحتلال اجنبي، او مقاومة الاستبداد او الدفاع عن الدولة في مواجهة خطر يهدد وجودها، كما حدث في مواجهة ومحاربة تنظيم داعش الارهابي، لا ينبغي ان يتحول الى قاعدة للحكم ولا مبرر لاحتكار سلطة تتجاوز مؤسسات الدولة ، كما هو الحال بالعراق اليوم. اذن فالمشكلة ليست في تدخل المرجعية في الشأن السياسي من حيث المبدأ، بل في متى تتدخل وكيف تتدخل وما حدود تدخلها. وماذا تفعل عندما ترى أن نتائج تدخلها السياسي السابق قد ساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إنتاج واقع سياسي لم يعد يخدم الدولة العراقية.
على المرجعية اليوم وبلدنا يمر بمعطفات سياسية حادة أن تتخذ موقفا واضحا وصريحا من القضايا المصيرية، دون ان تمسك العصا من الوسط كما قالت مرة. وذلك في أن لا تجعل الحسابات السياسية والتوازنات بين القوى المختلفة عائق أمام قول ما يجب قوله. فالأمر اليوم لم يعد متعلق بحكومة أو حزب أو تحالف سياسي، بل بمستقبل العراق وشكل الدولة، وان كانت قد تدخلت في الشأن السياسي عندما رأت أن مصلحة العراق تقتضي ذلك كما تقول، فعليها اليوم أن تستخدم نفس المنطق وبالوضوح والصراحة نفسها حينما يتعلق الأمر بسيادة الدولة وحصر السلاح بيدها واستقلال قرارها السياسي.
الناس لا يحتاجون إلى خطب رنانة و مفسرين لشرحها، فالخطب بل وحتى الفتاوى الدينية ليست نصوص مقدسة لا يجب مناقشتها ونقدها، واحترامنا للمرجعية الدينية لا تعني منحنا اياها العصمة السياسية ابدا. فالناس وفيهم الكثير من البسطاء والاتباع والمريدين بحاجة الى كلام مباشر وواضح من المرجعية لسحب البساط من تحت من يسرق المال العام، ومن يعتدي على مؤسسات الدولة ويستغلها لشؤون شخصية او حزبية، ومن يحتفظ بالسلاح خارج إطار الدولة، ومن يقدم ولاءه السياسي على مصلحة العراق وشعبه، هؤلاء جميعا مدانون ومتهمون ويجب محاسبتهم امام قضاء عادل ونزيه. وعلى المرجعية التي تدخلت في الشأن السياسي ، واستفادت قوى الإسلام السياسي من مكانتها ومواقفها وفتاواها، أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية في تصحيح ما خلفه تدخلها ذاك.
ومن المهم جدا وبعد تجربتنا المريرة مع مبدأ المحاصصة كوسيلة للحكم، وتجربتنا الاكثر مرارة مع الإسلام السياسي، أن لا تستمر المرجعية في التدخل بالشأن السياسي إلى ما لا نهاية. بل في تحديدها موقف واضح من القضايا التي تهدد أسس الدولة وأمنها وتطورها، وأن تساعد العراقيين على مختلف قومياتهم وأديانهم ومذاهبهم على إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة وسيادة القانون، وتعود إلى واجبها الديني في تعريف مريديها بالأحكام الشرعية والى دورها الأخلاقي في المجتمع. فالمرجعية تستطيع بل من واجبها أن تنصح وتوجه وتحذر، لكنها لا ينبغي أن تدير السياسة اليومية أو أن تكون سلطة فوق الدولة او ان تنحاز إلى جهة دون أخرى. أن أفضل ما يمكن أن تقدمه المرجعية للعراق هو مساعدتها في بناء دولة لا تحتاج إلى مرجعية دينية كي يدار بها البلد ولا إلى حزب ديني كي يحكم، ولا إلى فصيل مسلح كي يحميها.
ختاما نقول ان الامر لا يتعلق بالسيد السيستاني وحده ولا حتى بولي الفقيه في طهران، بل بالولائيين كون القضية هي بلد اسمه العراق. فأن تعارض الموقف الايراني مع المصلحة الوطنية العراقية، فلمن تكون الاولية يا ترى ايها السادة؟ وعندما يعارض فصيل مسلح قرار الدولة، فلمن تكون الغلبة؟ هذه الاسئلة التي يطرحها الشارع العراقي اليوم لا تحتاج الى فتوى من مرجع ديني، بل تحتاج الى مواقف وطنية وشجاعة في اتخاذها خدمة لمصالح شعبنا ووطننا. فالعراق لا يمكن ان يكون دولة في ظل تعدد الولاءات وتعدد مراكز اتخاذ القرار السياسي، التي هي اليوم موزعة بين "الدولة" والمرجعية والاحزاب الاسلامية والفصائل المسلحة، وبالعراقي الفصيح "صيف وشتا بفرد سطح".
وعندما تتعارض مصلحة العراق مع مصلحة إيران أو اي بلد آخر، يجب ان تكون الاجابة واضحة: العراق اولا. وعندما يتعارض قرار الدولة مع قرار الحزب او الفصيل المسلح، يجب ان تكون الغلبة للدولة والقانون لا الى غيرهما. فالوطنية لا تقاس بالشعارات، وانما بالمواقف عندما تتعارض المصالح. وان كان العراق وطنكم ايها السادة فالاجابة واضحة: العراق اولا.
عمّرت البلدان بحبّ الأوطان ...."الامام علي بن ابي طالب"
#زكي_رضا (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كلمة العامري بالنجف.. الاعتراف سيد الادلة
-
فلوس عبد الزهرة
-
الكتاب بين بغداد وبراغ
-
إيران والحرب الهجينة بالعراق
-
حزب الدعوة الإسلامية ودوره في ترسيخ الفساد في عراق المحاصصة
-
الفساد لا يُحارب في السر
-
14 تموز 1958 حدث غيّر مسار العراق
-
14 تموز 1958 حدث غيّر مسار العراق
-
الفساد لا يكشفه المواطن... بل تكشفه الدولة
-
7x7 منطق الثأر الطائفي... أم عدالة تشمل الجميع؟
-
بعد فضيحة الجميلي: العراق بحاجة الى بديل ديمقراطي
-
الصراع الطبقي وإنتاج الوعي قراءة في دور المؤسسات الثقافية لل
...
-
العراق بلد المناشدات
-
هل جلب عبدالكريم قاسم الشراگوه (*) إلى بغداد؟
-
الفساد بالعراق .. غزارة في الأنتاج وعدالة في التوزيع
-
آلهة المسخرة
-
الألف بعشرة أمثالها
-
لامين يامال في فوهة المدفع الإسرائيلي
-
أعطوني
-
التشوهات الاجتماعية والتعليمية والثقافية بالعراق بين التبعيث
...
المزيد.....
-
شاهد لحظة انفجار ضخم داخل قاعدة عسكرية في بوليفيا
-
مسؤول روسي يوجه رسالة لإدارة ترامب بشأن -الحقائق على الأرض-
...
-
شاهد.. ناجٍ يخرج حياً من نفق في نيبال بعد 10 أيام من الكارثة
...
-
هل يطفو؟ جولة داخل أول متحف مخصّص لفن السرد البصري
-
ملثمون يغلقون ميناء دوفر البريطاني (فيديو)
-
إعلام إيراني: ضربة أمريكية تستهدف ناقلة نفط قرب جزيرة خارك
-
ترامب يجهّز -شرق أوسط جديد- بعد الحرب.. السعودية وإيران وغزة
...
-
التاريخ الخفي وراء -موزة- ثمنها 6 ملايين دولار
-
ترامب بدل هرمز.. هل يعاني الرئيس الأمريكي من -النرجسية المكا
...
-
اليمن.. معارك طاحنة غرب تعز والطيران الحربي يدخل خط المواجهة
...
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|