أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زكي رضا - الصراع الطبقي وإنتاج الوعي قراءة في دور المؤسسات الثقافية للإسلاميين في العراق ومهمة اليسار في مواجهتها















المزيد.....

الصراع الطبقي وإنتاج الوعي قراءة في دور المؤسسات الثقافية للإسلاميين في العراق ومهمة اليسار في مواجهتها


زكي رضا

الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 02:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ينظر إلى الصراع الطبقي من أنّه صراع بين طبقات اجتماعية مختلفة تتنافس على الثروة ووسائل الإنتاج والسوق. ويتجلّى هذا الصراع بين عامل يبيع قوة عمله ورأسمالي يمتلك وسائل الأنتاج. غير أن حصر الصراع الطبقي في هذا البعد الاقتصادي وحده يُغفل جانبا آخر لا يقل أهمية في تشكيل المجتمع وتوجيه مساراته، وهو إنتاج الوعي والثقافة والمعرفة. أن المجتمعات المتقدمة اليوم لا تقوم على إنتاج السلع التي نحتاجها فقط، بل تقوم بإنتاج الأفكار والقيم. وإذا كان العامل ينتج سلعة نحتاجها في امورنا الحياتية اليومية، فإن المثقف والمعلم والكاتب والفنان والباحث والصحفي والشاعر ينتجون بدورهم سلعا تتمثل في المعرفة والثقافة والوعي. و نتاجات هؤلاء تؤثر في حياة الناس وسلوكهم، وقد يكون تأثيرها أعمق وأطول من أثر السلع التي ينتجها العامل.

نسنتج من هذا إن الصراع الطبقي لا يقتصر بالسيطرة على وسائل الإنتاج ، بل يمتد للسيطرة على وسائل إنتاج الوعي. فالمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية من مسرح وسينما وغيرهما فضاءات منحازة ومختلفة في توجهاتها وفق الجهة التي تمتلكها، كما يمتلك الرأسمالي وسائل الأنتاج ويحدد ما تنتجه وما يكسبه من بيعها. بمعنى آخر هو صراع بين قوى أجتماعية تتنافس من أجل ترسيخ مفاهيمها في السلطة والحياة العامة، أي ان أنتاج الثقافة ومعها الوعي يكون هدف لعملية انتاج السلطة وديمومتها والهيمنة عليها.

أنّ نفوذ القوى الاسلامية في العراق واسع ويمتد الى حضور سياسي فاعل ومؤثر في السلطة، وبرلماني كبير وميليشياوي حاضر كسلاح قمع كلما دعت الحاجة لأستخدامه. ونفوذها هذا لا يقتصر بتلك التي ذكرناها فقط، بل يمتد إلى شبكات واسعة من المؤسسات الإعلامية والدينية والثقافية والتعليمية والتربوية. فقد تمكنت الأحزاب والتيارات الإسلامية منذ هيمنتها على السلطة ونتيجة ثراءها الفاحش من بناء فضاءات مؤثرة تشمل القنوات الفضائية والإذاعات والصحف والسوشيال ميديا، علاوة على المدارس والجامعات الأهلية والمؤسسات الدينية والثقافية والاجتماعية. وتعتبر هذه المؤسسات أدوات فاعلة لإنتاج المعرفة التي يريدونها والرموز التي يراد عبادتها والقيم التي تسهم في تشكيل الوعي الاجتماعي وإعادة إنتاجه بصورة مستمرة، بما يخدم صراعهم مع غيرهم للاستمرار في السلطة.

أذن فأن هذه المؤسسات تعتبر وسائل إنتاج، فالجامعة رغم بؤس التعليم فيها لا تخرّج اكاديميين فقط، بل تساهم في تكوين رؤية معينة للمجتمع والدولة. والمدرسة لا تكتفي بتعليم الطلبة فقط رغم بؤسها هي الاخرى، بل تقوم ببناء منظومة من القيم والتصورات الأسلامية/ الطائفية خصوصا مع مناهج دراسية تضعها هذه الاحزاب. أما وسائل الإعلام الموجهّة فأنها تمنح الشرعية لبعض الأفكار والأحداث أكثر من غيرها وأحيانا دون غيرها. وهكذا تتحول الثقافة إلى ميدان للصراع لا يقل أهمية عن ميدان السياسة والاقتصاد.

أنّ الاسلاميين وهم يمتلكون هذه القوة السياسية وهذا الحضور الواسع داخل المجال الثقافي والتعليمي والإعلامي، لا يكتفون بالمنافسة على السلطة السياسية وهم يمتلكونها اليوم فعلا، بل يدخلون في منافسة أعمق وغاية بالأهمية والتي تتعلق بتشكيل الوعي. وهنا يصبح الصراع حول المناهج والخطاب الإعلامي والهوية الثقافية جزء من الصراع على النفوذ داخل المجتمع، بل ربما يصبح أكثر أهمية من الصراع الانتخابي نفسه الذي يعتبروه "ديموقراطيا"، كونه ينتج بضاعة سهلة التسويق في مجتمع منقسم دينيا طوائفيا وقوميا ويعاني من أزمة وعي.

ماذا عن اليسار العراقي الذي يعتبر واحد من اكثر المتضررين من هذا التحول السياسي والفكري والثقافي؟
اليسار الذي كان يمتلك حضور فاعل ومؤثر في الأوساط العمالية والطلابية والثقافية خلال مراحل تاريخية سابقة، نرى اليوم تراجع دوره في ميدان إنتاج الوعي علاوة على جماهيريته، لينحصر نشاطه في المواقف السياسية أو البيانات الاحتجاجية، في الوقت الذي نجحت فيه القوى الإسلامية من بناء مؤسسات اجتماعية وثقافية وتعليمية واسعة. وقد أدى هذا الاختلال إلى فقدان اليسار جزء كبير من قدرته على التأثير الجماهيري رغم سخط هذه الجماهير من الأوضاع السياسية والأقتصادية والأجتماعية السائدة اليوم.

إن أزمة اليسار العراقي لا تكمن فقط في ضعفه التنظيمي أو الانتخابي، ليس لأنه يخسر الأنتخابات قبل أن تجرى وتحسم عبر صناديق الأقتراع لأسباب تتعلق بآليات الأنتخابات فقط، بل كونها تحسم قبل كل شيء في المدرسة والجامعة ووسائل الأعلام وكل الفضاءات الثقافية، وحين يخسر اليسار هذه الأسلحة، فأن النتيجة هي ترك هذه الساحات الى الاسلاميين لصياغة الوعي الجمعي للمجتمع مثلما يشتهون ويريدون.

ولهذا فإن مهمة اليسار اليوم لا ينبغي أن تقتصر على نقد السلطة أو فضح الفساد أو المطالبة بالإصلاحات السياسية، ولا الذفاع عن مصالح الفقراء فقط، بل التحول من خطاب نخبوي الى خطاب يغوص في عقول الناس ليزرع فيها وعيا يستطيع من خلاله مواجهة السلطة فكريا وثقافيا كبوابة لمواجهة سياسية، إضافة الى ضرورة وحدته أو تنسيق المواقف وتجاوز نقاط الخلاف من أجل مواجهة عدو مسلح بالسلطة والمال والسلاح ومؤسستين تلعبان دورا بارزا في تغييب الوعي الجمعي، أي الدينية والعشائرية.

إن الصراع في العراق اليوم لا يدور حول من يحكم، بل حول من يملك القدرة على تشكيل وعي الأجيال القادمة. وإذا كان الإسلاميون قد نجحوا في بناء نفوذهم من خلال السيطرة على جزء مهم من فضاء إنتاج الوعي، فإن استعادة التوازن لن تتحقق إلا عندما ينجح اليسار والقوى الديموقراطية في بناء فضائهم الثقافي والمعرفي الخاص بهم، وتحويل الثقافة من هامش للعمل السياسي إلى قلبه النابض .

أنّ الأزمات التي يمر بها نظام المحاصصة تجعل تغييره ممكن لكن ليس بالسهولة التي نتوقعها، فهذه القوى ستدافع عن مصالحها بشراسة. فالأزمات والمشاكل التي سببها النظام القائم تعتبر أرضية لنضال القوى المتضررة من أجل تغيير اوضاع البلد، وعدم استغلال الفرص سيدفع ثمنها شعبنا واليسار والقوى الديموقراطية باهضا، ولنا تجارب عديدة في تفويت فرص تاريخية كانت كفيلة في ان يتجاوز شعبنا من خلالها محنه التي لازال يعيشها.

يقول غرامشي "العالم القديم يموت والعالم الجديد يكافح ليولد - الآن هو زمن الوحوش". لو عرّقنا مقولته نستطيع القول: أنّ العراق القديم يموت والعراق الجديد يكافح - الآن هو زمن الأسلاميين الذي على اليسار والقوى الديموقراطية ومن اجل مستقبل شعبنا ووطننا، أن يتفقّوا على اصغر القواسم المشتركة في مواجهتهم.


المادة من وحي قراءة لتراث غرامشي



#زكي_رضا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بلد المناشدات
- هل جلب عبدالكريم قاسم الشراگوه (*) إلى بغداد؟
- الفساد بالعراق .. غزارة في الأنتاج وعدالة في التوزيع
- آلهة المسخرة
- الألف بعشرة أمثالها
- لامين يامال في فوهة المدفع الإسرائيلي
- أعطوني
- التشوهات الاجتماعية والتعليمية والثقافية بالعراق بين التبعيث ...
- العراق بين إستعصاء سياسي وأستهتار سياسي
- لا توجد سلطة ملثّمة في العالم والعراق ليس استثناءا
- لماذا التذمر من زيارة قاآني لبغداد..؟
- ٩ نيسان بين نعال ابا تحسين والحواسم واحزابهم
- على اعتاب الذكرى الثانية والتسعين لتأسيس الحزب الشيوعي العرا ...
- جمهوريات وممالك الموز العربية
- جمعة مطلك -باحث- يحمل أدوات قمع
- اصطفاف المثقف الى جانب سلطة فاسدة .. بعض مثقفي العراق مثالا
- من صخرة تاربيان إلى أسطح حلب
- إعادة تدوير الفاشلين في الدولة العراقية
- محافظ البصرة ورجال دينها.. محتوى اكثر من هابط
- حين تتحول القوة إلى قانون.. البلطجة الأمريكية مثالا


المزيد.....




- حريق يلتهم ديراً تاريخياً في كييف عقب غارات روسية
- إيران تكشف عن أولويتها خلال المحادثات مع أمريكا بعد توقيع ال ...
- ترامب يعلن التوصل إلى اتفاق مع إيران.. إليك تفاصيله وموعد تو ...
- قادة عالميون يعلقون بعد التوصل إلى الاتفاق بين أمريكا وإيران ...
- مسؤولون إسرائيليون: نتنياهو أبلغ ترامب أن إسرائيل غير ملزمة ...
- دودون: الغرب وأوكرانيا حاولا فتح جبهة ثانية ضد روسيا في بريد ...
- ماكرون يحث على التنفيذ السريع للاتفاق بين واشنطن وطهران
- وزير الخارجية الباكستاني: الاتفاق الأمريكي الإيراني يبعث برس ...
- تلغراف: ترامب عدل شخصيا صياغة التعهد الإيراني بشأن المواد ال ...
- توترات أمنية في ريفي إدلب وحلب.. والداخلية السورية تدعو إلى ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زكي رضا - الصراع الطبقي وإنتاج الوعي قراءة في دور المؤسسات الثقافية للإسلاميين في العراق ومهمة اليسار في مواجهتها