أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زكي رضا - التشوهات الاجتماعية والتعليمية والثقافية بالعراق بين التبعيث والأسلمة















المزيد.....

التشوهات الاجتماعية والتعليمية والثقافية بالعراق بين التبعيث والأسلمة


زكي رضا

الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 13:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لقد عانى العراق كما بقية بلدان الشرق الأوسط من حكم أنظمة دكتاتورية، شوّهت البنى الأجتماعية والأقتصادية لبلدانها. لكنّه يختلف عن غالبيتها كونه البلد الأكثر تورطا بحروب داخلية وخارجية طويلة كما وأنّه حتى بداية القرن الحالي، كان البلد الوحيد الذي تعرض لأقسى حصار اقتصادي عرفه التاريخ الحديث. هذا الحصار دمّر البنى التحتية للبلاد، وتسبب في كوارث أنسانية كبيرة منها وفاة مئات آلاف الأطفال نتيجة قلّة الأدوية وسوء التغذية، والتي أي سوء التغذية عانى منها القسم الأكبر من الشعب العراقي.

لقد بدأت الكوارث الحقيقية التي تسببت بمعاناة العراقيين لليوم بشكل جدّي، منذ إستلام البعث للسلطة في العام 1968. فقد دأب البعث على فرض قيادته على الدولة والمجتمع، من خلال تبعيث المجتمع العراقي وكل مرافق الدولة ومؤسساتها، إبتداءا بالقوّات المسلحة والعملية التعليمية. فمن الناحية العسكرية بدأ بتصفية الجيش العراقي من كل القادة الأكفاء الذين يشعر بخطرهم على نظامه، كما سنّ قوانين قاسية وصلت الى الاعدام بحق من يشتبه به في عضويته لتنظيم سياسي غير تنظيمه. وبدأ بتشكيل جيشه العقائدي، من خلال احتكار قبول الطلبة في الكليات والمعاهد العسكرية المختلفة بمنتسبي البعث فقط، سواء تلك المخصصة للجيش أو الشرطة. وبالتالي رأينا جيشا يساهم بقتل وقمع أبناء "شعبه"، بأساليب نابعة من أفكار وممارسات البعث الفاشية.

طبّق البعث نفس النهج الأحتكاري في مجال التعليم، فأبعد الكثير من الكفاءات التعليمية لرفضهم الأنظمام الى الحزب، وضيّق على من لم يستطع ابعاده لحاجته بداية حكمه لكوادر تعليمية لم تكن متوفرة عند البعثيين. وكما احتكر قبول الطلبة في الكليات والمعاهد العسكرية، احتكر قبول الطلبة في معاهد اعداد المعلمين والفنون الجميلة ، وكلية التربية الرياضية وهندسة النفط وغيرها الكثير، كما فرض سيطرته وهيمنته على البعثات الدراسية الى الخارج بأعضاءه فقط، دون الأخذ بنظر الاعتبار الكفاءة عند الطلبة المرشحين لتلك البعثات. لقد رسخ البعث مفهوم الولاء على الكفاءة في المدارس والجامعات من خلال تنظيم الاتحاد الوطني لطلبة العراق ، والذي كان جهاز تجسس حقيقي ساهم الى جانب تشويه المناهج التعليمية، في دمار العملية التربوية والتعليمية بالبلاد.

ثقافيا أحتكر النظام وقتها كل اجهزة الدولة الاعلامية والثقافية، من راديو وتلفزيون وصحافة ومؤسسات نشر. وقد لعبت كل هذه المؤسسات دورا كبيرا في ترسيخ ثقافة البعث الفاشية. وقد جرى التضييق على الصحافة غير البعثية، كالصحافة اليسارية الشيوعية والصحافة الكوردية أثناء ما سمّي وقتها بالجبهة الوطنية، ليتم ابعاد هذه الصحافة كليا عن حقل الصحافة العراقية بعد وصول صدام حسين للسلطة في العام 1979. وقد ساهمت وسائل الاعلام المختلفة في تمجيد الدكتاتور صدام حسين، من خلال نشر صوره يوميا في مختلف الصحف والمجلات العراقية، وإقامة التماثيل والجداريات له في كل مدينة وقرية عراقية. ونتيجة تشوه الفكر والثقافة، تحولت الأغاني والأناشيد ومنها المدرسية والعروض المسرحية الى مواد مبتذلة، زرعت ثقافة غير منتجة في بلد كان منتجا للوعي والثقافة قبل وصول البعث للسلطة.

كتهيئة لحروب النظام والتي استمرت حتى ساعة "انهياره" بإحتلال البلاد، شوّه النظام التركيبة الاجتماعية للشعب، من خلال العمالة الوافدة التي تكرّست بشكل كبير نتيجة الخسائر البشرية الكبيرة وغالبيتها من الشباب في حروبه العبثية، لتتجاوز الملايين. وكنتيجة منطقية لحروبه واثر الحصار والقمع المنظم ، بدأت مظاهر التفسخ الاجتماعي تظهر بوضوح في مجتمع كان قبل وصول البعث للسلطة، واحدا من اكثر المجتمعات الشرق اوسطية تماسكا من الناحية الاخلاقية والروابط العائلية.

أنّ التشوّهات التي أشرنا اليها والتي لازلنا نعيشها، انتجت انسانا عراقيا مأزوما، فإن كان البعث عمل على تشكيل المجتمع قسريا وفق نظرة قومية شوفينية، فأن الاسلام السياسي اعاد تشكيل المجتمع بتعبئته طائفيا، وفرض عبادة رموزه الدينية. وهنا لا يكون تبديل الآيديولوجيات، الا استمرارا في عملية التشويه. وإن كان البعث مشروع لصناعة مجتمع مفكك وخائف ، فأن الاسلام السياسي وليستمر في السلطة فأنّه رسّخ مشروع البعث نفسه، لذا نرى المجتمع العراقي اليوم لا زال يعاني من نفس امراض المجتمع عهد البعث، وأشد احيانا مقارنة بالواقع الاقتصادي للبلاد، وعدم وجود حصار اقتصادي او عقوبات دولية.

أن ما ورثه العراق من خراب في العهد البعثي بعد "أنهياره"، وبدلا من علاجه من حكومات ما بعد الاحتلال الأمريكي، تمّ تدويره بلغة جديدة. كما وأن سقوط الدولة البعثية إثر الاحتلال لم يفضي الى دولة مواطنة كان يتمناها شعبنا، بل انتقال من حكم الحزب العقائدي الواحد الى حكم احزاب تحتكر القومية والدين والطائفة والعشيرة. وأن كان الجيش عقائديا عهد البعث، فأّنه شبه غائب اليوم كون الميليشيات هي من تتحكم بالواقع العسكري، وهي طائفية حد النخاع. أما في مجال التعليم، فأن الاسلاميين دمرّوا التعليم بشكل ممنهج، ليس من خلال سوء الادارة وخصخصته فقط، بل من خلال تغييرهم للمناهج الدراسية بحسها الطائفي والديني. وأحتكروا ومعهم بقية قوى المحاصصة نتيجة ثرائهم على حساب المال العام، أجهزة الدعاية والاعلام والفضائيات في غسيل أدمغة العراقيين طائفيا وقوميا، ليستمروا بالسلطة، وكما البعث فأن سلطة اليوم تعمل على اقصاء القوى الوطنية العراقية عن المشهد السياسي بمختلف الاساليب "الشرعية" وغير الشرعية. وأن كانت حروب النظام "المنهار" وسياسة التبعيث قد ساهمت في تشويه البنى الاجتماعية للمجمتع العراقي، فأن الأحزاب الطائفية وسياسة الاسلمة والحرب الطائفية والخطاب الطائفي اليومي، ساهمت كما التبعيث في تدمير ما كان يجب أصلاحه من تشوهات، بل انتجت تشوهات جديدة في بنية المجتمع والدولة. لقد فرض البعث ومعه نظام المحاصصة اليوم هيمنتهما على مقاليد البلد، نتيجة الأقتصاد الريعي وعدم تنوع مصادر الدخل، ما ادى الى انهيار قطاعي الصناعة والزراعة، وما لهما من آثار سياسية تتعلق بدور النقابات العمالية وعدم فاعليتها، علاوة اشاعة البطالة وما لها من آثار على العلاقات الاجتماعية للفقراء والبسطاء من العمال والكادحين.


لقد انتقل شعبنا من طاعة القائد، الى طاعة الرمز . وأن تخلصنا من القمع باسم الوطن، فاننا سقطنا في فخ القمع باسم المقدس، وأن تخلصنا من عسكرة المجتمع، فاننا سقطنا في مذهبة المجتمع ان جاز التعبير. لذا وبكلمة اخرى، فاننا لم ننتقل من الاستبداد للحرية، بل انتقلنا من استبداد آيديولوجي الى استبداد مكوّناتي. والنتيجة ليست دولة فاشلة فقط، بل انسان مشوه، يقدّس المكوّن والعشيرة الذي ينتمي اليهما لغياب الدولة التي يجب ان تحميه.

أن مشكلتنا اليوم لا تنحصر في تغيير النظام "الاصلاح مزحة ثقيلة"، بل في كيفية أعادة بناء الانسان أجتماعيا. وهذا يحتاج الى نظام وطني ديموقراطي علماني، لا نظام محاصصة طائفي قومي منتج للازمات.



#زكي_رضا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بين إستعصاء سياسي وأستهتار سياسي
- لا توجد سلطة ملثّمة في العالم والعراق ليس استثناءا
- لماذا التذمر من زيارة قاآني لبغداد..؟
- ٩ نيسان بين نعال ابا تحسين والحواسم واحزابهم
- على اعتاب الذكرى الثانية والتسعين لتأسيس الحزب الشيوعي العرا ...
- جمهوريات وممالك الموز العربية
- جمعة مطلك -باحث- يحمل أدوات قمع
- اصطفاف المثقف الى جانب سلطة فاسدة .. بعض مثقفي العراق مثالا
- من صخرة تاربيان إلى أسطح حلب
- إعادة تدوير الفاشلين في الدولة العراقية
- محافظ البصرة ورجال دينها.. محتوى اكثر من هابط
- حين تتحول القوة إلى قانون.. البلطجة الأمريكية مثالا
- هنا عمدة يكنس… وببغداد سياسي ينهب ولا يخجل
- ثلاثية الخراب
- أسباب فشل القوى اليسارية والعلمانية والمدنية الديموقراطية في ...
- حين خسر الحلم
- العيد الوطني العراقي بين حقيقة تموز وكذبة تشرين
- العراق ... وطن يُدار بالفساد
- العمائم بين القداسة والدمار ..مشاريع إمبراطورية العمائم الأق ...
- اكبر قاعدة امريكية تحمي كل شيء ... الا مضيفها


المزيد.....




- السفير الأمريكي في تل أبيب يدعو دول الخليج لحسم موقفها بين إ ...
- مخاوف إسرائيلية من إبرام ترامب -اتفاقاً سيئاً- مع إيران
- تجمع 250000 حاج في مزار فاطيما بالبرتغال لقداس الشموع السنوي ...
- مجلس الشيوخ الأمريكي يرفض مجددا مشروع قرار لإنهاء الحرب مع إ ...
- إسرائيل تعلن قيام نتنياهو بزيارة سرية للإمارات وأبوظبي تنفي ...
- -يوروفيجين-... انقسامات أوروبية بسبب المشاركة الإسرائيلية
- هل قصفت السعودية مواقع جماعات مسلحة في العراق خلال الحرب مع ...
- فيروس هانتا..هل تطور شركة فايزر لقاحا مضادا؟
- باريس سان جرمان يحسم لقب الدوري الفرنسي للمرة الخامسة تواليا ...
- دروس 2021.. ما الذي انكشف عن إخفاق الجيش الإسرائيلي في -ضربة ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زكي رضا - التشوهات الاجتماعية والتعليمية والثقافية بالعراق بين التبعيث والأسلمة