أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زكي رضا - آلهة المسخرة














المزيد.....

آلهة المسخرة


زكي رضا

الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 15:35
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في فيلم "عريس من جهة امنية" للفنان عادل امام، لفت نظري حوار بينه وممثلة سألته عن أحد التماثيل المعروضة في بازار للتحف، فأجاب: أن التمثال هو للأله (بِسْ) وهو اله المسخرة عند المصريين القدماء. وعلى خلاف المصريين لم يكن لدى العراقيين القدماء اله مسخرة، لكن كان هناك ما يمكن ان نطلق عليه اسم ادب السخرية، كما بينت بعض النصوص المسمارية التي تناولت الهجاء لشخصيات كهنوتية وسياسية، كما وجدت من خلال التنقيبات الأثرية اختام اسطوانية تسخر كذلك من كهنة وملوك.

بعد مرور نحو ثلاثة آلاف عام على أنهيار حضارة العراق القديمة بإنهيار بابل عام 539 ق.م على يد كوروش الكبير، بدأت حضارة جديدة في بلاد وادي الرافدين، حضارة جاء بها محتل لا يتجاوز عمر دولته الحديثة بضعة قرون، فبدأت عهدها للأسف الشديد حضارة المسخرة. فالمسخرة اليوم هي جزء من الثقافة العراقية الهزيلة، وجزء اصيل من السياسة العراقية الفاسدة، وركن مهم من اركان الكهنة وهم يسوقون القطيع الى حيث ضياعه. التهريج اليوم نراه في الوزارات والبرلمان ودوائر الدولة ، نراه في الفضائيات والشوارع والاسواق، نراه في المستشفيات حيث طوابير المرضى والخالية من الأدوية، نحضرها في المدارس المكتظة بالطلبة، أو تلك الآيلة للسقوط. المهزلة نراها في الجامعات الاهلية التي تخرج اميين، نراها في طوابير من البشر المتعبين وهم ينتظرون في البرد القارس او الحر اللاهب، اسطوانة غاز في بلد يطفو على النفط والغاز.

الكوميديا السوداء، نراها في انتخابات لا تكتفي بعدم تغيير حال الناس، بل تكرّس ضياعهم وبلدهم. نرى العبث في تكرار مشهد سياسي يقوده ساسة فشلوا بإمتياز منذ اكثر من عقدين، واعترفوا بفشلهم، لكن الجمهور العبثي يرفض اعترافهم ويعتبرهم "تاج راس" وينتخبهم ليستمر هو بعبثه وهم بمسخرتهم. الأبتذال نراه بعبارة (مطلوب عشائريا) على جدران بيوت الناس، بعد أن دخل القانون غرفة العناية المركزة، ليخرج منه معافى في مضيف عشائري. الهزل والضحك يظهران في خطاب ديني يقدّس الفقر، بينما يتعامل معه الجائعون بوصفه فضيلة لا مأساة، فترى القوم يقدسون فقرهم بالصلاة على محمد وآل محمد.. !

المسخرة تتكرر في فاشينيست تلطم عسكريا بنعالها، لأنها تحمل تفويضا خضراويا يسمح لها بذلك. البؤس يتجلى في وجوه الموظفين الذين يستلمون رواتبهم كل 45 يوما، دون أن يعترضوا خوفا من محاسبتهم، والبؤس الأكبر تراه عند موظفي العقود الذين لا يستلمون رواتبهم لاشهر، وهم صامتون كابي الهول! أما البؤس الحقيقي فيتجلى على وجوه البسطاء والكادحين والعاطلين عن العمل، وعند الاطفال المتسربين من المدارس ويعملون عند تقاطعات المرور. الأبتذال باقبح صوره يظهر عندما يناشد الناس الفقراء ضمير من لا ضمائر لهم، فتعوض المطلب بمناشدة، وهذا ينسف واجبات الذين لا ضمائر لهم أي اركان الدولة من جهة، و يدل على ذل المناشدين من جهة ثانية.

المسخرة والكوميديا السوداء والعبث والهزل، نراها في من يعتقد أن صناديق الاقتراع التي يحمل من يسخر بالناس منذ اكثر من عقدين مفاتيحها، من انها الحل الامثل لانقاذ مغارتنا من قبضة علي بابا والـ 375 حرامي.
لم يكن للعراقيين القدماء إله للمسخرة، لكن أحفادهم بعد آلاف السنين اخترعوا آلهة للمسخرة. وهذا التحول يبدو كأخطر ما عرفته بلادنا، التي كانت يوما ما من أوائل من اخترع العجلة والكلمة ونظموا الري. لم تعد المسخرة في العراق اليوم حيث نظام المحاصصة الفاسد بحاجة إلى تمثال، لأنها صارت تمارس كحياة نعيشها، بلا رمز، بلا اسم، وبلا حاجة حتى إلى تفسير.

إن خطورة هذا النمط من المسخرة التي تكرسها السلطة لا تكمن في مظاهره التي نعيشها ونراها اليوم فقط، بل في قابليته للاستمرار دون مقاومة من الناس، حتى تصبح جزءا من الحياة اليومية. وعند هذه النقطة تحديدا، لا يعود السؤال عن أسباب المسخرة فقط، بل عن آليات تحولها إلى حالة طبيعية تحتاجها السلطة لتستمر في حكمها..

بالعودة الى بداية المقالة، فأن المغتصب وليس العريس بالعراق اليوم، قادم من جهة أمنية.



#زكي_رضا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الألف بعشرة أمثالها
- لامين يامال في فوهة المدفع الإسرائيلي
- أعطوني
- التشوهات الاجتماعية والتعليمية والثقافية بالعراق بين التبعيث ...
- العراق بين إستعصاء سياسي وأستهتار سياسي
- لا توجد سلطة ملثّمة في العالم والعراق ليس استثناءا
- لماذا التذمر من زيارة قاآني لبغداد..؟
- ٩ نيسان بين نعال ابا تحسين والحواسم واحزابهم
- على اعتاب الذكرى الثانية والتسعين لتأسيس الحزب الشيوعي العرا ...
- جمهوريات وممالك الموز العربية
- جمعة مطلك -باحث- يحمل أدوات قمع
- اصطفاف المثقف الى جانب سلطة فاسدة .. بعض مثقفي العراق مثالا
- من صخرة تاربيان إلى أسطح حلب
- إعادة تدوير الفاشلين في الدولة العراقية
- محافظ البصرة ورجال دينها.. محتوى اكثر من هابط
- حين تتحول القوة إلى قانون.. البلطجة الأمريكية مثالا
- هنا عمدة يكنس… وببغداد سياسي ينهب ولا يخجل
- ثلاثية الخراب
- أسباب فشل القوى اليسارية والعلمانية والمدنية الديموقراطية في ...
- حين خسر الحلم


المزيد.....




- لماذا تُبحر سفن الرحلات البحرية إلى وجهة وهمية لا تظهر على أ ...
- ردا على إغلاق -المركز الإسلامي-.. إيران تستدعي سفير ألمانيا ...
- تقارير: أموال وثروات ضخمة لملالي إيران في ألمانيا وأوروبا
- -أسطول غزة-: منع الوزير الإسرائيلي إيتمار بن غفير من دخول ال ...
- الطيران الخليجي يسجل أعلى معدلات التشغيل منذ اندلاع حرب إيرا ...
- سيارات كهربائية خارقة وإس يو في عربية.. أبرز مفاجآت السيارات ...
- مفاعلات الثوريوم.. التقنية التي تراهن على نووي أكثر أمانا
- عاجل | ترمب ينشر على منصة تروث سوشال خريطة إيران مظللة بالعل ...
- عامل صيانة يتغلب على ارتفاع أسعار الوقود بطريقة مبتكرة.. شاه ...
- ستة حيوانات نادرة من نوع اعتُقد أنه انقرض تبصر النور في حديق ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زكي رضا - آلهة المسخرة