أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زكي رضا - العراق بلد المناشدات














المزيد.....

العراق بلد المناشدات


زكي رضا

الحوار المتمدن-العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 00:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في بلاد الف ليلة وليلة وقصصها العجيبة توارثت الأجيال الروايات والأحداث، وظلم السلطان وتوسل الرعية حتى أصبح أستجداء الحاكم سُنّة في بلاد يلفّها الفقر والفساد وأنعدام الخدمات. أننا ورثة تلك القصص الخيالية بما فيها من أساطير حول نزول الحاكم الى أزقة المدينة متنكرا ليتعرف على أوضاع رعيته، عكس حكامنا اليوم الذين يتنجسون من رعيتهم فتراهم في قصورهم الفخمة، وإن خرجوا منها لأمر شخصي، تراهم يخرجون بأرتال من السيارات المصفحة وجيش من الحمايات. الحاكم عهد الف ليلة ليلة كان لديه ديوان للمظالم، يستمع فيه لشكوى الرعية في ايام معينة، لكن كانت هناك ظاهرة مستمرة لليوم وهي مناشدة الرعية له في امر ما، واكبر مناشدة نقلها لنا التاريخ كانت مناشدة إمرأة عمورية للمعتصم بالله العباسي.

لأن العدل عندنا شبه معدوم، والقضاء لعبة بيد الحكام، وليس هناك ديوان مظالم لمتابعة مشاكل الناس، أرى إننا لسنا بحاجة الى وزارات ومؤسسات رقابية وجهات تنفيذية كالتي عندنا اليوم، وأختصارها بوزراة واحدة نطلق عليها اسم (وزارة المناشدات). هذه الوزارة ستكون الأكثر نشاطا وتأثيرا في الحياة العامّة، فالرعيّة اليوم استبدلت المطالبة بحقوقها التي يقرّها القانون والدستور، بالمناشدات عوضا عن التظاهر والاعتصام والأنتفاض ضد القهر والفساد وانعدام الخدمات.

انقطعت الكهرباء؟ نناشد.
اختفت المياه؟ نناشد.
انهار الشارع؟ نناشد.
امتلأت المستشفيات بالمرضى ونفدت الأدوية؟ نناشد.
الموظف يطلب رشوة؟ نناشد
ازمة بنزين في بلد النفط؟ نناشد
طفحت المجاري؟ نناشد
الطلبة يتكدسون كالبالات في صفوف مهملة؟ نناشد
مقاول تطالبه ميليشيا بحصة من المشروع ورشوة لتسهيل امره؟ يناشد
تاجر بضاعته رهينة سجون النقاط الحدودية؟ يناشد
ارملة تطالب بحق الرعاية الاجتماعية؟ تناشد

أصبح المواطن لا يبدأ يومه بمناشدة خالقه، بل بمناشدة مسؤول، ولا ينهيه إلا بمناشدة مسؤول آخر.
والأجمل من ذلك أن المسؤول نفسه، الذي يُفترض أنه مسؤول عن حل المشكلة، يتحول إلى بطل المناشدة. فيناشد المواطن المسؤول، ثم يناشد المسؤول جهة أخرى، ثم تناشد الجهة الأخرى لجنةً ما، حتى تضيع المشكلة بين المناشدات وكأنها رسالة تائهة في صندوق بريد قديم.

في الدول التي تحترم شعوبها وتحترم الشعوب بلدانها، يطالب المواطن بحقه لأن الخدمات حق. أما عندنا، فيبدو أن الحصول على أبسط الخدمات يحتاج إلى مهارات في كتابة المناشدات أكثر مما يحتاج إلى وجود مؤسسات تعمل. ولو استمر الحال على هذا المنوال، فقد يأتي يوم تصبح فيه المناشدة مادة دراسية رسمية، يتعلم فيها الطلاب كيفية صياغة الرجاء والمناشدة بأرقى الأساليب اللغوية، لأن مستقبلهم سيعتمد عليها أكثر من اعتماده على الدراسة وطريقها للنجاح

وهكذا تبقى البلاد سائرة بثبات نحو إنجاز تاريخي فريد، وهو تحويل المواطنين من اصحاب حقوق إلى محترفين مهرة في فن الاستجداء والمناشدة. والمفارقة التي لا تخلو من سخرية انني وأنا أكتب هذه السطور منتقداً هذه الأوضاع الشاذة وثقافة المناشدات، وجدت نفسي ذات يوم مضطرا إلى مناشدة وزير الداخلية بشأن ما جرى لي في اروقة دوائر الجنسية لأثبات عراقيتي. وكما يحدث غالبا في بلاد المناشدات، لم تجد مناشدتي من يصغي إليها أو يلتفت لها.

عندها أدركت أن المشكلة ليست في ضعف المناشدة أو سوء صياغتها، بل في تحوّل المناشدة نفسها إلى بديل عن الحق، وإلى وسيلة يُطلب بها ما يفترض أن يكون مكفولا للمواطن بحكم القانون والدستور. ففي الدول التي تكون فيها المؤسسات فاعلة، يحصل المواطن على حقه لأنه حق، أما في بلاد المناشدات فإن الحق لا يكفي وحده، بل يحتاج إلى رجاء وتوسل وواسطة وحسن حظ. وبينما تستمر المناشدات في الصعود من المواطن إلى المسؤول، ومن المسؤول إلى جهة أخرى يبقى الوطن غارقاً في مشاكله، وتبقى حقوق الناس معلقة بانتظار مناشدة جديدة.

الحق يُنتزع بالقانون، أما هنا في بلادنا حيث الفساد والميليشيات والفتاوى، فالحق يُستجدى وإن لم يُستجدى ضاع.



#زكي_رضا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل جلب عبدالكريم قاسم الشراگوه (*) إلى بغداد؟
- الفساد بالعراق .. غزارة في الأنتاج وعدالة في التوزيع
- آلهة المسخرة
- الألف بعشرة أمثالها
- لامين يامال في فوهة المدفع الإسرائيلي
- أعطوني
- التشوهات الاجتماعية والتعليمية والثقافية بالعراق بين التبعيث ...
- العراق بين إستعصاء سياسي وأستهتار سياسي
- لا توجد سلطة ملثّمة في العالم والعراق ليس استثناءا
- لماذا التذمر من زيارة قاآني لبغداد..؟
- ٩ نيسان بين نعال ابا تحسين والحواسم واحزابهم
- على اعتاب الذكرى الثانية والتسعين لتأسيس الحزب الشيوعي العرا ...
- جمهوريات وممالك الموز العربية
- جمعة مطلك -باحث- يحمل أدوات قمع
- اصطفاف المثقف الى جانب سلطة فاسدة .. بعض مثقفي العراق مثالا
- من صخرة تاربيان إلى أسطح حلب
- إعادة تدوير الفاشلين في الدولة العراقية
- محافظ البصرة ورجال دينها.. محتوى اكثر من هابط
- حين تتحول القوة إلى قانون.. البلطجة الأمريكية مثالا
- هنا عمدة يكنس… وببغداد سياسي ينهب ولا يخجل


المزيد.....




- أول اتصال لنتنياهو مع ترامب بعد منشوره عن -دعم إسرائيل للاتف ...
- أنا أخصائية نفسية: تخلّوا عن الحميات القاسية وافعلوا هذا بدل ...
- إيران تنفي التوصل لاتفاق رغم تصريحات ترامب المتفائلة وإلغاء ...
- خارجية سلوفينيا تلغي حظر الدخول المفروض على نتنياهو واثنين م ...
- ترامب يكشف عن أكثر نقطة مهمة له وافقت عليها إيران
- أول رد رسمي إيراني على إعلان ترامب التوصل إلى اتفاق لوقف الح ...
- الولايات المتحدة تفرض عقوبات على شركة النفط والغاز الكوبية
- تعيين نائب وزير الداخلية البريطاني دان جارفيس بمنصب وزير الد ...
- وكالة -مهر-: دوي انفجار في البحر على بعد نحو كيلومترين من سا ...
- ترامب يفيد بتفاقم موضوع الأسمدة في الولايات المتحدة ويحدد ال ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زكي رضا - العراق بلد المناشدات