|
|
إيران والحرب الهجينة بالعراق
زكي رضا
الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 07:32
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم تعد الصراعات التي يشهدها العالم اليوم تُخاض بالوسائل العسكرية التقليدية كما في السابق لوحدها، بل أصبحت تعتمد على مجموعة واسعة من الأدوات السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية والأمنية والفضاء الالكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي، وتمتد أحيانا إلى المجال الديني. فالدول لم تعد بحاجة دائما إلى احتلال بلد ما لتحقيق مصالحها، بل بسعيها وعملها على بناء وترسيخ نفوذها من خلال التأثير في مؤسسات الدولة والمجتمع في البلد الذي يراد الهيمنة على قراره السياسي، كبوابة للهيمنة على مقدراته. وهذا ما يندرج ضمن مفهوم الحرب الهجينة، أي استخدام مزيج من الوسائل المختلفة لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى.
الا ان الحرب الهجينة لا تنجح لأن الطرف الخارجي أقوى من الطرف الداخلي فقط، كون القوى الخارجية مهما امتلكت من ثقل وقدرات وإمكانيات لا تستطيع بناء نفوذ كبير ودائم داخل دولة تمتلك مؤسسات قوية، وهوية وطنية ونظام سياسي قادرعلى احتكار القرار الوطني. وعليه فأن الحرب الهجينة تحتاج إلى بيئة داخلية تسمح لها بالعمل داخل الدولة المعنية. فضعف مؤسسات الدولة، والانقسامات السياسية والطائفية والقومية وانتشار الفساد وتعدد مراكز القوة، هي بمجموعها عوامل تساعد القوى الخارجية على بناء نفوذها وتحويله تدريجيا إلى جزء من البنية السياسية والاجتماعية لتلك الدولة، وإعادة تشكيل بيئتها الداخلية بما يخدم مصالحها.
وعليه فإن طبيعة النفوذ الإيراني في العراق وهو موضوع المقالة، لا يمكن أن تناولها كنظرة سياسية لعلاقة بين دولتين أو اختزالها في تأثيرات العامل الخارجي فقط، بل يجب النظر إليها بوصفها حالة تتداخل فيها أدوات الحرب الهجينة، مع ظروف داخلية ساعدت على تمدد هذا النفوذ وترسيخه.
في العراق الذي هو ساحة لتدخلات بلدان عدة إقليمية ودولية، فأن فهم طبيعة النفوذ الإيراني بالبلاد لا يجب النظر الى مساحته وتأثيره بعد الأحتلال الأمريكي في التاسع من نيسان 2003 فقط، بل بالعودة للثورة الأيرانية سنة 1979 وتغيير النظام الشاهنشاهي الى نظام اسلامي زلزل الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة، وظهور قوى اسلامية بدأت محاولة تكرار التجربة الأيرانية، ليس في العراق فقط بل وفي بلدان عربية وأسلامية مختلفة. وقد بدأت إيران بعد اندلاع الحرب العراقية الأيرانية على تحقيق أستثمار أستراتيجي طويل الأمد في بناءها تنظيمات أسلامية سياسية وعسكرية معارضة لنظام البعث، علاوة على رعايتها لتلك التي كانت قد تأسست قبل نجاح الثورة الايرانية.
يعتبر العام 2003 نقطة التحول الكبرى في تاريخ العراق الحديث، ليس بسبب سقوط النظام البعثي فقط، بل بسبب انهيار مؤسسات الدولة وإعادة بناء النظام السياسي على أسس جديدة، سيظهر لاحقا مدى ضررها على أوضاع بلدنا بشكل عام. أن حل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية وضعف عملية بناء مؤسسات الدولة، تسببت في خلق فراغ سياسي وأمني كبير، استغلته قوى داخلية وخارجية متعددة. كما أدى نظام المحاصصة الطائفية والقومية الذي تأسس بعد الاحتلال الأمريكي إلى تكريس الانتماءات الفرعية على حساب مفهوم المواطنة، كما الى ظهور قوى سياسية لها امتدادات خارجية أو فصائل مسلحة أو مصادر قوة مستقلة عن مؤسسات الدولة.
إن النفوذ الخارجي لا ينشأ فقط من قوة الطرف الخارجي، بل يحتاج إلى بيئة داخلية تسمح له بالتمدد والهيمنة . فالدولة الضعيفة التي تعاني من تعدد مراكز القرار، وغياب المؤسسات القادرة على فرض القانون والنظام، تصبح أكثر قابلية في أن تتحول إلى ساحة تنافس بين المشاريع الإقليمية والدولية. ولهذا فإن فهم النفوذ الإيراني في العراق لا يبدأ من إيران فقط، بل يبدأ كذلك من طبيعة تشكيل الدولة العراقية بعد عام 2003، ومن الظروف السياسية والاجتماعية التي جعلت بناء النفوذ الخارجي ومنه الإيراني ممكنا.
لم يكن العراق بعد عام 2003 ساحة لنفوذ دولة واحدة فقط، بل أصبح ساحة مفتوحة لتنافس العديد من القوى الإقليمية والدولية التي عملت ولازالت على حماية مصالحها، من خلال التأثير في طبيعة الأحداث داخله. فالولايات المتحدة، بوصفها القوة التي قادت عملية إسقاط النظام السابق، امتلكت نفوذا عسكريا وسياسيا واسعا في العراق، وساهمت بشكل كبير في رسم ملامح النظام السياسي الجديد بعد الاحتلال. كما أن دول إقليمية أخرى، كتركيا ودول الخليج عملت هي الاخرى، على بناء علاقات سياسية واقتصادية وأمنية مؤثرة داخل العراق، بما يخدم مصالحها المرتبطة بأمنها القومي .
أن التنافس الإقليمي والدولي في العراق لم يكن نتيجة عوامل خارجية فقط، بل نتيجة ضعف الدولة العراقية بعد 2003، وغياب رؤية وطنية قادرة على قيادة البلاد بما يحفظ استقلال قرارها السياسي. فالعراق، بحكم موقعه الجغرافي وثرواته، كان دائما جزء أساسي من توازنات المنطقة. وعندما تضعف الدولة وتفقد قدرتها على احتكار القرار، تصبح أراضيها ومؤسساتها مجالا مفتوحا لتنافس المشاريع المختلفة.
أن تناول النفوذ الإيراني في العراق لا يعني أنها كانت الطرف الوحيد الذي استخدم أدوات النفوذ، بل يعني تناول حالة محددة من حالات التأثير الخارجي. فإيران كما غيرها من القوى الأقليمية والدولية استخدمت أدوات سياسية واقتصادية وإعلامية وأمنية وغيرها لتحقيق مصالحها. لكن خصوصية الحالة الإيرانية تعود الى طبيعة العلاقة التاريخية والجغرافية والاجتماعية مع العراق والتي تستند الى علاقات ثقافية ودينية تمتد لمئات السنين، كما وأن النفوذ الإيراني لم يقتصر على العلاقات الرسمية بين الحكومتين، بل امتد إلى البنية السياسية العراقية التي تكونت خلال عقود، لتصبح بالنهاية جزء من النظام السياسي بعد عام 2003.
من الخطأ القول أن النفوذ الإيراني بدأ بعد انهيار النظام البعثي عام 2003 ، على الرغم من اهمية ذلك الانهيار في بسط نفوذ وتأثير مباشرين وواضحين للسياسة الايرانية بالعراق. لأن جذور الهيمنة تعود بالحقيقة الى فترة ما بعد نجاح الثورة الايرانية سنة 1979، وتطورت أكثر بعد أندلاع الحرب العراقية الايرانية التي امتدت لثمان سنوات. وقد أستثمرت إيران تلك الحرب في توطيد علاقاتها مع قوى أسلامية وغيرها من المعارضة العراقية كالتنظيمات الكردية، وفصائل مسلحة شاركت الجيش الأيراني في القتال من تلك التي ترعاها حلفائها في ليبيا وسوريا. وهدف إيران من كل هذا كان استراتيجيا وبعيد الأمد، ليضمن لها دور بارز وفعال في رسم مستقبل العراق لاحقا.
لعبت إيران دورا محوريا في تأسيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق عام 1982 بقيادة محمد باقر الحكيم، هذا المجلس الذي كان مظلة لقوى وشخصيات أسلامية مختلفة، من تلك التي كانت في صفوف معارضة نظام صدام حسين. أن تأسيس المجلس جاء في ظروف الحرب العراقية الإيرانية، حيث كانت إيران تسعى إلى دعم القوى العراقية المعارضة للنظام البعثي وقتها، وبناء إطار سياسي وتنظيمي لها. وقد مثل المجلس اولى المحاولات الايرانية في بناء تنظيم سياسي عراقي له قيادة سياسية وهيكل تنظيمي مهيأ للعمل في الداخل العراقي حين تتغير الظروف السياسية.
قبل أن يتولى محمد باقر الحكيم رئاسة المجلس، ولأن المجلس كان مشروعا أيرانيا اولا، فأن إيران عينت محمود هاشمي شاهروردي رئيسا له في دورته الأولى قبل أن يتولى الحكيم قيادته بعده. والشاهروردي كان شخصية سياسية أيرانية مرموقة وقتها، وشغل مناصب رفيعة في النظام، منها رئاسته للسلطة القضائية ، ورئيسا في مجمع تشخيص النظام، وعضوا في مجلس صيانة الدستور من قبل ولي الفقيه علي خامنائي. كما دعمت جناحا عسكريا تحت إسم منظمة بدر التي تشكلت من أسلاميين عراقيين معارضين للنظام البعثي ومن الأسرى العراقيين المعروفين بالتوابين وأعدادا من المهجرين العراقيين لإيران.
لقد تشكلت منظمة بدر بوصفها الجناح العسكري المرتبط بالمجلس الأعلى، لتصبح إحدى أبرز الأدوات العسكرية التي ارتبطت بالمشروع السياسي للمجلس. وتلقت الدعم والتدريب والتسليح في معسكرات تابعة للجيش والحرس الثوري الأيرانيين، وشاركت خلال الحرب العراقية الإيرانية إلى جانب القوات الإيرانية ضد الجيش العراقي. وقد شكلت تجربة منظمة بدر مرحلة مهمة في بناء علاقات مميزة بين إيران وهذه القوى العراقية، ولم تقتصر تلك العلاقات على الجانب العسكري، بل تحولت بعد عام 2003 إلى قوة سياسية وأمنية مؤثرة داخل العراق. ولم تكتفي إيران بالمجلس والجناح العسكري لها، بل نسجت علاقات وطيدة مع تنظيمات وشخصيات سياسية شيعية، والتي ساهمت ببناء شبكة علاقات واسعة وحضور مؤثر بعد أنهيار النظام البعثي.
وهنا تتجلى أهم خصائص الحرب الهجينة، فبناء النفوذ ليس بالضرورة أن يبدأ لحظة التدخل المباشر، بل يسبقها بسنوات قد تكون طويلة، عن طريق أنشاء شبكات سياسية وأقتصادية وثقافية قادرة على العمل حين تحين ظروف نشاطها وعملها، وهذا ما حصل بعد أنهيار النظام السابق عام 2003 . ودخول هذه القوى الى المشهد السياسي لم يأتي من فراغ، بل بوجود تنظيمات جاهزة للعمل ومتسلحة بتحربة عسكرية وسياسية، وشبكة علاقات أجتماعية واسعة.
تعتبر الاحزاب والمنظمات السياسية وبنائها من أهم أدوات الحرب الهجينة، كونها تفسح المجال للقوى الخارجية بالتأثير داخل الدولة المستهدفة عبر قوى سياسية محلية، عوضا من الاعتماد على التدخل المباشر أو أستخدام القوة العسكرية. وبعد العام 2003، دخلت القوى السياسية الأسلامية الشيعية العراقية التي امتلكت علاقات تاريخية مع إيران، إلى النظام السياسي الجديد، حاملة ارث تنظيمي وسياسي طويل. لتصبح جزء أساسي من العملية السياسية، وشاركت في الحكومات والبرلمان ومؤسسات الدولة المختلفة وعلى أعلى المستويات.
العلاقات بين الأحزاب السياسية في البلدان المختلفة موجودة على مستوى العالم، وليست أمر غير طبيعي أو حالة شاذة. والعلاقات السياسية بين الأحزاب العراقية وإيران تدخل ضمن نفس هذا المفهوم ، لكن الأمر غير الطبيعي والأشكالية تظهر حينما تؤثر هذه العلاقات على القرار الوطني، أو حينما تكون الدولة المستهدفة تربط عن طريق هذه الأحزاب مصالح بلدها ببلدان أقليمية أو دولية. والحرب الهجينة لا تعني فرض الارادة السياسية بالقوة، بل عن طريق شبكات سياسية تسهل التدخل في الشؤون الداخلية والتأثير على القرار السياسي من الداخل، وهذا ما نجحت أيران في تطبيقه بالعراق، الذي ساعد ضعف المؤسسات وتعدد مراكز القوة فيه الى جعل البلاد جزء من توازنات أقليمية ودولية هو الحلقة الأضعف فيها.
تكمن خطورة النفوذ الإيراني في العراق ليس في امتلاكه أدوات متعددة للتأثير فقط، وإنما في نجاحه في ربط هذه الأدوات بفاعلين محليين أصبحوا جزءا من البنية السياسية والأمنية والاجتماعية العراقية. فالعلاقة لم تعد مجرد نفوذ دولة خارجية في دولة أخرى، بل أصبحت شبكة من العلاقات والمصالح والارتباطات التي تعمل من داخل النظام نفسه. وهذا ما يميز النفوذ القائم على أدوات الحرب الهجينة عن التدخل الخارجي التقليدي؛ إذ لا تحتاج القوة الخارجية إلى السيطرة المباشرة على الدولة، ما دامت قادرة على التأثير في عدد من مراكز القرار والقوة داخلها. وكلما أصبحت هذه العلاقات جزء من مؤسسات الدولة أو الأحزاب أو الفصائل المسلحة أو شبكات الاقتصاد والإعلام والمجتمع، أصبح فصل النفوذ الخارجي عن البنية الداخلية أكثر صعوبة، وأصبح تغييره مرتبطا بإعادة بناء الدولة ومؤسساتها وقدرتها على اتخاذ قرار وطني مستقل.
شهد العراق بعد عام 2003 ظهور وانتشار العديد من الفصائل المسلحة، وأعلن العديد منها ولائها لإيران ولولي الفقيه علنا، وأستفادات من أشكال مختلفة من الدعم الايراني عن طريق مستشارين للحرس الثوري، من الذين ساهموا نتيجة خبرتهم في المجال الأمني والعسكري بقمع أنتفاضة تشرين/ أكتوبر. ومن الضروري أيضا الاشارة الى الدور التي لعبته هذه الفصائل في مواجهة تنظيم داعش الأرهابي ودحره، بعد أن أصدر السيد السيستاني فتوى الجهاد الكفائي. لكن استمرار وجود فصائل مسلحة خارج سيطرة الدولة، يجردها (أي الدولة) من أحد اهم سماتها أي أحتكار السلاح، كما أن وجود حكومة وبرلمان ومؤسسات لوحدها لا تعني قيام دولة. وقد أشار توماس هوبز في معرض تعريفه الدولة واحتكارها لوسائل العنف من أن الأفراد (الشعب): "يتنازلون عن حقهم في استخدام القوة لصالح سلطة مركزية (الدولة) مقابل الحصول على الأمن والسلام ومنع الفوضى"، فيما ذهب ماكس فيبير الى ابعد من ذلك حينما عرف الدولة من أنها: "الجماعة التي تنجح في احتكار الاستخدام المشروع للعنف المادي داخل إقليمها". ومن خلال التعريفين نعود من جديد الى أن وجود فصائل مسلحة لها نفوذها وترتبط بمشاريع أجنبية، يضعف القرار الوطني وتعطي قوة أكبر للجهة الخارجية التي تستخدم هذه الفصائل كجزء مهم، في حماية مصالحها و تأثيرها على التوازنات السياسية داخل البلد المستهدف.
أن الحرب الهجينة تشمل كذلك المجال الاقتصادي، وفي الحالة العراقية فأن التنظيمات السياسية التي توالي إيران ، ومن خلال العلاقات الاقتصادية ومجال الطاقة الحيوي الذي عجز العراق عن ايجاد حلول كفيلة لمعالجته طيلة فترة ما بعد الاحتلال لليوم وغيرها، تحولت وتتحول الى مجالات تأثير في القرار السياسي العراقي من قبل إيران. أن الأشكالية في الملف الاقتصادي لا تكمن في طبيعة العلاقات الاقتصادية بين البلدين التي هي أمر طبيعي، خصوصا أنهما دولتان متجاورتان تربطهما علاقات متنوعة ومنها تاريخية. لكنها تكمن في طبيعة العلاقة والتفاوت الكبير في حجم التبادل التجاري، والذي هو لصالح إيران التي لها سوق واسعة بالعراق، الذي يعاني أصلا من أنهيار القطاعين الزراعي والصناعي، ويتخلف عن جميع دول المنطقة في ملف الطاقة الحيوي.
العلاقات الاقتصادية بين الدول أمر طبيعي، بل يمكن أن تكون عامل استقرار وتعاون عندما تقوم على أساس التكافؤ والمصالح المشتركة. وفي حالة العراق وايران وكونهما دولتان متجاورتان وتربطهما علاقات تاريخية طويلة، فمن الطبيعي أن تكون بينهما علاقات تجارية واقتصادية. لكن الإشكالية لا تكمن في وجود العلاقة الاقتصادية بحد ذاتها، بل في طبيعتها وتوازنها. فعندما تكون العلاقة قائمة على اعتماد طرف على آخر في قطاعات أساسية وحيوية، أو عندما يكون هناك تفاوت كبير بين حجم التبادل التجاري وقدرة طرف في التأثير على آخر، فإن الاقتصاد يمكن أن يتحول من مجال للتعاون إلى أداة من أدوات النفوذ والهيمنة، خصوصا وأن الأدوات السياسية الايرانية داخل العراق، تمنعه (أي العراق) من التوجه الى أسواق أخرى أو تعمل على عرقلة علاقاته الأقتصادية مع محيطة الأقليمي.
لو القينا نظرة بسيطة على حجم التبادل التجاري بين البلدين نرى أنه يميل لصالح ايران بشدة. فحسب تصريحات الأمين العام للغرفة التجارية الإيرانية العراقية جهان بخش شيرازي سنجابي "بلغ حجم التبادل التجاري بين العراق وإيران نحو 12 مليار دولار خلال عام 2024" ، مع إعلان الجانب الإيراني "تطلعه إلى رفعه إلى 15 مليار دولار العام 2026" . وفي المقابل، لم تتجاوز الصادرات العراقية إلى إيران سقف الـ 754 مليون دولار خلال العام نفسه، أن العلاقات غير المتوازنة هذه تمنح الاقتصاد الإيراني حضورا واسعا في السوق العراقية، خصوصا وان العراق يعاني من ضعف قطاعيه الزراعي والصناعي، واعتماده على الاستيراد في العديد مما يحتاجه سوقه، ومنها الطاقة.
واحدة من أخطر أشكال الحرب الهجينة، هي عملية تشكيل وعي جمعي ممكن السيطرة عليه ومن ثم توجيهه، بما يخدم مصالح الدولة التي تشن مثل هذه الحرب. وللدين مكانة خاصة في مجتمعنا، كما لعبت المؤسسة الدينية ومعها العشائرية أدوارا مختلفة في تاريخ العراق السياسي، وكان لها ثقلها نتيجة غياب الاحزاب بداية تشكيل الدولة العراقية، قبل أن يتراجع دورها بعد تشكيل الاحزاب الوطنية، وبناء مؤسسات حجّمت تأثير رجال الدين في الحياة السياسية والأجتماعية لاحقا، بعد سن قوانين مدنية بديلا عن "القوانين" النابعة من الفقه، وخصوصا في مجالات الزواج والارث والتعليم.
بعد العام 2003 لعبت المؤسسة الدينية كأطار للأحزاب والمنظمات الاسلامية وأذرعها العسكرية، وللعلاقة المذهبية بين العراق وايران ونتيجة نظام المحاصصة، وتقسيم المجتمع على اسس طائفية وعرقية، وما نتج عنها من حرب طائفية. فأن الحرب الهجينة أصبحت مرتبطة بالهوية والعقيدة، لتصبح أدوات تبرير لمشاريع سياسية تتقاطع ومصالح شعبنا ووطننا. وهنا وللأسف الشديد تحول الأنتماء الديني والمذهبي ليكون بديلا عن الانتماء الوطني، وهذا ما نلاحظه من ضعف هذا الأنتماء لدى شرائح من شعبنا، والتي لعب الأعلام من خلال عشرات الفضائيات، والمنابر والمناسبات الدينية، والمراقد والمزارات والتي تناسلت بشكل كبير بعد العام 2003، دورا كبيرا في ترسيخه. لذا فأن ما تفرزه الحرب الهجينة لا يكمن في تأثيرها في القرارات السياسية وتوجيهها حيث مصالح الدولة الخارجية فقط، بل يكمن ايضا بما هو أخطر ومستدام ، أي التأثير في العقل الجمعي وإن أمكن مصادرته، وهذا ما يحصل عند نسبة لا يستهان بها من أبناء العراق، لذا نرى إن النفوذ الايراني يبدو طبيعيا وليس عملا خارجيا على الرغم من الأشارات التي تشير الى التدخلات الايرانية في شؤون البلاد. أن مقاومة أي احتلال عسكري هو أسهل بكثير من محاربة نفوذ ديني وطائفي وثقافي له أرضية خصبة، وهذا ما ينطبق على التغلغل الايراني بشؤون البلاد. أن عملية أعادة بناء الدولة والهوية الوطنية ستتعقد وتطول أكثر، كلما بقي نظام المحاصصة الطائفية على قيد الحياة.
وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الالكتروني لهما مكانتهما المهمة في الحرب الهجينة، فالفضاء الالكتروني يعتبر عاملا مؤثرا في هذه الحرب. ونتيجة لما يمكن الاشارة اليه من توفير مجالات للحشد والتعبئة عن طريقها في العراق، نرى هناك دور كبير منحته ولاءات محلية لغرض بسط نفوذ قوى خارجية على القرار السياسي العراقي. أما وسائل التواصل الاجتماعي المحلية وكثرة منصاتها ومنها مئات الوهمية منها إن لم تكن اكثر، فانها لعبت وتلعب أدوارا تخريبية عند المنعطفات السياسية واثناء الانتخابات. فهذه المنصات تغرق الفضاء الالكتروني بمعلومات زائفة، أو تستخدم أساليب تسقيط تجاه من ينتقد سياسات اجنبية لتدخلها بشؤون البلاد، وخصوصا الأقليمية منها. وفي حالة الانقسام الطائفي التي تعيشها بلادنا، فان هذه المنصات قادرة على تعميق الخلافات السياسية وتحويلها الى خلافات مذهبية وصراع على الهوية، وهذا ما تحتاجه القوى الدولية والاقليمية تحديدا، لبسط نفوذها السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد.
إن تناول النفوذ الإيراني في العراق لا يعني تجاهل أدوار القوى الإقليمية والدولية الأخرى. فالعراق بعد عام 2003 أصبح ساحة تنافس بين مشاريع متعددة ولم يكن النفوذ الإيراني الحالة الوحيدة في هذا المجال فالولايات المتحدة مارست نفوذ واسع، سياسي وعسكري بعد إسقاط النظام السابق وكانت لها اليد الطولى في بناء النظام السياسي بعد احتلالها للبلاد في العام 2003 . ولتركيا ودول الخليج وقوى اقليمية ودولية اخرى تأثيرات مختلفة على السياسة العراقية واقتصادها. وهذا لا يعني قوة القوى الدولية والاقليمية فقط، بل ضعف الدولة العراقية ومؤسساتها. ويبقى النفوذ الايراني هو الاكثر عمقا ووضوحا، نتيجة التشابك التاريخي والجغرافي والاجتماعي، ودور التنظيمات السياسية وشبه العسكرية التي تأسست بعضها في ايران كما اسلفنا، والتي أمست جزء من بنية النظام السياسي الرئيسية والمؤثرة.
إن العراق بحاجة قبل كل شيء إلى حكومة قوية تضع مصالح شعبنا ووطننا فوق مصالح الأحزاب والمحاور الخارجية. حكومة قادرة على بناء دولة تمتلك القرار السياسي الوطني المستقل، وقادرة على أن تلعب دورا جيوسياسيا فاعلا في منطقة هو جزء فاعل في رسم مستقبلها..
لكن السؤال الصعب ليس: ما هو الحل؟ فالحل معروف حتى عند المواطن البسيط الذي عانى ويعاني من سياسات حكومات أفقرته وبلاده ، ونهبت ثرواته نتيجة الفساد المستشري بكل مفاصل الدولة. الحل هو: قيام دولة قوية، ومؤسسات مستقلة، وقرار وطني يضع مصالح البلاد في مقدمة برامجها. وهنا يأتي السؤال الأكثر صعوبة: من يمتلك القدرة السياسية على القيام بهذا الدور التاريخي في ظل ظروف العراق الحالية؟
إذن فالمشكلة ليست في غياب الأفكار أو عدم معرفة ما يحتاجه العراق وسبل خروجه من أزماته، بل في غياب القوى السياسية القادرة على تحويل هذه الحاجة الماسّة إلى مشروع دولة. فمعركة شعبنا الحقيقية لا تكمن في مواجهة التدخلات الاجنبية فقط، ، بل ببناء قوى وطنية عراقية تجعل الدولة هي المرجعية الأولى والأخيرة في القرار السياسي والأمني والاقتصادي.
وهنا يكمن السؤال الأكبر: هل يستطيع العراق إنتاج هذه القوة الوطنية التي تعيد له دوره الطبيعي في المنطقة وتبني البلاد وتضع حدا للفساد، أم يبقى ساحة لتنافس القوى الأقليمية والدولية؟
#زكي_رضا (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حزب الدعوة الإسلامية ودوره في ترسيخ الفساد في عراق المحاصصة
-
الفساد لا يُحارب في السر
-
14 تموز 1958 حدث غيّر مسار العراق
-
14 تموز 1958 حدث غيّر مسار العراق
-
الفساد لا يكشفه المواطن... بل تكشفه الدولة
-
7x7 منطق الثأر الطائفي... أم عدالة تشمل الجميع؟
-
بعد فضيحة الجميلي: العراق بحاجة الى بديل ديمقراطي
-
الصراع الطبقي وإنتاج الوعي قراءة في دور المؤسسات الثقافية لل
...
-
العراق بلد المناشدات
-
هل جلب عبدالكريم قاسم الشراگوه (*) إلى بغداد؟
-
الفساد بالعراق .. غزارة في الأنتاج وعدالة في التوزيع
-
آلهة المسخرة
-
الألف بعشرة أمثالها
-
لامين يامال في فوهة المدفع الإسرائيلي
-
أعطوني
-
التشوهات الاجتماعية والتعليمية والثقافية بالعراق بين التبعيث
...
-
العراق بين إستعصاء سياسي وأستهتار سياسي
-
لا توجد سلطة ملثّمة في العالم والعراق ليس استثناءا
-
لماذا التذمر من زيارة قاآني لبغداد..؟
-
٩ نيسان بين نعال ابا تحسين والحواسم واحزابهم
المزيد.....
-
وزير أمريكي يوضح لـCNN ملابسات حادث اقتراب طائرة من مروحية ت
...
-
تطرف الحزب الجمهوري الصارخ – إلى أين سيأخذ أمريكا؟
-
الولايات المتحدة وألمانيا تتعرضان للإذلال
-
شبكة النقل الأوراسية أفضل رد على ابتزاز الغرب البحري
-
روسيا لن تتوقف عن القصف: في أوكرانيا يحصون عدد الصواريخ الرو
...
-
Lava تطلق أحد أفضل هواتفها مدعوما بالذكاء الاصطناعي
-
دراسة أسترالية: مستخلص قصب السكر يخفض الكوليسترول الضار ويحس
...
-
علاج شائع للكوليسترول قد يساعدنا على التخلص من -المواد الكيم
...
-
ابتكار روسي يحول مخلفات النفط إلى مواد صناعية مفيدة
-
العلماء الروس يطورون مادة قد تحدث ثورة في عالم صناعة البطاري
...
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|