أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زكي رضا - فلوس عبد الزهرة















المزيد.....

فلوس عبد الزهرة


زكي رضا

الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 02:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كانت الركلات تنهال على جمع كبير من البشر الذين كانوا لكثرتهم ووقوفهم في الصحراء، كأنهم في يوم الحشر. لولا عيونهم المعصوبة، والكلمات البذيئة والسباب الصادرة من جنود الحرس الجمهوري. هذا الجمع تم إعتقاله بعد أن دكّت الدبابات والصواريخ مدينتي النجف وكربلاء وباقي مدن الجنوب، ولم تسلم من دنس القوات الحكومية مئذنة مرقد الأمام علي بن أبي طالب التي وشمتها الإطلاقات النارية، بعد أن دنّست بساطيل الحرس الجمهوري مرقده، وكذلك كان الحال في ضريحي ولديه الحسين والعباس في كربلاء.

في تلك الصحراء وقف مجرم يعطي أوامره واجبة التنفيذ، بقتل جميع المعتقلين ودفنهم في مقابر جماعية، كانت "شفلات" الحكومة قد هيأتها، أي المقابر قبل تنفيذ الأحكام. وما أن أنتهت حفلة الموت وغادرت الذئاب البشرية مسرح الجريمة، الى مسرح آخر لإتمام باقي فصول المجزرة، حتى كان هناك صبيا تخلص بمعجزة من الموت، يتسلل بحلول الظلام الى الصحراء دون وجهة محددة.

عاد الصبي وهو يرتجف في العراء في تلك الليلة وهو يسير على غير هدى حيث برد آذار "يخش بالعظم"، يفكر بتلك الأيام الكبيرة التي أجتاحت مدينته، وخاض فيها شبابها المعارك ضد القوى الأمنية، التي أستسلمت للثوار بعد معارك لم تدم طويلا، تلك القوى التي أذلّت الناس لعقود، وأستهترت بحياة شعب كامل ووطنه. وقف يستعيد منظر شبيبة مسلحة تهتف ضد نظام القهر "يا صدام شيل ايدك، شعب النجف ما يريدك" و "ماكو ولي إلا علي، نريد حاكم جعفري". و عادت به الذاكرة لمشهد أخيه مضرجا بدمائه وهو يهاجم مقر للحزب الفاشي، والى معمم يقود تلك الجموع صارخا عبر مكبرات صوت احدى المآذن "اليوم تحرر عبد الزهرة ومن اليوم عبد الزهره سيد نفسه وراح يعيش احسن عيشه"، ولكي تكون الجماهير اكثر انصياعا دغدغ مشاعرها بشعار "ماكو ولي إلا علي، نريد حاكم جعفري"، وليختم دعوته للجماهير التي كانت تلاحق فلول النظام في كل شارع وزقاق وبيت قائلا: غدا سيحكم عبد الزهرة، بعد أن عاش حياته بذل غدا ستبنى لعبد الزهرة المدارس والمستشفيات والمعامل في مدن الجنوب الفقيرة!

لم يدم مسير الصبي طويلا، حتى لاحت أضواء بعيدة، فخفّ نحوها وإذا بشارع وسيارة قادمة من بعيد فنزل عند ساتر ترابي يفكر، ماذا لو كانت السيارة التي إن توقفت تابعة للجيش أو لقوة أمنية، ولم يطل به التفكير لتعبه وجوعه، أن خرج إلى الشارع ملوحا لها. فخففت السيارة من سرعتها ووقفت بعيدة عنه قليلا، ليتأكد سائقها وهو الخائف أيضا من هوية الرجل، فإذا به يرى صبيا متعبا أشعث الشعر تبدو على ملامحه علامات الخوف والارهاق الشديد. أوصل السائق الصبي الى أقرب موقف للسيارات في أول مدينة صادفتهم، وودعه بعد منحه بعض النقود ليعود بها الى مدينته.

عاد الى مدينته، فإذا بها مقبرة لا تفرق بشيء عن مقبرة وادي السلام الا بكون موتاها يتنفسون. وفي طريقه الى بيته كان يرى الناس والصمت ظلّهم، والخوف يقفز من عيونهم كعصافير أرعبها الصيادون، والجلادين الذين عادوا بعد أن فرّوا منها كالجرذان المذعورة، اكثر بطشا وحقدا. كل شيء في مدينته التي كانت تعج بالحياة ميت، حتى المآذن كانت خرساء، وضريح الامام علي كان موحشا بعد أن هجره زواره.

لم تصدّق عائلته عودته، فأستقبلته بفرح مشوب بالحذر والخوف. ففي تلك الايام كانت حتى الجدران مرعوبة من وشاية لا تعرف مصدرها. لم يتحدث الصبي كثيرا عن الاهوال التي عاشها، بل كان دائم الصمت منطويا على نفسه، يشعر وكأن الموت قاب قوسين أو ادنى منه إن جاءهم ضيف ما ، أو سمع طرقا على باب البيت.

مرّت الأيام ببطء شديد، وبدت الحركة في المدينة التي فقدت زوارها قليلة. فالحصار الذي فرضته امريكا على العراق، فرضه النظام على الشعب الذي أحتضن الفقر والمرض والجوع والبطالة، لينال الصبي وغيره من الاولاد حصتهم من أثر الحصار، بتركهم مقاعد الدراسة والبحث عن عمل يساعدون به عوائلهم الفقيرة والمعدمة.

مرت الأيام والشهور والسنوات ثقيلة على الصبي والمدينة والبلاد، التي كان الخوف والموت يسيران جنبا الى جنب في كل نقطة منها، والصبي الذي أصبح شابا منكسرا نتيجة الفقر والذل، بات ينتظر أن تنتفض مدينته والبلاد بوجه الجلادين، ويمنّي النفس بقرب ذلك اليوم. وفي ذات فجر أستيقظ على أزيز الطائرات والحوامات في سماء المدينة، فانتابته موجة من الخوف وهو يتذكر تلك الأيام القاسية، فإذا بالمآذن تؤذن بأنهيار نظام القرية، وقيام سلطة جديدة تقودها امريكا في بغداد. فخرج والمدينة عن بكرة أبيها فرحين بنهاية طاغية، وفرحين أكثر، ومعمم يهتف بالناصرية ليصل هتافه الى مدينته وكل الجنوب "ماكو ولي الا علي وانريد حاكم جعفري".

الميليشيات التي قاتلت النظام أثناء حربه مع إيران عادت بأسلحتها الى البلاد، والعمائم والأحزاب التي رفعت شعار "ماكو ولي الا على ونريد حاكم جعفري"، هيمنت على السلطة من خلال نظام المحاصصة الطائفية القومية، وسارعت بكتابة دستور على مقاساتها. وعاد العراق بشكل تدريجي الى دورة اقتصادية كانت قد تلكأت بعد الحرب العراقية الايرانية، وللتوقف تقريبا بعد احتلال الكويت واعلان الحصار على العراق بموجب قرارات الامم المتحدة.

وصلت ميزانيات البلاد لاول مرة في عهد من كانت تهتف الجماهير خلفه "علي وياك علي"، الى اكثر من مئة مليار دولار، وحينها وقف الصبي الذي أطلق على نفسه أسم عبد الزهرة حالما بأنعتاقه من الفقر والمرض، في مقدمة الجماهير حاملا سلاحا دفاعا عن ذلك السيد والشيخ والسياسي، الذي سيعيد لعبد الزهرة كرامته ليعيش كما قال ذلك المعمم يوما "نخلي عبد الزهرة يعيش أحسن عيشه ويلعب بالفلوس لعب" .

اليوم يقف ذلك الصبي، ليستعيد شريط أفكاره، مفتشّا عمّن يفسر أحلامه التي ضاعت على ما يبدو، وهو يرى مدن عبد الزهرة لا زالت خرائب، وعبد الزهرة لا زال أميا ومريضا، ولا زال عبد الزهرة عاطلا ويبحث من جوعه في مكبات النفايات "وكاتله الحر". ليستيقظ على فساد سلطة "علي وياك علي"، ويرى الساسة والعمائم التي قدسّها تعيش خلف جدران محمية وتتنقل بسيارات مصفحة مظللة مستهزئة بعبد الزهرة وأبناء عبد الزهرة. وكانت صدمته لا تحتمل وهو يرى أموال عبد الزهرة مدفونة تحت الارض وفي جدران البيوت الفخمة، وفي علب الزيت والطرشي "المخلل"، وفي النهاية التي مات فيها كانت صرخته وهو يقرأ خبر الحكم على سيد جدّه رسول الله، رئيس الوقف الشيعي، الذي سرق اكثر من مئتي مليار دينار وعشرات العقارات التابعة للدولة ، بسنة واحدة مع وقف التنفيذ! بعد أن قارن الحكم الصادر بحق السيد أبن رسول الله، بمحاكمة طفل من السماوة سرق 4 علب مناديل ورقية، ليحكم عليه بسنة واحدة مع الشغل والنفاذ كما يقول اخوتنا المصريون، أقول كانت صرخته وهو يموت كمدا "چا وين فلوسك عبد الزهرة"؟



#زكي_رضا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الكتاب بين بغداد وبراغ
- إيران والحرب الهجينة بالعراق
- حزب الدعوة الإسلامية ودوره في ترسيخ الفساد في عراق المحاصصة
- الفساد لا يُحارب في السر
- 14 تموز 1958 حدث غيّر مسار العراق
- 14 تموز 1958 حدث غيّر مسار العراق
- الفساد لا يكشفه المواطن... بل تكشفه الدولة
- 7x7 منطق الثأر الطائفي... أم عدالة تشمل الجميع؟
- بعد فضيحة الجميلي: العراق بحاجة الى بديل ديمقراطي
- الصراع الطبقي وإنتاج الوعي قراءة في دور المؤسسات الثقافية لل ...
- العراق بلد المناشدات
- هل جلب عبدالكريم قاسم الشراگوه (*) إلى بغداد؟
- الفساد بالعراق .. غزارة في الأنتاج وعدالة في التوزيع
- آلهة المسخرة
- الألف بعشرة أمثالها
- لامين يامال في فوهة المدفع الإسرائيلي
- أعطوني
- التشوهات الاجتماعية والتعليمية والثقافية بالعراق بين التبعيث ...
- العراق بين إستعصاء سياسي وأستهتار سياسي
- لا توجد سلطة ملثّمة في العالم والعراق ليس استثناءا


المزيد.....




- سوريا.. عبدي يعلن حل -قسد- ودمجها في مؤسسات الدولة
- أردوغان: ليس لدينا أجندة خفية ولا يحق لأحد إملاء السياسة الخ ...
- برلماني أوروبي يصف زيلينسكي بالفاشي
- واشنطن تعرض 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن قادة في الحرس ا ...
- بسبب تداعيات الحرب.. عُمان وإيران تبحثان فتح ممر ملاحي مؤقت ...
- واشنطن تهدد بعزل من يتاجر مع إيران.. والعراق في دائرة الخطر ...
- موسكو: العلاقات الروسية العُمانية تشهد نشاطا ملحوظا في الآون ...
- مظلوم عبدي يعلن حل -قوات سوريا الديمقراطية- والإدارة الذاتية ...
- بعد كارثة الـ44 ضحية.. القضاء المصري يسدل الستار على قضية -ش ...
- حين تشتري دمشق حقوقها وهي ممتنة.. واشنطن تلغي تصنيف سوريا كد ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زكي رضا - فلوس عبد الزهرة