أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد حسن الساعدي - الريع النفطي… قيد السياسة ومصير الدولة














المزيد.....

الريع النفطي… قيد السياسة ومصير الدولة


محمد حسن الساعدي
(Mohammed hussan alsadi)


الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 08:26
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


العلاقة بين النفط والقرار السياسي في العراق ليست مجرد ارتباط اقتصادي تقليدي، بل هي علاقة وجودية تحدد مسار الدولة وتوجه خياراتها وتعيد صياغة موازين القوى داخلها، فالنفط في العراق ليس مورداً مالياً فحسب، بل هو أداة سلطة ووسيلة نفوذ ومرآة تكشف طبيعة النظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2003، إذ تحوّل النفط إلى شريان الحياة الذي يغذي الموازنة العامة ويحدد قدرة الدولة على الإنفاق، وفي الوقت نفسه أصبح سيفاً مسلطاً على القرار السياسي، يقيّد استقلاليته ويجعله رهينة لتقلبات السوق العالمية وضغوط الداخل والخارج
منذ أن ارتبط الاقتصاد العراقي بالريع النفطي، صار القرار السياسي محكوماً بميزان الأسعار العالمية، فإذا ارتفعت أسعار النفط تدفقت الأموال إلى خزينة الدولة وارتفعت قدرة السلطة على الإنفاق وتوسيع شبكات الولاء السياسي، أما إذا انخفضت الأسعار فإن الأزمة المالية تتحول إلى أزمة سياسية، حيث تتراجع قدرة الحكومة على دفع الرواتب وتمويل المشاريع وتغطية العجز، فينعكس ذلك مباشرة على استقرار النظام السياسي، وكأن النفط هو الذي يقرر مصير الحكومات أكثر مما يقرره الناخبون أو القوى السياسية
النفط أيضاً أعاد تشكيل طبيعة الدولة العراقية، فبدلاً من أن تكون دولة إنتاج وتنمية أصبحت دولة توزيع ريعي، تعتمد على تحويل الإيرادات النفطية إلى رواتب ومخصصات وإنفاق عام، وهذا النمط جعل القرار السياسي أسيراً لاعتبارات آنية، حيث ينشغل القادة بتوزيع الموارد أكثر من انشغالهم ببناء اقتصاد متنوع ومستدام، وهكذا صار القرار السياسي مرتهناً للنفط، يزدهر حين ترتفع الأسعار ويترنح حين تنخفض، وكأن الدولة نفسها تعيش على إيقاع السوق العالمية لا على إيقاع إرادتها الوطنية
العلاقة بين النفط والقرار السياسي لا تقف عند حدود الداخل، بل تمتد إلى الخارج، فالعراق الذي يعتمد على بيع النفط بالدولار يجد نفسه مرتبطاً بالولايات المتحدة وبالمؤسسات المالية الدولية، وأي توتر سياسي أو خلاف دبلوماسي ينعكس مباشرة على تدفق الإيرادات وعلى قدرة الدولة في إدارة مواردها، وهكذا يصبح القرار السياسي رهينة لمعادلات جيوسياسية تتجاوز حدود العراق، حيث يتحول النفط إلى ورقة ضغط تستخدمها القوى الكبرى لتوجيه سياسات بغداد، سواء عبر التحكم بالتحويلات المالية أو عبر فرض قيود على التعاملات المصرفية، مما يجعل استقلالية القرار السياسي مجرد شعار يصطدم بواقع التبعية الاقتصادية
النفط أيضاً خلق طبقة سياسية جديدة تستمد قوتها من السيطرة على موارد الدولة، فالأحزاب والقوى المتنفذة وجدت في الإيرادات النفطية وسيلة لتوسيع نفوذها عبر شبكات المحاصصة والزبائنية، فأصبح القرار السياسي محكوماً بمنطق توزيع الريع أكثر من منطق التخطيط الوطني، وهذا ما جعل السياسة في العراق تدور حول من يسيطر على الموازنة ومن يملك القدرة على توجيه الإنفاق، لا حول من يقدم برامج اقتصادية أو رؤى تنموية، وهكذا صار النفط هو الذي يحدد شكل التحالفات السياسية ويعيد رسم الخريطة الحزبية، وكأن السياسة نفسها تحولت إلى انعكاس مباشر لاقتصاد الريع
لكن هذه العلاقة الملتبسة بين النفط والقرار السياسي لم تخلُ من محاولات إصلاح، فقد سعت بعض الحكومات إلى تنويع مصادر الدخل وتطوير القطاعات الإنتاجية، إلا أن هذه المحاولات غالباً ما اصطدمت بجدار الواقع الريعي وبضغوط القوى السياسية التي تستفيد من استمرار الاعتماد على النفط، فكل محاولة للخروج من أسر النفط تعني تقليص نفوذ هذه القوى، ولذلك ظل الإصلاح الاقتصادي محدوداً وظلت السياسة أسيرة للنفط، وكأن العراق يعيش في دائرة مغلقة لا يستطيع كسرها
النفط أيضاً يفرض إيقاعه على المواطن، فحين ترتفع الأسعار يشعر الناس بوفرة نسبية في الرواتب والخدمات، وحين تنخفض يعيشون أزمة اقتصادية خانقة، وهذا التذبذب ينعكس على المزاج الشعبي ويؤثر في الاستقرار الاجتماعي، مما يجعل القرار السياسي محكوماً ليس فقط باعتبارات النخب بل أيضاً بردود فعل الشارع، وهكذا يصبح النفط عاملاً مزدوجاً، يغذي السلطة ويهددها في الوقت نفسه، يمنحها القدرة على السيطرة لكنه يضعها أمام اختبار دائم حين تتراجع الإيرادات
العلاقة بين النفط والقرار السياسي في العراق إذن هي علاقة أسر، فالنفط يقيد الدولة ويمنحها في الوقت نفسه، يفتح لها أبواب الإنفاق لكنه يغلق أمامها أبواب الاستقلالية، يجعلها قوية في لحظة وضعيفة في أخرى، يربطها بالأسواق العالمية ويجعلها عاجزة عن بناء اقتصاد داخلي متين، وإذا أراد العراق أن يتحرر من هذا الأسر فعليه أن يعيد صياغة بنيته الاقتصادية وأن يبني سياسة مالية متوازنة تدعم استقلالية القرار السياسي، وأن يحول النفط من أداة هيمنة إلى مورد تنموي، عندها فقط يمكن أن يصبح القرار السياسي انعكاساً لإرادة وطنية لا لإيقاع السوق العالمية
إن النفط في العراق ليس مجرد ثروة طبيعية، بل هو قدر سياسي، يحدد شكل الدولة ويعيد رسم ملامح السلطة ويقرر مصير المواطن، وإذا لم يتم التعامل معه برؤية استراتيجية شاملة فإنه سيظل مرآة لأزمات العراق البنيوية، وسيظل القرار السياسي أسيراً له، عاجزاً عن التحرر من قيوده، وكأن العراق يعيش في زمن النفط أكثر مما يعيش في زمن السياسة، زمن يفرض على الدولة أن تختار بين أن تكون رهينة للريع أو أن تتحرر نحو بناء اقتصاد متنوع ومستقل، وهذا هو التحدي الأكبر الذي سيحدد مستقبل العراق لعقود قادمة



#محمد_حسن_الساعدي (هاشتاغ)       Mohammed_hussan_alsadi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- معادلة الدينار العراقي والدولار…بين فكّ التضخم ورهان الإصلاح
- العراق بين مطرقة المحاصصة ورؤية التغيير.. مسارات الإصلاح وبن ...
- انسحاب واشنطن...العراق يستعيد قراره ويعيد رسم المنطقة
- العراق بين أسر النفط وحلم النهضة الاقتصادية.
- ملف مشكلة السلاح
- العراق في قلب العاصفة...من ساحة لتصفية الحسابات إلى جسر للحو ...
- حكومة الزيدي وصناعة القرار التاريخي بين الفوضى المحتملة وبنا ...
- حكومة الزيدي بين شرعية الدولة وفوضى السلاح
- الأزمات الاقتصادية في المنطقة...تهديد أم فرصة لإصلاح سياسي؟! ...
- حملة الفجر...ودق أبواب الجحيم!!
- الفساد في العراق...تفكيك البنية البنيوية وإمكانات الإصلاح ال ...
- -واشنطن وطهران بين التهدئة المؤقتة والمواجهة القادمة-
- حكومة الزيدي بين مطرقة السلاح وسندان الفساد
- العراق على صفيح ساخن !!
- قوة النظام السياسي العراقي وآليات التداول السلمي للسلطة في ظ ...
- الديمقراطية المؤجلة...سردية النظام السياسي العراقي بين الأصو ...
- النظام السياسي العراقي...فرص الإصلاح ومعوقات الاستقرار.
- تشكيل الحكومة العراقية ...دراسة في ديناميات التوافق السياسي ...
- الشرق الأوسط وتوازنات القوة.
- إسرائيل الكبرى بين الوهم السياسي والانعكاسات الجيوستراتيجية


المزيد.....




- أوباما يعلق ساخرًا على رد فعل ترامب بشأن تعليقه عن تصميم الب ...
- مراسل CNN يضغط على مرشحة جمهورية بشأن التصويت لصالح صلاحيات ...
- موسكو: محاولات الغرب لإفشال مشاركة دول إفريقية في القمة مع ر ...
- سيئول: كوريا الشمالية أطلقت نحو 12 صاروخا باليستيا قصير المد ...
- الدفاع الروسية: استهداف سفينة محملة بشحنات عسكرية أثناء توجه ...
- الإمارات تدعو إلى الحوار والحلول السياسية وسط تحذيرات من حمل ...
- مجتبى خامنئي برسالة إلى طلاب: تجهزوا بالعلم وأسهموا بتعزيز ق ...
- اليمن.. دعوات للتحقيق باستخدام الحوثي قذائف يشتبه باحتوائها ...
- الانتخابات الإسرائيلية.. ما هي خيارات آيزنكوت ونتنياهو ووضع ...
- في ظل التلويح بضرب إيران.. مصدر: هيغسيث يقيل مسؤولًا عسكريُّ ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد حسن الساعدي - الريع النفطي… قيد السياسة ومصير الدولة