محمود الصباغ
كاتب ومترجم
(Mahmoud Al Sabbagh)
الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 02:50
المحور:
القضية الفلسطينية
نيلز بيتر لامكه
ترجمة محمود الصباغ
استهلال
إسرءيل القديمة "حدوتة" أم "تاريخ"
تحتل مسألة كتابة تاريخ "إسرءيل القديمة" مكانة بارزة في الأكاديميا الغربية الحديثة، ولا سيما في الدراسات الكتابية وعلم الآثار وتاريخ الشرق الأدنى القديم. فمنذ القرن التاسع عشر، انشغل الباحثون-هناك- بفحص الروايات الكتابية ومقارنتها بالشواهد الأثرية والنقوش والمصادر القديمة، سعياً إلى إعادة بناء تاريخ "إسرءيل" كما تعرضه أسفار العهد القديم، والتحقق من مدى صلاحية هذه الأسفار كمصدر لتاريخ فلسطين القديمة.
ومع تطور مناهج النقد التاريخي، أخذت تيارات ودراسات عديدة تعيد النظر في تاريخية أحداث وردت في الرواية الكتابية، وفي الأسس التي استند إليها تصور تاريخ متصل لشعب "إسرءيل"، بدء من عصر الآباء وصولاُ إلى العودة من السبي مرورا بالخروج من مصر والتيه في البرية. وظل هذا التصور المفترض لوجود كيان تاريخي متصل حاضراً في جانب من تلك الدراسات، حتى حين أخضعت تفاصيلها للنقد والتمحيص.
وفي هذا السياق، ظهرت المدرسة التقليلية Minimalism التي ينتمي إليها الباحث الدنماركي نيلز بيتر لامكه، صاحب هذه المقالة.
وتنبت أهمية هذا الاتجاه من الأسئلة المنهجية التي طرحها -وما زال يطرحها- حول العلاقة بين النص الكتابي والتاريخ، وحول إمكانات استخدامه لإعادة بناء ماضي فلسطين القديمة. فهو يفتح النقاش على مسألة تتجاوز التحقق من وقوع أحداث بعينها، لتطال الرواية التاريخية الشاملة التي صاغتها أسفار العهد القديم، وفكرة التاريخ المتصل لشعب "إسرءيل" التي رسختها هذه الرواية في الدراسات الحديثة.
من هذا الافتراض تحديداً تنطلق مداخلة لامكه "في مشكلات إعادة بناء تاريخ إسرءيل (الفلسطيني) قبل العصر الهلنستي"، التي نُشرت للمرة الأولى في أواخر التسعينيات، ثم أُعيد نشرها ضمن أعماله في نقد الدراسات الكتابية.
يضع لامكه موضع المساءلة المنهج التاريخي النقدي الذي هيمن طويلاً على دراسة العهد القديم، ويرى أن الباحثين أنشأوا، من خلال قراءاتهم للنصوص الكتابية، عالماً تاريخياً خاصاً أطلقوا عليه اسم "إسرءيل القديمة"، ثم تعاملوا معه كما لو كان واقعاً تاريخياً يمكن إعادة بناء ماضيه من النصوص. وفي مقابل ذلك، يدعو إلى الاحتكام إلى الشواهد الأثرية والمصادر القديمة المستقلة عن الكتاب المقدس، وإلى إعادة النظر في صورة فلسطين القديمة التي أنتجتها الرواية الكتابية.
لا تنحصر أهمية هذه الأطروحة في التشكيك في تاريخية أحداث بعينها، مثل الخروج من مصر، وغزو كنعان، وإمبراطورية داود، وسليمان. فهذه النتائج، على أهميتها، تظل جزءً من سؤال أوسع: كيف نشأت الرواية التي جمعت أحداثاً وجماعات متباعدة في سردية واحدة، وقدّمتها بوصفها تاريخ شعب ذي هوية متصلة؟ وما الذي يبقى من هذا التاريخ حين لا يعود النص الكتابي مرجعاً موثوقاً لإعادة بنائه؟
إن إسقاط بعض حلقات الرواية لا يحسم بالضرورة السؤال المتعلق بالإطار التاريخي الذي جمعها، ولا يوضح وحده طبيعة العلاقة بين الجماعات التي حملت اسم "إسرءيل" في أزمنة مختلفة وبين الصورة الشاملة التي صاغتها النصوص اللاحقة. وهنا تتصل أطروحة لامكه بأعمال باحثين آخرين، من بينهم توماس طومسون وجون فان سيتيرز، وكيث ويتلام ممن أعادوا فحص العلاقة بين التأريخ الكتابي والوقائع التاريخية في فلسطين والشرق الأدنى القديم.
وحتى لو اختلفت منطلقات هؤلاء الباحثين وتفاصيل استنتاجاتهم، لكن أعمالهم تتيح طرح سؤال يتجاوز التمييز التقليدي بين الخبر التاريخي والإضافة الأدبية. بمعنى؛ هل يكفي تنقيح الرواية الكتابية من العناصر التي لا تسندها الشواهد كي نستعيد "تاريخ إسرءيل القديمة"، أم علينا أيضاً فحص مفهوم "إسرءيل القديمة" ذاته، والطريقة التي تحوّل بها إلى إطار ناظم لكتابة تاريخ فلسطين؟
يتطلب هذا السؤال التمييز بين شواهد تاريخية محددة، كالإشارات القديمة إلى جماعة تاريخية تحمل اسم "إسرءيل" أو إلى مملكة قديمة عُرفت بهذا الاسم، وبين تصور تاريخي أوسع يربط تلك الشواهد جميعاً بماضٍ قومي واحد، يبدأ بالآباء والخروج والغزو، ويمر بالمملكة الموحدة، وينتهي بالسبي والعودة. فوجود جماعة أو مملكة في زمن معين لا يثبت، بمفرده، أن الرواية التي تربطها بمراحل سابقة ولاحقة تسجل تاريخاً متصلاً. وبالمقابل، لا يغني التشكيك في تاريخية السردية الكتابية عن دراسة الشواهد التي تكشف عن مجتمعات فلسطين القديمة، وتطوراتها السياسية، والاجتماعية، والدينية.
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية خاصة في عالمنا العربي، حيث ظل الإنتاج المتخصص في نقد التأريخ الكتابي وتاريخ فلسطين القديم محدوداً، ولم يتراكم حوله تقليد بحثي واسع يجمع بين علم الآثار والنقوش والمصادر القديمة والنقد النصي وتاريخ الدراسات الكتابية. وقد أسهمت ترجمات وأعمال عربية مهمة في التعريف بهذا الحقل، لكن النقاش كثيراً ما جرى في إطار السجال الديني أو السياسي، أو انطلق من الرغبة في تفنيد الرواية الصهيونية، من دون أن يصاحبه دائماً بحث مماثل في الأدوات والمناهج التي أنتجت التصورات التاريخية موضع النقد. ولا يقلل هذا من أهمية الدافع السياسي أو من ضرورة دراسة توظيف الماضي في تبرير المطالب القومية؛ لكنه يضع أمام الباحث مهمة إضافية، هي ألا يجعل تفنيد رواية تاريخية بديلاً من بناء معرفة نقدية بتاريخ فلسطين نفسها.
من هنا تأتي أهمية قراءة لامكه. فالمقالة لا تقدم رأي مخالف في تاريخ "إسرءيل القديمة" فحسب، وإنما تتيح متابعة حجة تنطلق من نقد المصادر، وتختبر صلاحية المناهج التي استخدمها الباحثون في إعادة بناء الماضي. كما تتيح فحص حدود النقد الذي تقترحه، أي ما الذي ينجح في تفكيكه من التصورات الكتابية؟ وما الذي يظل قائماً في لغته ومفاهيمه بعد هذا التفكيك؟ وهل يكفي رفض التاريخ الكتابي كي نتجاوز الإطار الذي صاغه، أم أن هذا التجاوز يقتضي إعادة النظر في الطريقة التي نعرّف بها موضوع البحث ذاته؟
لا يستهدف هذا الاستهلال حسم تلك الأسئلة قبل قراءة المقالة، وإنما يضعها في صلب القراءة. فالنص يستحق أن يُفحص من خلال أدلته وحججه، وأن يُقرأ في سياق تطور أفكار صاحبه، وفي علاقته بالأعمال التي أعادت النظر في تاريخ فلسطين القديم وطرائق كتابته. ومن شأن هذه القراءة نقل النقاش من المفاضلة بين رواية كتابية ورواية مضادة إلى سؤال أكثر جوهرية:
كيف نكتب تاريخ فلسطين القديمة انطلاقاً من الشواهد المتاحة، من دون أن نفرض عليها سلفاً سردية قومية جاهزة، أو نخلط بين ما تثبته المصادر وما ورثناه من تصورات عن الماضي؟
.....................
(هذه المقالة من كلمة ألقاها الكاتب في ندوات بجامعة آرهوس بالدانمارك في أيلول 1999، وجامعة كولومبيا بنيويورك في تشرين الثاني 1999)
طغت مدرسة "النقد التاريخي" على الدراسات الكتابية، خلال قرنين من الزمن، فخلقت عالماً خاصاً أسمته "إسرءيل القديمة"(1). وساد اعتقاد يرى أن نصوص العهد القديم-يسميه البعض "الكتاب المقدس العبري" - تشير إلى "إسرءيل القديمة" كتعبير عن حقيقة تاريخية. وفي مرحلة مبكرة من تطور منهجية النقد التاريخي، أقر الباحثون وأهل الاختصاص أن العهد القديم ليس كتاب تاريخ أو كتاباً مدرسياً يروي الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة عن إسرءيل القديمة. وانسجاماً مع تطورات مجال التاريخ العام، لم يمثل مثل هذا الإقرار مشكلة مستعصية، أو عقبة يصعب على الباحثين الكتابيين تجاوزها. وشرع المؤرخون مع مطلع القرن التاسع عشر في تطوير أساليب نقد المصادر مكّنتهم -حسب اعتقادهم- من الفصل، أو التمييز بين المعلومات الحقيقية والتوسع الثانوي. وكان على المختصين في كتابة التاريخ، كما يقول المؤرخ البارز من تلك الحقبة يوهان غوستاف درويسن (1808-1884)، التمييز بين" الخبر-الحدوتة Bericht "أي القصة أو التأويل و" المعلومة" Überreste، أي ما تبقى من المعلومات التاريخية.
ووفقاً لهذا الرأي، يصبح من الممكن التمييز، في كل جزء من السرد التاريخي في العهد القديم، بين المعلومات التي تعود أصولها إلى الماضي وبين الإضافات والتعليقات التي ألحقت بهذه المعلومات في عصور لاحقة (2). وأورد كمثال على هذا التحليل المصدري قصة هجوم سنحاريب على أورشليم عام 701 ق.م: كما هي في سفر الملوك الثاني (18: 13-16):" 13وَفِي السَّنَةِ الرَّابِعَةَ عَشَرَةَ لِلْمَلِكِ حَزَقِيَّا، صَعِدَ سَنْحَارِيبُ مَلِكُ أَشُّورَ عَلَى جَمِيعِ مُدُنِ يَهُوذَا الْحَصِينَةِ وَأَخَذَهَا. 14وَأَرْسَلَ حَزَقِيَّا مَلِكُ يَهُوذَا إِلَى مَلِكِ أَشُّورَ إِلَى لَخِيشَ يَقُولُ: «قَدْ أَخْطَأْتُ. ارْجعْ عَنِّي، وَمَهْمَا جَعَلْتَ عَلَيَّ حَمَلْتُهُ». فَوَضَعَ مَلِكُ أَشُّورَ عَلَى حَزَقِيَّا مَلِكِ يَهُوذَا ثَلاَثَ مِئَةِ وَزْنَةٍ مِنَ الْفِضَّةِ وَثَلاَثِينَ وَزْنَةً مِنَ الذَّهَبِ. 15فَدَفَعَ حَزَقِيَّا جَمِيعَ الْفِضَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي بَيْتِ الرَّبِّ وَفِي خَزَائِنِ بَيْتِ الْمَلِكِ. 16فِي ذلِكَ الزَّمَانِ قَشَّرَ حَزَقِيَّا الذَّهَبَ عَنْ أَبْوَابِ هَيْكَلِ الرَّبِّ وَالدَّعَائِمِ الَّتِي كَانَ قَدْ غَشَّاهَا حَزَقِيَّا مَلِكُ يَهُوذَا، وَدَفَعَهُ لِمَلِكِ أَشُّورَ".
تبدأ القصة بملاحظات عن حكم حزقيا، وكيف سلك سلوكاً حسناً في عيني الرب، وكيف تمرد على الأشوريين وضرب الفلستيين. وينقطع السرد عنه بفاصل قصير يشرح حصار الملك الآشوري شلمنصر لمدينة السامرة والاستيلاء عليها - وهو ما سبق ذكره في الإصحاح السابق.
يتابع السرد، بعد هذه المقدمة، وصف هجوم سنحاريب (3) على مدن حزقيا (4) المحصنة. وبينما يستريح الملك الأشوري في لخيش (5)، يستسلم الملك حزقيا فيذعن ويدفع جزية كبيرة لتهدئة سيده الأعلى ملك أشور، الذي يرسل عقب ذلك قائده إلى أورشليم، حيث تدور حادثة ربشاقي الشهيرة، حين يقف أمام أبواب أورشليم، ويخطب في الناس خطاباً قاسياً يقصد منه دب الذعر والهلع في نفوس السكان وملكها ويجعلهم يستسلمون للآشوريين. يمر حزقيا بمحنة شديدة فيلجأ إلى إشعياء النبي الذي يعد بمساعدة الرب ضد الآشوريين (6).
يعود القائد ربشاقي إلى سيده، وجيشه الآن في "لبنة"(7) للتحرك ضد الجيش المصري الذي يحاول الالتفاف حول الجيش الأشوري. يرسل ربشاقي رسالة إلى حزقيال مكرراً العديد من التهديدات-التي سبق أن أطلقها في خطابه أمام سكان أورشليم- ضد يهوذا. وعندما يتلقى حزقيا هذه الرسالة، يتوجه إلى الرب لكي يعينه في مواجهة الأشوريين. ونتيجة لذلك، يقتل منهم ملاك الرب المنتقم 185,000 جندي أثناء الليل، وعندئذ يعود سنحاريب إلى آشور فزعاً، ولا يلبث أن يقتل بعد مدة وجيزة.
أي قراءة أولية لهذه الإصحاحات ستؤكد أن السرد لا يشكل وصفاً متجانساً لأحداث سنة 701 ق.م المصيرية. فتظهر حادثة ربشاقي كأنها زائدة عن الحاجة على نحو واضح، لأن حزقيا استسلم للتو ودفع جزيته قبل تحرك ربشاقي إلى أورشليم لإلقاء خطابه. وليس ثمة سبب يمنع الملك الأشوري من العودة إلى موطنه بعد تحقيق هدفه المتمثل في وقف التمرد في جنوب غرب فلسطين. غير أن رسالة من ربشاقي إلى حزقيا، التي تتضمن الموضوعات ذاتها التي وردت في خطابه، تثير في النص تدخل إشعياء، وتؤدي إلى هلاك الرب للجيش الأشوري. كما لو أن مؤلف الرواية يفضل عرض مشاهده في أزواج. ويستطيع المؤرخ الحديث، من منظوره الخاص، التمييز في رواية سفر الملوك الثاني (18-19) بين "الحدوتة" و"المعلومة" كما يشير درويسن. وسيبحث هذا المؤرخ أساساً عن معلومات تاريخية في الوصف القصير لحملة سنحاريب في بداية الرواية (الإصحاحان 18-19) بدلاً من المقاطع التي تلي ذلك، والتي خضعت لمعالجة أدبية موسعة. وسيقول معظم المؤرخين إن ما أتى في السرد بعد حكاية دفع الجزية، يُعدّ الجزء المتبقي من "التأويل"، أي انعكاساً لأحداث عام 701 ق.م صيغ في زمن لاحق.
نمتلك في الواقع رواية أخرى لحملة سنحاريب في تقرير الحوليات الملكية عن الحملة (8). حيث تبدأ الحملة بالتحول جانباً نحو فينيقيا، وتحديداً إلى صيدون، لإزالة أي عقبات قد تنشأ خلف خط المواجهة الأمامي وتأمين طريق الانسحاب. ويفر ملك صيدون أمام الأشوريين. غير أن الهدف الرئيس للحملة هو تسوية الأمور في فلسطين بسبب تدخلات حزقيا اليهوذي، على حد قول الحولية، في شؤون حكام أوفياء تابعين لآشور، كان منهم "بادي" ملك عقرون، الذي يحتجزه حزقيا أسيراً. وكان حزقيا وحلفاؤه قد اتصلوا أيضاً بملك مصر، فوصل جيشها بالفعل واستعدّ لخوض معركة في "ألتقِه". ولم يكن الجيش المصري ندّاً للآشوريين، ولذلك استطاع سنحاريب، بعد إزالة التهديد المصري، مواصلة تسوية الأمور على امتداد ساحل فلسطين. وسيستولي هناك على مدينتي "إلتقيه"(9) و"تمنة"(10) ويهاجم "عقرون"(11) ويحتلها. ومن الواضح أنّ حزقيا قد اقتنع، (وإن كان سنحاريب لا يذكر كيف حدث ذلك، فإنّ بإمكاننا تخمين السبب)، بإطلاق سراح بادي، ملك عقرون، وإعادته إلى مدينته، حيث أُعيد تنصيبه حاكماً تابعاً لآشور.
لا يقدّم حزقيا أي تنازلات أخرى، لكن سنحاريب يدمّر بلاده، ويهدم 46 مدينة محصّنة، ويحاصره داخل أورشليم، كما يُحاصر طائر داخل قفص. وتُسلَّم الأجزاء المدمَّرة من مملكته إلى المدن الفلستية. ويتخلّى حزقيا عن أمله في محاربة الآشوريين، ويدفع جزية باهظة ينقلها مبعوثوه إلى الملك الآشوري في نينوى.
ليس هناك أدنى شك في أن السرد الكتابي وتقرير حوليات سنحاريب هما انعكاسان للحملة الأشورية التي انتهت بخضوع حزقيا ودفعه الجزية، بما في ذلك بناته. وثمة اختلافات كثيرة بين الروايتين، لكنهما تتفقان في عدة نقاط مهمة. فقد تمرّد حزقيا على الآشوريين. فهاجمه ملكهم ودمّر مدناً كثيرة. وفي النهاية، مما اضطره إلى دفع جزية باهظة، لكن أورشليم بقيت في يده دون أذى. والحقيقة اللافتة في رواية سفر الملوك الثاني، تتمثل في عدم استيلاء الآشوريين على المدينة، وهي حقيقة تاريخية على نحو لا يقبل التأويل. وإلا فإن الاختلافات تتعلّق في معظمها بالتفاصيل الزمنية والأعداد، مثل: متى وأين أرسل حزقيا جزيته؟ وما مقدارها؟ وهذه نقاط ثانوية. وخلاف ذلك تتفق كلتا الروايتين في جوهرهما.
لدى مقارنة هاتين الروايتين، يتضح أن حادثة ربشاقي ربما اختلقها مؤلّف سفر الملوك الثاني لخلق انطباع مفاده أن سنحاريب لم يستولِ على أورشليم لأن المدينة المقدسة قد أنقذها إلهها (12). فقد وقعت تحرّكات ربشاقي بعد دفع الجزية. وكان الآشوريون قد أنهوا بالفعل مسألة التمرّد. ورغم تضمين هذا القسم معلومة تاريخية واحدة، وهي ظهور جيش مصري في فلسطين، فمن الآمن الاستنتاج عدم وجود ما هو تاريخي في حادثة ربشاقي. فالسرد الكتابي الذي يأتي بعد دفع الجزية هو تاريخ مختلَق، أو مجرّد عمل تخيلي.
يمكن اعتبار هذا مثالاً سهلاً. أما الأمثلة الأخرى فهي أقل وضوحاً. نذكر، من بينها، قصة حملة ملكي إسرائيل ويهوذا ضد ميشع، ملك موآب، في سفر الملوك الثاني (3: 4 -5) والتي تبدأ بملاحظة تفيد بدفع ميشع جزية كبيرة لإسرءيل، لكنها تذكر أيضاً تمرّده على سيّده بعد وفاة أخاب: 4وَكَانَ مِيشَعُ مَلِكُ مُوآبَ صَاحِبَ مَوَاشٍ، فَأَدَّى لِمَلِكِ إِسْرَائِيلَ مِئَةَ أَلْفِ خَرُوفٍ وَمِئَةَ أَلْفِ كَبْشٍ بِصُوفِهَا. 5وَعِنْدَ مَوْتِ أَخْآبَ عَصَى مَلِكُ مُوآبَ عَلَى مَلِكِ إِسْرَائِيلَ".
وبناءً على ذلك، دعا ملك إسرءيل نظيره في أورشليم إلى الانضمام إليه في حملة عسكرية ضد موآب. وكان ملك أدوم مشاركاً في الحملة أيضاً.
تبدأ الحملة بمسيرة استمرّت سبعة أيام، لكنها تتوقّف لنقص المياه. ويلجأ الملوك إلى النبي طلباً للمساعدة، وبناءً على تعليماته، تُؤدّى طقوس، وتصبح المياه متاحةً عن طريق معجزة: (سفر الملوك الثاني 3: 6-9): " 6وَخَرَجَ الْمَلِكُ يَهُورَامُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ مِنَ السَّامِرَةِ وَعَدَّ كُلَّ إِسْرَائِيلَ. 7وَذَهَبَ وَأَرْسَلَ إِلَى يَهُوشَافَاطَ مَلِكِ يَهُوذَا يَقُولُ: «قَدْ عَصَى عَلَيَّ مَلِكُ مُوآبَ. فَهَلْ تَذْهَبُ مَعِي إِلَى مُوآبَ لِلْحَرْبِ؟» فَقَالَ: «أَصْعَدُ. مَثَلِي مَثَلُكَ. شَعْبِي كَشَعْبِكَ وَخَيْلِي كَخَيْلِكَ». 8فَقَالَ: «مِنْ أَيِّ طَرِيق نَصْعَدُ؟». فَقَالَ: «مِنْ طَرِيقِ بَرِّيَّةِ أَدُومَ». 9فَذَهَبَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ وَمَلِكُ يَهُوذَا وَمَلِكُ أَدُومَ وَدَارُوا مَسِيرَةَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ. وَلَمْ يَكُنْ مَاءٌ لِلْجَيْشِ وَالْبَهَائِمِ الَّتِي تَبِعَتْهُمْ".
كما يتنبأ هذا النبي بسقوط موآب بأكملها. وتنتهي المعركة التي تلي ذلك بين الإسرائيليين والموآبيين بكارثة تحلّ بالجيش الموآبي، فينسحب ميشع إلى مدينته، "قيرحارسة"(13). وبعد محاولة اختراق فاشلة للخروج منها، يضحّي ميشع بابنه فوق سورها، " فَكَانَ غَيْظٌ عَظِيمٌ عَلَى إِسْرَائِيلَ. فَانْصَرَفُوا عَنْهُ وَرَجَعُوا إِلَى أَرْضِهِمْ"، إلى درجة أن الإسرائيليين رفعوا الحصار وعادوا إلى ديارهم (14).
فهل هذا تقرير تاريخي؟
يتعلّق الجزء المحوري من القصة بمعجزة الماء وبالتأويل الخاطئ الذي قدّمه الموآبيون لها، والذي جلب عليهم الكارثة. ومن المؤكّد أن المعجزات تقع خارج نطاق الاهتمام في تقرير تاريخي عن أحداث وقعت بالفعل، كما أنها غير عملية على الإطلاق في التحليل التاريخي. ومن الآمن القول، من وجهة نظر المؤرّخ، إن هذا الأمر لم يحدث قط.
فهل يعني ذلك أن هذا السرد في سفر الملوك الثاني (الإصحاح 3) يخلو تماماً من المعلومات التاريخية؟
بالكاد يمكننا قول ذلك، لأننا نمتلك ليس نقشاً واحداً فحسب، بل نقشين يحملان اسم ميشع، ملك موآب. وأحدهما ليس سوى جزء قصير، أما الثاني فمن المرجّح أنه أهم نقش ملكي عُثر عليه على الإطلاق في جنوب بلاد الشام (15).
ولكن لدى ميشع أيضاً قصة يرويها. فهو يصف كيف اضطهد عُمْري موآب طوال أربعين عاماً، أي طوال فترة حكمه ونصف فترة حكم ابنه. غير أن ميشع هاجم إسرءيل ودمّرها إلى الأبد. ويُخصّص معظم النقش لوصف المدن التي استعادها من إسرءيل، بحسب تعبيره، ولإعادة الترتيبات التي أعدّها لهذه المدن. وقد أصبح كل ذلك ممكناً بفضل كموش، إله موآب.
إذا قارنا القصة الكتابية الواردة في سفر الملوك الثاني (الإصحاح 3) بنقش ميشع، فقد نجد بينهما قدراً ضئيلاً من التشابه. فكلا النصين يوضّح كيف تمرّد ميشع على إسرءيل، وكلاهما يعدّ ميشع ملكاً على موآب. أما فيما عدا ذلك، سيكون من العبث تماماً محاولة التوفيق بين المعلومات الواردة في النص الكتابي والمعلومات التي يقدّمها ميشع نفسه. فرغم تضمين النص الكتابي معلومة أو اثنتين ربما تكونان تاريخيتين، فلا صلة له بنص ميشع. إذ يروي ميشع قصة مختلفة تماماً.
قد تشكّل قصة ميشع تقريراً تاريخياً، لكن ذلك ليس أمراً مؤكداً على الإطلاق. وربما لا تقل صبغتها الأدبية عن الرواية الواردة في سفر الملوك الثاني (الإصحاح 3). فميشع لا يروي الحقيقة، ولا شيء سوى الحقيقة. ومن الواضح أن نقشه هو أيضاً، إلى حدّ كبير، نص تخيلي ودعائي، ويتضمّن عناصر من الأدب الشعبي، مثل المدة المأثورة لاضطهاد استمر أربعين عاماً. ويُظهر ميشع، بطريقة ما، وكأنه لا يعرف اسم أي ملك لإسرءيل سوى عُمْري. فهو "ينسى" ذكر خلف عُمْري، أخاب، الذي كان، في نهاية المطاف، ملكاً مهماً للغاية في عصره، والذي يرد ذكره لدى الآشوريين. وبذلك يجعل عُمْري مضطهِداً لموآب أيضاً في عهد ابنه.
من خلال تقديم هذين النصين، سفر الملوك الثاني (الإصحاح 3) ونقش ميشع الملكي الموآبي، نكون قد توغّلنا أكثر في مشكلة دراسة تاريخ إسرءيل القديمة.
ثمة بعض أوجه التشابه العامة بين رواية ميشع والرواية الكتابية. فقد كان ميشع بالفعل ملكاً على موآب، وكانت موآب، قبل تمرّد ميشع، دولة تابعة لإسرءيل. وعلاوة على ذلك، لم تتمكّن إسرءيل من إخضاع موآب مرة أخرى. وباستثناء ذلك، لا يوجد أي دليل من خارج الكتاب المقدس يمكنه تأييد حبكة السرد الواردة في سفر الملوك الثاني (الإصحاح 3). فمن الممكن تماماً أن يكون النص عملاً مختلقاً وتخيلياً لا يتضمن سوى اسم وبعض العناصر الأخرى التي تؤدي وظيفة الشواهد على طابعه التاريخي.
ولا يمكننا التوفيق بين المعلومات الواردة في النصين. بل إن التسلسل الزمني لا يتطابق. فوفقاً لسفر الملوك الثاني (الإصحاح 3)، تمرّد ميشع بعد وفاة أخاب، بينما يتحدّث ميشع عن اضطهاد إسرءيلي استمرّ نصف فترة حكم ابن عُمْري، الذي يظهر في النص الموآبي من دون ذكر اسمه. ورغم أن نقش ميشع يؤرَّخ عادة إلى نحو سنة 850 ق.م، فغموض المعلومات الواردة فيه لا يستبعد احتمال أن يكون تاريخه لاحقاً لذلك الزمن. والحجة المؤيّدة لهذا الرأي في ذكر عُمْري الذي اضطهد موآب في عهد ابنه. ويشير ذلك إلى أن عُمْري في هذا النص قد لا يكون عُمْري، ملك إسرءيل، بل الملك الذي يحمل اسمه "بيت عُمْري"، أي "أسرة عُمْري"، وهو الاسم الذي كان يطلق عادة على الدولة المعروفة باسم إسرءيل في الوثائق الآشورية العائدة إلى القرنين التاسع والثامن ق.م(16). وإذن عُمْري وإسرءيل في نقش ميشع مترادفان.
خلاصة القول: لا يجعل نقش ميشع من سفر الملوك الثاني مصدراً تاريخياً موثوقاً، ولا يغيّر جنسه الأدبي الأساسي. إذ يظل هذا الإصحاح، كما كان دائماً، نصاً قائماً على المعجزات والتخيل، رغم ذكره ملكاً تاريخياً لموآب، ويشير إلى وضع سياسي عام قد تكون له نواة تاريخية. ويفترض في كثير من الأحيان احتواء هذا الإصحاح على نواة تاريخية يستطيع المؤرّخون المعاصرون إعادة بنائها. وقد يكون هؤلاء المؤرّخون مقتنعين بإمكانية التمييز في هذا النص أيضاً بين "الحدوتة" و"المعلومة"، أي بين الرواية أو التأويل، وبين ما تبقى من المعلومات التاريخية. وهذا موقف يتسم بقدر كبير من التهور. فالجزء الوحيد الذي يمكن اعتباره من "المعلومة" في هذا الإصحاح هو اسم، وبعض المعرفة العامة بوضع موآب في زمن ميشع. وهذا لا يكاد يكون كافياً لجعل السرد تاريخياً.
وينبغي ألا يفاجئنا ذلك؛ فكتابة التاريخ في العصور القديمة تختلف اختلافاً كبيراً عن إعادة البناء التاريخي الحديثة. فعندما يعيد المؤرّخ المعاصر بناء الماضي، لا بدّ له من رفض أنواع كثيرة من المعلومات الواردة في أحد المصادر القديمة.
ولتوضيح وجهة نظري، يكفي الاقتباس من التاريخ "القومي" الدنماركي كما رواه ساكسو غراماتيكوس Saxo Grammaticus (17)، الذي يضمّن روايته حكاية طويلة عن ملك الفايكنغ راغنار لودبروك (18) Regner Lodbrogالذي قتل تنيناً لكي يعثر على زوجة (19). وتتضمّن رواية ساكسو عن حياة راغنار جميع أنواع المواد الأسطورية. ويمكن استبعاد مثل هذه الحكايات بسهولة عندما نحاول كتابة تاريخ بدايات الدنمارك. ومع ذلك، فإن اسم راغنار اسم تاريخي، إذ يظهر ملك الفايكنغ هذا في حولية إفرنجية تعود إلى القرن التاسع الميلادي، بوصفه معاصراً لكاتب تلك الحولية (20). لكن، يا للأسف، ليس من الواضح على الإطلاق أن راغنار التاريخي هذا قد قتل تنيناً في أي وقت.
تكمن المشكلة في الدراسات الكتابية في استحالة، أو يكاد يكون مستحيلاًً تحديد أي أجزاء من السرد الكتابي ينتمي إلى جنس "الحدوتة"، وأيّها يتضمّن "المعلومة"، إذا لم تكن لدينا معلومات أخرى سوى تلك الواردة في النصوص الكتابية. فإذا لم نمتلك أدلة خارجية، يصبح الباحث الفرد هو الذي يقرّر ما يعد تاريخاً وما يعد تخييلاً، ولا يكون لديه ما يسترشد به سوى حسّه العام. وهذه، بوضوح، مشكلة منطقية تتعلّق بالدراسات النقدية التاريخية عموماً.
تعمل الدراسات الكتابية النقدية التاريخية ضمن دائرة تأويلية هي، في حقيقتها، دائرة منطقية مغلقة. فمصدر المعلومات، في كثير من الأحيان، هو النص الكتابي الذي يقف منفرداً. ويدور الحوار بين الباحث الذي يدرس النص والنص ذاته. يطرح الباحث نظرية تستند إلى النص، ثم يأتي النص ليؤكّد النظرية (21). ومن المدهش أن هذا النهج قد استمرّ في الدراسات الكتابية قرابة مئتي سنة، منذ البدايات الأولى للبحث العلمي الحديث في مطلع القرن التاسع عشر.
ورغم أن كل باحث في المدرسة النقدية التاريخية يوضح وجود مشكلة، فقد جرى تجاهلها إلى حد كبير عند كتابة التاريخ. والإجراء المتبع عادة، على حد قول بيرند يورغ ديبنر، القول بحقيقة الحدث أو الشخص رغم أننا لا نستطيع إثبات الأمر! فنحن لا نستطيع إثبات وجود تاريخي لشخص يدعى موسى، ولكن بما أننا لا نستطيع تفسير تطوّر التوحيد الإسرءيلي من دون موسى، فلا بدّ أنه كان موجوداً. وإلا علينا اختلاقه... مع تجاهل احتمال أن الكتّاب القدماء قد فعلوا ذلك بالضبط!
وقد يبدو، في لحظة من المبالغة، أن الدراسات النقدية التاريخية ليست سوى خدعة. فمن وجهة النظر العلمية، يُعدّ هذا الإجراء، أي الدائرة التأويلية، إجراء خاطئاً، والإجراء الخاطئ في العلم يخبرنا تلقائياً بأن النتائج التي توصلنا إليها باستخدام هذه الطريقة خاطئة، ويمكن استبعادها دون مزيد من البحث أو النقاش.
إن الاستنتاج القائل باستناد الدراسات النقدية التاريخية على منهجية خاطئة وتؤدي إلى استنتاجات خاطئة، يعني ببساطة أنه يمكننا تجاهل مئتي سنة من الدراسات الكتابية وإلقاؤها في سلّة المهملات. فهي بالكاد تستحقّ الورق الذي طُبعت عليه. وليس عذراً القول إن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها الحصول على معلومات تاريخية من الكتاب المقدس. فهذا ليس سوى عذر واهٍ للكسل. ويتعلّق الأمر أيضاً بالجشع؛ إذ يريد الباحثون أن يقولوا أكثر مما يستطيعون قوله بالفعل.
وبما أن الكتاب المقدس يتعلّق بالدين، ولأن معظم الباحثين كانوا ولا يزالون أشخاصاً متديّنين، فقد ظلّ هناك ضغط مستمر على الباحثين في الدراسات الكتابية لتصدير نتائج تتوافق مع النتائج المتوصل إليها في حقول أخرى، مثل التاريخ العام. وقد استجاب الباحثون في الدراسات الكتابية لهذه التوقعات بسهولة.
عرضتُ في أطروحتي للدكتوراه حول "إسرءيل المبكرة" Early Israel (1985)، مجموعة من الحِكَم المنهجيةmaxims؛ نصّت أولها على أن أهمّ ما في الأمر هو إقرار المرء بجهله، حين يعرف حدود جهله (وهذه هي الحكمة الثانية)، تتكوّن لديه أيضاً فكرة عمّا يعرفه حقاً (22). وتشكّل هذه القواعد نوعاً من "سرير بروكرست"(23) الذي يمكن إلقاء مختلف أنواع الدراسات الكتابية عليه؛ إذ يتمثّل المطلب في بدأ بحثنا بقبول أننا لا نعرف شيئاً تقريباً عن الماضي، وأن علينا الانطلاق مما نعرفه، ولو كان قليلاً.
قد يعترض البعض هنا بالقول: هل صحيح حقاً لا نعرف إلا القليل عن إسرءيل القديمة إلى درجة لا نقدر على إعادة بناء تاريخ هذا المجتمع ودينه؟
في الحقيقة، نحن لا نمتلك عن المرحلة التي سبقت ظهور ما يُسمّى "الملكية العبرية" سوى مصدر خارجي واحد يذكر إسرءيل في إشارة ضمن مجموعة كبيرة من الأعداء المهزومين الموجودين في فلسطين، في نقش مصري يعود إلى عهد الفرعون مَرِنْبَتاح، نحو سنة 1210 ق.م(24). ومن المرجّح أن هذا النقش يشير إلى إسرءيل باعتبارها جماعة سكانية من نوع ما. وباستثناء ذلك، لا نعرف شيئاً عن الظروف التي يشير إليها هذا النقش، الذي يستخدم كثيراً من العبارات التقليدية، وربما لا يقول عن الأحداث التاريخية في فلسطين في نهاية القرن الثالث عشر ق.م بقدر ما يعتقد عادةً.
تفصل فجوة زمنية تزيد على 300 سنة بين نقش مَرِنْبَتاح والإشارات التالية إلى إسرءيل. وقد سبق أن ذكرنا إحدى هذه الإشارات، وهي نقش ميشع من موآب. أما النقش الثاني، فيتضمّن إشارة آشورية إلى معركة وقعت سنة 853 ق.م، شارك فيها أخاب من سيرلاء Sirla’a -وهي بالتأكيد صيغة محرفة لإسرءيل- (25). ويذكر النقش الثالث ملكاً مجهول الاسم لإسرءيل، يُفترض أن كاتب نقش "بيت دود" المزعوم، الذي عثر عليه حديثاً في تل دان في شمال فلسطين، قد قتله (26).
واعتباراً من القرن الثامن ق.م، يشير عدد قليل من النصوص الآشورية إلى إسرءيل، إما باسم "بيت عُمْري"، أو باسم السامرة فحسب، أي عاصمة مملكة إسرءيل في شمال فلسطين حتى سنة 722 ق.م. وتتضمّن معظم هذه النقوش إشارات قصيرة نسبياً إلى إسرءيل، ويمكن ربط عدد قليل منها مباشرةً بالمعلومات الواردة في العهد القديم، مثل الإجراءات التي اتخذها تغلتبلصر الثالث في شمال فلسطين قبل سقوط السامرة ببضع سنوات (27). غير أن إسرءيل التي ترد في نقوش الألفية الأولى ق.م ليست إسرءيل القديمة، بل دولة إسرءيل التي وُجدت في الفترة الممتدة تقريباً بين سنة 900 ق.م وسنة 722 ق.م. وتظهر هذه الدولة في العهد القديم بوصفها إحدى الدولتين اللتين خلفتا إمبراطورية داود وسليمان (28). ويُشار إلى الثانية باسم يهوذا.
ولم تبدأ النقوش الآشورية بالإشارة إلى يهوذا إلا في القرن الثامن ق.م. ومرة أخرى، لا تتضمّن معظم النصوص سوى معلومات محدودة نسبياً، ويأتي في مقدّمتها، دون شك، التقرير الذي سبق ذكره عن حملة سنحاريب على فلسطين. وبعد سقوط نينوى، تضمّنت بعض النقوش البابلية إشارات إلى يهوذا، أو إلى أحداث يمكن ربطها بمصير يهوذا في القرن السادس ق.م. وأهمّ هذه النقوش هو الحولية البابلية الحديثة التي تتضمّن تقريراً عن استيلاء البابليين على أورشليم سنة 597 ق.م (29).
إن نقوش الشرق الأدنى القديمة التي تشير إلى إسرءيل ويهوذا محدودة العدد، لكنها، مع ذلك، تعد أدلة مهمة. فهي تخبرنا بأن اسمي إسرءيل ويهوذا ليسا اسمين مختلقين أو خياليين، بل يشيران إلى كيانين سياسيين وجدا بالفعل. كما تذكر مجموعة من الملوك المعروفين أيضاً من العهد القديم. وتُظهر هذه النقوش أن تعاقب هؤلاء الملوك، وكذلك التزامنات الزمنية التي يمكن إثباتها بين ملوك إسرءيل ويهوذا والملوك الآشوريين والبابليين، ليست مضللة تماماً، وذلك في حدود ما تسمح لنا الأدلة المتاحة بالتحقّق منه. فقد هاجم سنحاريب يهوذا بالفعل في أيام حزقيا، كما أن نبوخذنصّر غزا أورشليم بالفعل ونصّب صدقيا على عرش يهوذا بعد ذلك بأكثر من قرن.
باختصار؛ من الواضح أن تاريخ إسرءيل ويهوذا، كما يرويه المؤرّخون الكتابيون، لا يخلو تماماً من المعلومات التاريخية. فقد كان لدى الأشخاص الذين كتبوا الروايات التاريخية للعهد القديم، على الأقل، بعض المعلومات عن تاريخ إسرائيل ويهوذا. حتى يمكننا القول إن نصوص العهد القديم تتضمن قدراً معيناً من "المعلومة"، أي البقايا التاريخية. وربما يوجد أيضاً نوع من الترابط يجمع هذه المعلومات بعضها ببعض، وينشئ إطاراً زمنياً عاماً للسرد التاريخي.
كلّ ما سبق لا يثير مشكلات كبيرة نسبياً. أما الجانب الإشكالي فيظهر عندما نواجه مهمة تحديد ما يعد "معلومة"، أي بقايا تاريخية، وما يُعدّ "حدوتة"، أي رواية أو تأويل، عند قراءة الأحداث المتعلقة بإسرءيل القديمة التي لا يمكن مقارنتها بأدلة خارجية.
فكيف نحل هذه المشكلة دون الوقوع في شرك الدائرة التأويلية الشهيرة التي سبق وصفها؟
يمكن البدء بدراسة الكتابة التاريخية في الشرق الأدنى القديم عموماً، لنتبيّن كيف كانت تعمل وإلى أي مدى يمكن الوثوق بها. وتتمثل الخطوة الأولى في تحديد الأنواع الأدبية للكتابة التاريخية في الشرق الأدنى القديم. فثمة نوعان يهيمنان على هذا المجال: أولهما نظام الحوليات السنوية، الذي يسرد أهم أحداث كل سنة بأسلوب موجز يشبه الاختزال؛ وثانيهما النقوش الملكية الأكثر توسعاً، مثل الحوليات الملكية الآشورية التي تدّعي تحقيق الآشوريين انتصاراً آخر في غزو العالم. ويشير مؤلّفو سفري الملوك الأول والثاني أحياناً إلى حوليات إسرءيل أو حوليات يهوذا (30). وإذا أردنا الوثوق بهذه الإشارات بوصفها إحالات إلى مصادر وُجدت بالفعل، مع ضرورة ألّا ننسى أبداً أن إدراج إحالات مختلَقة في المؤلفات يعد أمراً مألوفاً في العصور القديمة، وذلك لخلق الثقة لدى القارئ، فمن المرجّح أن تلك الحوليات كانت من النوع الموجز.
فهي لم تتضمّن سوى إشارات قصيرة إلى الأحداث الماضية. ومن المرجّح أنها لم تكن تحتوي على سرد مطوّل، ناهيك عن تقارير طويلة. وإذا رجعنا إلى حوليات الملوك الآشوريين والبابليين، فلعلنا نستطيع تحديد نوع المعلومات اللازمة لإعادة بناء هذا المصدر.
ومرة أخرى، ينبغي ألّا ننسى أن المؤلّف الكتابي ربما اختلق الإشارة إلى تلك الحوليات، في الوقت الذي كان يكتب فيه بأسلوب حوليّ عندما يخدم ذلك غرضه (31).
أما فيما يتعلّق بالأدب الملكي من النوع الموجود، على سبيل المثال، في النقوش الآشورية، سيكون الأمر أكثر صعوبة لإثبات وجود مثل هذه المصادر في العهد القديم. فجزء كبير من النقوش الآشورية يتضمّن تقارير عن الحروب. ورغم إمكانية عدم استبعاد وجود مثل هذا الأدب أيضاً في إسرءيل ويهوذا خلال العصر الحديدي، لا نستطيع الجزم بوجوده استناداً إلى سفري الملوك الباقية بين أيدينا. ويجب إدراك أننا، بمجرد الاقتراب من هذا الجنس الأدبي، ننتقل إلى عالم الأدب، أي إلى عالم التخيل والاختلاق. وينطبق ذلك بالتأكيد على كثير من النقوش الآشورية، حيث يجري المبالغة في أعمال الملك، بينما يكاد لا يحدث اعتراف بالهزائم. فتكتب مثل هذه التقارير دائماً لغرض محدّد، وغالباً ما تُصاغ للتأثير في الآلهة واستمالتها إلى إقرار أعمال الملك المعني. وقد يسمّي بعضهم ذلك دعاية سياسية propaganda!
وبالعودة إلى سفري الملوك، من الآمن القول إنه، رغم احتمال استناد بعض المقاطع القصيرة إلى خلفية حولية مستمدّة من السجلات الملكية، فمعظم المادة الأدبية الواردة فيهما لا ينتمي إلى هذا الجنس الأدبي، ولا إلى جنس النقوش الملكية من النمط الآشوري، ثم البابلي لاحقاً. وهذه نتيجة طبيعية للغاية لهدف سفري الملوك ونطاقهما؛ فهما لم يكتبا لتمجيد مؤسسة الملكية في إسرءيل ويهوذا، أو لإضفاء مكانة رفيعة على ملوكهما. وعلى العكس من ذلك، الانطباع الذي يتكون من قراءة هذين السفرين الكتابيين هو نقيض ذلك تماماً: فمملكة البشر تمثل خروجاً عن حكم الإله العادل، كما أن ممثّلي الحكم البشري لم يكونوا، بالكاد، أبطالاً للإيمان اليهووي. فلا يُمدح لتقواه سوى عدد قليل جداً من ملوك يهوذا، في حين يدان جميع ملوك إسرءيل.
ومن ثمّ، فإن النقوش الملكية التمجيدية تمثّل نوعاً أدبياً غير مناسب على الإطلاق للاقتباس منه، ولا يكاد يكون لها حضور في الروايات الواردة في سفري الملوك الأول والثاني. وبدلاً من تتبّع أحداث تاريخية غير موجودة، ينبغي لنا دراسة الأنماط الموضوعية المتكرّرة (topoi) لدى مؤلّفي سفري الملوك (32). ويتمثّل هدف مثل هذه الدراسة في معرفة ما إذا كان من الممكن العثور على نمط معيّن.
فقد أدرك الباحثون، منذ سنوات عديدة، أن سفري أخبار الأيام الأول والثاني يهيمن عليهما عدد من الأنماط الموضوعية النمطية المتكرّرة؛ ولكلّ نمط منها غرض خاص، إما التوصية بملك محبوب من الرب، وإما رفض ملك مطرود من رحمته (33). كما أن طبيعة السرد في سفري الملوك تعارض افتراض الاستخدام الواسع للنقوش الملكية بوصفها أساساً لهذا السرد. لقد استخدم مؤلّفو سفري الملوك معلومات حولية متاحة، لكنهم لم يختاروا منها إلا ما يتوافق مع غرضهم. وقد خضع اختيارهم لرغبتهم في تكوين انطباع سلبي عام عن عصر المملكة العبرية.
لنضع في الحسبان عندما يكتب مؤلّف معاصر عملاً تخيلياً تاريخياً، مثل كتاب روبرت غريفز "أنا، كلاوديوس" I, Claudius، لا نتوقّع منه الالتزام الدقيق بالتاريخ (34). بل نمنحه حرية إعادة صياغة التاريخ على نحو يجعله يخدم غرضه، بحيث يتوافق التاريخ مع الهدف الذي يسعى إلى تحقيقه. ورغم أننا قد نمتلك أيضاً تفسيرات للماضي وضعها مؤرّخون محترفون، يمكننا الاستمتاع بالأعمال التخيلية التاريخية وتقديرها. وهذا أمر استثنائي حقاً، ويتعارض مع اعتقاد كثير من الباحثين. فحتى الناس في العصر الحديث قد يكونون أكثر اهتماماً بالأدب من اهتمامهم بالحقائق التاريخية. ولكانت هوليوود قد أفلست منذ زمن بعيد لولا هذه القدرة البشرية على تجاهل الحقائق التاريخية (35).
إذا كنّا نحن، الذين درسنا التاريخ بطريقة علمية طوال مئتي سنة، لا نعتقد دائماً أن الدقّة التاريخية فضيلة لا يمكن لأي أدب تخيلي مقبول أخلاقياً أن يعادلها، فماذا عن الناس في العصور القديمة، الذين لم يشتركوا قط في تصوّرنا للتاريخ؟ هل كانوا سيولون اهتماماً للدقّة التاريخية في رواية تتناول الماضي، أم كانوا سيولون أهمية أكبر لقيمها الجمالية، وربما الأخلاقية؟
إن الإجابة لا يقدّمها لنا أدب الشرق الأدنى القديم، فنحن لا نعرف إلا القليل جداً عن كيفية تلقّي عامة الناس لهذا الأدب، إنما يقدّمها النقاش الذي دار بين المثقفين الكلاسيكيين حول قيمة التاريخ. وفي هذا السياق، تكتسب مقولة شيشرون الشهيرة التي تصف التاريخ بأنه "معلّم الحياة" أهميةً خاصة؛ إذ إن شيشرون، استناداً إلى الفلسفة الهلنستية، لا ينظر إلى التاريخ بوصفه جنساً أدبياً يتناول الماضي، بل بوصفه جنساً يستخدم الماضي لتثقيف الأجيال الحاضرة والمستقبلية (36).
ينبغي ألّا نحصر اهتمامنا، على سبيل المثال، في سفري الملوك الأول والثاني بهدف العثور على معلومات تاريخية. فقد تكون هذه المعلومات موجودة على هيئة ملاحظات قصيرة. وينبغي لنا إيلاء اهتماماً للغرض من هذا الأدب، لأن من المعقول الافتراض أن هذا الأدب كُتب للتأثير في الحاضر، لا لحفظ ذكريات الماضي لذاتها. وهذه مسألة طويلة تتجاوز حدود مقالة قصيرة واحدة (37).
تتمثل أطروحتي في أن مؤلّفي الأدب القديم من النوع الذي نجده في العهد القديم لم يهتمّوا كثيراً بالدقّة التاريخية في وصفهم للماضي. فلم يكن الماضي مثيراً للاهتمام بحدّ ذاته، باستثناء ما قدّمه من أمثلة على السلوك الحسن والسيّئ للحاضر والمستقبل. لقد كان الماضي مهماً لأنه يفسّر الحاضر، بل ويجعل الترتيبات القائمة في بعض الأحيان تبدو مشروعة أو طبيعية. وفيما عدا ذلك، فليدع الموتى يدفنون موتاهم (38)!
هذا جانب واحد من المسألة. أما الجانب الآخر، فيتعلّق بإننا ينبغي ألّا نتوقّع من السرد التاريخي القديم الدقة التامة في وصف الماضي، أو حتى أن تكون له صلة به، إلا بصورة سطحية.
فكيف يمكنني إثبات وجهة نظري؟
الحلّ السهل لهذه المشكلة هو القول بإمكانية الإشارة أحياناً إلى مقاطع يصرّح فيها مؤلّفو سفري الملوك مباشرةً بعدم اهتمامهم بالتاريخ. والإشارات التي سبق ذكرها إلى حوليات ملوك إسرءيل ويهوذا تخبرنا بذلك بالفعل. وهكذا، يُختزل الحديث عن الملك عُمْري في بضعة أسطر في سفر الملوك الأول (الإصحاح 16). فنعلم توليه السلطة عن طريق انقلاب، وحكم إسرءيل اثنتي عشرة سنة، وبنى السامرة. وبعد ذلك، يتحوّل التركيز إلى الحديث عن خطاياه في حق يهوه. غير أن مؤلّف سفر الملوك الأول يعرف أنه كان ملكاً عظيماً، لكنه يقول: اذهب وانظر بنفسك في حوليات ملوك إسرءيل (" بَقِيَّةُ أُمُورِ عُمْرِي الَّتِي عَمِلَ وَجَبَرُوتُهُ الَّذِي أَبْدَى، أَمَا هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ لِمُلُوكِ إِسْرَائِيلَ؟": الملوك الأول 16: 27)! فليس لدى مؤرّخ الكتاب المقدس أي نيّة لتزويد قارئه بتقرير دقيق عن عهد عُمْري. ورغم إقراره بأن عُمْري كان ملكاً عظيما -إذ إن مملكته حملت اسمه لأكثر من مئة سنة بعد وفاته- فإن هذه الحقيقة لا أهمية لها على الإطلاق من وجهة نظر كاتب التاريخ القديم. وهكذا، لا ينكر هذا المؤرّخ عظمة عُمْري، بل يتعمّد إسكاتها.
ثمة طريقة أكثر تعقيداً لحلّ المشكلة المطروحة هنا، تتمثّل في تحديد ما إذا كان تاريخ إسرءيل القديمة، كما يرويه المؤلفون الكتابيون، دقيقاً بأي معنى شامل. وأعني بذلك كيفية تقسيم هذا التاريخ إلى عدة مراحل متعاقبة: زمن الآباء الأوائل، وزمن الخروج، وزمن تجوال الإسرائيليين في الصحراء أربعين سنة، وزمن احتلال كنعان، وزمن المآثر البطولية للقضاة الأبطال في إسرائيل، وعصر العظمة القومية في عهد داود وسليمان، وزمن الكوارث الوشيكة في ظل ملوك إسرءيل ويهوذا، إلى آخره.
فهل لهذا كلّه أي صلة بالماضي الفعلي لهذه المنطقة الجغرافية، المعروفة أيضاً باسم جنوب بلاد الشام أو فلسطين؟
ليست لديّ هنا أي نيّة لاستعراض هذا التاريخ على نحو مفصل. فقد تعاملت معه بالفعل في عدد من المنشورات (39). كما أسهم باحثون آخرون في هذا المجال.
يبدأ تاريخ إسرءيل، كما يرويه العهد القديم، بعصر الآباء الأوائل. ثم يستمر مع الإقامة في مصر، التي يعقبها الخروج والتيه في الصحراء. وبعد ذلك يأتي، بالتتابع، احتلال كنعان، وعصر القضاة، وإمبراطورية داود وسليمان، وعصر الملوك العبريين، والسبي، ثم الحقبة الفارسية. وينتهي رسمياً بإعلان عزرا التوراة، أي شريعة موسى، أمام سكان أورشليم ويهوذا الذين اجتمعوا لهذا الغرض.
تمثّل سنة 1999 الذكرى الخامسة والعشرين للحسم النهائي، الذي أسهم فيه توماس ل. طومسون وجون فان سيترز، بشأن رفض فكرة وجود عصر الآباء الأوائل أصلاً (40). وتستند هذه الفكرة إلى قصص عائلية وملاحم وأساطير عن الماضي، ولا صلة لها بالتاريخ. أما الفكرة التي طرحها ألبريشت ألت، ومفادها أن الآباء الأوائل كانت لهم ديانة خاصة تقوم على الإيمان بإله الآباء der Gott der Väter، فهي محض هراء؛ إذ بنى ألت حجته على شواهد نبطية تعود إلى الفترة الممتدة من القرن الثاني ق.م إلى القرن الثاني الميلادي (41).
مضى على الخروج زمن طويل انتقل فيه من التاريخ إلى عالم الخيال. فهو لم يحدث قط، وكذلك لم يحدث غزو كنعان. وقد أوضح عدد من علماء الكتاب المقدس، وأنا منهم، هذه الحقيقة. فمن المنظور التاريخي، لم يكن في وسع الإسرءيليين غزو كنعان بتدمير القوات الكنعانية، لسبب بسيط هو أن المصريين كانوا لا يزالون يحكمون كنعان في الوقت الذي يُفترض وصول يشوع إليها، أي قبيل سنة 1200 ق.م بقليل (42). وثانياً، لا أثر لأي هجرة وافدة من الخارج، وثالثاً، تبدو الرواية الكتابية عن الغزو متناقضة (قارن بين سفر يشوع والقضاة، الإصحاح الأول).
في دراستي الأولى عن عصر القضاة، التي صدرت قبل نحو ثلاثين عاماً، ذهبت إلى أن الروايات الواردة في سفر القضاة عن المآثر البطولية لقضاة إسرءيل قد صبغتها تجارب لاحقة (43). كما هيمنت عليها رغبة في تقديم نموذج يُحتذى به، يبيّن كيف ينبغي لإسرءيل محاربة أعداءها، من كنعانيين وموآبيين وعمونيين وفلستيين وآراميين وغيرهم. ولا تتيح لنا هذه الروايات إعادة بناء تاريخ المرحلة الممتدة بين الغزو الذي لم يحدث قط وإمبراطورية داود وسليمان التي لم توجد هي الأخرى. وتندرج قصص قضاة إسرءيل ضمن جنس الحكايات البطولية الذي تحتفظ به معظم الحضارات ضمن مروياتها عن الماضي. ومن الواضح أن التصور الذي يقدّم إمبراطورية داود وسليمان بوصفها كياناً وُجد في القرن العاشر ق.م يستند إلى صورة متخيّلة للماضي. وثمة شواهد كثيرة تؤيد هذا الاستنتاج، منها مكانة أورشليم في القرن العاشر ق.م، إذ لم تكن آنذاك، في أحسن الأحوال، سوى قرية أو بلدة صغيرة (44).
سبق أن ناقشنا عصر ملوك العبرانيين. ورغم أن مملكتي إسرءيل ويهوذا كيانان تاريخيان ثابتان، فما نملكه عنهما من معرفة راسخة قليل جداً. ويظهر أيضاً، عند مراجعة الشواهد الواردة في العهد القديم والمصادر الأخرى، أن العهد القديم قد شوّه تماماً صورتنا عن تاريخ فلسطين القديمة.
كان ذلك التاريخ أكثر تعقيداً بكثير، وضمّ أطرافاً فاعلة أكثر من هاتين المملكتين وحدهما. وهكذا، لا يفسّر العهد القديم قط لماذا سُمّيت هذه المنطقة فلسطين، أي "أرض الفلستيين"، ولا كيف اكتسبت هذا الاسم. وكان الأجانب يعرفون اسم فلسطين، ومن بينهم كتبة الحوليات الملكية الآشورية والمؤرخ هيرودوت. ويكتفي هيرودوت بالقول إن فلسطين جزء من سوريا يقع بين لبنان ومصر (45)
لا يتسع المجال هنا لمناقشة مدى تاريخية السبي، الذي ربما لم يكن بالقدر من الأهمية الذي تصوّره أسفار العهد القديم. وقد أظهرت دراسات حديثة أن [أرض إسرائيل] لم تكن خالية من السكان زمن السبي، وأن السبي لم يشمل سوى عدد ضئيل جداً من سكان فلسطين. فلم تكن هناك "أرض خالية" كما تفترض أسفار أخبار الأيام وغيرها من النصوص الكتابية (46)
أخيراً، تمثّل الحقبة الفارسية بقعة معتمة على خريطة تاريخ فلسطين؛ فنحن لا نعرف عنها إلا القليل جداً. وربما كان عزرا، البطل الأكبر لليهودية في مرحلة ما بعد السبي، شخصية مبتكرة في وقت متأخر (على يد مؤلفين فريسيين؟). ويُحتمل أنه كان يبلغ نحو المئتي عام من عمره حين وصل إلى فلسطين، إذ قُتل أبوه على يد نبوزرادان، قائد جيش نبوخذنصر، سنة 587 ق.م، وفقاً لما تورده الشواهد الكتابية (47).
رغم أن هذه المراجعة تحتوي، من بعض الوجوه، نزعة اختزالية، فإنها تصيب جوهر المسألة. فهي تستند إلى مراجعة شتى أنواع الشواهد، وفي مقدمتها نتائج التنقيبات الأثرية الواسعة التي شهدتها فلسطين على مدى أكثر من مئة عام. ولا حاجة إلى القول إن علم الآثار ليس علماً دقيقاً كالرياضيات، ولن يصبح كذلك أبداً. فأي نتيجة يتوصل إليها عالم الآثار تنطوي على عدد من الفرضيات التي يصوغها استناداً إلى المواد التي عثر عليها. ثم إن الأساس الذي بنى عليه نظرياته لا يمكن إعادة فحصه كما كان من قبل. فكل تنقيب ينطوي، بتعبير كاثلين كينيون، على "التدمير"؛ إذ يدمّر عالم الآثار الشواهد حين يكشفها بالتنقيب، ولا يمكن أبداً إعادة الوضع الأثري الأصلي إلى ما كان عليه.
ومع ذلك، يواصل علماء الآثار صياغة فرضيات عامة عن تطوّر هذه المنطقة الجغرافية في العصور القديمة، وهي فرضيات تتعارض مع الشواهد التي يقدمها مصدر مكتوب متأخر، مثل العهد القديم، الذي لا يرجع، بحسب رأيي ورأي الباحثين المنتمين إلى مدرستي، إلى ما قبل العصر اليوناني الروماني في أحسن الأحوال. لذلك، يمكننا أن نرجّح بأمان عدم صلاحية هذا المصدر المتأخر كمصدر تاريخي، على الرغم من كونه نصاً مكتوباً. فهو، على حد قول درويسن، ليس من قبيل "المعلومة" أي "البقايا أو الشواهد المتبقية من الماضي"، وإنما هو قطعاً "حدوتة"، أي "رواية عن الماضي".
يقدّم تطوّر فلسطين بين نحو 1250 و900 ق.م مثالاً على ذلك. فالشواهد الأثرية، إلى جانب المعلومات الأخرى غير المستمدة من الكتاب المقدس عن فلسطين القديمة، تخبرنا أن فلسطين في أواخر العصر البرونزي، أي في النصف الثاني تقريباً من الألفية الثانية ق.م، كانت ولاية مصرية يحكمها أمراء محليون ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم أتباعاً أوفياء لراعيهم، الفرعون. وقد تُركت وشأنها معظم الوقت، ولم يتدخل المصريون مباشرة في شؤونها اليومية إلا من حين إلى آخر. وكانت الحروب الداخلية التي لا تنتهي بين زعماء محليين يرون أنفسهم "ملوكاً". بينما نظر إليهم المصريون على نحو مختلف، فدعوهم "حزانو" hazanu، أي "رؤساء المدن، أو المخاتير" بوصفهم جماعة تُلحق أضراراً جسيمة بأحوال البلاد.
ولم تتغير الأمور إلا مع ما يُسمّى "استعادة الحضور المصري في عهد الرعامسة" في غربي آسيا، بعد الكارثة التي انتهت بها الأسرة الثامنة عشرة. عندئذ غدا الوجود المصري أكثر هيمنة. وقد يرى بعضهم أن رعمسيس الثاني أرسى نوعاً من "السلام المصري" Pax Egyptiaca في فلسطين. فقد حدّ الحكام المصريون من الآثار المدمرة لسياسة التنافس المفتوح بين الزعماء الفلسطينيين المحليين، وأوجدوا في البلاد حالة من السلام النسبي، ربما كان لها أثر إيجابي في النمو السكاني، إذ انتقل الناس من المدن إلى الأرياف ليعيشوا أقرب إلى حقولهم.
وشهدت أواخر القرن الثالث عشر ق.م والقرن الثاني عشر ق.م وبدايات القرن الحادي عشر ق.م نشوء عشرات القرى الصغيرة، وربما مئات منها، غير المحمية بأسوار، ولا سيما في مرتفعات فلسطين. ولا بد أن الحياة أصبحت آمنة إلى حد بعيد. ومنذ القرن الحادي عشر ق.م على الأقل، أخذ عدد القرى يتناقص إلى حد ما. وفي المقابل، ارتقت بعض التجمعات إلى مرتبة بلدات محصّنة، أحياناً بأسوار قوية. ويُعد تل بئر السبع، بأسواره الدائرية ومخططه العمراني المنظّم، مثالاً نموذجياً لهذا النوع من التجمعات، الذي قد يبدو أقرب إلى قلعة من العصور الوسطى منه إلى مدينة أو بلدة بالمعنى المألوف.
ربما نشأت هذه المرحلة نتيجة انسحاب المصريين من فلسطين، كلياً أو جزئياً، وإن كان يُرجّح الآن أن حامية مصرية ظلت موجودة في بيت شان حتى مطلع القرن العاشر ق.م (48) وأصبحت الحياة أكثر خطورة، وعاد النظام الاجتماعي والسياسي القديم إلى الظهور، أي نظام الرعاية المحلية الذي يتصارع فيه زعماء محليون مع نظرائهم. وقد وصفتُ هذا التطور ذات مرة بأنه انتقال من مجتمع يقوم على نظام رعاية إلى مجتمع يقوم على نظام رعاية آخر؛ أي انتقال من نظام سياسي قديم إلى نظام جديد يطابقه تماماً (49)
واستمرت هذه المرحلة على الأرجح حتى منتصف القرن التاسع ق.م، حين تمكن بعض الزعماء المحليين من إنشاء كيانات سياسية واسعة تجاوزت حدود الكيانات القائمة في أواخر العصر البرونزي، حين كانت معظم الأنظمة السياسية في فلسطين صغيرة جداً. وربما وُجدت كيانات سياسية واسعة كهذه قبل العصر الحديدي أيضاً، كما في العصر البرونزي المبكر، أي في الألفية الثالثة ق.م، حيث تكشف الآثار عن بقايا مدن كبيرة. وربما شهد العصر البرونزي الأوسط بدوره تنظيمات سياسية واسعة النطاق، وإن كنا لا نعرف إلا القليل عن البنية السياسية الدقيقة للمجتمع الفلسطيني قبل أواخر العصر البرونزي.
لا تتوافق الصورة الكتابية لإسرءيل القديمة مع أي صورة للمجتمع الفلسطيني القديم يمكن استخلاصها من المصادر القديمة المكتشفة في فلسطين أو التي تتناولها؛ بل إنها تناقض تلك الصور. ولا سبيل إلى التوفيق بين الصورة الكتابية والماضي التاريخي لهذه المنطقة.
وإذا صحّ ذلك، فعلينا التخلي عن الأمل في إعادة بناء تاريخ فلسطين قبل العصر الهلنستي بالاستناد إلى العهد القديم. فذلك التاريخ ليس سوى تاريخ مختلَق، لا يرتبط إلا بقدر ضئيل من الوقائع أو الكيانات التي وُجدت فعلاً.
ومن وجهة نظر المؤرخ، تبدو إسرءيل القديمة كائناً هجيناً مشوهاً، من نسج خيال مؤرخي الكتاب المقدس ومَن أعادوا صياغة رواياتهم في العصر الحديث، أي الباحثين النقديين التاريخيين على مدى القرنين الماضيين.
.....................
العنوان الأصلي: ON THE PROBLEMS OF RECONSTRUCTING PRE-HELLENISTIC ISRAELITE (PALESTINIAN) HISTORY
المؤلف: Niels Peter Lemche
الناشر: www.jhsonline.org/Articles/article_13.pdf
......................
1. مدرسة النقد التاريخي: اتجاه في دراسة النصوص الدينية، ولا سيما الكتاب المقدس، يسعى إلى فحصها بوصفها نصوصاً نشأت في ظروف تاريخية محددة، وتشكّلت عبر عمليات من التأليف والتحرير والنقل، بدلاً من التسليم بأن رواياتها تسجيل مباشر للأحداث. ويعتمد هذا الاتجاه على تحليل اللغة والأسلوب ومصادر النص وطبقاته، ومقارنة رواياته بالنقوش والوثائق والآثار وغيرها من الشواهد المستقلة، بغية التمييز بين ما يقوله النص وما يمكن إثباته تاريخياً. وقد تطور النقد التاريخي الحديث منذ أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، وظهرت داخله اتجاهات ومناهج متعددة، لا تتفق جميعها في نتائجها أو في تقديرها للقيمة التاريخية للروايات الكتابية. وفي سياق هذا المقال، يستند لامكه إلى التشديد على ضرورة إخضاع الروايات الكتابية للنقد والمقارنة، وعدم اتخاذها دليلاً على صحتها بحد ذاتها؛ فالنص الذي يروي انتصارات ملك أو يبرر أفعاله قد يؤدي وظيفة أدبية وسياسية، ولا يمكن التعامل معه بوصفه سجلاً محايداً للأحداث. [المترجم]
2. مزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع في كتابي: The Israelites in History and Tradition (Library of Ancient Israel Louisville, KY: Westminster/John Knox, 1998)، pp. 1-21, and 22-34
3. سنحاريب ملك آشوري حكم بين نحو 705 و681 ق.م، وشنّ سنة 701 ق.م حملة عسكرية على بلاد الشام لقمع تمرّد الممالك والمدن الخاضعة للنفوذ الآشوري، ومنها مملكة يهوذا في عهد ملكها حزقيا. استولى جيشه على لخيش، إحدى أهم المدن المحصّنة في يهوذا، ثم واصل حملته باتجاه أورشليم. وتروي حولياته أنه حاصر حزقيا في عاصمته وأجبره على دفع الجزية، فيما تعرض الرواية الكتابية الحملة من منظور مختلف، وتروي انسحاب الجيش الآشوري بعد هلاك عدد كبير من جنوده. وتوثّق النقوش الآشورية الحملة، كما تصوّر نقوش قصر سنحاريب في نينوى حصار لخيش والاستيلاء عليها. وتتيح مقارنة هذه الشواهد بالنصوص الكتابية دراسة الفروق بين الروايتين[المترجم].
4. حزقيا: ملك مملكة يهوذا، حكم في أواخر القرن الثامن ق.م وأوائل القرن السابع، ويؤرَّخ حكمه عادة بنحو 715–686 ق.م، مع اختلاف الباحثين في تحديد سنواته بدقة. تزامن عهده مع توسّع الإمبراطورية الآشورية في بلاد الشام، وتمرّده على الملك سنحاريب الذي شنّ حملة على يهوذا سنة 701 ق.م، استولى خلالها على عدد من مدنها، وفي مقدمتها لخيش، وحاصر أورشليم. تروي أسفار الملوك وإشعياء وأخبار الأيام الحملة قصته من منظور يهوذي، وتربط نجاة أورشليم بتدخل إلهي. وتُعدّ المقارنة بين الروايتين والنقوش الآشورية من المسائل المهمة في دراسة تاريخ مملكة يهوذا، إذ تكشف اختلافاً في تصوير نتائج الحملة وأهدافها[المترجم].
5. لخيش: مدينة كنعانية قديمة في جنوبي فلسطين، تقع آثارها في تلّ الدوير، في منطقة السهل الساحلي الجنوبي. كانت من أهم مدن مملكة يهوذا، ولا سيما في العصر الحديدي، وترد في المصادر الآشورية والكتابية في سياق الحملات العسكرية الآشورية على يهوذا. حاصرها سنحاريب واستولى عليها سنة 701 ق.م وأسر سكانها، ووثّق حملته في نقوش بارزة تزيّن قصره في نينوى[المترجم].
6. ربشاقي (بالأكّادية: rab šāqê) لقب وظيفي لأحد كبار المسؤولين في البلاط الآشوري. ويعني حرفياً "كبير السقاة" أو "رئيس السقاة" (كما هو واضح من لفظ الاسم). وكان يُطلق على أحد كبار مسؤولي البلاط الملكي الآشوري، ذوي المكانة الإدارية الرفيعة، وقد اضطلع حاملوه بمهام رسمية ودبلوماسية إلى جانب وظائفهم في البلاط. ويرد ذكره في سفر الملوك الثاني (18: 17–37؛ 19: 4، 8) وسفر إشعيا (36–37)، ضمن الوفد الذي أرسله الملك الآشوري سنحاريب إلى أورشليم في عهد حزقيا، نحو سنة 701 ق.م. حيث ألقى خطاباً إلى سكان المدينة دعاهم فيه إلى الاستسلام، وحذّرهم من الاتكال على حزقيا أو على الرب لإنقاذهم من الجيش الآشوري. وتشكّل هذه الحادثة جزءً من الرواية الكتابية لحملة سنحاريب على يهوذا، كما ترد في سفر إشعيا (36: 2–22)، وتُعدّ شخصية ربشاقي عنصراً محورياً في المشهد السردي الذي يصوّر المواجهة السياسية والعسكرية بين آشور ويهوذا. ويرى لامكه أن خطاب ربشاقي وما يتبعه من أحداث بناءً أدبياً لاهوتياً يهدف إلى تفسير نجاة أورشليم بوصفها نتيجة للتدخّل الإلهي، وليس بالضرورة تسجيلاً تاريخياً دقيقاً لما جرى [المترجم].
7. لبنة اسم يرد في الرواية الكتابية ضمن أخبار حملة سنحاريب على فلسطين. وقد اقترح البعض مطابقته مع تل أثري يُعرف في الخرائط البريطانية لفلسطين في القرن التاسع عشر باسم "تل بُرنات" Tell Bornat، وتعرفه الأدبيات الأثرية الإسرائيلية الحديثة باسم "تل بُرنة" Tel Burna يقع جنوبي فلسطين، على امتداد وادي جبرين في المنطقة الواقعة بين كريات غات الحالية وخطوط التجمعات الريفية المحيطة بها، بالقرب من كيبوتس غال أون وكيبوتس بيت نير. نشطت عدة بعثات أثرية في الموقع (والتي استمرت لعدة مواسم بقيادة علماء آثار مثل إيتسحاق شاي) وكشف فيه عن آثار متعددة الحقب منها سور وتحصينات ضخمة: يعود تاريخها إلى العصر الحديدي (القرنين العاشر والتاسع ق.م) ومبنى ديني (كنعاني) يمثل ساحة طقوس كبيرة تعود للعصر البرونزي المتأخر تحتوي على أقنعة وتماثيل صغيرة وفخاريات مستوردة، كما عثر على أختام ملكية (LMLK)على مقابض جِرار تُشير إلى استخدام الموقع كمركز إداري وعسكري لحماية المنطقة، حسب تفسير المنقبين. وثمة موقع آخر أقل ترجيحاً كبديل لمدينة لبنة وهو "تل زايت" Tel Zayit [خربة زيتة الخراب] القريب منه، لكن فريق التنقيب في تل برنا رأى أن الأدلة الأثرية ترجّح موقعه أكثر؛ إذ لم تظهر في تل زايت، وفقاً لما أورده بعض الباحثين، شواهد واضحة على مرحلة العصر الحديدي الثاني المتأخرة، وهي مرحلة مهمة في مناقشة هُوية لبنة. يتفق أغلب علماء الآثار الكتابي والمؤرخين (مثل وليام أولبرايت ويوحنان أهاروني) على أن هذا التل يُمثّل الموقع الجغرافي لمدينة "لِبْنَةَ" التاريخية المذكورة في النصوص والعهد القديم. وتظل مطابقة تل برنات بلبنة الكتابية فرضية غير محسومة في تحديد المواقع القديمة، وترتبط تسمية "لِبْنَة" بـ اللون الأبيض (الطباشيري) للصخور والتلال المحيطة بالمنطقة. ويجب التمييز بين هذا الموقع وبين خربة برناط الواقعة على السفح الشمالي لجبل عيبال، قرب عصيرة الشمالية في محافظة نابلس. فهما موقعان مختلفان ومتباعدان جغرافياً. وخربة برناط هي الموقع الأثري الفلسطيني الذي تناولت مصادر فلسطينية أخباره في سياق الاعتداءات ومحاولات السيطرة على المواقع الأثرية[المترجم].
8. نصوص الشرق الأدنى القديم المتعلقة بالعهد القديم ANET3, pp. 287-288
9. إلتقيه: يرد الاسم في سفر يشوع (19: 44؛ 21: 23))، ضمن المدن المنسوبة إلى إقليم دان. وتذكر حوليات سنحاريب المدينة بصيغة قريبة من ألتاقو (Altaqu)، في رواية معركة سنة 701 ق.م. بين الجيش الآشوري والقوة المصرية. ومن المواقع المقترحة لها تل الشلّاف في السهل الساحلي الفلسطيني، شمالي عقرون القديمة. ولا تتوافر أدلة كافية للجزم بذلك [المترجم].
10. تمنة: يرد الاسم في العهد القديم في مواضع عدة، منها سفر يشوع (15: 10)، وقصة شمشون في سفر القضاة 14. ويظهر اسم قريب منه، تمنّا، في حوليات سنحاريب، مقترناً بـ "إلتقيه" في سياق حملة سنة 701 ق.م. يحدد عدد من الباحثين تمنة التي تذكرها الحوليات الآشورية في تل بطاش، في وادي سوريق، وهو من مواقع السهل الداخلي الفلسطيني. غير أن "تل بطاش" من دون دليل كافِ يثبت ذلك [المترجم].
11. ترد عقرون عدة مرات في العهد القديم، ومنها سفر يشوع (13: 3)، وسفر صموئيل الأول (الإصحاحات 5-7)، وقصة داود وجالوت (17: 52). ويؤكد ورودها في حوليات الملوك الآشوريين أن المدينة كانت كياناً سياسياً معروفاً في القرنين الثامن والقرن السابع ق.م. والأهم أن نقشاً ملكياً عُثر عليه في الموقع يذكر اسم عقرون وأسماء عدد من حكامها. يقع الموقع في خربة المقنّع، وهو الاسم العربي الذي توثقه الأدبيات الأثرية، ويُعرف اليوم باسم تل مقني (وينبغي التمييز بينه وبين قرية عاقر الفلسطينية، التي هُجّر سكانها عام 1948، وتقع إلى الشمال الغربي من الموقع الأثري. فقد اقترح سابقاً أن تكون عاقر هي عقرون القديمة، لكن المكتشفات والنقش الملكي في خربة المقنّع رجّحت تحديد عقرون في ذلك الموقع. وربما انتقل الاسم القديم في مرحلة لاحقة إلى موضع عاقر، لكن هذا احتمال تاريخي منفصل عن تحديد المدينة الأثرية[المترجم].
12. لإلقاء نظرة مختلفة على حادثة ربشاقي كدفعة تاريخية يمكن مراجعة ما يلي: Brevard S. Childs, Isaiah and the Assyrian Crisis (SBT SS 3 London: SCM, 11967)، pp. 76–93 والأحدث: Mordechai Cogan and Hayim Tadmor, II Kings. A New Translation with Introduction and Commentary (AB 11 Garden City, NY Doubleday, 1988), pp. 240-244
13. قير حارسة: مدينة موآبية يذكرها سفر الملوك الثاني (3: 25، 27) بوصفها المدينة التي انسحب إليها ميشع بعد المعركة مع جيشي إسرءيل ويهوذا وحليفه ملك أدوم. وقد جرى تحديد موقعها تقليدياً بالكرك الحالية في الأردن جنوب وادي الموجب، من حسم هذا الأمر، إذ رأى باحثون أن القرائن الجغرافية في النصوص قد تشير إلى موضع شماليّ الموجب. وينبغي تمييزها من ديبون (ذيبان)، التي ارتبطت بميشع وعُثر فيها على مسلته الملكية؛ ولا تتوافر أدلة قاطعة تحسم العلاقة بين المدينتين، فهناك فرضية تربط قير حارسة بـ "قَرْحُو" المذكورة في مسلة ميشع، وتحددها في ذيبان، أي ديبون القديمة. ترد في النص العبري بصيغة קיר חרשת، وتُنقل عادةً إلى العربية بصيغ مثل "قير حارسة" أو "قير حَرَسِت"، وتُعرف في مواضع أخرى باسم "قير موآب" [المترجم].
14. يشير لامكه هنا إلى اختلاف تفسير خاتمة رواية الحملة على موآب في سفر الملوك الثاني (3: 27) بين الترجمات الإنكليزية. فيذكر في ترجمة الملك جيمس (KJV) ترد العبارة: And there was great indignation against Israel، أي: "وكان سخط عظيم على إسرائيل". [وتقابلها في ترجمتنا هذه ما اعتمدناه عن موقع St-Takla.org، "فَكَانَ غَيْظٌ عَظِيمٌ عَلَى إِسْرَائِيلَ. فَانْصَرَفُوا عَنْهُ وَرَجَعُوا إِلَى أَرْضِهِمْ"]. ويقارنها بالترجمة الإنكليزية المنقّحة (REB) التي تورد العبارة بمعنى there was great panic among the Israelites، أي: "وساد ذعر شديد بين الإسرائيليين"، فتربط الانسحاب بحالة من الخوف أصابت الجيش. وفي النص العبري ترد العبارة: ויהי קצף גדול על ישראל، ومعناها الأقرب: "وكان سخط عظيم على إسرائيل" أو "حلّ غضب عظيم بإسرائيل". فاللفظ קצף يدل على الغضب أو السخط، وقد يُستخدم في سياقات أخرى للدلالة على الغضب الإلهي أو البشري. أما ترجمته إلى "ذعر" فتتجاوز المقابل المعجمي المباشر إلى تفسير ما أصاب الجيش في سياق الأحداث. ولا يوضح النص صراحةً طبيعة هذا السخط أو مصدره، وإن كان يذكر انصراف الجيش وعودته إلى أرضه. ومن ثمّ، فإن اختلاف الترجمتين يمسّ تفسير نتيجة الحملة ذاتها: فقراءة العبارة بوصفها ذعراً توحي بأن الخوف دفع الإسرائيليين إلى الانسحاب، في حين تترك ترجمتها بالسخط مجالاً لتأويلات أخرى. ولا يكفي النص وحده للجزم بسبب الانسحاب أو بطبيعة القوة التي أدت إليه [المترجم].
15.راجع: Cf. John C.L. Gibson, Textbook of Syrian Semitic In-script-ions, I: Hebrew and Moabite In-script-ions (Oxford: Clarendon, 11971)، pp. 71–84. وللاطلاع على تحليل موسع للنص الرئيسي، راجع: Andrew Daerman (ed.)، Studies in the Mesha In-script-ion and Moab (ASOR/SBL Archaeology and Biblical Studies, 2 Atlanta, GA: Scholars) ,1989) ... رغم أن النقش الثاني الذي عثر عليه في الكرك مكسور من بدايته حيث من المتوقع أن نعثر على اسم ميشع، فقد تم الحفاظ على اسم والده (كمشيت) بشكل جيد أبما لا يدع مجالاً للشك بأنه نقش ثاني لميشع ملك موآب. [نقش ميشع، أو (المسلة الموآبية) نقش ملكي موآبي على حجر من البازلت، أقامه الملك ميشع في القرن التاسع ق.م، وعُثر عليه سنة 1868 في ذيبان، شرقي البحر الميت، موقع ديبون القديمة. يتألف النقش من نحو أربعة وثلاثين سطراً باللغة الموآبية، صنفها أهل الاختصاص لغة سامية قريبة من العبرية القديمة، ويروي فيه ميشع حروبه ضد إسرءيل واستعادته أراضي موآبية، وقد نسب انتصاراته إلى إلهه كموش. تقليدياً، تنبع أهميته من كونه شاهداً خارج النص الكتابي على الصراع بين موآب وإسرءيل في تلك المرحلة. أثار النقش منذ اكتشافه جدلاً حول أصالته، وذهب بعض الباحثين إلى اعتباره تزويراً حديثاً، مستندين إلى ظروف العثور عليه، وإلى الشكوك التي أحاطت بنقله ونسخه وقراءته. غير أن هذه الشكوك لم تحظَ بقبول واسع في الأوساط العلمية، وتُعدّ أصالة المسلة اليوم مقبولة عموماً لدى المختصين. أما القصة التي أحاطت بها، فهي بدورها كاشفة عن تنافس البعثات الأوروبية والتجار على الآثار في القرن التاسع عشر: فقد شاهدها المبشّر البروسي فريدريش كلاين أول مرة، ثم سعى القنصل الفرنسي وعالم الآثار شارل كليرمون-غانو إلى الحصول على نسخة من نقشها الورقي قبل تحطيم الحجر. وأثار اهتمام الأوروبيين وعروض الشراء مخاوف السكان المحليين من أن تكون للمسلة قيمة مالية كبيرة أو أن تنطوي على قوى غامضة؛ فحُطّمت، بحسب الرواية الشائعة، بتسخينها بالنار ثم صب الماء البارد عليها، وتفرقت أجزاؤها. وأمكن إعادة تركيب معظم نصها اعتماداً على القطع المستعادة وعلى النسخة الورقية التي أُخذت قبل تحطيمها. المترجم]
16. للاطلاع على مراجعة حديثة لهذا الدليل، راجع بحثي The Israelites in History and Tradition, pp. 51–5
17. ساكسو، راهب كان يعمل في خدمة الأسقف أبسالون، مؤسس كوبنهاغن، ألف كتابه Res gestae danorum نحو نهاية القرن الثاني عشر الميلادي ساكسو غراماتيكوس
18. راغنار لودبروك؛ ويُكتب في نص ساكسو اللاتيني Regnerus Lothbrog شخصية بطولية في المرويات الإسكندنافية، ارتبطت بعصر الفايكنغ. وتختلط في أخبارها العناصر التاريخية بالأسطورية؛ لذلك لا يمكن التعامل مع الروايات المتعلقة بحياته ومغامراته بوصفها سجلاً تاريخياً موثوقاً. أما لقبه Lodbrok، فيُفسَّر عادةً بمعنى "السروال الأشعث" أو "السروال المشعّر"، ويرتبط في الحكاية باللباس الذي ارتداه لمقاومة لدغات الأفاعي [المترجم].
19. حكاية راغنار والأفعى: يروي ساكسو أن الملك السويدي هيرود Herodd ربّى ابنته ثورا Thora أفاعي صغيرة، لكنها كبرت حتى غدت خطراً على البلاد. ووعد الملك بتزويجها من الرجل الذي يخلّصه منها. فارتدى راغنار لباساً مشعّراً يقيه اللدغات، وقتل الأفاعي، فنال يد ثورا ولقبه الشهير. وتختلف تفاصيل الحكاية بين رواية ساكسو والمرويات الإسكندنافية الأخرى؛ ففي نص ساكسو تظهر أفاعٍ، بينما شاع في روايات لاحقة وصف المخلوق بأنه تنين. وتُقرأ الحكاية بوصفها من المرويات البطولية التي نسجت حول راغنار، بعيداً عن وقائع حياته[المترجم].
20. تؤرخ المصادر للعام 850 ميلادي عندما قضى الطاعون على جيش راغنار المكون من النورمان في السين. ويمكن أن يذكر أيضاً في مصادر معاصرة أخرى باعتباره واحد من الشخصيات الرئيسية في الحملة الدنماركية التي غزت إنكلترا في النصف الثاني من القرن التاسع الميلادي.
21. وهو ما يعرف بالبرهان الدائري Circular reasoning، بوصفه مغالطة استدلالية يُستدل فيها على صحة قضية بمقدمات تفترض صحتها سلفاً، فلا يقدم الاستدلال دليلاً مستقلاً عليها، وإنما يعيد إنتاج النتيجة التي يفترض إثباتها. وفي الدراسات التاريخية، تظهر هذه المشكلة حين تُستخدم رواية نصية لإقامة فرضية عن الماضي، ثم تُعامل الفرضية المستخلصة من الرواية ذاتها بوصفها دليلاً يؤكد صحتها. ويقترب هذا من مفهوم "المصادرة على المطلوب"، حين يُضمّن الاستدلال النتيجة المراد إثباتها في مقدماته. وفي نقد لامكه للدراسات الكتابية، تتمثل المشكلة في أن النص الكتابي قد يصبح مصدر الفرضية ودليل التحقق منها في آن واحد، من دون الاستعانة بشواهد مستقلة كالنقوش والوثائق المعاصرة والآثار. وهكذا تظل الرواية تؤكد القراءة المستمدة منها، بدلاً من إخضاعها لاختبار تاريخي مستقل [المترجم].
22. راجع Early Israel: Anthropological and Historical Studies on the Israelite Society before the Monarchy (VTS, 37 Leiden: E.J. Brill, 1985)، p. 414.
23. تعبير مستمد من الأساطير اليونانية، ينسب إلى قاطع طريق يدعى بروكرست، كان يُخضع المسافرين الذين يقعوا في قبضته لسرير حديدي؛ فإذا زاد طول أحدهم على طول السرير قطع من أطرافه، وإذا قصر عنه مدّ جسده حتى يلائم السرير. وقد قتله البطل الأسطوري ثيسيوس بالطريقة ذاتها. ويستخدم التعبير مجازاً للدلالة على فرض معيار جامد على أشخاص أو أفكار أو وقائع متباينة، وإخضاعها له قسراً، ولو اقتضى ذلك تشويهها أو بتر ما لا يتوافق معه [المترجم].
24. نصوص الشرق الأدنى القديم ANET3, pp. 376–378. [مسلة مَرِنْبَتاح: نصب تذكاري مصري من عهد الملك مَرِنْبَتاح، ابن رعمسيس الثاني وخليفته، يعود إلى أواخر القرن الثالث عشر ق.م، ويؤرخ عادة بنحو 1208 ق.م. عُثر عليها سنة 1896 في معبد الجنازة الخاص بأمنحتب الثالث، في منطقة طيبة الغربية (الأقصر)، اكتشفها عالم الآثار البريطاني وليام ماثيو فلندرز بتري. المسلة مصنوعة من الغرانيت الأسود، ويبلغ ارتفاعها نحو 3.2 أمتار. وكانت في الأصل مسلة لأمنحتب الثالث، ثم أعاد مَرِنْبَتاح استخدامها ونقش عليها نصاً يمجّد انتصاراته العسكرية، ومن بينها حملته في كنعان، وتتضمن نشيداً ملكياً يحتفي بانتصارات الملك، ويذكر مدناً وجماعات في كنعان، منها اسم يُقرأ عادةً "إسرءيل"، في العبارة التي تُترجم تقليدياً "إسرءيل مُدمَّرة، ولم يعد لها نسل". ويرى فيه أتباع مدرسة علم الآثار الكتابي أقدم ذكر معروف حتى الآن لاسم إسرءيل خارج النصوص الكتابية. وقد أُلحق بالاسم في الكتابة الهيروغليفية محدد دلالي يفهم على أنه يشير إلى جماعة بشرية، بخلاف العلامات الملحقة بأسماء أشكلون وجزر وغيرها التي تدل على مواضع أو مدن. لكن دلالة النقش أضيق مما يستنتجه بعض علماء الآثار الكتابية والاتجاهات المحافظة الأصولية Maximalist في تفسير الكتاب المقدس؛ فهو لا يثبت بذاته وجود مملكة إسرءيلية في ذلك التاريخ، ولا يؤكد الرواية الكتابية عن الآباء أو الخروج أو فتح كنعان، ولا يحدد على وجه اليقين هُوية الجماعة المذكورة أو موطنها الدقيق أو بنيتها السياسية. وأقصى ما يسمح به الشاهد، وفق القراءة الشائعة للمحدد الدلالي، هو أن الكتبة المصريين عرفوا جماعة أطلقوا عليها هذا الاسم (لا يوجد توافق على طريقة قراءته) في سياق خطاب ملكي عن الانتصار على خصوم مصر في كنعان. وينبغي كذلك مراعاة طبيعة النقش بوصفه نشيداً دعائياً ملكياً، لا سجلاً محايداً للأحداث؛ فعبارة القضاء على "إسرءيل" لا يمكن التعامل معها كوصف حرفي موثوق لنتيجة حملة عسكرية. لذلك لا يصح تحويل ورود الاسم في النقش إلى برهان على صحة البناء التاريخي الكتابي، وإن كان الشاهد بحد ذاته مهماً لدراسة تاريخ هذا الجزء من بلاد الشام في أواخر العصر البرونزي. المترجم]
25. نصوص الشرق الأدنى القديم ANET3, p. 279. [سِرْلَآ (Sirʾilāya / Sir-ʾi-la-a-a): صيغة ترد في مسلّة كورخ (قرب ديار بكر في تركيا الحالية) تسجّل حوليات الملك الآشوري شلمنصر الثالث، في سياق معركة قرقر سنة 853 ق.م.، حيث يرد اسم أخاب مقروناً بهذه التسمية. وقد درج الباحثون على تفسيرها بأنها صيغة آشورية لاسم "إسرءيل"، ومن ثم ترجمة العبارة إلى "أخاب الإسرءيلي" أو "أخاب ملك إسرءيل". ويستند هذا التفسير إلى السياق التاريخي وإلى القراءة اللغوية للاسم، وهو تفسير شائع في الدراسات الآشورية والكتابية. ونحن على العموم لا نعرف كيفية نقل الاسم إلى اللغة الآشورية، كما أن تحديد مدلول الأسماء الأجنبية يعتمد على المقارنة اللغوية والسياق التاريخي، وعلى هذا ثمة ميل تقليدي لتفسير الكلمة بأنها المقابل الآشوري لاسم إسرءيل، وإن النقش يربط أخاب بهذه التسمية. المترجم]
26.راجع Avraham Biran and Joseph Naveh, ‘An Aramaic Stele Fragment from Tel Dan,’ IEJ 43 (1993) , pp.81-98 و ‘The Tel Dan In-script-ion: A New Fragment,’ IEJ 45 (1995) , pp. 1–18. وفيما يتعلق بهذا الموقف الحالي للكتاب على النقش، راجع بحثه: The Israelites in History and Tradition, pp. 38–43. [نقش تل دان عبارة عن شظايا من نقش باللغة الآرامية القديمة، اكتُشفت في تل دان [تل القاضي]، شمالي فلسطين، خلال أعمال التنقيب التي أشرف عليها أفراهام بيران، إذ عُثر على الشظية الأولى سنة 1993، ثم على شظيتين إضافيتين سنة 1994. ويؤرَّخ النقش عادةً إلى النصف الثاني من القرن التاسع ق.م، ويروي حرباً وانتصاراً على ملك إسرءيل. وتتمحور أشهر القراءات المتنازع عليها حول العبارة الآرامية "بيت دود" bytdwd، التي قرأها محرّرا النقش بيران وجوزيف نافيه "بيت داود"، واعتبراها إشارة إلى سلالة حاكمة تنتسب إلى داود؛ وبذلك عُدّ النقش شاهداً خارج الكتاب المقدس على وجود هذه السلالة. وقد أثار هذا التفسير جدلاً واسعاً في تسعينيات القرن العشرين، في سياق الصراع المنهجي بين الاتجاهات التي تمنح الروايات الكتابية وزناً تاريخياً كبيراً، وتلك التي تشترط إخضاعها لنقد مستقل قبل اعتمادها في إعادة بناء الماضي. ففي مقالتهما "هل قتل بيران داود؟: الكتاب المقدس في ضوء علم الآثار" Did Biran Kill David? The Bible in the Light of Archaeology المنشورة سنة 1994، اعترض نيلز بيتر لامكه وتوماس ل. طومسون على قراءة bytdwd بوصفها اسماً لسلالة داود. واقترحا تأريخ النقش إلى القرن الثامن ق.م، وقراءة العبارة باعتبارها اسماً لموضع أو معبداً مرتبطاً بـ "دود" DWD، لا دليلاً على "بيت داود" بالمعنى السلالي. وناقش طومسون المسألة أيضاً في دراسته "بيت داود: إحالة نسبية إلى يهوه بوصفه الأب الراعي"House of David: An Eponymic Referent to Yahweh as Godfather. فاقترح أن العبارة قد تشير إلى معبد مكرّس ليهوه، وأن شخصية داود في الروايات الكتابية قد تكون شخصية تأسيسية نشأت في سياق التقاليد المتعلقة بمعبد أورشليم. وارتبط هذا النقد بما عُرف بمدرسة كوبنهاغن، وباحثين في جامعة شيفيلد، منهم فيليب ديفيز وكيث ويتلام، ممن انتقدوا إعادة بناء تاريخ إسرءيل القديم انطلاقاً من الروايات الكتابية، وطالبوا بالتمييز بين ما تقوله النصوص عن الماضي وما يمكن إثباته من الشواهد المستقلة. وقد تحوّل نقش تل دان إلى محور بارز في المواجهة بين ما يُسمّى بالأصوليين المحافظين Maximalist والتقليليين Minimalist في تفسير تاريخ إسرءيل القديم؛ إذ رأى أنصار القراءة التقليدية المحافظة أن "بيت داود" يثبت وجود سلالة داودية في القرن التاسع ق.م، فيما شكّك نقادهم في أن الشظايا تتيح الوصول إلى هذه النتيجة الحاسمة. ولم يتوقف الأمر عند الاعتراض على تفسير عبارة bytdwd، بل امتد إلى تأريخ النقش وظروف اكتشافه وأصالته. ففي مقالة لامكه وطومسون المذكورة أعلاه، انتقد الباحثان ما عدّاه توظيفاً انتقائياً للشواهد الأثرية لتأكيد الرواية الكتابية. وتجاوزت شكوك لامكه مسألة القراءة والتأريخ إلى التشكيك في أصالة النقش. فقد أشار إلى أن الشظايا لم تُعثر عليها في موضعها الأصلي، بل أُعيد استخدامها في بناء عند بوابة الموقع، ورأى أن ظروف العثور عليها لا تستبعد احتمال دسّها. وفي نقاش علمي نشرته مجلة Biblical Archaeology Review سنة 1997، وصف لامكه المسلة بأنها خدعة، وطعن حتى في الصور المنشورة لها. وشارك طومسون في التيار النقدي الذي شكّك في الاستنتاجات المستخلصة منها. وقد واجهت فرضية التزوير اعتراضات من باحثين آخرين، فيما استمر الخلاف حول قراءة النقش وتأريخه والعلاقة بين شظاياه. وتكمن أهمية الجدل في كشف مدى تأثير الافتراضات المسبقة عن تاريخ إسرءيل القديم في قراءة الشواهد الأثرية، وكيف أن وجود نقش أثري لا يعفي تفسيره من النقد، ولا يجعل القراءة الشائعة حقيقة محسومة لمجرد شيوعها. المترجم]
27. راجع سفر الملوك الثاني 15: 29 -30 وANET3, p. 282–284
28. يميّز لامكه بين مملكة إسرءيل الشمالية، التي تشهد النقوش الآشورية على وجودها منذ القرن التاسع ق.م وحتى سقوط السامرة سنة 722 ق.م، وبين إسرءيل الأقدم كما تصوّرها الرواية الكتابية، ولا سيما الدولة الموحدة المنسوبة إلى داود وسليمان. فالنقوش الآشورية توثّق وجود مملكة إسرءيل وعلاقاتها السياسية والعسكرية، لكنها لا تثبت، في حد ذاتها، صحة الرواية الكتابية عن نشأة تلك المملكة بوصفها وريثة إمبراطورية داود وسليمان. ومن هنا، فإن قول لامكه إن إسرءيل الواردة في هذه النقوش ليست "إسرءيل القديمة" يعني التمييز بينها وبين الصورة الكتابية الأقدم التي لا تكفي هذه الشواهد لإثباتها [المترجم].
29.مثلاً نصوص الشرق الأدنى القديم: ANET3, pp. 563–364.
30.مثل: سفر الملوك الثاني 15: 6.11.15.21.26.31.36
31. راجع بخصوص إمكانية الحصول على معلومات من الأرشيف الملكي الإسرائيلي واليهوذي: J.A. Montgomery, ‘Archival Data in the Books of Kings,’ JBL 53 (1934) , pp. 46–52... غير أن السؤال الذي طرحه غوستا أهلستروم هو أمر وثيق الصلة بالموضوع: "ولكن أين تم الحفاظ على هذه المحفوظات بحيث يمكن استخدام المواد من قبل الكتبة والمؤرخين في وقت لاحق؟" (The History of Ancient Palestine from the Palaeolithic Period to Alexander’s Conquest. With a contribution by Gary O. Rollefson. Edited by Diana Edelman [JSOTS, 146 Sheffield: Academic Press, 1993], p. 661 n. 9).
32. topoiمصطلح يوناني الأصل يستخدم في البلاغة والدراسات الأدبية والتاريخية للدلالة على الموضوعات والقوالب الفكرية والسردية المألوفة التي تتكرر في النصوص. ويقصد به هنا الأنماط التي يستعين بها مؤلفو سفري الملوك في بناء رواياتهم، مثل ربط انتصار الملك برضى الإله عنه، أو هزيمته بمعاقبته على عصيانه. وتساعدنا دراسة هذه الأنماط على فهم طريقة، أو طرق، بناء الرواية وأغراضها، بدلاً من التعامل مع كل تفصيل فيها بوصفه تسجيلاً مباشراً لحدث تاريخي. مثال على ذلك الخطبة الشهيرة التي تنسب إلى طارق بن زياد والتي تبدأ بعبارة "أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم". وقد درسها الباحثون من زاوية بنائها البلاغي وعلاقتها بقوالب الخطب الحربية في كتب التاريخ، وليس كنص ثبت أن طارقاً ألقاه حرفياً بهذه الكلمات. ويتكرر في كتب الأخبار والتراجم نمط الحاكم الذي يزدهر ملكه حين يعدل، ثم ينهار حكمه حين يظلم أو يستبد. وقد تُروى حكايات مختلفة لتجسيد هذا المعنى، حتى عند ندرة الأدلة المستقلة لإثبات تفاصيل كل حكاية. ولا تعدّ كل رواية عن ظلم حاكم أو عدله topos لمجرد تشابهها مع غيرها؛ بل يجب دراسة تكرار البناء السردي ووظيفته في النصوص[المترجم].
33. راجع الدراسة الهامة لبيتر فيلتين: Peter Welten, Geschichte und Geschichtsdarstellung in den Chronikbüchern (WMANT, 42 Neukirchen: Neukirchener Verlag, 1973).
34.أنا، كلاوديوسI, Claudius رواية تاريخية للكاتب البريطاني روبرت غريفز، صدرت سنة 1934، وتروي على لسان الإمبراطور الروماني كلاوديوس، في صيغة سيرة ذاتية متخيّلة، أحداثاً من تاريخ الإمبراطورية الرومانية في عهد الأباطرة الأوائل، ولا سيما أغسطس وتيبيريوس وكاليغولا. تستند الرواية إلى مصادر تاريخية قديمة، لكنها تعيد صياغة الوقائع والشخصيات وتنسج بينها حوارات ودوافع ومواقف تخيلية، بما يخدم بنائها الأدبي. وقد اقتُبست في مسلسل تلفزيوني بريطاني شهير عُرض سنة 1976 [المترجم].
35. يشير لامكه إلى أن الأعمال التاريخية التخيلية تستطيع اجتذاب الجمهور حتى عندما لا تلتزم بالدقة التاريخية، لأن التشويق والحبكة والشخصيات والصراعات الإنسانية قد تكون أكثر تأثيراً في المتلقي من مطابقة الأحداث لما وقع فعلاً. واستشهاده بهوليوود على سبيل السخرية: فلو اشترط الجمهور الالتزام الصارم بالوقائع التاريخية في السينما، لما استطاعت هذه الصناعة الاستمرار على صورتها المعروفة، إذ تعتمد أفلام كثيرة على إعادة تشكيل الماضي، ودمج الشخصيات والأحداث، واختلاق الحوارات والمواقف، فالجاذبية السردية قد تتغلب على الحقيقة التاريخية حتى في العصر الحديث؛ ومن ثمّ، لا يجوز افتراض سعي الروايات القديمة دائماً إلى تسجيل الوقائع كما حدثت، أو أن اهتمام مؤلفيها الأول كان نقل الحقيقة التاريخية بالمعنى الذي يتوخاه المؤرخ الحديث بالمترجم].
36.شيشرون: De oratore, II.ix.36
37.راجع أيضا مقالتي القادمة ‘Good and Bad in History. The Purpose of historiography,’ في Steven McKenzie and Thomas Römer (eds.), Studies in Honor of John Van Seters (BZAW Berlin, 2000: De Gruyter, in press).
38. "فليدع الموتى يدفنون موتاهم" مقتبسة من إنجيل متّى (8: 22) وإنجيل لوقا (9: 60)، حيث ترد في سياق الدعوة إلى عدم الانشغال بدفن الموتى على حساب الاستجابة لنداء آخر. ويستعيرها لامكه هنا على سبيل المجاز، ليؤكد أن الماضي لا يستحق الاهتمام لذاته، وأن استحضاره لا تكون له قيمة إلا بقدر ما يساعد على فهم الحاضر أو إضفاء المشروعية على أوضاعه. أما الماضي الذي لا يؤدي هذه الوظيفة، فيمكن تركه وشأنه، كما لو أن الموتى يتولّون أمر موتاهم [المترجم].
39. للتأكد، راجع: Ancient Israel: A New History of Israelite Society (The Biblical Seminar, 5 Sheffield: JSOT, 1988) والتي لم تعد جديدة بأي حال بعد الآن.
40. راجع Thomas L. Thompson, The Historicity of the Patriarchal Narratives: The Quest for the Historical Abraham (BZAW, 133 Berlin: De Gruyter, 1974) , وJohn Van Seters, Abraham in History and Tradition (New Haven: Yale, 1975).
41.راجع Albrecht Alt, Der Gott der Väter. Ein Beitrag zur Vorgeschichte der israelitischen Religion (BWANT, 48 Stuttgart: Kohlhammer, 1929 E.T. [R.A. Wilson] ‘The God of the Fathers’, in Albrecht Alt, Essays on Old Testament History and Religion [The Biblical Seminar: Sheffield: JSOT, 1989], pp. 1–77)
42. من أجل التعرف على التقويم الحالي لمدة تواجد الإمبراطورية المصرية في آسيا، راجع: Donald B. Redford, Egypt, Canaan, and Israel in Ancient Times (Princeton, NJ: Princeton, 11992) ,pp. 283–297. يؤرخ ردفورد انسحاب المصريين بحوالي 1150 ق.م
43.راجع: Israel i dommertiden: En oversigt over diskussionen om Martin Noths ‘Das System der zwölf Stämme Israels’ (Tekst og Tolkning, 4 Copenhagen: C.E.G. Gad, 1972) , pp. 86–87.
44. ليس لدي أي نية هنا للدخول في مناقشة مفصلة حول تاريخية داود وسليمان، لقد ماتت فكرة الملكية الموحدة لإسرائيل / يهوذا مع تغير المصطلحات. ويفضل -الآن- رؤية المدة ما بين 1250 إلى 900 ق.م باعتبارها مرحلة وسيطة طويلة واحدة، "انتقالية"، والوسيلة لمقاربتها عرضت من قبل العديد من الباحثين مثل: Israel Finkelstein, ‘The Emergence of Israel: A Phase in the Cyclic History of Canaan in the Third and Second Millennia BCE’, in Israel Finkelstein and Nadav Na’aman (eds.), From Nomadism to Monarchy: Archaeological and Historical Aspects of Early Israel (Jerusalem: Israel Exploration Society, 1994), pp. 150–178, and و Shlomo Bunimowitz, ‘Socio-Political Transformations in the Central Hill Country in the Late Bronze-Iron I Transition’, in Finkelstein and Na’aman (eds.) From Nomadism to Monarchy, pp. 179–203.
45.انظر هيرودوت: The Histories, I, 105 II, 104 III, 5.91 IV, 39 VII, 89.
46.انظر: Hans M. Barstad, The Myth of the Empty Land: A Study in the History and Archaeology of Judah During the ‘Exilic’ Period (Oslo: Scandinavian University Press, 1996). وانظر أيضا Ehud Ben Zvi, ‘Inclusion in and Exclusion from Israel as Conveyed by the Use of the Term “Israel” in Post-Monarchic Biblical Texts,’ in Steven W. Holloway and Lowell K. Handy (eds.) , The Pitcher is Broken. Memorial Essays for Gösta W. Ahlström (JSOTS 190 Sheffield: Academic Press, 1995), pp.95–149, و انظر أيضا المناقشة في كتاب ليستر غراب: Lester L. Grabbe (ed.), Leading Captivity Captive. The ‘Exile’ as History and Ideology (JSOTS, 278 Sheffield: Academic Press, 1998).
47.راجع نسب عزرا 7:1" عَزْرَا بْنُ سَرَايَا بْنِ عَزَرْيَا بْنِ حِلْقِيَّا... " وعن موت سرايا الكاهن ، راجع سفر الملوك الثاني 25: 18. كان حِلقيا الكاهن الأعظم في أيام يوشيا، كما في الإصحاح 22 من سفر الملوك الثاني (22:4). وبطبيعة الحال يتفق العديد من الباحثين على أن سلسلة الأنساب إما غير صحيحة أو متداخلة.
48.انظر النقاش القصير لباتريك ماكغوفرين: Patrick E. McGovern, BetShean ABD I, 694–695. استمرت مواقع العصر البرونزي المتأخر A حتى العام 1000 ق.م تقريباً. وفقط بعد هذا التاريخ تكشف طبقة عن ثقافة ومخططات مختلفة. يمكن بصعوبة القول إن هذه المدينة فلستية (فهم مؤلف سفر صموئيل الأول , الإصحاح 31 ذلك بطريقة خاطئة تماماً) وقد عثر على قطعة واحدة من الفخار الفلستي في التل (McGovern, same place)
49.انظر: ‘From Patronage Society to Patronage Society’ , in Volkmar Fritz and Philip R. Davies (eds.) ,The Origins of the Ancient Israelite States (JSOTS, 228 Sheffield: Academic Press, 1996) , pp. 106–120.
#محمود_الصباغ (هاشتاغ)
Mahmoud_Al_Sabbagh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟