أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - التحرر من الاستعمار أم التحرر من صورته؟















المزيد.....

التحرر من الاستعمار أم التحرر من صورته؟


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 04:53
المحور: القضية الفلسطينية
    


يصعب علينا -نحن الفلسطينيون- الذين عشنا زمناً طويلاً وما زلنا نعيش تحت الاستعمار، التحدث عن نفسنا من دونه. ليس لأنه، أي الاستعمار، يحيط بحياتنا من الخارج فحسب، وإنما لأنه يتدخل، كلما طال أمده، في اللغة التي نفهم بها أنفسنا، وفي الأسئلة التي نطرحها، وحتى في الطريقة التي نمنح بها أفعالنا معناها. ونحن -على كل حال لسنا استثناء في هذا المعنى. فالاحتلال والاستيطان والاقتلاع ليست وقائع يمكن وضعها جانباً حين نريد التفكير في المجتمع الفلسطيني. لكنها تصبح شيئاً آخر حين تتحول من شرط تاريخي للوجود إلى مفتاح يفسر كل وجود.
ربما تكمن، هنا، إحدى الصعوبات التي لا نلتفت إليها كثيراً. لقد أصبح من السهل فهم الفلسطيني من خلال موقعه في الصراع: فهو واقع تحت الاحتلال، ولذلك فهو يقاوم؛ وإذا لم يقاوم بالسلاح فهو يصمد؛ وإذا عاش حياته اليومية فهو يمارس مقاومة صامتة.
نعم؛ تتغير الألفاظ، لكن يبقى الشيء ذاته في الخلفية، أي معرفة الفلسطيني لنفسه من خلال علاقته بالمستعمِر.
إن فلسطين حالة استعمارية استيطانية، وهذه حقيقة تاريخية وسياسية لا تحتاج إلى تلطيف لغوي. لكن الاعتراف بذلك لا يفرض علينا وضع المجتمع الفلسطيني كله داخل خانة المقاومة، كما لا يفرض علينا تفسير كل سلوك فلسطيني بوصفه رداً على الاستعمار. يعيش الفلسطيني تحت الاستعمار، لكنه يعيش أيضاً داخل مجتمع له طبقاته ومصالحه وعلاقاته ونزاعاته وذاكرته وأحلامه العادية. وهذه الحياة لا تختفي لأن الاستعمار موجود. ربما يكون هذا أحد أخطر آثار تحويل الصراع إلى الإطار التفسيري الوحيد، بمعنى أن يصبح الفلسطيني، في النهاية، شخصاً لا يمكن رؤيته خارج الاحتلال. مرة بوصفه ضحية، ومرة بوصفه مقاوماً وأحياناً صاحب "صمود" يومي. وفي الحالات الثلاث يظل الاحتلال هو الذي يمنحه المعنى.
فهل ثمة ما هو أصعب من هذا؟ أن يكون المستعمِر "كود" التعريف لنا!
بيد أن هذا قد يكون ضرورياً في لحظة من لحظات الصراع، لكنه لا يخلو من ثمن. فحين يصبح العدو جزءً من تعريف الذات، لا يعود وجوده مرهوناً بشكله المادي فقط. يمكن أن يبقى حاضراً في الوعي حتى في غيابه. وربما يكون التحرر، في أحد معانيه الأقل وضوحاً، هو الوصول إلى لحظة لا يعود فيها وجود الآخر شرطاً لمعرفة من نكون.
لكن كيف يحدث ذلك في مجتمع ما زال الصراع فيه قائماً؟
وهل يمكن أصلاً مطالبة الفلسطيني الخروج من مركزية الاستعمار بينما الاستعمار نفسه لم يخرج من حياته؟
ليس سهلاً الإجابة على هذا السؤال؛ بل ربما، من الأجدى ألالا نتعجل في الإجابة
من هنا، ثمة تردد في الاستخدام الواسع لمفهوم "المقاومة" الذي اتسع في الخطاب الفلسطيني إلى حد أن الحياة اليومية ذاتها أصبحت تحتاج إلى تفسير سياسي كي تكتسب قيمتها. فبناء البيت والبقاء في المكان وتربية الأبناء والتمسك باللغة والذهاب إلى العمل وحتى الاستمرار في الحياة، كلها يمكن أن تدخل تحت إطار المقاومة. ولا أعتقد أن المشكلة تكمن في أن هذه الأفعال ليست مهمة. فبعضها يحمل بالفعل معنى سياسياً واضحاً، وبعضها قد يكون، في ظروف معينة، جزءً من صراع على الأرض والوجود. ولكن المشكلة فيما هو أدق من ذلك، أي حين يصبح وصف الفعل بالمقاومة شرطاً للاعتراف بقيمته. فالإنسان لا يحتاج إلى سبب سياسي كي يبني بيتاً، كما أن من يولد في غزة أو في الضفة أو حيفا أو في مخيمات اللجوء، لا يولد لكي يهزم الاحتلال. والأسرة التي تحاول الاستمرار في حياتها لا تقوم بواجب تاريخي كلما أعدت طعاماً أو أرسلت أبناءها إلى المدرسة. ثمة حياة تسبق السياسة وتستمر معها، وربما تكون قيمتها في أنها حياة، وليس في أنها تؤدي وظيفة رمزية في الصراع.
ومع ذلك، سيكون من السهل جداً أن نذهب إلى الطرف الآخر ونقول إن الصمود مجرد اسم جميل للعجز. هذه أيضاً قراءة ناقصة.
ففي سياق استعماري يسعى، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى إعادة تشكيل المكان والسكان، يمكن لاستمرار الأسرة في الأرض أن يكتسب معنى يتجاوز نية أفرادها. قد لا يقصد الإنسان أن يقاوم حين يبني بيته، لكن البيت بحد ذاته قد يدخل في صراع أكبر على المكان. وقد لا تكون تربية الأبناء فعلاً سياسياً، لكنها تصبح ذات دلالة مختلفة حين يكون اقتلاع المجتمع وإعادة تشكيله جزءً من الواقع المحيط.
لهذا ربما ينبغي أن نسأل متى تصبح الحياة اليومية مقاومة، وما الذي يجعل من الفعل العادي فعلاً سياسياً؟ ومن الذي يمنحه هذه الصفة؟ وهل نحتاج إلى تسمية كل شيء مقاومة حتى نحافظ على معنى وجودنا في ظرف لا نملك فيه كثيراً من أدوات الفعل؟
أعتقد أن هذه الأسئلة مهمة أكثر من الإجابة عليها، لأنها تقود إلى مسألة أوسع: ماذا يحدث حين تصبح المقاومة هي اللغة الوحيدة التي نستطيع أن نتحدث بها عن أنفسنا؟
لعلنا نستحضر هنا إرث فرانز فانون، وإن لم يكن من الضروري أن يكون هو نقطة البداية.
فانون مهم لأنه جعل العلاقة بين الاستعمار والعنف والذات المستعمَرة أكثر تعقيداً من مجرد علاقة بين قاهر ومقهور. لكنه أصبح، في بعض القراءات، أكبر من تجربته التاريخية. فصار يستدعى تحت اسمه إجابات جاهزة، وكأن كل استعمار يحتاج إلى فانون كي نفهمه ولا تكتمل الصورة النظرية لأي مقاومة مسلحة من دونه، وكأنه تحول في بعض القراءات، إلى مرجع شبه إلزامي لفهم العنف الاستعماري.
لكن الثورة الجزائرية لم تنتظر فانون لتنطلق. فقد كانت هناك حياة وصراع وتنظيم ومصالح وتجارب بشرية قبل أن تصبح هذه التجربة نصاً. وحين جاء إليها فانون رأى فيها شيئاً وفكر فيه وكتب عنه، وحاول فهم علاقة الاستعمار بالعنف وبالذات المستعمَرة وبعملية التحرر. وهذه ليست ملاحظة تاريخية هامشية. إنها تضع العلاقة بين التجربة والنظرية في مكانها الصحيح. لأن التجربة لا تحتاج دائماً إلى النظرية كي تصبح حقيقية. وربما كان هذا أحد المعاني المهمة في الدعوة إلى إنهاء استعمار المعرفة.
لكن حتى هذه الدعوة ينبغي أن تخضع للسؤال ذاته. ماذا نعني حين نقول "معرفة أصلانية"؟ وهل كل معرفة ننتجها نحن أكثر تحرراً لأنها خرجت من داخل تجربتنا؟ ومن يقرر ما هو "نحن" أصلا؟
قد نتحرر من هيمنة المفاهيم الغربية لنكتشف أننا صنعنا هيمنة أخرى باسم الأصالة. وقد نرفض أن يخبرنا الآخرون من نحن، ثم نمنح أنفسنا الحق في إخبار الآخرين من هو الفلسطيني الحقيقي. فالأصالة، إذا تحولت إلى معيار، تستطيع أن تصبح قاسية بقدر النظرية التي جاءت لتحل محلها. فهي قادرة على تقسيم المجتمع إلى أصيل وأقل أصالة، إلى من حافظ على الذاكرة ومن خانها، إلى من يقاوم ومن تكيف، إلى من بقي في الأرض ومن خرج منها. وحين يحدث ذلك، تصبح الهُوية ذاتها أداة ضبط. لهذا لا أعتقد أن المشكلة في استخدام فانون أو ماركس أو غرامشي أو الكواكبي أو غيرهم. المشكلة تبدأ حين نستخدمهم بطريقة تعفينا من التفكير. والنظرية تصبح عبئاً حين تتحول إلى سلطة تستطيع أن تقول لنا مسبقاً ماذا ينبغي أن نرى في التجربة.
الأصل في القول إن التاريخ لا يقدم وصفات أخلاقية بسيطة، فبعض أشكال المقاومة السلمية كانت شديدة الفاعلية، وبعضها فشل؛ كما أن بعض أشكال المقاومة المسلحة حققت نتائج سياسية، وبعضها دمر مجتمعاته. إذ لا توجد طريقة واحدة للفعل تصلح لكل ظرف، فالهدف والسياق والتنظيم والنتيجة هي المحددات التي تعين القيمة السياسية، في حين تقع الصورة الأخلاقية التي رسمناها للفعل في مطرح آخر بعيد عن تلك المحددات. فمقاومة الاستعمار لا تعني بالضرورة إنتاج نسخة معاكسة منه. كما أن نقد المقاومة لا ينبغي أن يتحول إلى طلب من المستعمَر أن يكون أكثر أخلاقية من النظام الذي يسيطر عليه، وكأن العبء الأخلاقي يقع عليه وحده.
ثمة عدم تكافؤ يجب ألا يختفي تحت لغة مجردة عن "العنف من الطرفين". فالاستعمار الاستيطاني بنية سلطة، وليس مجرد سلسلة من الأفعال الفردية. لكنه في لا يلغي -في ذات الوقت- السؤال عن أفعال الطرف الواقع تحت السيطرة. والجمع بين المستويين هو الذي يجعل التحليل سياسيا وأخلاقيا في آن.
ولكن [دائماً هناك ولكن] ثمة مشكلة أخرى، ربما أكثر إزعاجاً. فنحن نطالب أحيانا بإنهاء مركزية المستعمِر في تعريف الذات، ثم نواصل إنتاج معظم معرفتنا السياسية حوله فنحلل تاريخه ومجتمعه وجيشه واقتصاده وعلاقته بالغرب وخوفه وعنصريته وانقساماته وأزماته النفسية ومستقبله. كل ذلك مهم، ولا يمكن فهم الصراع من دونه. لكن كم يبقى من الوقت والطاقة لمعرفة المجتمع الذي نريد تحريره؟
قد يكون من الضروري أن نعرف العدو. لكن هذه المعرفة ليست هي الشيء الذي يعني الخروج من مركزيته. وهنا أجد في الحديث عن "أنسنة" المستعمِر مفارقة تستحق الانتباه. حين نراه إنساناً، بخوفه ومصالحه وتناقضاته، فتتراجع صورته الأسطورية، وهذا مفيد. فالعدو الذي يبدو كتلة صلبة لا وجه لها قد يتحول إلى قوة يستحيل تصور هزيمتها. أما البشر فيمكن فهمهم، ويمكن أن تتغير حساباتهم، ويمكن أن يتناقضوا.
لكن هناك حداً لهذه الفكرة. فمعرفة خوف المستعمِر لا تحرر الضحية من خوفها. وفهم أسباب القتل لا يغير حقيقة القتل. وقد يتحول الانشغال بنفسيته إلى نوع من الأسر الجديد فبينما نعتقد أننا نحلله لكي نعرف كيف نواجهه، نجدنا نعود في كل مرة إلى السؤال عنه، وعن حياته، وعن مستقبله.
ربما يكون هذا أحد أشكال استمرار مركزية المستعمِر في وعينا حين لا يعود هو موضوع الخوف فقط، وإنما يصبح موضوع المعرفة أيضاً. وسوف تبدو المفارقة أكثر وضوحاً حين نتحدث عن "هشاشته النفسية".
نعم، يمكن أن يكون المجتمع الإسرائيلي مثقلاً بالخوف والقلق والتهديد والذاكرة التاريخية. ويمكن أن تؤدي عسكرة المجتمع والاستيطان والحرب الدائمة إلى تناقضات عميقة. لكن تحويل هذه العناصر إلى مفتاح يفسر كل شيء قد يقود إلى وهم معاكس لوهم القوة المطلقة، أي، أن العدو هش، ولذلك فإن انهياره قريب. غير أن الواقع شيء والوهم شيء آخر، كما أن التاريخ-كما يقال- أكثر عناداً من ذلك.
لا تنهار الدول بسبب اكتشاف عقدها النفسية! (من قال ذلك أصلاً؟) ولا تفقد المجتمعات قدرتها على البقاء لأننا أثبتنا أنها تعيش القلق. إن القوة العسكرية والمؤسسات والاقتصاد والتحالفات والمصالح الدولية هي مكونات أشياء مادية في مجملها وليست حمولات نفسية ، ولا ينبغي للتحليل النفسي أن يتولى تفسير ما لا يستطيع تفسيره.
لهذا لا يبدو مقنعاً التعبير الذي يجعل "تعميق المأزق الوجودي" هدفاً قائماً بذاته. قد يكون المأزق حقيقياً، وقد تكون آثاره السياسية كبيرة، لكن المأزق ليس سياسة. هو حالة يمكن أن تنشأ عنها نتائج مختلفة، وقد تؤدي إلى الانقسام، وقد تؤدي إلى مزيد من التشدد، وقد تدفع إلى التكيف، وقد تنتج تسويات لم تكن ممكنة من قبل. لا شيء في الأزمة يضمن وحده اتجاهها. وهذا يقودنا إلى فكرة "الدولة الوظيفية".
لا شك أن إسرائيل نشأت وتطورت داخل شبكة واسعة من المصالح الغربية والإمبريالية، وأن علاقتها بالولايات المتحدة وأوروبا ليست تفصيلاً خارجيا في تاريخها. لكن القول إنها دولة وظيفية لا ينبغي أن يتحول إلى تفسير يغلق السؤال. فالدولة التي تؤدي وظيفة في نظام دولي تستطيع، مع الزمن، أن تنتج مصالحها الخاصة ومؤسساتها ونخبها وصراعاتها الداخلية وأن تتجاوز أحيانا الوظيفة التي نشأت من أجلها.
وعلى عكس ما هو مرجو من الوهم، فإن الدولة ليست أداة فقط. وهذه النقطة مهمة لأننا إذا رفضنا اختزال المجتمع الفلسطيني في كونه نتيجة للاستعمار، ينبغي ألا نختزل المجتمع الإسرائيلي في كونه نتيجة لوظيفة إمبريالية. كلا المجتمعين أكثر تعقيداً من البنية التي تحيط بهما. ويمكننا أن نكون واضحين في رفض المشروع الصهيوني من دون أن نحوّل الإسرائيليين إلى دمى تاريخية تتحرك داخل مؤامرة مكتملة البناء.
واقع الأمر يفترض أن النقد الحقيقي أكثر صعوبة من ذلك، فهو يقتضي منا رؤية القوة حين تكون قوة، ورؤية هشاشتها حين تكون هشة، ومعروفة حدود تفسيرنا قبل معرفة حدود خصمنا. ولهذا أيضاً لا تبدو مقنعة العبارة التي تقول إن فهم المشروع الصهيوني سيقود إلى هزيمته.
لقد فهمنا الكثير، وربما لم يكن نقص المعرفة هو المشكلة الأساسية في معظم اللحظات. لكن هذا لا يعني أن المعرفة بلا قيمة. لأن المعرفة لا تصنع القدرة السياسية وحدها. ربما تمنع الوهم، وتكشف نقاط القوة والضعف، وتساعد على بناء خيارات أفضل، لكنها لا تستطيع أن تقوم مقام التنظيم والموارد والإرادة والقرار.
وهنا ينبغي الحذر من الوقوع في عبادة الفعل أيضاً.
فالفعل ليس فضيلة لمجرد أنه فعل. قد يكون شجاعاً وغير مجد، وقد يكون مكلفاً من دون أن يغير شيئاً، وقد يؤدي إلى نتائج لم يقصدها أصحابه. السياسة ليست امتحاناً للشجاعة الفردية. إنها القدرة على تحويل الفعل إلى أثر، والأثر إلى قدرة، والقدرة إلى تغيير في شروط الواقع. ربما لهذا السبب لا تكفي ثنائية المعرفة والفعل. فالمعرفة التي لا تتحول إلى قدرة تظل ناقصة، والفعل الذي لا يستند إلى معرفة قد يتحول إلى حركة عمياء. ومن بين هذا وذلك تقع السياسة وفعلها.
المشكلة هنا أن الصراع الطويل يدفع الجماعات إلى البحث عن صور واضحة لأنفسها. سنجد أن صورة الضحية تمنح معنى للألم وصورة المقاوم تمنح معنى للتضحية وصورة الصامد تمنح معنى للبقاء. لكن الحياة الفعلية أقل انتظاماً من هذه الصور. قد يكون أحدنا ضحية ومقاوماً ومتعباً في وقت واحد(ما الضير في ذلك!). قد يقاوم في لحظة ويتكيف في أخرى. قد يريد التحرير ويريد، في اليوم ذاته، بيتاً هادئاً وحياة عادية. لا ينبغي مطالبته بأن يكون شخصية تاريخية طوال الوقت. ربما يكون هذا أكثر ما نحتاج إلى استعادته، وأقصد الإنسان نفسه.
ليس الفلسطيني فكرة عن الفلسطيني. وليس المجتمع الفلسطيني تجسيداً دائماً للمقاومة. ولا يحتاج إلى أن يكون كذلك كي يكون جديراً بالتحرر. فحين تصبح المقاومة معياراً لكل شيء، تبدأ الحياة في فقدان شرعيتها الخاصة. وحين يصبح الفعل السياسي هو المقياس الوحيد، يصبح الإنسان الذي يريد فقط أن يعيش موضع شبهة. وحين تصبح الأصالة شرطاً للانتماء، تصبح الهوية سجناً آخر. وحين تصبح النظرية المرجع الأخير، نفقد قدرتنا على رؤية ما لا تقوله النظرية. فالذات الفلسطينية ليست جوهراً صافياً دفنه الاستعمار ثم ننتظر استعادته. لا توجد ذات تاريخية خالصة تقف خارج الزمن، ثم يأتي المستعمِر ليشوهها. المجتمع الفلسطيني تغير واختلف وانقسم وأعاد بناء نفسه مرات كثيرة. فيه الريفي والمديني، واللاجئ والمقيم، والطبقة العاملة والطبقات الوسطى، والمتدين والعلماني، والمحافظ والراديكالي، والمقاوم والمنهك، ومن يريد العودة ومن يريد الهجرة ومن يريد فقط أن يعيش.
وهنا تظهر إحدى أكثر الأفكار إغراءً وخطورةً في الخطاب التحرري؛ فكرة أن المستعمَر يجب أن يستعيد القوة التي سلبها المستعمِر.
تبدو الفكرة بديهية إلى أن نطرح السؤال التالي: أي قوة؟
إذا كان المقصود القدرة على الدفاع عن النفس وفرض الإرادة السياسية وتحقيق الاستقلال، فالأمر واضح. أما إذا أصبح المقصود امتلاك النموذج الذي مثله المستعمِر، فإن التحرر يتحول إلى عملية استبدال مواقع. يصبح السؤال: من يجلس في مقعد القوة؟ بدلا من السؤال الأصعب: كيف نعيد تعريف القوة ؟. ربما هنا تكمن القيمة الحقيقية لفانون، أي في الكشف عن الخطر الذي يصيب الذات المستعمَرة حين تصبح رغبتها في التحرر مرتبطة، بصورة واعية أو خفية، بالرغبة في امتلاك موقع المستعمِر.
ربما لا يكون التحرر في أن نخرج من علاقة القوة فقط، وإنما في أن نخرج من حاجتنا إلى أن تعرّفنا هذه العلاقة. وهذا-لعمري- دونه خرط القتاد. لأن الاستعمار لا يترك الأرض بسهولة، لكنه قد يترك وراءه طريقة في التفكير. وقد يكون التخلص من هذه الطريقة أبطأ من استعادة الأرض نفسها.
لكنني لا أريد أن أحول هذه الفكرة إلى خاتمة مريحة. لا أعرف إن كان ممكناً أن يتحرر مجتمع يعيش حرباً طويلة من الحاجة إلى تعريف نفسه من خلالها. ولا أعرف إن كان بالإمكان أن نضع العدو في مكانه الصحيح، فلا نستخف بقوته ولا نبالغ في حضوره. ولا أعرف إن كان مفهوم المقاومة يستطيع أن يحتفظ بمعناه من دون أن يبتلع الحياة.
فالمشكلة ليست أن المقاومة أصبحت رومانسية أكثر مما ينبغي ولا أن العنف أصبح مركز الخطاب ولا أن الصمود أخذ مساحة أكبر من حجمه. المشكلة الأعمق أن الصراع الطويل يستطيع أن يعيد تشكيل وعي الجماعة بحيث يصبح هو اللغة الوحيدة التي تستطيع بها أن تتحدث عن نفسها. وحين يحدث ذلك، لا يتوقف التحرر عند التخلص من سلطة خارجية، لأنه سيمتد ليصبح أيضاً استعادة القدرة على أن يكون لنا وجود لا يحتاج إلى خصم كي يبرره.
ربما يكون التحرر الحقيقي أقل وضوحاً من صورته البطولية. فقد قد يبدأ حين يتوقف المجتمع عن الحاجة إلى إثبات وجوده في كل لحظة، ويصبح قادراً على أن يعيش ويختلف ويخطئ وينظم نفسه ويعارض سلطاته وينتج معرفته، من دون أن يشعر أن كل فعل يجب أن يحمل ختم المقاومة كي يكتسب قيمة. قد يكون هذا هو المعنى الأعمق لاستعادة الذات، أي ألا تعود الذات بحاجة إلى المستعمِر لكي تعرف نفسها، وألا تحتاج أيضا إلى صورة مثالية عن المقاومة لكي تثبت أنها ما زالت موجودة.
ربما لا توجد إجابة نهائية.
لكن ربما يكون من المفيد، في هذه المرحلة، أن نعيد الأسئلة إلى مكانها الأول: ماذا يعني أن نقاوم؟ ماذا يعني أن نعيش؟ ماذا يعني أن نعرف؟ وماذا يبقى من معنى التحرر إذا خرجنا من الاستعمار ونحن لا نزال نرى أنفسنا من خلاله؟
هذه الأسئلة، في حد ذاتها، قد تكون بداية مختلفة للتفكير.



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إسرائيل وحرب الإبادة في غزة داخل إجابات الذكاء الاصطناعي
- عن الطوفان وأشياء أخرى (67)
- البحر بيضحك ليه
- ديمقراطية الأسياد: من المشروع الصهيوني إلى دولة -الشعب- اليه ...
- أخلاق الهيمنة وصنع الآخر:خفايا -تاجر البندقية-
- عن الطوفان وأشياء أخرى (66)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (65)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (64)
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية
- شتاء تورينو: المشهد الأخير
- قراءة في كتاب أنبياء مزيفون، مفهوم العبث في أعمال كامو وديست ...
- تأملات في اللاعنف
- حقيقة اكتشاف إيلات مزار لقصر الملك داود.
- علم الآثار تحت الحكم العسكري: الأثر والتراث أدوات سيادة استي ...
- السلام الإبراهيمي: لاهوت السردية الجيوسياسية
- كيف يعيد المشفى صياغة الإنسان الحديث؟ تأملات في الرعاية والض ...
- إيران في مرآة النماذج: من النقاش السياسي إلى إلغاء الموقف ال ...
- عن الطوفان وأشياء أخرى (63)
- الأفعى. قصة قصيرة
- عن الطوفان واشياء أخرى (62)


المزيد.....




- ماغي بو غصن في قبضة العنكبوت.. إطلالة تنكرية بالكريستال في ا ...
- شاهد.. أمريكا تشن غارة على قارب يُشتبه في تهريبه للمخدرات بع ...
- روبوتات تغير شكلها، فكيف تفعل ذلك؟
- السجن مدى الحياة لمفتي النظام السابق في سوريا
- الاستخبارات الخارجية الروسية: السياسيون الألمان يكررون سينار ...
- تلفزيون بيلاروسي: تبادل جديد بصيغة 10 مقابل 10 لمواطني روسيا ...
- سموتريتش يدعو إلى توسيع الاستيطان في الضفة الغربية (فيديو)
- حبس لاعب مصري مشهور 3 سنوات
- نداء عاجل لإعادة أموال صرفتها ماكينة بالخطأ في مصر
- مصر تمنع السياح من زيارة خان الخليلي والحسين في المولد النبو ...


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - التحرر من الاستعمار أم التحرر من صورته؟