أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الصباغ - البحر بيضحك ليه















المزيد.....

البحر بيضحك ليه


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 00:15
المحور: الادب والفن
    


هناك نصوص تحتاج إلى أن نبتعد عنها قليلاً كي نراها بوضوح. أحدها "البحر بيضحك ليه". فقد استقرت الأغنية في الذاكرة بصوت الشيخ إمام حتى كادت تنفصل عن المسرحية التي خرجت منها، وعن السياق الذي كتب فيه نجيب سرور نصه، وعن البنية الفنية التي تجعلها واحدة من أكثر مقاطع مسرحية "منين أجيب ناس" كثافة.
والمفارقة أن النص لا يبدأ بصوت نجيب سرور، ولا بصوت بطله. ففي المشهد الأول من المسرحية: وفي مكان ما شاطئ النيل عند الشروق، ثمة فلاحات يحملن الجرار ويغنين. ثم يأتي صوت الراوي ليقطع هذا المشهد من داخله. ففي البداية تفتتح الفلاحات القول: "البحر بيضحك ليه"، فيجيب الراوي: "البحر غضبان مابيضحكش". في نقلة تمثل المدخل الحقيقي إلى القصيدة.
يقال أن نجيب سرور كتب القصيدة كنوع من المعارضة الشعرية لأغنية سيد درويش المعروفة باسم "المراكبية" والتي اشتهرت شعبياً باسم "البحر بيضحك ليه" سنة 1919*. وحتى لو كان الأمر كذلك فقد نقل سرور الحالة إلى لحظة وعي مختلفة. فنحن أمام أغنية شعبية جماعية، مألوفة ومطمئنة، تنتمي إلى عالم يمكن فيه للفلاحات أن ينزلن إلى النيل ويمتلئن بالمرح وهن يملأن القُلل. ثم يدخل الراوي، فينظر إلى هذا العالم- عالمه وعالمهن- لكن بعين أخرى... نعم، النهر هو النهر، والقُلل هي القُلل، والنساء هن النساء، لكن المعنى تبدل كله، لذلك لا يضحك البحر لأن "أصل الحكاية ماتضحكش".
رأى سيد درويش أن البحر بيضحك للخفة وهي نازلة تدلع تملى القُلل، لكنه يرى أن البحر عصبي بعض الشيء (اشمعنا طيب يتخلق!... عً المراكبي وتغرق... مركبه دي وقعته زحل... ). هنا بحر نجيب سرور لم يتغير عن بحر سيد درويش لكن الذي تغير هو الوعي الذي ينظر إليه. لنتذكر ، كتب سرور مسرحية "منين أجيب ناس" في ربيع العام 1974، أثناء إقامته الجبرية في إحدى مستشفيات الصحة النفسية**. وإذن، نحن أمام أصوات متجاورة، وليس صوت واحد يتدفق من أوله إلى آخره . أصوات متعددة تشكل جزءً من المسرحية، تكمن في بنيتها شيء من الحساسية تحاكي، على نحو مباشر، تدفق أذهان الشخصيات، وتتابع فالبحر يقول إلى القُلة، والقُلة إلى الماء، والماء إلى العطش، والعطش إلى الحرمان، والحرمان إلى الجرح، وهذا الأخير يقود إلى الحبيبة التي تومئ بوجود السور، والسور يقود إلى العجز ، وينتهي العجز عند الناي المكسور .
إن تداعي هذا الوعي داخل البنية الدرامية يجعل من هذا الوعي خشبة مسرح يكشفها لنا سرور بمنتهى البراعة ويضع أمامنا صراع بين وعي شعبي يغني ووعي آخر لم يعد يستطيع أن يصدق الأغنية. ولعل هذا ما يجعل أيضاً من البحر صورة مركزية في النص. إنه في البداية شيء يقع خارج الإنسان، ثم يتحول تدريجياً إلى مرآة له. "البحر غضبان"، ثم "البحر جرحه مابيدبلش"، ثم "وجرحنا ولا عمره دبل". ينتقل الجرح من البحر إلى الجماعة. الطبيعة نفسها تصبح لغة للإنسان. ولا يقل التحول من "أنا" إلى "نحن" أهمية عن ذلك. فيبدأ المشهد بصوت "أنا نازلة"، ثم يدخل "بنضحك"، و"قُللنا"، و"ملينا"، و"عطشنا"، و"شايلين"***.
هنا يذوب الفرد في الجماعة، ثم يعود في النهاية إلى "بيني وبينك". وهذه الحركة تكشف إحدى أعمق مشكلات الذات في القصيدة: لا يستطيع الشاعر أن يتحدث عن نفسه بوصفه فرداً منفصلاً؛ ولا تكتمل محنته إلا حين تتحول إلى محنة جماعة " "مساكين بنضحك مِ البلوة... زي الديوك والروح حلوة... سارقاها مِ السكين حَموة... ولسّه جوّا القلب أمل".
لم يعد الضحك نقيضاً للألم. لكنه صار شكلاً من أشكاله. إنهم يضحكون لأنهم في "البلوة"، كما لو أن الضحك هو آخر ما يستطيع المقهور فعله أمام ما لا يملك تغييره. ثم تأتي صورة الديوك عند الذبح لتدفع المعنى إلى أقصاه: تستمر الحركة في اللحظة التي تنتهي فيها الحياة. أما "الأمل" فيأتي بعد السكين، ولذلك لا يبدو وعداً بانتصار قريب، وإنما بقية حياة تقاوم أن تنطفئ. وهنا تظهر براعة سرور في أنه لا يحول المقهور إلى شخصية مستسلمة. إنه يضع اليأس والكرامة في المكان ذاته" "يا قُلة الذل أنا ناوي... ما أشرب ولو في القُلة عسل". تتحول قُلة سيد درويش من وعاء للماء إلى اختبار للكرامة عند نجيب سرور... ربما يكون فيها عسل، ولكن [دائما هناك ولكن] إذا كان ثمنه الذل، سيختار الشاعر العطش.
هذه ليست بطولة خطابية؛ إنها بنية نفسية تقوم على رفض المقايضة بين الحاجة والكرامة. ثم يبلغ هذا المعنى مداه" ياما ملينا وملينا... لغيرنا وعطشنا ساقينا... صابرين وبحر ما يروينا... شايلين بدال العلّة علل". كنوع من استعارة الماء للثروة والعمل والحياة، فمن يملأ القُلل لغيره يظل عطشاناً. ولذلك لا يعود البحر مصدراً للماء؛ يصبح صورة لعالم يملك وفرة لا تصل إلى من يحتاج إليها.
لكن القصيدة لا تستقر عند المستوى الاجتماعي والسياسي. فبعد اتساع الصوت ليصبح "نحن"، يعود فجأة إلى الحب فتتغير طبيعة النص مرة أخرى. فالحبيبة ليست استراحة غزلية داخل قصيدة احتجاج. إنها النقطة التي يعود عندها كل شيء إلى الذات: "في بالي ياما وعلى بالي... واللي بيعشق ما يبالي... ما يهمنيش من عزّالي... يا حلوة لو مرسالي وصل". ثم سيظهر هذا الفرد بعد ظهور الجماعة والعطش والظلم، يريد أن تصل رسالته إلى من يحب: "بيني وبينك سور ورا سور... وأنا لا مارد ولا عصفور... في إيدي ناي والناي مكسور"
ربما لا توجد صورة أكثر اختصاراً لتجربة نجيب سرور كلها من مقطع "سور ورا سور". ليس هناك عائق واحد يمكن تجاوزه، وإنما طبقات من العوائق. ثم تأتي المقارنة بين المارد والعصفور، بين من يملك القوة التي تهدم السور، ومن يملك الحرية التي تسمح له بالتحليق فوق السور، أما الشاعر فلا يملك هذه ولا تلك. إنه يملك الناي، لكنه مكسور، فالشاعر محاصر، وأداة صوته مكسورة، ويعجز عن الوصول وبالتالي عن التعبير، ومع ذلك لا ينفك يبعث رسائله.
هذه القفلة المفارقة هي التي تمنع القصيدة من السقوط في اليأس الكامل. فالناي المكسور ما زال قادراً على إنتاج الكلام، والرسالة التي يخشى الشاعر ألا تصل وصلت بالفعل (القصد هنا أنها وصلت إلى أجيال بعده).
ومن ثم، يمكن فهم نجيب سرور خارج صورته الشائعة بوصفه "الشاعر الغاضب" أو "المثقف المضطهد".
لم تكن مشكلة نجيب سرور يوماً في افتقاره إلى الموهبة أو إلى شروط الاعتراف الأولي. على العكس، كان يمتلك ثقافة مسرحية رفيعة، وتكويناً أكاديمياً، وخبرة في الإخراج والتمثيل والكتابة، واتصالاً مبكراً بالمؤسسة الثقافية المصرية. لكن طبيعة فنه جعلت علاقته بالمؤسسة شديدة التعقيد. ونحن نعلم أن المسرح يحتاج إلى المؤسسة أكثر من الشعر الغنائي. يحتاج إلى خشبة وفرقة وإنتاج وتمويل ورقابة ومساحة عرض. ولذلك كان سرور أمام مأزق يكاد يكون بنيوياً فالفن الذي اختاره يحتاج إلى المركز، بينما شخصيته ومشروعه يدفعانه باستمرار إلى الاصطدام بالمركز.
لهذا لم يكن إخفاقه في تثبيت اسمه داخل المؤسسة الثقافية لضعف في الموهبة، وإنما نتيجة تفاعل بين بنية ثقافية مركزية، وشخصية شديدة الصدام، ومشروع فني مركب لا يختزل في خانة واحدة. لقد كان شاعراً ومسرحيا ًومخرجاً وناقداً ومترجماً، ولم يكن من السهل تحويله إلى صورة ثقافية بسيطة قابلة للتسويق المؤسسي. ثم جاءت سنوات التضييق والإقامة الجبرية والمرض لتزيد المسافة بينه وبين الاستقرار الذي يحتاج إليه الفنان كي يراكم حضوره****.
لا يمثل سرور بداية مباشرة لتيار أدبي لاحق، وإنما يقف في منطقة انتقال مهمة. إنه واحد من الذين بدأوا مبكراً في نقل الصراع من مستوى "ماذا حدث لنا؟" إلى مستوى "ماذا حصل لنا بسبب ذلك؟" وهذا هو السبب في أن "البحر بيضحك ليه" تبدو، في بعض لحظاتها، أكثر حداثة مما يوحي به شكلها الشعبي. فالفلاحات يغنين أغنية جماعية، ثم يأتي الراوي ليكسر انسجامها. يصبح البحر حالة نفسية والقُلل تصبح اختباراً للكرامة والماء يتحول إلى علامة على الحرمان والحبيبة تصبح موضعاً للرغبة المستحيلة والسور يتكاثر والناي ينكسر.
هذه ليست صوراً مستقلة؛ إنها حركة واحدة لوعي يتشقق كلما حاول أن يجد لنفسه مخرجا. ولهذا من الصواب القول إن قراءة القصيدة بالبحث عن "رمز" مقابل كل شيء: البحر يعني حياة المصريين، والحبيبة تعني مصر، والسور يعني المستشفى، والناي يعني الشاعر، إنما هي قراءة تغلق النص بدلاً من أن تفتحه. والأصح أن ننظر إلى العلاقات التي تنشأ بين هذه الصور. فالبحر لا يعني شيئاً واحداً، لكنه يتحول إلى جرح حين يدخل في علاقة مع "جرحنا". والقُلة لا تعني شيئاً واحداً، لكنها تتحول إلى "قُلة الذل" حين تدخل في علاقة مع العطش والكرامة. والسور لا يصبح رمزاً مجرداً، وإنما يصبح محسوساً من خلال استحالة الوصول.
حتى مسألة هوية سرور القبطية، التي قد تبدو مغرية لتفسير اغترابه، ينبغي التعامل معها بالقدر ذاته من الحذر. إذ لا توجد في الأعمال الكبرى التي صنعت صورته الأدبية أدلة تجعل الهوية الدينية سبباً مباشراً في صدامه مع السلطة أو المؤسسة. فما هو واضح في سيرته هو تداخل الفقر الريفي، والطبقة، والتكوين الثقافي، والصدام السياسي والمؤسسي، والتجربة النفسية. وإذا كان انتماؤه القبطي قد أضاف طبقة إلى شعوره بالوقوف على تخوم المركز، فلا ينبغي تحويل هذه الطبقة إلى تفسير شامل لمأساته؛ فسرور نفسه لم يبن مشروعه الأدبي على ثنائية المسلم والقبطي، وإنما على عالم مصري شعبي مشترك، استدعى فيه حسن ونعيمة وإيزيس وأوزوريس والفلاح والمراكبي والنيل والحكاية الشعبية... وما إلى ذلك.
في النهاية، ربما لا تكون المسألة أن البحر كان يضحك ثم توقف عن الضحك. المسألة أن من كان يستطيع سماع ضحكة البحر في الأغنية الشعبية، فقد القدرة على سماعها كما كانت. وهذا هو جوهر تجربة نجيب سرور. فحين يتغير وعي الإنسان، لا تتغير الأشياء من حوله بالضرورة؛ فما يتغير هو قدرته على رؤيتها بالبراءة نفسها.
كان البحر يضحك. ثم حدث شيء ما. ومنذ ذلك الحين، صار البحر غاضباً.
............
* تسجل مكتبة سيد درويش "البحر بيضحك والله للخفة وهي نازلة" ضمن ألحان سنة 1919، في مسرحية "قولوا له"، من كلمات بديع خيري. وتربط مصادر أخرى اللحن بعالم المراكبية في إمبابة وبالتحولات التي أصابت وسائل النقل أثناء ثورة 1919، حين أدى تعطل القطارات إلى زيادة الاعتماد على المراكب النيلية. [للمزيد انظر هنا sayeddarwishlibrary.com]
** ولد نجيب سرور في إخطاب بالدقهلية سنة 1932، ودرس المسرح، وعمل في المسرح الشعبي الذي ارتبط فيه منذ شبابه، ثم سافر في بعثة إلى الاتحاد السوفييتي لدراسة الإخراج، وعاد إلى مصر ليواصل تجربة جعلت منه شاعراً ومسرحياً ومخرجاً وناقداً في آن واحد. وتتفق المصادر التي تناولت مسرحية "منين أجيب ناس" على أنها كتبت في ربيع 1974 أثناء إقامته الجبرية في إحدى مستشفيات الصحة النفسية. [محمد فؤاد، (نجيب سرور.. مسرحياته شاهدة على عصره حتى الآن وأشهرها "منين أجيب ناس"، اليوم السابع، 1 يونيو 2024، تاريخ الوصول: 15 نيسان 2026. الرابط]. من الأهمية بمكان وضع سيرة نجيب سرور في أذهاننا أثناء قراءة هذا النص، فهي تضعنا أمام موقع إنسان لم يكن يراقب القهر من الخارج، وإنما عاش صراعه مع المؤسسة الثقافية والسياسية حتى صار هذا الصراع جزءً من تجربته الشخصية. فإذا ما قرأنا القصيدة من داخل المسرحية، ستبدو أقل شبها بقصيدة غنائية مستقلة وأكثر شبها بمشهد تتكشف فيه طبقات الوعي. حيث يمثلن الفلاحات صوتاً جماعياً أولياً يعترض عليه الراوي، ثم تتسع كلمات الراوي لتحتوي صوت البطل، قبل أن يتحول الجرح الفردي إلى جرح جماعي، ثم يعود في النهاية إلى ذات الشاعر العاشق المحاصر.
*** للتذكير؛ وضع سيد درويش لحن الأغنية- على ذمة أهل الاختصاص - على مقام "حجاز كار" . لكن الشيخ إمام اختار مقام العجم (عجم عشيران) . وتكمن أهمية الاختيار في أنه لم يرد استعادة الشحنة النغمية الحزينة للأصل، وإنما أراد أن يبقي للنص طاقته الغنائية والحركية؛ فالعجم، بطبيعته السلّمية الكبرى، يمنح اللحن إشراقاً وطرباً يتجاوران مع مرارة الكلمات. وهنا تنشأ المفارقة التي تلائم بنية قصيدة سرور نفسها: "مساكين بنضحك م البلوة"؛ حزن يُغنى ولا يتحول إلى رثاء، وغضب يحتفظ بقدرته على الحركة. لذلك يبدو اختيار العجم أقرب إلى تحويل المرارة إلى طاقة جماعية قابلة للغناء منه إلى ترجمة الحزن ترجمة موسيقية مباشرة. وتبقى المفارقة الأجمل أن سيد درويش جعل البحر يضحك في (حجاز كار)، ونجيب سرور جعله يغضب، ثم جعل الشيخ إمام البحر الغاضب يغني في (عجم عشيران). ثمة جانب مهم لا ينبغي له أو يغيب عن بالنا، لم يكن نجيب سرور يمتلك تلك "الصورة العامة" التي امتلكها نجم وإمام اللذان نحولا فعلاً إلى ثنائي رمزي واضح بشخوص واضحة وأغنيات واضحة ومحددة ولغة مباشرة وتسجيلات حية وجمهور سياسي واسع. بينما ترك نجيب سرور وراءه عالما أكثر تشتتاً من مسرحيات ودواوين وترجمات ومقالات ونصوص وتسجيلات وشهادات وفضائح شخصية وأخبار عن المرض والمستشفى. ولذلك أصبحت حياته أحيانا أكثر شهرة من أعماله. وهذا ظلم نقدي حقيقي. فالحديث عن سرور كثيرا ما ينتهي عند "أفكار جنونية في دفتر هاملت" (1977) أو "الحكم قبل المداولة" (1969) أو "تحت عباءة أبي العلاء" (1973) أو "رحلة في ثلاثية نجيب محفوظ" (1959) أو سيرته المأساوية، بينما يحتاج مشروعه المسرحي إلى قراءة متصلة تكشف كيف كان يحاول بناء مسرح شعري مصري مختلف.
****هنا تصبح مقارنته مع أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام مفيدة، فقد استطاع الثنائي نجم وإمام تحويل الهامش إلى منصة. إذ يكفيهما قصيدة وعود وجمهور لبناء فضاء ثقافي خارج المؤسسة الرسمية. أما سرور فكان أكثر تعلقا بالمسرح، ولذلك لم يكن يستطيع ببساطة أن يقول: لا أحتاج إلى المؤسسة، لأنه كان يحتاجها بالفعل كي يحقق مشروعه، وفي الوقت عينه لم يكن يستطيع العيش طويلاً وفق شروطها. وربما هذا ما يجعل انتقال "البحر بيضحك ليه" إلى صوت الشيخ إمام ذا دلالة خاصة. فالنص الذي ولد داخل مسرحية وجد خارج المسرح وسيطا آخر للحياة. فها هو يخرج من الخشبة إلى الغناء، ومن الغناء إلى الجمهور، ومن الجمهور إلى الذاكرة. وبذلك فعل الشيخ إمام، من حيث لا نحتاج إلى افتراض قصد مسبق، شيئاً لم تستطع المؤسسة المسرحية أن تفعله لسرور: لقد منح النص حياة مستقلة عن المسرح الذي كتبه من أجله. من ناحية أخرى يحيلنا هذا التأويل إلى تفهم موقع سرور إلى جانب أمل دنقل ويحيى الطاهر عبد الله. ورغم أنه لا يجمع الثلاثة مذهب أدبي واحد، ولا تجربة سياسية واحدة، ولا يصح تحويلهم إلى "ثلاثة شعراء معارضين" بالمعنى المباشر. إلا أن ما يجمعهم أعمق من ذلك بكثير: لقد كتبوا جميعهم من خارج رفاهية المركز الثقافي، وإن اختلف سبب وجود كل واحد منهم في هذا الخارج. لقد أتى سرور من الفقر الريفي إلى المسرح، ثم اصطدم بالمؤسسة التي كان يحتاج إليها. وجاء دنقل من الجنوب إلى القاهرة، وبنى استقلاله الشعري والأخلاقي في مسافة واضحة من المؤسسة. ويحيى الطاهر عبد الله ظل مشدوداً إلى الهامش الريفي والذاكرة الشفوية، وحوّل الحكاية المحلية إلى بنية فنية حديثة. لم يستطع هؤلاء الثلاثة فصل الكتابة عن شروط الحياة التي عاشوها. و يمثل ديوان "أوراق الغرفة 8" لأمل دنقل مثالاً لاحقاً واضحاً على انتقال التجربة من الحدث الخارجي إلى الجسد والوعي؛ صدر الديوان عن الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1983، ويضم قصائد المرحلة الأخيرة من مرض دنقل، ومنها "زهور"، و"ضد من"، و"لعبة النهاية"، و"السرير"، و"الجنوبي" [https://books.google.se/books/about/%D8%A7%D9%88%D8%B1%D8%A7%D9%82_%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D9%81%D8%A9_8.html?id=rMIPAAAAYAAJ&re-dir-_esc=y]



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ديمقراطية الأسياد: من المشروع الصهيوني إلى دولة -الشعب- اليه ...
- أخلاق الهيمنة وصنع الآخر:خفايا -تاجر البندقية-
- عن الطوفان وأشياء أخرى (66)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (65)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (64)
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية
- شتاء تورينو: المشهد الأخير
- قراءة في كتاب أنبياء مزيفون، مفهوم العبث في أعمال كامو وديست ...
- تأملات في اللاعنف
- حقيقة اكتشاف إيلات مزار لقصر الملك داود.
- علم الآثار تحت الحكم العسكري: الأثر والتراث أدوات سيادة استي ...
- السلام الإبراهيمي: لاهوت السردية الجيوسياسية
- كيف يعيد المشفى صياغة الإنسان الحديث؟ تأملات في الرعاية والض ...
- إيران في مرآة النماذج: من النقاش السياسي إلى إلغاء الموقف ال ...
- عن الطوفان وأشياء أخرى (63)
- الأفعى. قصة قصيرة
- عن الطوفان واشياء أخرى (62)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (61)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (60)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (58)


المزيد.....




- بقيمة 9 ملايين يورو.. الشرطة الإيطالية تستعيد 3 لوحات مسروقة ...
- بيت المدى يوجه التحية إلى الفنان المسرحي صلاح القصب
- -عملية جراحية في قلب الأرض-.. دقة المشارط تُعيد بعث مقابر ال ...
- -غزة ومعاناة الفلسطينيين حاضرة-.. انطلاق النسخة الـ11 لمعرض ...
- مصر.. اكتشافات أثرية قد تقود إلى مدينة فرعونية مفقودة
- معرض -كوكب السيليكون-.. أسرار الكون تجسدها إبداعات الزجاج ال ...
- وزارة الموارد المائية والري ووزارة الثقافة تحتفلان بـ«عيد وف ...
- أسبوع القاهرة للتصميم شريكا في موسكو.. تعزيز حضور التصميم ال ...
- 40 فيلما من 13 دولة في مهرجان -ليندوك- السينمائي ببطرسبورغ
- بعد غياب 15 عاما.. راغب علامة يعانق الشام ويسقط كلمات الكراه ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الصباغ - البحر بيضحك ليه