أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (58)















المزيد.....

عن الطوفان وأشياء أخرى (58)


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 00:26
المحور: القضية الفلسطينية
    


-عن تاريخية الطوفان، ما قبل وما بعد
يصعب فهم حرب الإبادة الجارية في غزة فيما لو اختزلت في لحظة السابع من تشرين الأول. لأن هذا يعني القبول بالرواية الإسرائيلية الرسمية التي تعتبر تلك اللحظة تمثل نقطة البداية،
ولكن حتى لو قبلنا-على سبيل الجدل-بالراوية الإسرائيلية، فلحظة الطوفان الأولى لم ولن ولا تمثل بداية الصراع ذاته. وإنما نتاج سياق تاريخي طويل تشكل عبر عقود من السيطرة العسكرية والاقتلاع السكاني مما ينسف السردية الإسرائيل التي تحاول رده إلى شكل من "فراغ" تاريخي يعيشه الفلسطينيون لانسداد الأفق أمامهم بسبب قيادة فاسدة وإرهابية
وللعودة إلى الجذور ينبغي الرجوع إلى العام 1917، حين أصدرت الحكومة البريطانية وعد بلفور، الذي شكل -بحق- لحظة تأسيسية فتحت الباب أمام مشروع منظم يهدف إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. ومع أن هذا المشروع سبق كارثة المحرقة النازية بسنوات طويلة، فإن الأخيرة منحت الصهيونية زخماً أخلاقياً وسياسياً كبيراً في الغرب. غير أن أوروبا، التي وقعت فيها تلك الجريمة، لم تفتح أبوابها أمام الناجين منها، وإنما دفعت باتجاه توجيههم إلى فلسطين؛ أي إلى أرض يسكنها شعب آخر.
صدر في العام 1947 قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين. منح القرار الدولة اليهودية المقترحة أكثر من نصف مساحة البلاد، رغم أن اليهود كانوا أقلية سكانية ولا يملكون سوى نسبة محدودة من الأراضي. كان هذا القرار لحظة فاصلة مهّدت الطريق لقيام إسرائيل في العام 1948، لكنه فتح في ذات الوقت باب الكارثة الكبرى في التاريخ الفلسطيني الحديث، أي النكبة التي
أعادت تشكيل الخريطة السكانية والسياسية للبلاد. فتحول نحو 750 ألف فلسطيني إلى لاجئين، ودُمّرت مئات القرى، واختفى اسم فلسطين من الخريطة السياسية.
لسنوات طويلة سادت رواية صهيونية تزعم أن الفلسطينيين غادروا طوعاً أو استجابة لنداءات قادتهم. لكن فتح الأرشيفات الإسرائيلية في ثمانينيات القرن الماضي أتاح إعادة فحص هذه الرواية. وهنا برز عدد من الباحثين الذين عُرفوا لاحقاً باسم "المؤرخين الجدد". من بينهم إبلان بابييه الذي وصف أحداث العام 1948 بأنها عملية تطهير عرقي منهجية، وكذلك بيني موريس الذي أظهرت أبحاثه، اعتماداً على الوثائق العسكرية الإسرائيلية، أن كثيراً من الفلسطينيين أُخرجوا من قراهم ومدنهم بالقوة. ورغم اختلاف مواقف هؤلاء الباحثين السياسية لاحقاً، فإن عملهم أسهم في تقويض الرواية القديمة التي تنفي مسؤولية إسرائيل عن مشكلة اللاجئين.
لكن النكبة، في نظر كثير من الباحثين، ليست حادثة أُغلقت صفحاتها في الماضي. إنها عملية مستمرة. فمنذ احتلال إسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967 اتخذت سياسات السيطرة شكلاً مختلفاً يقوم على الاستيطان وتغيير الوقائع الديموغرافية على الأرض. فتوسعت المستوطنات، وتقطعت أوصال الضفة الغربية عبر شبكة من الطرق الالتفافية والحواجز العسكرية، فيما بقي قطاع غزة تحت حصار طويل جعل الحياة فيه أقرب إلى ما يصفه البعص بـ "السجن المفتوح".
يفسر هذا السياق التاريخي لماذا يرفض كثير من الفلسطينيين اختزال الصراع في حادثة واحدة من العنف. فبالنسبة إليهم، المسألة ليست لحظة منفصلة، بل تاريخ متراكم من السيطرة والاقتلاع. ولفهم طبيعة هذا التاريخ يلجأ عدد من الباحثين إلى مفهوم، أو نموذج الاستعمار الاستيطاني حيث يكون لا يكون هدف المشروع الاستعماري السيطرة على السكان المحليين واستغلال مواردهم فحسب، ولكن إحلال مجتمع جديد محل المجتمع الأصلي أيضاً.
وتقترب هذه الفكرة من التحليل الذي صاغه المفكر المناهض للاستعمار فرانز فانون حين وصف الاستعمار بأنه نظام يقوم على الإقصاء البنيوي والعنف الدائم. وتبدو ملامح هذا النموذج واضحة في الحالة الفلسطينية. فالحركة الصهيونية لم تسع إلى إدارة مجتمع عربي قائم. لقد عملت على إنشاء مجتمع يهودي مستقل على الأرض من خلال ما ظهر ما عرف منذ البدايات بفكرة "العمل العبري" التي دعت إلى بناء اقتصاد يهودي منفصل يستبعد العمال العرب.
غير أن المجتمع الذي نشأ في إسرائيل لم يكن متجانساً. فقد وصل إلى الدولة الجديدة ملايين اليهود القادمين من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى جانب اليهود الأوروبيين المعروفين باسم الأشكناز. هؤلاء القادمون من الشرق وجدوا أنفسهم في مرتبة اجتماعية أدنى، إذ احتكرت النخب الأوروبية معظم المؤسسات السياسية والاقتصادية والثقافية.
يعكس هذا الانقسام أيضاً الجذور الأوروبية للحركة الصهيونية. فمؤسس الصهيونية السياسية ثيودور هرتزل كان ابن البيئة الفكرية الأوروبية في أواخر القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي شهدت صعود فكرة الدولة القومية الحديثة. تبنت الصهيونية هذا النموذج، لكنها واجهت معضلة واضحة: الأمة التي تتحدث باسمها كانت موزعة في أنحاء العالم ولا تملك إقليماً موحداً. وكان أن اختارت الحركة حل تحويل فلسطين إلى مركز لهذا المشروع القومي. وهو ما تطلب عملية طويلة من الهجرة المنظمة والاستيطان والتعبئة العسكرية. ومع مرور الوقت، ولا سيما بعد قيام الدولة، تحولت الصهيونية من حركة تضم تيارات متعددة، بعضها ذو نزعة اشتراكية، إلى مشروع قومي يميل بوضوح إلى اليمين.
واليوم أصبحت إسرائيل قوة عسكرية وتكنولوجية متقدمة. اقتصادها يعتمد بدرجة كبيرة على قطاع التكنولوجيا المتقدمة، وجيشها يعد من أقوى الجيوش في المنطقة. لكن هذا التفوق لم ينهِ الصراع مع الفلسطينيين. على العكس، يرى بعض المراقبين أن الشعور بالتفوق العسكري جعل القيادات الإسرائيلية أقل ميلاً إلى البحث عن تسوية سياسية.
يقدم التاريخ يقدم أمثلة كثيرة على صراعات استعمارية انتهت رغم التفوق العسكري للطرف المستعمر. مثل حرب الجزائر : ففرنسا كانت قوة عسكرية هائلة مقارنة بحركة التحرير الوطني، ومع ذلك انتهى الصراع بانسحابها. وفي فلسطين اليوم تبدو الخيارات المستقبلية معقدة. لسنوات طويلة عُدّ حل الدولتين الطريق الأكثر واقعية لإنهاء الصراع: دولة إسرائيل ضمن حدود عام 1967، ودولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة. غير أن التوسع الاستيطاني جعل هذا الحل أكثر صعوبة، لأن المستوطنات قطعت الضفة الغربية إلى مناطق منفصلة.
لهذا بدأ بعض الباحثين يتحدثون عن تصور مختلف يقوم على دولة واحدة يعيش فيها اليهود والفلسطينيون بحقوق متساوية.
وسط هذه التعقيدات يبقى دور المجتمع الدولي عاملاً حاسماً. القوى الغربية لعبت دوراً أساسياً في نشوء المشكلة، بدءاً من وعد بلفور وصولاً إلى الدعم السياسي والعسكري الذي تتلقاه إسرائيل اليوم، ولا سيما من الولايات المتحدة. هذا الدعم يقلل الكلفة السياسية للسياسات الإسرائيلية ويجعل تغييرها أقل إلحاحاً.
يبقى جوهر الصراع، في النهاية، مرتبطاً بسؤال واحد: كيف يمكن التوفيق بين مشروع قومي يهودي نشأ في سياق أوروبي حديث، وبين حقوق شعب فلسطيني يعيش على الأرض ذاتها منذ قرون؟
ما دام هذا السؤال بلا إجابة عادلة، سيظل الصراع مفتوحاً، وستبدو كل جولة عنف وكأنها بداية جديدة، رغم أنها في الحقيقة حلقة أخرى في تاريخ لم يُحسم بعد.



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن الطوفان وأشياء أخرى (59)
- السيدة صاحبة النزل
- الحروب الأهلية القديمة والجديدة: مفارقة التصنيف والتحليل الم ...
- أمنية
- العنف والإرهاب: مقدمات
- التوظيف الرمزي للنص الديني في التشريع الإسرائيلي
- النافذة المسدودة
- بصدد الجملة الإعلامية (1): اللغة التي تسبق الصاروخ
- عسكرة التنوير وصناعة العدو -المعرفي-
- الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ومنطق الإبادة الجماعية في غزة: ...
- في انقلاب الوظيفة: من تفكيك الاستعمار إلى إدارة أزمته قراءة ...
- فلسطين في عيونهم قراءة في كتاب اختراع الأرض المقدسة: الحجيج ...
- التحليل النفسي وصناعة -اليهودي الجديد- قراءة تفكيكية في كتاب ...
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب
- عن الطوفان وأشياء اخرى (57)
- عن الطوفان واشياء أخرى (56)
- الإرهاب في الجليل: التواطؤ البريطاني-الصهيوني وفرق الليل الخ ...
- قرية إجزم الفلسطينية إبان حرب عام 1948: صياغة تاريخ أنثروبول ...
- بين وحشية النظام ووقاحة التبسيط الغربي: لماذا نرفض اختزال سو ...
- تقلبات مكان مقدس: المشهد الحسيني في عسقلان، بناءه وتدميره وإ ...


المزيد.....




- جماعة غامضة موالية لإيران تتبنى سلسلة هجمات بأوروبا.. ماذا ن ...
- فيديو لحظة وصول وفد إيران لباكستان بـ71 عضوا ومن يرأسه للمحا ...
- إيران.. تصريح من محمد باقر قاليباف لدى وصوله باكستان عن حسن ...
- مصادر تكشف لـCNN تحضير أسلحة لإرسالها إلى إيران ومن الدولة و ...
- وول ستريت جورنال: نتنياهو لا يستطيع التوقف عن القتال فهل يرب ...
- مقال بنيويورك تايمز: تأملات حول ترمب في سن الثمانين
- عودة طاقم -أرتميس 2- بسلام بعد أول تحليق حول القمر منذ نصف ق ...
- 8 شهداء في قصف على وسط غزة
- ما موقف إسرائيل من المفاوضات المرتقبة مع إيران؟
- شاهد.. -رفاق- قاليباف في طائرته نحو إسلام آباد للتفاوض مع وا ...


المزيد.....

- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (58)