أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - فلسطين في عيونهم قراءة في كتاب اختراع الأرض المقدسة: الحجيج الأمريكان البروتستانت 1865-1941















المزيد.....



فلسطين في عيونهم قراءة في كتاب اختراع الأرض المقدسة: الحجيج الأمريكان البروتستانت 1865-1941


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 04:50
المحور: القضية الفلسطينية
    


تمهيد: الاحتلال المعرفي والجغرافيا المتخيلة
يسبق الاحتلال المعرفي نظيره العسكري دائماً. وقبل وطء أقدام الغزاة تراب فلسطين، سبقهم العقل البروتستانتي الاستعلائي الأمريكي بالنصوص، وروايات الرحالة، وسرديات المستشرقين التلفيقية؛ فعملت على نزع السكان الأصليين من حضورهم الحي، ومسحت واقعهم اليومي من جودهم، تمهيداً لفرض رواية تاريخية مصطنعة تطابق النص الكتابي. وشكّل النص الديني في ذروة التمدد الإمبريالي الغربي ستاراً مناسباً لتبرير أطماع السيطرة والهيمنة.
وبدت البلاد في المخيال البروتستانتي الأمريكي خلال القرن التاسع عشر مسرحاً لعملية إعادة اختراع ممنهجة ومتدرجة، لتغيب معالمها الواقعية شيئاً فشيئاً، واستجابت هذه الصورة الجديدة لرغبات خلاصية ألفية تسعى لاهثة لتحقيق نبوءاتها في جغرافيا "الأرض المقدسة".
تعاين هذه القراءة كتاب ستيفاني ستيدهام روجرز (اختراع الأرض المقدسة)؛ دون الوقوف عند حدود عرض أدب الرحلات، لتنفذ إلى الجذور اللاهوتية والثقافية التي صاغت الانحياز الأمريكي للمشروع الصهيوني، وتشريح، بالأحرى تفكيك بنية ذلك العقل الاستعلائي، وتتبع المسارات التي شكلت الجغرافيا الذهنية التي مهدت لاحتضان ذلك المشروع لاحقاً.
يضعنا الكتاب أمام حقيقة يصعب تجاهلها: لك يكن اختراع "الأرض المقدسة" مسألة لاهوتية خالصة ولا شأناً دينياً محضاً. لقد كان أقرب ما يكون أو يكاد حجر أساس في هندسة سياسية أمريكية تجاهلت الوجود العربي، ورسخت انحيازاً حاداً لسردية إحلالية إقصائية. وطوّعت اللاهوت ليتحول إلى بلدوزر إمبريالي يمهد الطريق ويجرف الجغرافيا، ليقيم مكانها أرضاً مقدسة متخيلة، مصممة بدقة لتوافق مقاسات الهيمنة الغربية.
فلسطين في العيون البروتستانتية: الأرض كأطلال
نظر مبشرو القرن التاسع عشر المسيحيون، ونظرائهم من الرحّالة والكُتّاب، إلى الوضع السياسي في "الأرض المقدسة"، نظرة تداني الإحساس بالعار وتختلط فيها الغيرة بشيء من الإحساس بالعجز. رأوا فلسطين في قبضة "التركي المتوحش"، واستشعروا حرجاً من عدم قدرتهم على تخليصها. واندرج هذا الشعور، وتلك النظرة في إطار استشراقي أوسع ظهرت فيه فلسطين أرضاً كتابية تحظى بعناية إلهية خاصة، كأنها تنتظر عودة المسيحية الغربية والمسيحيين الغربيين إليها.
تقاطعت هذه الرؤية اللاهوتية مع الاقتصاد السياسي للإمبراطوريات الغربية الصاعدة؛ ووفر السرد الديني غطاءً مناسباً لتبرير التوسع الإمبريالي، وتأمين طرق التجارة إلى الهند والشرق، وتحويل الجغرافيا العربية إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى، والتعامل معها -كما يقول إدوارد سعيد-عبر "إنشاء مقولات عنها وحولها، وتكوين رؤية رسمية عنها، ووصفها، وتعليمها، وضبطها، والسيطرة عليها"[1]. وفرض استشراق القرن التاسع عشر "نوعاً من السلطة الفكرية على الشرق"، وأصبح أداة لتكريس سلطة إمبريالية فعلية، ولطالما عمل انطلاقاً من افتراض التفوق الغربي على الشرق وشعوبه ذوي البشرة السمراء. ونظر الاستشراق إلى نفسه بوصفه رسالة حضارية، ومجموعة نصوص وملاحظات من شأنها مساعدة الغرب في استجلاب الحداثة والحضارة إلى "السكان الأصليين" البدائيين. ونظر الغربيون أحياناً إلى السكان الأصليين بعاطفة، إنهم ذلك الجين الرائع لخيال هارييت بيتشر ستو، غير أن هذا لم يمنع تعرضهم للاحتقار، ووسمهم بميسم "عدم التحضر"
خدمت هذه القراءة السرديات الاستعمارية لاحقاً، لأنها يقدّم الأرض كأنها تنتظر من يعيد اكتشافها أو "إحياءها". لذلك كان القفز فوق التاريخ خطوة تمهيدية لإعادة تعريف ملكية المكان ومعناه، ليتحول التاريخ إلى أداة سياسية يلتقي فيها اللاهوت التبشيري بالمشروع الإمبريالي.
قاد هذا التصور إلى نتيجة رمزية خطيرة، فقد اقتصرت هُوية فلسطين على المسيحية أو اليهودية (أو كلتيهما) وأقصيت العروبة وكذلك الإسلام، مما أسهم في تجريد الفلسطينيين من هُويتهم الحاضرة، وسمح بتفشي أفكار شتى في المخيال الغربي تصور العرب غرباء في أرضهم، أو متطفلين طارئين على الوجود. وراجت هذه الأفكار في أوساط المطلعين والمثقفين المتدينين قبل زمن طويل من ظهور المشروع الصهيوني المنظم للهجرة والاستيطان. ويطابق هذا الافتراض الفكرة الاستشراقية والاستعمارية السائدة التي ترى في الأراضي غير الأوروبية المتخلفة في أصقاع الأرض فضاءً مفتوحاً للغرب "القوي والحضاري وصاحب الإيمان القويم" للاستحواذ عليها (وهي الفكرة عينها التي استغلتها الحركة الصهيونية لاحقاً تحت شعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض").
يصف كتاب روجرز في هذا السياق- كيف عبّر هؤلاء الحجاج عن وجود "لعنة" تخيم على "الأرض المقدسة"، مستخدمين استعارات غير محايدة وغير منفصلة عن اللغة التي تعلموها من خلال ما رأوه، والتي تصوّر المكان كأنه "بركة مياه عثمانية راكدة"، في خطاب يحمل في طياته اشتقاقات واضحة لخطاب نقدي أوسع تجاه الشرق العثماني.
فتبدو الأرض أقرب ما تكون إلى بناء ذهني تشكّل داخل المخيال السردي البروتستانتي، أكثر مما تمثل وصفاً دقيقاً لواقع المكان.
لم يكن هذا الوصف للحاضر العثماني، بحسب الكتاب، مجرد ملاحظة عابرة في تلك الأدبيات البروتستانتية، فكان الركود هو الأداة التفسيرية لفلسطين العثمانية في مخيلة كثير من الحجاج البروتستانت الأمريكيين التي أعادت ترتيب الزمن ذاته. فحين صوّروا فلسطين فضاءً متجمداً، إنما عملوا على شطب ما يقارب تسعة عشر قرناً من التاريخ المتصل، بما يتضمنه من تعاقب حضارات، ومن حضور عربي وإسلامي طويل.
ليصبح التاريخ "الحقيقي"، في هذا الإطار، هو زمن الكتاب المقدس وحده، بينما تحولت القرون اللاحقة إلى فراغ زمني بلا معنى، أو إلى مرحلة طويلة من السكون لا تستحق إدراجها ضمن السردية التاريخية. وتحول سكان الأرض إلى مجرد "بقايا" أو "لقى" ا حية من عالم كتابي بعيد؛ أو "فضولاً بشرياً" أو أثراً من الماضي.
لم يكن هذا التصوير بريئاً من حيث دلالاته. فوسم الأرض بالركود يمنحها وظيفة رمزية محددة: الأرض الراكدة تحتاج إلى قوة تحركها وتعيد إليها الحياة. ضمن هذا المنطق بدا المشهد العثماني وكأنه حالة توقف تاريخي تنتظر من يكسر سكونها. وقد أتاح هذا التصور، في ما بعد، إطاراً ذهنياً سهّل على قطاعات واسعة من البروتستانت تبرير دعم المشروع الصهيوني، إذ جرى تصوير الحركة الصهيونية بوصفها القوة القادرة على إخراج الأرض من ذلك "الركود" المزعوم وإعادتها إلى مسار التاريخ. ومن ثمّ لم يكن هذا الخطاب وصفاً واقعياً بقدر ما كان أداة إيديولوجية أعادت تشكيل الزمن والمكان معاً. فهو يعيد تقديم الأرض بوصفها مسرحاً كتابياً ثابتاً، منفصلاً عن مسارات التطور الحضاري التي عرفتها المنطقة عبر قرون ويحول الجغرافيا الحية إلى فضاء رمزي يعاد تفسيره من خلال النص، بعيداً عن التاريخ الذي جرى فيه.
ورغم خلو البلاد في القرن التاسع عشر، من شواهد تشير إلى تلك الحقبة الكتابية، أصر هؤلاء "الزوار" على اعتبار فلسطين الحقيقية (الكتابية) ما تزال مطمورة في الأرض ومعالمها مدفونة تحت ركام المشهد المعاصر، لتنتشر هذه الأفكار وتشيع إلى جانب أفكار أخرى غيرها تفترض احتواء الأرض المقدسة أسراراً تنتظر العِلم الغربي لكشفها. ولا يمثل هذا "القفز" سهوا بريئاً أو خطأَ معرفياً في القراءة التاريخية، إنما هو اختيار واعٍ في طريقة النظر إلى المكان يقصد منها إعادة ترتيب الزمن، فالتاريخ الإسلامي والعربي لفلسطين لا يخدم الرواية المطلوبة، ولذلك يجب محوه. وقراءة فلسطين بعيون الكتاب المقدس بطريقة تختزل القرون إلى زمن "كتابي" فقطـ. فهذا الشرق ساكن يقع خارج التاريخ، وما تاريخ الأرض المقدسة الآن سوى طبقة أثرية تخفي تحتها فلسطين الكتابية، وحين يطمس التاريخ الطويل من الوجود العربي والإسلامي، يصبح من السهل الادعاء بأن الأرض فقدت أصحابها الأصليين، أو أن تاريخها "انقطع".
وتمثل فكرة "الأرض المقدسة كأطلال" العمود الفقري للكتاب، حين جعلت هذه الرؤية الغربية من الأرض "مختبراَ" للعلم البروتستانتي: "بالنسبة لهؤلاء الحجاج والباحثين، لم تكن فلسطين المعاصرة سوى ركام مادي يخفي تحت طياته الأرض المقدسة الحقيقية . لقد اعتقدوا أن الحقيقة التوراتية مدفونة ومحفوظة في باطن الأرض كأسرار صامتة، وأن العِلم الأثري البروتستانتي هو الأداة الوحيدة والمفتاح الشرعي القادر على اختراق هذا الركام المعاصر لاستعادة تلك القداسة وفك رموزها."[2]
إن التصور البروتستانتي حول فلسطين قام على اعتبارها لغزاً كتابياًً مدفوناً، وهو ما يتردد صداه بوضوح في أفكار إدوارد روبنسون الذي اعتبر أن الحقيقة التاريخية للأرض تقع خلف "قشرة" المشهد المعاصر ولا يكشفها إلا العلم الغربي." بأسلوب يجعل العلم الغربي فوق الواقع المحلي متجاهلاً الكنائس القائمة ليبحث عن "أساسات الجدران" القديمة، فأسماء الأماكن والمعالم الحالية في فلسطين ليست إلا أصداءً مشوهة للحقيقة القديمة؛ ومهمة الباحث هي الغوص خلف هذا المشهد العربي السطحي للوصول إلى الجغرافيا الكتابية المدفونة. إن هذه الأرض تكتنز أسراراً لا يمكن أن يفهمها سكانها الحاليون، بل تنجلي فقط عبر البحث العلمي الرصين الذي يعيد ربط الأرض بنصوصها المقدسة الأصلية."[3]
لقد تشكلت الرؤية الاستشراقية لفلسطين في القرن التاسع عشر عبر ثنائية (الاحتقار للحاضر والتقديس للماضي)؛ فبينما عبّر إدوارد روبنسون عن مقته للطقوس المسيحية المحلية والواقع البشري المعاصر، واصفاً إياه بالابتذال [4]، كانت هذه النظرة تؤسس لما أسمته ستيفاني ستيدهام روجرز البِرْكة العثمانية الراكدة. وفي هذا السياق، لم تعد فلسطين في المخيلة البروتستانتية مكاناً ينبض بالحياة، بل مخطوطة ممسوحة Palimpsest أخفى ركامها المعاصر حقيقتها الكتابية المدفونة، بانتظار المفتاح العلمي الغربي لفك شفراتها [5]. ولم يكن هذا المسعى مجرد بحث أثري بريء، بل عملية "صناعة حقائق على الأرض" لإزاحة الفلسطيني وتجميده كمستحاثة حية لإفساح المجال أمام إعادة اختراع الأرض كإرث كتابي حصري [6].
من الاستشراق الرومنسي إلى الإيديولوجيا
يدرس كتاب ستيفاني ستيدهام روجرز ظاهرة تزايد الرحلات السياحة للأراضي المقدسة للحجيج البروتستانت الأمريكيين منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحولت زيارة فلسطين تدريجياً من رحلة تبشيرية محدودة إلى نمط واسع من السياحة الدينية. وتستند دراستها إلى تحليل خمس وثلاثين رواية سفر أمريكية بروتستانتية عن الأرض المقدسة، تضم كتابات نسائية، إضافة إلى سردية القس الأمريكي من أصل أفريقي تشارلز ووكر الذي أبرز فيها فهم البروتستانت الأمريكيين للأرض المقدسة مما أسهم في تقديم التبرير الألفي لخلاص اليهود. ويمثل موقف ووكر نموذجاً كلاسيكياً لرحلات البروتستانت التي سعت لـ "تنميط" سكان فلسطين العرب وتأطيرهم ضمن قوالب نصية كتابية تُنكر وجودهم التاريخي المستقل. من خلال ربطه بين جغرافيا المكان والنبوءات الأخروية(الإسخاتولوجية)[7].
وتكشف هذه المادة السردية، في مجموعها، عن تحوّل تدريجي في الطريقة التي تخيّل بها البروتستانت الأمريكيون فلسطين ومعناها الديني والتاريخي خلال المدة الممتدة بين الحرب الأهلية الأمريكية والحرب العالمية الثانية. وعدا عن التوصيفات والانطباعات التي تزخر بها كتب هذه المؤلفات، فهي تشكّل جزءً من خطاب أوسع أعاد به الزائر البروتستانتي قراءة المكان، وإعادة إدراجه داخل خيال كتابي يرى في فلسطين مسرحاً للتاريخ المقدس أكثر مما يراها مجتمعاً حياً له تاريخه المتصل.
أحدث ظهور السفن البخارية في القرن التاسع عشر تحولاً عملياً في حركة السفر. فبعد أن كان السفر إلى الشرق مغامرة طويلة ومكلفة لا يقدر عليها إلا القليل، أصبح في متناول شرائح أوسع من أبناء الطبقة الوسطى البروتستانتية في أوروبا والولايات المتحدة. ومع انخفاض كلفة الرحلة وتسارعها، بدأ الشرق يخرج من كونه فضاءً بعيدً في الخيال إلى وجهة يمكن بلوغها فعلياً. عند هذه النقطة أخذ الاهتمام به يتزايد بصورة لافتة، وصارت بلاد المشرق -ولا سيما مصر وبلاد الشام والأراضي المقدسة-محطة يقصدها السياح والحجاج البروتستانت، إلى جانب المبشرين والعلماء والوكلاء التجاريين والتجار[8].
ومع هذا التدفق البشري تكاثرت الأنشطة المرتبطة باكتشاف المنطقة ووصفها. فقد تزايد عدد البعثات الأثرية، وفرق المسح الجغرافي، والرحلات العلمية التي جابت أقاليم المشرق المختلفة لرسم خرائطه وفحص آثاره وربطه بالنصوص الكتابية. وفي الوقت عينه أخذت أدبيات الرحلة تنتشر على نطاق واسع مثل المذكرات، وكتب السفر، والكتيبات الإرشادية السياحية، والنصوص التبشيرية، التي كانت جميعها بمنزلة نصوص تعمل على إعادة تقديم الشرق إلى القارئ الغربي بوصفه فضاءً تاريخياً ودينياً يستحق الاكتشاف.
وقد لاقت هذه الكتب رواجاً ملحوظاً في الأسواق. فالمستكشف والآثاري والدبلوماسي الأمريكي جون لويد ستيفنز باع أكثر من عشرين ألف نسخة من كتابه عن رحلته إلى مصر وبلاد الشام والأراضي المقدسة بعد صدوره سنة 1837[9]. وكان هذا رقماً كبيراً بمعايير النشر في ذلك الوقت. ويعتبر كتاب ستيفنز حجر الزاوية في أدب الرحلات الأمريكي نحو الشرق، وهو يسبق زمنياً كلاً من مارك توين وتشارلز ووكر، مما يجعله مصدر رصد "البدايات التأسيسية" للمخيلة الأمريكية. ويُعد ستيفنز "الأب الروحي" للرحالة الأمريكيين في المشرق. إن نجاح كتابه الباهر يعني أنه كان المصدر الرئيس الذي استقى منه الجمهور الأمريكي معلوماته الأولى عن فلسطين والأردن (البتراء) ومصر قبل صعود العقيدة التدبيرية بشكلها المؤسسي. وبخلاف توين الساخر، كان ستيفنز يكتب بروح المغامر الذي يبحث عن "تجسيد" الكتاب المقدس على الأرض. وقد أسهم في تشكيل رؤية استشراقية ترى في العرب مجرد "إضافات مشهدية" (Picturesque) أو عوائق أمام الاستكشاف، وليسوا أصحاب سيادة، مما مهد الطريق لاحقاً لقبول فكرة إحلال سكان آخرين مكانهم. ويعد وصفه للبتراء Arabia Petraea عملا ً أذهل القراء الأمريكيين وربط الجغرافيا العربية بالغموض القديم والنبوءات الزائلة. أما كتاب رحلة مارك توين" الأبرياء في الخارج" الذي صدر في أواخر ستينيات القرن التاسع عشر، فقد بيع منه خلال سنته الأولى من نشره نحو 67 ألف نسخة.
ولاقت كتب الرحلات تلك، وغيرها، رواجاً في أوساط القراء، فظهرت النسخة الأمريكية من ألف ليلة وليلة بعنوان "الليالي العربية"(1857) من تحرير هارييت بتشر ستو[10]، والتي أثرت على الخيال الأمريكي حول الشرق وأرض فلسطين، وخلقت تصورات رومانسية وخيالية عن المنطقة وسكانها. تُعد مساهمة هارييت بيتشر ستو حلقة وصل جوهرية بين الأدب الشعبي وتشكيل المخيلة السياسية الأمريكية تجاه فلسطين والشرق. وبوصفها مؤلفة "كوخ العم توم" والشخصية الأدبية الأكثر تأثيراً في عصرها، ساهمت ستو في نقل قصص "ألف ليلة وليلة" إلى البيت الأمريكي بتعديلات تتناسب مع الذوق الفيكتوري. هذا العمل جعل الشرق وفلسطين يبدوان كفضاء "حكواتي وأسطوري" أكثر منه واقعاً جغرافياً أو سياسياً. وبينما بينما كان "ستيفنز" يركز على المغامرة، و"ووكر" على اللاهوت، كانت ستو تركز على "الجماليات الخيالية". كان لهذا التناول "الرومانسي" أثر سياسي غير مباشر؛ إذ حول سكان فلسطين العرب في ذهنية القارئ الأمريكي إلى شخصيات من "الماضي" أو "القصص القديمة"، مما جرد الواقع المعاصر من شرعيته السياسية، وجعل الأرض تبدو كـ "مسرح فارغ" بانتظار عودة أبطال العهد القديم.
تجسد مساهمة هارييت بيتشر ستو دور الأدب الرومانسي في صياغة "الشرق المتخيل" لدى الجمهور الأمريكي. فمن خلال إعادة تقديم حكايات ألف ليلة وليلة بصبغة أمريكية، ساهمت ستو في تحويل فلسطين والمنطقة المحيطة إلى فضاء أسطوري منقطع عن سياقه التاريخي والسكاني المعاصر بما فيه من تأسيس للاستشراق "الرومنسي" الذي مهد الطريق ذهنياً لقبول التصورات اللاهوتية اللاحقة، عبر تصوير الأرض كملك لـ النبوءة والحكاية بمعزل عن سكانها الحاليين.
سرديات الحجيج
يندرج كتاب ستيفاني ستيدهام روجرز ضمن تقليد أوسع من أدبيات الحج والرحلات إلى الأرضي المقدسة. وهو تقليد ازداد انتشاراً بين البروتستانت الأمريكيين خلال القرن التاسع عشر. وتحولت من كونها تجرية دينية أو مغامرة شخصية إلى مادة قراءة رائجة في الولايات المتحدة. وكانت روايات السفر والمذكرات والكتيبات الشعبية تطبع وتقرأ على نطاق واسع، مما سمج ينقل مشاهد الرحلة وصورها إلى جمهور أوسع لم يزر الشرق قط. ومع تراكم هذه النصوص تشكل لدى القراء الأمريكيين تصور ذهني خاص عن المنطقة؛ ما يمكن وصفه بنوع من "الجغرافيا الذهنية" التي أعادت ترتيب الشرق الأوسط في الخيال الديني والثقافي للبروتستانت. وتبلور وعي جديد حول الشرق الأوسط وآمال الألفية الخلاصية وانعكاسها على المفهومين السياسي والاجتماعي لبقية يهودية من آخر الزمان ضمن إطار بروتستانتي لاهوتي وتاريخي.
وظهر داخل هذا الإطار تصورات جديدة عن معنى الأرض المقدسة ودورها في التاريخ الديني. فقد تداخلت روايات الرحلة مع قراءات العهد القديم، ومع الخطاب الديني المتداول في الكنائس والصحافة البروتستانتية، فبدت فلسطين لهم فضاءً يحمل دلالات تتجاوز الجغرافيا المعاصرة. وشكل هذا الانعطاف بدايات الدعم البروتستانتي للحركة الصهيونية،، مدفوعاً ببروز عقيدة "المسيحية التدبيرية" (Dispensationalism) [11]المنادية بضرورة عودة اليهود إلى فلسطين شرطاً لاهوتياً مسبقاً لعودة المسيح وتربط بين مستقبل فلسطين وبين تصورات أخروية عن التاريخ الديني. وهي أفكار وجدت طريقها تدريجياً إلى النقاشات الدينية والاجتماعية، ثم إلى بعض التصورات السياسية المتعلقة بالمنطقة. وتكمن خطورة هذا المذهب بربطه الحرفي بين العودة المادية لليهود إلى فلسطين وإقامة دولتهم، وبين التحقق الحتمي لنبوءات آخر الزمان وعودة المسيح؛ وسمح هذا الفهم في تحول الدعم الديني لإسرائيل إلى التزام سياسي وعقائدي صارم في صلب البروتستانتية المحافظة الأمريكية. تفصل المسيحية التدبيرية على نحو صارم بين "إسرءيل" كشعب أرضي له وعود مادية معينة و"الكنيسة" كهيئة روحية سماوية، والإصرار على أن النبوءات الكتابية المتعلقة بعودة اليهود إلى "أرض الموعد" يجب تحقيقها حرفياً وجغرافياً، وليس رمزياً كما كانت تعتقد الكنائس التقليدية.
توضح الأدبيات التدبيرية كيف تطورت الفكرة اللاهوتية القائلة بضرورة "عودة اليهود إلى فلسطين" باعتبارها شرطاً لاهوتياً سابقاً لعودة المسيح في الفكر البروتستانتي الإنجيلي. وبحسب بول ميركلي ودونالد لويس، تحول "اليهودي" في الفكر البروتستانتي (خاصة في بريطانيا وأمريكا) من مجرد شخص يحتاج للتنصير إلى "لاعب أساسي" في الساعة اللحمية. ومن هنا أصبح لاهوت "العودة" شرطاً مسبقاً للاختطاف Rapture ، أي رحيل الكنيسة عن الأرض. والمحنة العظيمة التي تسبق النهاية ليعقبها المجيء الثاني ليسوع لتأسيس ملكه الألفي ويتتبع لويس وميركلي بدقة كيفية انتقال هذه الأفكار من أروقة الكنائس إلى مراكز القرار السياسي بدءً نت اللورد شافتسبري Lord Shaftesbury الذي كان -على حد قول لويس- نموذجاً للمؤمن الذي استخدم نفوذه السياسي في بريطانيا في القرن التاسع عشر للدفع بفكرة "وطن لليهود" ليس من منطلق إنساني فحسب، بل من منطلق "تسهيل المشيئة الإلهية". . وكان لتطور الدور السياسي أهمية قصوى، فبدلاً من انتظار "التدخل الإلهي"، آمن الصهاينة المسيحيون بضرورة تهيئة الظروف السياسية (مثل وعد بلفور) لتحقيق النبوءة، مما جعل دعم "دولة إسرائيل" واجباً دينياً يتجاوز المصالح السياسية العابرة.
وتكشف روايات الحج التي درستها روجرز أن فلسطين نفسها تحولت في الكتابة البروتستانتية الأمريكية إلى فضاء رمزي غني بالمعاني. فالمشهد الطبيعي، والآثار، وأسماء القرى والجبال، جميعها كانت تُقرأ بوصفها إشارات مرتبطة بالنصوص الكتابية ليصبح هذا المشهد أشبه بصفحة مفتوحة يجري فيها استعادة القصص الكتابية وقصص الآباء البطاركة وانبياء العهد القديم وحياة يسوع المسيح وأتباعه... وما إلى ذلك.
لقد أحدثت حركة الإصلاح تحولاً عميقاً في الموقف المسيحي من المواقع المقدسة القديمة. فبينما استمر الحج في التقليد الكاثوليكي، رفض معظم العالم البروتستانتي أشكال الحج الرسمية، ومال إلى قراءة استعارية للنص الكتابي أفرزت تصوراً مجرداً ومتخيلاً لجغرافيا الكتاب المقدس وتاريخه. غير أن هذه الصورة المثالية للأرض المقدسة اصطدمت بواقع فلسطين عندما بدأ المستكشفون البروتستانت الأوائل يصلون إليها في مطلع القرن التاسع عشر.
في هذا السياق التصادمي نشأ ما عُرف لاحقاً بـ" علم الآثار الكتابي (أو التوراتي)، وهو اتجاه ارتبط إلى حد كبير بعمل الباحث الأمريكي إدوارد روبنسون. فقد سعى روبنسون إلى تجاوز المزارات التقليدية التي اعتمدت على التقاليد الكنسية، محاولاً تحديد المواقع التوراتية على أساس الدليل الميداني والتحليل اللغوي والطبوغرافي، وليس على أساس القداسة الموروثة. وبذلك فتح الباب أمام إعادة رسم جغرافيا الأرض المقدسة عبر منهج بحثي أقرب إلى العلم التاريخي منه إلى التقوى الدينية. وسرعان ما اندمج هذا المشروع المعرفي في سياق أوسع، إذ تلاقى مع الطموحات السياسية والاستراتيجية للقوى الأوروبية التي كانت توسّع نفوذها في الشرق الأوسط خلال القرن التاسع عشر.
وهكذا ولدت فلسطين، في العقل البروتستانتي، لتكون "إنجيلاً خامساً مكتوباً على الحجر". ضمن هذا السياق أيضاً رسم مارك توين صورة تهكمية قاسية للمكان، فوصف البلاد بالجافة والخالية من الحياة، ويخيم الفراغ على أرضها[12]. وفي مواضع أخرى بالغ في تصوير أحوال السكان، كما في حديثه عن مدينة نابلس حيث ركّز على جماعة السامريين الصغيرة متجاهلاً وجود عشرات الآلاف من العرب الذين كانوا يعيشون في المدينة آنذاك. لاحقاً استُعيدت بعض هذه الأوصاف في نقاشات إيديولوجية لاحقة، واستُخدمت مقاطع منها لتدعيم فكرة "الأرض الخالية" (أرض بلا شعب) التي ستظهر في الخطاب الصهيوني في أواخر القرن التاسع عشر.
مارك توين والأرض الخراب
دوّن مارك توين انطباعاته عن رحلته إلى الشرق الأوسط سنة 1867، وقد أصبح من أكثر كتب الرحلات الأمريكية انتشاراً في القرن التاسع عشر. وتعتبر شهادة مارك توين استكمالاً أساسياً هنا، فقد وصل إلى فلسطين وهو يحمل في ذهنه الصور "المقدسة" التي رسمتها الأناشيد والخرائط الكنسية، لكنه صُدم بواقع الفقر والإهمال والخراب الذي كانت تعيشه المنطقة تحت الحكم العثماني. وصفه الشهير لفلسطين بأنها "أرض قاحلة وكئيبة" كان بمثابة صفعة لجمهور القراء الذين تخيلوها "أرضاً تفيض لبناً وعسلاً". ولا ننسى أن العنوان الفرعي للكتاب The New Pilgrims Progress يحمل نبرة شديدة التهكم ينتقد فيها رفاقه في الرحلة (البروتستانت الإنجيليين) الذين كانوا يحاولون "تقديس" كل حجر وشجرة، بينما كان ينظر بعين الصحفي الواقعي والساخر، منتقداً عاطفتهم الدينية التي تعمي أبصارهم عن بؤس الحاضر. ورغم أنه لم يكن يكتب من منطلق إيديولوجي أو سياسي، بل من منطلق خيبة أمل سياحية. إلا أن توصيفاته استخدمت لاحقاً من قبل الحركات الصهيونية والمسيحية الصهيونية كدليل على أن الأرض كانت "تنتظر عودة شعبها" لتعود للحياة.
يمثل كتاب توين بداية تشكل "النظرة الأمريكية" المستقلة عن أوروبا للشرق؛ وهي نظرة تجمع بين التفوق الثقافي، والفضول الديني، والرغبة في "اكتشاف" الأراضي المقدسة بعيداً عن الروايات التقليدية. وبهذا يُعد توين في هذا الكتاب الشاهد "العلماني" الذي أكد، بغير قصد، على ضرورة "العودة" في مخيلة القارئ الغربي، لأن الأرض في نظره لن تزدهر إلا بجهد بشري جديد يعيد لها مجدها الغابر. فبينما كانت العقيدة التدبيرية بصيغتها التي أرساها جون داربي تعيد رسم خارطة الخلاص اللاهوتي بجعل "العودة الجسدية لليهود" شرطاً للمجيء الثاني، قدم مارك توين الغطاء الوصفي اللازم لهذا التحول. فمن خلال تصويره لفلسطين كأرض قاحلة وموحشة ، ساهم -بوعي أو من دون وعي- في ترسيخ المتخيل الاستشراقي عن "الأرض الخالية" التي تنتظر بعثاً خارجياً، وهو ما تقاطع لاحقاً مع الطموحات السياسية لـ المسيحية الصهيونية التي سعى لورد شافتسبري وغيره لتحويلها إلى واقع سياسي ملموس.
وقد اجتمعت السخرية اللاذعة التي عرف بها مارك توين مع ذكائه وموهبته في السرد لتجعل منه صوتاً مميزاً لدى القارىء الأمريكي، إلى جانب قدرة واضحة على تحويل الرحلة اليومية إلى نص ممتع للقارئ العادي. وقد جعلته هذه الخصائص واحداً من أكثر كتّاب الرحلات تأثيراً في الوعي الشعبي الأمريكي، ولاقت ملاحظاته عن فلسطين والفلسطينيين والأرض المقدسة، فقرأت نصوصه بما يتجاوز النظر إليها كانطباعات شخصية، وتحولت إلى وثيقة مهمة توصف وصفاً صريحاً بلاداً لم يعرفها معظم قرائه إلا من خلال الكتاب المقدس والخيال الأدبي. ولهذا ظلّت بعض مقاطعه عن فلسطين وسكانها تتردد في الخطاب المؤيد لإسرائيل حتى اليوم.
وفي الحقيقة، يرسم توين في صفحات كتابه صورة قاتمة للمكان. فهو يقول: "من بين جميع الأراضي الموجودة هناك التي توحي بالكآبة، تنال فلسطين-في اعتقادي-قصب السبق ؛ فهي أميرة الكآبة المتوجة بلا شك… أرض بائسة لا أمل فيها، كئيبة ومحطمة الفؤاد… فلسطين تجلس على الخيش والرماد"[13]. وتظهر هذه النبرة في وصفه لسكان البلاد العرب، إذ يكتب أنهم منساقون وراء طبائعهم وغرائزهم وتعليمهم، ولذلك فهم مقيدون وغير أحرار". كما يقدّم وصفاً قاسياً لقرية عربية يمرّ بها أثناء رحلته، فيقول إنها "قبيحة للغاية، ضيقة، قذرة، وغير مريحة… ولا تختلف عن سائر القرى والمدن التي تملأ البلاد منذ عهد آدم". ويضيف أن وقع حوافر الخيل كان كافياً لإيقاظ سكان القرية "الأغبياء"، ليخرجوا جميعاً من بيوتهم-رجالاً ونساءً وأولاد وبنات - الأعمى منهم والمجنون، السليم منهم والمشلول، يوحدهم منظر ثيابهم الممزقة والمتسخة والهزيلة."
وفي العقود اللاحقة جرى استحضار هذه الأوصاف بكثرة في الخطاب المؤيد لإسرائيل. فقد استُخدمت المقاطع التي كتبها مارك توين عن فلسطين، بما تتضمنه من تصوير للبلاد بوصفها أرضاً موحشة وقاحلة، لتدعيم الرواية القائلة إن فلسطين كانت أرضاً مقفرة قبل وصول المستوطنين اليهود الصهاينة إليها وزراعتها.
ما بعد مارك توين: استعادة الأرض المقدسة
تشير الباحثة كاثلين كريستسون إلى أن الأوصاف التي كتبها مارك توين عن فلسطين اكتسبت لاحقاً حضوراً لافتاً في النشرات الإعلامية الرسمية الإسرائيلية. فقد استُخدمت تلك المقاطع، بحسب كريستسون، بوصفها مادة يمكن الاستناد إليها لتدعيم الرواية القائلة إن إسرائيل "استعادت" أرضاً كانت فارغة وقاحلة. وتضيف أن التوصيفات العامة التي قدّمها توين عن البلاد وسكانها قبل موجات الهجرة اليهودية الكبرى أصبحت قابلة للاستخدام أيضاً في خطاب المدافعين عن إسرائيل داخل الولايات المتحدة[14]. وكثيراً ما أعادت صحف إسرائيلية نشر تلك المقاطع بوصفها شهادة مبكرة على حال البلاد، وربطتها بفكرة "استعادة"[ أرض إسرائيل[ وإحياء "الوطن اليهودي القديم"، وتحويل الأرض إلى ما يُستحضر في الأدبيات الدينية باسم "أرض اللبن والعسل".
وينبغي الإشارة إلى كتاب كاثلين كريستيسون باعتباره من أهم المراجع التي جسرت الفجوة بين "الخيال الثقافي" و"القرار السياسي" في الولايات المتحدة لتبين كيف تحولت هذه التصورات اللاهوتية إلى عقيدة سياسية في البيت الأبيض ووزارة الخارجية.
وتجادل كريستيسون بأن صانعي القرار الأمريكيين (منذ وودرو ويلسون وصولاً إلى العصر الحديث) لم ينطلقوا من فراغ، بل من "مخزون ثقافي بروتستانتي" يرى في فلسطين "أرضاً بلا شعب لشعب بلا أرض"، بما يوحي بدور السرديات الدينية كمحرك خفي لتبني سياسات موالية للصهيونية قبل وقت طويل من ظهور "اللوبي الإسرائيلي" القوي. وتمنح كريستيسون مساحة هامة لتحليل أثر مارك توين؛ فهي ترى أن وصفه لـ "قفر وخواء" فلسطين قد وفر "الذخيرة الأخلاقية" للسياسيين الأمريكيين. فإذا كانت الأرض "خربة وميتة" كما وصفها توين، يصبح المشروع الصهيوني في نظر الإدارة الأمريكية مشروعاً "تنموياً وتنويرياً" يعيد الحياة للأرض المقدسة، وليس احتلالاً لشعب موجود.
وتبرز كريستيسون دور كتابات مارك توين كمرجعية "واقعية" عززت في أذهان الرؤساء ووزراء الخارجية الأمريكيين صورة فلسطين كأرض خاوية تفتقر للسيادة الوطنية، مما أسهم في تحول انطباعات رحالة القرن التاسع عشر إلى "قوالب إدراكية" حكمت السياسة الخارجية للولايات المتحدة، بتحويل النبوءة اللاهوتية إلى ضرورة سياسية تدعم الاستيطان الصهيوني لإعادة إحياء الأرض المقدس الفقيرة والبائسة.
وإذن، يكشف تتبع الجذور الثقافية واللاهوتية للمواقف الأمريكية تجاه فلسطين، عن بنية إدراكية تراكمية بدأت بالاستشراق الرومانسي الذي جسدته هارييت بيتشر ستو، حيث ظهر الشرق كفضاء أسطوري حكواتي يفتقر للواقعية السياسية. وقد عزز جون لويد ستيفنز هذا التخيل الأدبي بمغامراته الاستكشافية التي جردت الأرض من سيادتها الوطنية لصالح "الاكتشاف الغربي".
ومع صعود العقيدة التدبيرية، تحول هذا الوصف من مجرد انطباعات أدبية إلى "ضرورة لاهوتية"؛ حيث قدم تشارلز ووكر تبريراً ألفياً يربط بين عودة اليهود ونهاية العالم، معتبراً السكان المحليين مجرد عوائق في طريق النبوءة. وفي هذا السياق، كما لعبت واقعية مارك توين الساخرة دوراً حاسماً في "علمنة" هذه النبوءات؛ فبوصفه للأرض كخلاء قفر، قدم الذخيرة الوصفية التي استند إليها صانعو القرار لاحقاً.
وكما توضح كاثلين كريستيسون، فإن هذه السلسلة من التصورات -من الأسطورة إلى اللاهوت ثم إلى الوصف الجغرافي- لم تكن مجرد نتاج ثقافي، بل تحولت إلى أنماط وعي حكمت السياسة الخارجية الأمريكية. وبذلك، أصبحت المسيحية الصهيونية، هي المحرك الذي حول "خيال الرحالة" في القرن التاسع عشر إلى استراتيجية سياسية صلبة تدعم المشروع الصهيوني في القرن العشرين باعتباره "إحياءً للنبوءة"[15] فوق أرض وُصفت زوراً بأنها كانت خالية.
غير أن نصوص توين لم تكن حالة منفردة. فقد كان واحداً من مئات الرحالة والكتّاب الغربيين الذين دوّنوا مشاهداتهم عن الشرق خلال القرن التاسع عشر. وتكاثرت في تلك الكتابات، التي اتسمت بالتهكم والازدراء، أوصاف لفلسطين وسكانها العرب، وانتشرت عبر كتب الرحلات والمقالات الصحفية والقراءات الشعبية، لتصبح جزءً من الصورة التي انتقلت إلى القراء الأمريكيين عن فلسطين والمجتمع العربي فيها.
التبني الأمريكي للاهوت التدبيري
ترى كريستسون أن هذا النمط من التصورات لم يقتصر على الخطاب الإعلامي، بل انعكس كذلك في دوائر صنع القرار الأمريكية. فهي تعتقد أن رؤساء الولايات المتحدة وصانعي السياسات في الإدارات المتعاقبة تأثروا بما تسميه "العقلية السائدة" المرتبطة بهذه القضية، وهي عقلية رافقت استمرار العلاقة الوثيقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وتذهب إلى أن المنظور المؤيد لإسرائيل والمعادي للفلسطينيين لم ينشأ أساساً بفعل ضغط اللوبيات السياسية أو وسائل الإعلام، بل تشكل في سياق ثقافي وديني أوسع تأثرت فيه النخب السياسية الأمريكية بقراءة كتابية للأرض المقدسة، وبالتصورات المرتبطة بدور اليهود والإسرائيليين في تاريخ تلك المنطقة.
وتورد كريستسون في دراستها أمثلة متعددة تشير فيها إلى أن عدداً من المسؤولين الأمريكيين تعاملوا مع المسألة الفلسطينية بقدر محدود من الاهتمام، في الوقت الذي استمر فيه الدعم السياسي الواسع لإسرائيل داخل مؤسسات الحكم في الولايات المتحدة.
ولا يقتصر هذا التأثير، في تقدير كاثلين كريستسون، على الرؤساء الأمريكيين وحدهم -مثل ريتشارد نيكسون- بل يمتد إلى شخصيات بارزة في حقل الدبلوماسية وصنع السياسة الخارجية. وتشير إلى أسماء مثل وزير الخارجية وليم روجرز، ووزير الخارجية ومستشار الأمن القومي هنري كيسنجر. وتتابع كريستسون القول إن الإدارة التي دفعت بالقضية الفلسطينية إلى واجهة النقاش السياسي كانت إدارة الرئيس جيمي كارتر ، إذ أدركت تلك الإدارة أهمية الفلسطينيين ومكانتهم في أي تسوية إقليمية. غير أن كارتر، بحسب رأيها، تراجع عن هذا التوجه خلال مفاوضات اتفاقية كامب ديفيد عندما انخرط في معاهدة سلام ثنائية بين مصر وإسرائيل.
وفي عهد الرئيس رونالد ريغان اتخذ المشهد منحى مختلفاً؛ فقد شهدت تلك المرحلة تصاعداً ملحوظاً في الجهود الرامية إلى تعزيز صورة إسرائيل في الولايات المتحدة، في مقابل خطابٍ سياسي وإعلامي يسعى إلى نزع الشرعية عن الفلسطينيين. وقد ارتبط هذا المناخ، في جزء منه، بتأكيد متكرر على الأهمية الدينية لفلسطين في المخيال المسيحي الغربي، وهو تصور يضع الأرض في إطار دلالاتها الكتابية ويجعل حضور الفلسطينيين فيها يبدو، في كثير من الخطابات، وكأنهم غرباء في المكان الذي يعيشون فيه.
وفي خلفية هذا كله بقيت صور الشرق التي نقلها الحجاج والرحالة البروتستانت حاضرة في المخيلة الدينية الأمريكية. فقد جرى ربط جغرافية المنطقة بالماضي الكتابي، وأصبحت تضاريسها ومدنها تُقرأ من خلال قصص الكتاب المقدس ونصوصه. ومع انتشار هذه الروايات في القرن التاسع عشر وما بعده، تعزز حضور التصورات المرتبطة بنبوءات آخر الزمان وعصور ما قبل الألفية في وجدان قطاعات واسعة من المؤمنين، وهي تصورات استمرت في ترك أثرها في الخطاب الديني وفي نظرة عدد من رجال السياسة الأمريكيين إلى المنطقة.
الشرق في عيونهم
هذا الجانب هو ما تتناوله ستيفاني ستيدهام روجرز في دراستها للسردية البروتستانتية الأمريكية عن الأرض المقدسة، حيث تحلل من خلالها التحولات التي طرأت على الفهم البروتستانتي الأمريكي لفلسطين والمنطقة. وتوضح سعي الحجاج البروتستانت الأمريكيين سعوا إلى إعادة تعريف الأرض المقدسة بطريقة تجعلها أكثر حضوراً في المخيال البروتستانتي وأكثر التصاقاً بالنصوص الكتابية. وذلك عبر مسار متعدد الجوانب شمل الابتعاد عن المزارات التقليدية التي تديرها الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية الشرقية، والعمل على تحييد حضورها الديني والرمزي، مقابل إبراز مواقع أخرى رآها الحجاج والزوار أقرب إلى الطبيعة وأكثر انسجاماً مع تصورهم للنص الكتابي.
وفي السياق ذاته جرى التعامل مع السكان المحليين العرب داخل هذا الخيال الديني بوصفهم شخصيات يمكن إدراجها في إطار المشهد الكتابي. كما ظهرت، في أوساط بعض الدوائر البروتستانتية، أفكار تتعلق بإمكانية نقل اليهود إلى فلسطين، بهدف إعادة إضفاء الطابع الكتابي على المكان، ولا سيما مع بدايات القرن العشرين.
وتستشهد روجرز بعدد من الأمثلة التي تكشف هذه التحولات في نظرة الحجاج البروتستانت إلى المواقع المقدسة. فقد عبّر كثير منهم عن نفور واضح من الطقوس التي تقام في كنيسة القيامة وانتقدوا ما رأوه مبالغة في الزخرفة والطقوس المرتبطة بالتقاليد البيزنطية في العمارة والعبادة داخل الكنائس الأرثوذكسية. وفي مقابل ذلك تحوّل اهتمامهم إلى موقع آخر عُرف لاحقاً باسم قبر البستان وهو موقع أثري قديم اقترح بعض المستكشفين البريطانيين وعلماء الآثار في القرن التاسع عشر أنه قد يتوافق مع الوصف الكتابي للقبر الذي أعدّه يوسف الرامي لدفن يسوع. وقد أُنشئت في المكان حديقة صغيرة وأصبح مقصداً لزوار بروتستانت كثيرين، ولا يزال بعضهم حتى اليوم ينظر إليه بوصفه الموقع المرجّح للقبر المقدس.
يُفصح إدوارد روبنسون حين مسح فلسطين طوبوغرافياً في عام 1838 عن هذه الإشكالية العميقة؛ واصفاً لحظة دنوه من مدينة القدس أول مرة قبيل الفصح. استقبح تلك الاحتفالات، وعدّها طقوساً منفرة ومقيتة. وتبرز وجهة نظره البروتستانتية جلية في اشمئزازه مما نعته بـ"مهزلة" اليونانيين الأرثوذكس، و"هراء" اللاتين الكاثوليك إبّان أسبوع الآلام. ويرى روبنسون في هذه الاحتفالات إفساد وتشويهاً لقدسية المدينة ذاتها، وطمسها أمجادها الغابرة وارتباطاتها الدينية العتيقة؛ مفضلاً استحضار صورتها التاريخية النقية، ورافضاً واقعها البشري الغارق في التدهور والانحلال والخرافة والتحريف[16].
لم يكن ما يعني روبنسون في رحلاته إلى فلسطين السكان القاطنين آنذاك، الذين نظر إليهم بوصفهم بقايا متأخرة لا صلة لها بالتاريخ الذي يبحث عنه، فقد وجه جلّ اهتمامه شطر سكان الماضي الذين تخيلهم أصحاب التفوق والحضور الحقيقي في المكان. وقد قادته تجربته الصادمة في كنيسة القيامة إلى صياغة موقف يذهب أبعد من مجرد تسجيل قياسات طبوغرافية أو جمع أسماء مواضع قديمة من السكان العرب، ليفضح دوافعه الحقيقية واهتماماته الدفينة . ففي معرض هجومه اللاذع على القرون التي، بحسب رأيه، سيطرت فيها روايات الرهبان وتقاليدهم، أعلن أن المواقع الكنسية لا قيمة علمية لها إلا بقدر ما تؤيدها معطيات يمكن التحقق منها في النص الكتابي أو في شهادات معاصرة أخرى. وتكشف هذه المشاعر وتلك اللغة أن موقف روبنسون من التقاليد المسيحية الراسخة في القدس لم يكن مجرد نزعة علمية تهدف إلى تنقية المعطيات التاريخية، بل عكس في جوهره رؤية بروتستانتية تسعى إلى إزالة ما اعتبره طبقات زائفة تراكمت فوق "الأصل". غير أن هذا الأصل، في نظره، لم يكن سوى أورشليم في زمن يسوع. وينطوي هذا التصور على منطق ضمني مفاده أن ما جرى في المدينة بين صلب المسيح والعصر الحديث لا يستحق اهتماماً يذكر. فالتاريخ القديم يصبح مهماً حين يرتبط بالإسرءيليين في القرن الثاني عشر ق.م، أما تاريخ القرون الوسطى ــ مثل القرن الثاني عشر الميلادي ــ فيغدو عديم القيمة.
يؤدي هذا المنطق، سواء أكان واعياً أم لا بطبيعة الحال، إلى محو حضور الجماعات السكانية التي عاشت في المكان عبر القرون، وإقصاء كل تاريخ لا ينسجم مع الصورة التي يسعى هذا المنظور إلى تثبيتها.
تمثلت النقطة الثانية في طرح روجرز في اعتقاد البروتستانت، بثبات الشرق وجموده منذ أمد بعيد، مما سهل عليهم تحويل العرب إلى شخصيات ورموز كتابية موغلة في القدم. فكل جانب من حياتهم اليومية-ملابسهم، طرق الزراعة، أساليب تربية الحيوانات-كان يُقرأ في ضوء قصص الكتاب المقدس، ويتحول إلى علامة على الاستمرارية التاريخية المقدسة للمنطقة. واستثمر البروتستانت هذه القراءة الرمزية في إنتاج صور فوتوغرافية تمثل الحياة اليومية للعرب. صور، برعوا في التقاطها ونقلوا فيها رؤيتهم الرمزية مستحضرين لحظات مألوفة من النصوص الدينية مثل مشهد "رفقة تسقي الجمال" أو "راعوث وبوعز". وترى روجرز أن هذه الصور والمشاهد كانت جزءً من مشروع أوسع لإعادة صياغة تاريخ الأرض المقدسة وإضفاء الطابع الكتابي عليها، بما في ذلك استنتاجات حول أبعاد "استعادة الأرض" وإعادة توطين اليهود، وهي أبعاد تختلف عن الكتب الأخرى حول سرديات الأرض المقدسة، التي اختارت القرن التاسع عشر إطاراً زمنياً لها والتي أغفلت خطط إعادة التوطين اليهودية الألفية -المذكورة عند روجرز- على يد الصهاينة المسيحيين الأوائل مثل ويليام بلاكستون[17] الذي كان لكتابه أثر لاحق على الإدارات الأمريكية. و يعتبره البعض "الإنجيل غير الرسمي" للمسيحية الصهيونية الأمريكية، إذ حول اللاهوت التدبيري إلى حراك سياسي ملموس. وقد قدم بلاكستون، عبر كتابه وعريضة 1891 للرئيس بنجامين هاريسون، موقفاً حاسماً يؤكد أن عودة اليهود ليست خياراً، بل حتمية نبوية مرتبطة بالمجيء الثاني للمسيح. وحقق الكتاب نجاحاً واسعاً، وترجم إلى لغات عدة، وبلغت مبيعاته ملايين النسخ، ما جعله أداة فعالة لتعبئة الرأي العام البروتستانتي الأمريكي. ومن خلال صياغته التي جمعت بين النبوءة الإسخاتولوجية والضرورة السياسية، أسس بلاكستون أول مشروع أمريكي متكامل لاستعادة أرض إسرائيل كشرط مسبق لعودة المسيح، محولاً المسيحية الصهيونية من مستوى الكنيسة إلى مراكز القرار السياسي. أما الشخصية الثانية المؤثرة فهو أرنو غيبلين[18] الذي يمثل مرحلة النضوج الأيديولوجي للعقيدة التدبيرية في الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الأولى وقبل صدور وعد بلفور. كان غيبلين من أعمدة التدبيرية ومحرر مجلة Our Hope، وبلور في كتابه الفكرة القائلة بأن "أمل العالم" مرتبط حصراً بـ "استعادة إسرائيل"، محولاً الجغرافيا الفلسطينية من مجرد فضاء للزيارة إلى محرك للتاريخ الإلهي. ويقدم غيبلين صياغة لاهوتية حاسمة ترى أن "ملكوت الرب" لن يتحقق إلا من خلال المسار السياسي لعودة اليهود. ويمثل الكتاب قمة التنظير للعقيدة التدبيرية في مطلع القرن العشرين، حيث ربط مصير البشرية جغرافياً وسياسياً بعودة اليهود، ما جعله وثيقة أساسية لفهم كيفية تحول النبوءات الإسخاتولوجية إلى إيديولوجيا حركية تبناها المبشرون الأمريكيون، معتبرين أن أي حراك سياسي لتوطين اليهود في فلسطين عمل إلهي يمهد للمجيء الثاني.
الشرق في عيون غيرهم: الموقف الكاثوليكي والأرثوذكسي
لم يكن الأمريكيون وحدهم من زاروا الأرض المقدسة وحددوا تصورهم لها، سواء للحج أو لأغراض أخرى، بل هناك قوى أوروبية أخرى، مثل الروس والبريطانيين والألمان والفرنسيين، الذين ابتكروا أيضاً نسخهم الخاصة من "أرضهم المقدسة" بما يتناسب مع مصالحهم ورؤاهم الثقافية والسياسية واحتياجاتهم الدينية والروحية، والصور التي أرادوها عن الماضي الديني والتاريخي.
وتختلف النظرة الكاثوليكية والأرثوذكسية للأرض المقدسة اختلافاً جوهرياً عن الرؤية البروتستانتية، لا سيما التدبيرية منها، سواء من حيث المنطلقات والمرجعيات اللاهوتية، أو الامتداد التاريخي، أو الموقف من السكان الأصليين. فالكنيستان الكاثوليكية والأرثوذكسية لم تحتاجا إلى "اختراع" الأرض المقدسة، لامتلاكهما جذوراً عميقة في المكان ولاتباعهما عقيدة لاهوتية لا تربط الدين مباشرة بمشاريع الاستيطان أو إعادة التوطين البشرية. فالأرض المقدسة بالنسبة لهما مرتبطة بالوجود الكنسي واللاهوتي أكثر من ارتباطها بالواقع الديموغرافي والسياسي للأرض.
وتتبنى الكنيستان ما يُعرف بـ لاهوت الإحلال أو الاستبدال Supersessionism، القائم على فكرة انتقال الوعود الإلهية الممنوحة لبني إسرءيل في العهد القديم بالكامل إلى الكنيسة المسيحية بصفتها "إسرءيل الروحية الجديدة". ويتباين الموقف الكاثوليكي والأرثوذكسي إزاء الاستيطان الصهيوني في فلسطين تبايناً جذرياً عن الرؤية البروتستانتية التوراتية. وتجاوزت الكنائس المشرقية الرفض اللاهوتي المحض لتخوض مواجهة ميدانية وفكرية شرسة، دفاعاً عن الوجود العربي ودحضاً لخرافة الفراغ الديموغرافي. واستندت الكنائس الشرقية إلى لاهوت الإحلال، رافضةً منح التمدد الصهيوني أي شرعية دينية. وحذرت البطريركيات في القدس رعاياها تحذيراً شديداً من بيع الأراضي للمهاجرين الجدد، مدركةً خطورة التحالف بين الانتداب البريطاني الداعم للمشروع الصهيوني والتبشير البروتستانتي الطامح لاختراق النسيج الاجتماعي المحلي.
كما تصدى الفاتيكان لمساعي الحركة الصهيونية الرامية لنيل غطاء روحي، معتبراً الوجود المسيحي العربي الضامن الحقيقي لاستمرار هوية الأرض المقدسة، ورافضاً تسليم الأماكن المقدسة لسيطرة يهودية حصرية. وشكل المثقفون العرب المسيحيون رأس الحربة في تفكيك الخطاب الاستعماري، وأسسوا منابر إعلامية واجهت التضليل الغربي مواجهة مباشرة صريحة. مثل صحيفة الكرمل (1908) التي أسسها نجيب نصار الصحيفة في حيفا، مكرساً صفحاتها لكشف مخاطر التوطين، ومحذراً الفلاحين من سلب أراضيهم. وصحيفة فلسطين (1911) التي أطلقها عيسى العيسى في يافا، لتصبح المنبر الأبرز في فضح التواطؤ البريطاني الصهيوني. وكشفت الصحيفة تفاصيل صفقات الأراضي، ونبّهت الرأي العام لخطورة الهجرة المنظمة. كما تجاوز الرد الفلسطيني حدود الكتابة الصحفية ليبلغ المأسسة الوطنية الفاعلة. فتشكلت الجمعيات الإسلامية المسيحية منذ مطلع العشرينيات كإطار سياسي جامع رافض لوعد بلفور ومقاوم للهجرة.
وتنتفي- وفق هذا التصور اللاهوتي- الحاجة للتفسير الحرفي للنبوءات الكتابية، ويغيب أي مبرر ديني يفرض إعادة اليهود إلى فلسطين تمهيداً لعودة المسيح، وهو المحرك الأساسي للمسيحية الصهيونية البروتستانتية. فضلاً عن ارتباط القداسة عند الكاثوليك والأرثوذكس بأحداث الماضي-مثل التجسد والصلب والقيامة-، وتتجسد في المعالم التاريخية مثل كنيسة القيامة وكنيسة المهد، ولا تتعلق بسيناريوهات مستقبلية أو معارك نهاية الزمان التي تستدعي تغييرات ديموغرافية في السكان.
عانت السردية البروتستانتية القادمة من الغرب نوعاً من الانقطاع التاريخي عن المكان، أشبه بما يكون الابتعاد بمسافة في الذاكرة، ناهيك عن كونه بالأساس انقطاع جغرافي. فالأرض التي كانت تُقرأ من خلال النصوص الكتابية بدت، في المخيال البروتستانتي، وكأنها خرجت من الزمن ثم عادت لتظهر من جديد في القرن التاسع عشر. ومن هنا نشأت الحاجة إلى ردّ الواقع المعاش إلى صورة كتابية قديمة. كانت النتيجة طمس الحضور العربي الفعلي، واستبداله بصورة رمزية مجرّدة: رعاة، فلاحون، ووجوه تصلح لتجسيد شخصيات العهد القديم، أكثر مما تصلح لوصف مجتمع حي له تاريخ متصل ومؤسسات قائمة.
في المقابل، عاشت الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية علاقة مختلفة تماماً مع المكان. فالمسيحيون العرب -من روم أرثوذكس، وروم ملكيين، وموارنة وغيرهم- هم في الحقيقة الرعية التاريخية الأصلية لهذه الكنائس. وكانت الأرض بالنسبة لهذه المؤسسات مجتمعاً بشرياً قائماً تُدار شؤونه الدينية والاجتماعية عبر شبكة قديمة من العلاقات الرعوية- عل عكس ما مثلت في السردية الغربية فضاءً رمزياً قابلاً لإعادة التأويل. ولهذا السبب تحديداً يصبح من الصعب، بل من المتعذر، أن تتبنى هذه الكنائس الشرقية فكرة من قبيل "أرض بلا شعب". فالشعب القائم فيها هو الامتداد البشري المباشر لوجودها الكنسي.
ويتعزز هذا الارتباط أيضاً بطبيعة الحضور المؤسسي للكنائس في المكان. فالبطريركيات، والأديرة، والأوقاف الكنسية الممتدة لقرون طويلة تشهد على علاقة متصلة بالأرض وتقوم على إدارة يومية وميراث تاريخي متراكم. لهذا بدت نظرة هذه الكنائس إلى الأرض نظرة ملموسة وواقعية، تتعامل مع الجغرافيا بوصفها مجال حياة متواصل وفي هذا الفارق تحديداً (أي عدم اعتبارها مسرحاً لإحياء الماضي الكتابي.) يتكشف التباين العميق بين تصورين: تصور استشراقي بروتستانتي يميل إلى قراءة الأرض بوصفها نصاً يجب إحياؤه، وتصور كنسي شرقي يتعامل معها باعتبارها مجتمعاً تاريخياً يعيش في الزمن، وليس في خارجه.
انعكس هذا التباين اللاهوتي والديموغرافي مباشرة على الموقف السياسي مع صعود الحركة الصهيونية في مطلع القرن العشرين. فقد اتخذ الفاتيكان، بوصفه المرجعية المركزية للكاثوليكية، موقفاً واضحاً برفض المشروع الصهيوني. ويظهر ذلك بوضوح في اللقاء الذي جمع مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل بالبابا بيوس العاشر في العام 1904. في ذلك اللقاء رفض الكرسي الرسولي تأييد فكرة إقامة كيان يهودي في فلسطين، وارتكز موقفه على منطق لاهوتي مباشر: لا تستطيع الكنيسة الاعتراف بمطالب دينية ليهود لا يعترفون بالمسيح، كما لا ترى في النصوص الدينية ما يبرر منحهم حقاً في الأرض على هذا الأساس[19].
واتخذت الكنائس الأرثوذكسية موقفاً قريباً من هذا الاتجاه، وإن جاء في سياق مختلف تحكمه اعتبارات محلية وتاريخية. فقد واجهت بطريركية القدس الأرثوذكسية، إلى جانب الكنيسة الروسية التي امتلكت نفوذاً واسعاً في المشرق آنذاك، ضغوطاً متزايدة للحفاظ على شبكاتها الرعوية وأوقافها التاريخية. جاءت هذه الضغوط من مسارين متوازيين: التوسع التبشيري البروتستانتي المدعوم من بريطانيا والولايات المتحدة، والتوسع الاستيطاني الصهيوني الذي أخذ يتشكل تدريجياً في فلسطين. في هذا السياق بدا موقف الكنائس الأرثوذكسية أقرب إلى دفاع طويل عن حضور كنسي شرقي متجذر في المكان، أكثر منه سجالاً لاهوتياً مجرداً. فالقضية تتعلق بحماية مجتمع رعوي قائم ومؤسسات دينية تمتد جذورها في الأرض منذ قرون، أكثر منها بتفسير النصوص أو قراءة النبوءات، بل وكما توضح ستيفاني ستيدهام روجرز، استقبل كثير من الحجاج البروتستانت الطقوس الأرثوذكسية والكاثوليكية بنفور واضح. فقد بدت لهم تلك الطقوس مثقلة بالرموز والاحتفالات، ووُصفت في كتاباتهم بما سموه "البذخ الشرقي". ومع هذا الانطباع بدأوا البحث عن مواقع أخرى للزيارة والعبادة، بل شرعوا عملياً في ابتكار مزارات جديدة تتوافق مع تصورهم الخاص للأرض المقدسة وفهمهم الحرفي للنصوص الكتابية.
يرتبط هذا النفور في جوهره بصدمة اكتشاف واقع لم يتوقعوه. فالحجاج القادمون من الغرب واجهوا حضوراً كثيفاً لكنائس تقليدية عريقة تسيطر على الفضاء المقدس في القدس وبيت لحم وغيرها من المواقع التاريخية. وقد بدد هذا الواقع الصورة المجردة التي حملوها معهم عن فلسطين بوصفها مسرحاً كتابياً صافياً يمكن قراءته مباشرة من النص. ومع انهيار تلك الصورة اتجه كثير منهم إلى إعادة رسم الجغرافيا الدينية نفسها، فظهرت محاولات لتحديد مواقع "أصيلة" بديلة للأحداث الكتابية، تتناسب مع القراءة الحرفية للنص وتتحرر من هيمنة التقاليد الكنسية القديمة.
يتصل هذا المسار أيضاً بالجدل الحداثي الأوسع حول كيفية قراءة الإنجيل ومعناه الاجتماعي. فقد بدأ بعض البروتستانت يميلون إلى تجربة مباشرة وفردية للمقدس، ترتكز على اللحظة الروحية التي يعيشها الزائر في المكان، أكثر من اعتمادها على التقاليد الطقسية المتوارثة. في هذا السياق ترى روجرز أن هذه المرحلة مثلت نقطة تحول؛ إذ بدأ الجمهور البروتستانتي الأمريكي الأوسع بتكوين آراء محددة عن فلسطين، بعد أن كانت المنطقة غائبة تقريباً عن اهتمامه المباشر. وتلاحظ أن كثيراً من النصوص التي كتبها الحجاج آنذاك حملت نبرة خيبة واضحة، خاصة عند وصف الكنائس غير البروتستانتية التي بدت في أعينهم، على حد تعبيرهم، أماكن دينية متداعية أو بعيدة عن الصورة الروحية التي كانوا يتوقعونها.
يتضح في هذا السياق الاستشراقي تصوير العرب سكان فلسطين في المخيلة البروتستانتية الأمريكية بوصفهم أقرب إلى سكان أمريكا الأصليين "غير المتحضرين"، وهو تصوير يغفل إنسانيتهم الحاضرة ويقلل من حضورهم السياسي والاجتماعي.
الرأي الآخر، تفكيك الرواية من الداخل
تسهم الحقبة الزمنية التي يغطيها الكتاب، إلى جانب النقاط الرئيسة في تحليل السردية الأمريكية البروتستانتية عن الأرض المقدسة، مدى التطور الذي طرأ على تصور الأرض ودورها في الوعي البروتستانتي. وتساعد هذه القراءة في تعميق فهمنا لنشوء وتطور المسيحية الصهيونية، وهو تيار انعكس لاحقاً في أعمال مؤرخين يهود ظهروا على نحو متزامن مع كتاب روجرز، ولعل أبرزهم كتاب شلومو ساند "اختراع الشعب اليهودي" [20]. الذي يُعد ساند إضافة نقدية راديكالية لأنه ينتقل من تحليل "المخيلة الغربية" إلى تفكيك "الرواية التاريخية" نفسها. ليقوض المرتكزات التاريخية التي قامت عليها تلك الرؤية. يطرح ساند أطروحة مثيرة للجدل مفادها أن "الشعب اليهودي" بصيغته القومية الحالية هو "اختراع" حديث من القرن التاسع عشر، تزامن مع صعود القوميات الأوروبية. هذا الطرح يضرب في صميم العقيدة التدبيرية (التي ناقشها ميركلي ولويس)؛ فإذا كان "الشتات" لم يحدث بالشكل الدرامي الموصوف، فإن "العودة" تصبح مفهوماً أيديولوجياً لا استحقاقاً تاريخياً ناتجاً عن نفي قديم. وهو يؤكد على أن سكان فلسطين (الفلاحين العرب) هم في الغالب أحفاد السكان الأصليين الذين بقوا في الأرض واعتنقوا المسيحية ثم الإسلام، وليسوا "غرباء" أو "عابرين" كما حاولت السردية البروتستانتية تصويرهم لتبرير إحلال المهاجرين الجدد مكانهم. ومن خلال تسليط الضوء على الأصل المحلي لسكان فلسطين، يضع ساند "المتخيل البروتستانتي الأمريكي" في مواجهة مع الحقائق الديموغرافية، معتبراً أن تصوير فلسطين كأرض كانت بانتظار "شعبها القديم" هو نتاج صناعة أيديولوجية حديثة.
يشير ساند إلى أن العرب في فلسطين خلال القرن التاسع عشر كانوا يرون أنفسهم، وفق رواياتهم وتقاليدهم، أحفاد شعوب كتابية، ما يجعل فكرة قرابة الدم التي تربطهم باليهود الوافدين إلى فلسطين أكثر وضوحاً في فهم تحركات الهجرة اليهودية آنذاك، ويعكس التفاعل المعقد بين التصورات البروتستانتية، والهويات المحلية، والواقع الديموغرافي المتغير في المنطقة.
تبرز هنا أيضاً أطروحات المؤرخ البريطاني مارك مازور[21]، أستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا، فيقدم قراءة نقدية للدولة القومية، يوضح فيها كيف أدى السعي وراء "النقاء القومي" وتأسيس الدول على أساس إثني إلى كوارث إنسانية، شملت التطهير العرقي والحروب، ويصف الدولة القومية في القرن العشرين بأنها مشروع دموي لإعادة اختراع الذات، وليس مساراً طبيعياً نحو الحرية.
ينقل مازور النقاش من اللاهوت الديني إلى التحليل السياسي البنيوي لتاريخ القارة الأوروبية وتأثير أزماتها على العالم. يقدم مازور تشريحاً لكيفية تحول أوروبا في القرن العشرين إلى ساحة للصراعات العرقية بسبب أيديولوجيا "النقاء القومي". وضمن هذا السياق الأوروبي العنيف يقع "المشروع الصهيوني"؛ حيث أدى السعي لتأسيس دولة على أساس إثني نقي إلى كوارث إنسانية وتطهير عرقي، وهو ما يتقاطع مع المصير الذي واجهه الفلسطينيون. ويوضح مازور كيف أن الدعم البروتستانتي الأمريكي (التدبيري) لم يكن مجرد عاطفة دينية، بل كان متسقاً مع المنطق القومي الأوروبي الذي يرى في تهجير السكان "الأغيار" وسيلة ضرورية لتحقيق "الانسجام القومي". وبذلك، يربط مازور بين "عنف الدولة القومية" في أوروبا وبين "التبرير اللاهوتي" الأمريكي الذي غض الطرف عن معاناة الفلسطينيين باسم النبوءة. تبرز أهمية الكتاب في كشف التوازي بين الإيديولوجيات القومية العنيفة في أوروبا وبين المواقف البروتستانتية الأمريكية التي دعمت المشروع الصهيوني؛ حيث يوضح مازور كيف تم التضحية بحقوق السكان الأصليين (الفلسطينيين) لصالح نموذج الدولة القومية المقدسة لاهوتياً وسياسياً. وبذلك، يخرج مازور بالقضية من إطارها الديني الضيق ليضعها في سياق الصراع العالمي ضد النزعات العرقية الإقصائية."
ينسحب هذا النقد على نحو مباشر وصريح على الصهيونية، إذ يرفض احتكارها تمثيل اليهود ويشكك في حتمية الدولة القومية كحل "للمسألة اليهودية"، ما يضع في دائرة التساؤل الأساس الأخلاقي والسياسي الذي اعتمدت عليه البروتستانتية الأمريكية لتبرير ترحيل اليهود إلى فلسطين. ويتبنى مازور في أحدث كتبه On Antisemitism: A Word in History (2025)، موقفاً نقدياً واضحاً تجاه استخدام تهمة "اللاسامية" كأداة سياسية. ويحذر من أن ربط انتقاد سياسات دولة إسرائيل باللاسامية يؤدي إلى "إفراغ المصطلح من معناه"، ويشير إلى أن الربط المتعمد بين معاداة الصهيونية واللاسامية يُستخدم أحياناً لإسكات النقاش المشروع حول حقوق الفلسطينيين وحرية التعبير في الجامعات والمحافل السياسية. ويؤكد على ضرورة فهم اللاسامية في سياقها التاريخي كظاهرة نشأت من اليمين القومي المتطرف في أوروبا، محذراً من أن توسيع التعريف ليشمل الانتقادات السياسية المعاصرة قد يضر بالجهود الفعلية لمكافحة العنصرية
وترى كاثلين كريستسون (التي عملت كمحللة في وكالة الاستخبارات الأمريكية لمدة 25 عاماً) أن الولايات المتحدة تجاهلت حق الفلسطينيين في الوجود في الأرض المقدسة خلال القرن الماضي. جدير بالذكر أن الفكر اليهودي أفرز تياراً نقدياً وقف بوجه السردية البروتستانتية-الصهيونية، ورفضت نخب يهودية مبكرة ربط اليهودية بمشروع قومي استيطاني، مؤكدة إمكانية التعايش العضوي ضمن النسيج المشرقي. على نحو ما طرحه المؤرخ والأستاذ في جامعة مونتريال يعقوب رابكين[14][22] الذي يوثق معارضة الحركات الدينية (خاصة الحريديم) والنخب الفكرية المبكرة لفكرة الاستيطان. واعتبروا الصهيونية تمرداً على المشيئة الإلهية واستبدالاً للدين بالقومية العلمانية. يفكك رابكين الأسطورة التي روجت لها المسيحية الصهيونية (مثل بلاكستون وغيبلين) بأن كل اليهود يدعمون المشروع الصهيوني. يوثق الكتاب قرناً من المعارضة اليهودية الشرسة للصهيونية، معتبراً إياها "انقطاعاً" عن التقاليد اليهودية الروحية وتحويلها إلى إيديولوجيا قومية علمانية عنيفة.
وبينما بينما كان الحجاج والمبشرون الأمريكيون (مثل ووكر وتوين) يصورون العرب كعقبة أمام النبوءة، يبرز رابكين تيارات يهودية أصيلة تؤمن بـ إمكانية التعايش مع العرب وتعتبر إقامة دولة قومية حصرية "تهديداً" للقيم الأخلاقية اليهودية. هذا المصدر يضرب في مقتل "الشرعية اللاهوتية" التي حاولت البروتستانتية التدبيرية منحها لإسرائيل.
يرصد كتاب رابكين تيارات المعارضة اليهودية للصهيونية، مؤكداً أن المشروع الصهيوني يمثل قطيعة مع الجوهر الروحي لليهودية. وتبرز أهمية هذا المرجع في نقض السردية البروتستانتية الأمريكية التي حاولت تصوير العودة الصهيونية كتحقيق لإرادة يهودية جامعة. ومن خلال تسليط الضوء على دعوات التعايش مع العرب ومناهضة الدولة الإثنية، يقدم رابكين بديلاً أخلاقياً يهودياً يدحض التبريرات التدبيرية التي جعلت من إقصاء الفلسطينيين ضرورة دينية، معتبراً أن الصهيونية ليست حلاً للمسألة اليهودية بل هي انحراف عن مسارها الإنساني."
كما نادت جماعة بريت شالوم Brit Shalom ( وهي جمعية يهودية تأسست عام 1925 في القدس) بقيام دولة ثنائية القومية تضمن حقوقاً متساوية لليهود والعرب. وضمت في صفوفها نخباً فكرية بارزة مثل مارتن بوبر هانز كون، آرثر رابين، وهوغو بيرغمان، ويهودا ماغنيس، وهذا الأخير أول رئيس للجامعة العبرية، اللذين عارضا فكرة الدولة اليهودية الحصرية، ودعيا في كتاباتهما إلى رفض الصدام مع العرب وطالبوا بإحلال تفاهم متبادل[23].حيث وثائق هذه الجمعية "صوت العقل" (مثل) خلال فترة الانتداب البريطاني. ففي الوقت الذي كانت فيه المسيحية الصهيونية (مثل بلاكستون وغيبلين) تروج لفكرة "سيادة يهودية حصرية" كتحقيق للنبوءة، قدمت نخب "بريت شالوم" رؤية سياسية تقوم على الدولة ثنائية القومية (Binational State). بينما صور الرحالة والمبشرون الأمريكيون (مثل ووكر وتوين) العرب ككيان هامشي أو "عائق" أمام النهضة الصهيونية، جاءت كتابات "بريت شالوم" لتعترف بـ القومية العربية كحقيقة سياسية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها، محذرة من أن تجاهل حقوق السكان الأصليين سيؤدي إلى صراع دائم. ويمثل بيان وكتابات جمعية بريت شالوم وثيقة فكرية وتاريخية تجسد معارضة النخب اليهودية التنويرية لمبدأ الدولة القومية الحصرية . فمن خلال الدعوة إلى إقامة دولة ثنائية القومية تقوم على المساواة السياسية الكاملة بين اليهود والعرب، يقدم هذا المرجع نقضاً مبكراً للسرديات الإقصائية التي روجت لها البروتستانتية التدبيرية الأمريكية. وتبرز أهمية هذه الكتابات في التأكيد على أن "التفاهم المتبادل" مع الفلسطينيين كان خياراً مطروحاً من داخل الحركة الفكرية اليهودية، وهو ما يدحض الادعاءات اللاهوتية التي صورت إزاحة السكان الأصليين كضرورة تاريخية لا مفر منها.
ولكن هذه المقولات لم تلبث أن أخذت مساراً "قومياً استعمارياً"، إذ تبنّى بعض المؤرخين الفكرة الصهيونية التي زعمت انتقال غالبية العرب، سكان فلسطين، إلى المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر. ويعزو شلومو ساند هذا التحول إلى تدهور الوضع السياسي بين اليهود والعرب آنذاك.
خاتمة: محو الوجود الحي
تبيّن ستيفاني ستيدهام روجرز كيف تحوّل الفلسطينيون المحليون، في المخيلة البروتستانتية الأمريكية، إلى ما يشبه "نماذج كتابية" صامتة. فالرحّالة القادم من الولايات المتحدة لم يكن ينظر إلى العربي بوصفه إنساناً يعيش في زمنه الحاضر، بل بوصفه أثراً حياً من زمن الكتاب المقدس. كان يرى في الفلاح الفلسطيني صدى لشخصيات العهد القديم؛ في الرجل صورة "بوعز"، وفي المرأة ملامح "رفقة". وهكذا أصبح السكان، في كثير من تلك السرديات، أقرب إلى مشاهد تمثيلية تعيد إحياء القصص الكتابية، ضمن عملية محو مقصودة لهُويته الحية العربية والإسلامية وتاريخه الخاص.
أسهم هذا النمط من القراءة الكتابية للمكان في تجريد السكان من حضورهم الواقعي. فالعرب في تلك النصوص لم يظهروا كفاعلين تاريخيين، بل كخلفية بصرية تضفي على المشهد طابعاً "كتابياً" مألوفاً للقارئ الغربي. ومع الزمن تحوّلوا إلى ما يشبه عناصر ديكور تكمّل سرديات العهد القديم. ومن هنا أيضاً يمكن فهم الإحساس بالخيبة الذي عبّر عنه كثير من الحجاج عندما صادفوا فلسطينياً يرتدي ملابس أوروبية أو يستخدم أدوات حديثة. فقد بدا لهم ذلك خروجاً عن الدور الذي تخيّلوه له مسبقاً. في المخيال الذي حملوه معهم، كان على الفلسطيني أن يبقى فقيراً وبسيطاً ليحافظ على "أصالته الكتابية". وكل مظهر من مظاهر الحداثة كان يُنظر إليه بوصفه تشويهاً للمشهد الذي جاؤوا يبحثون عنه، لأن أي تغيير في هذا الواقع كان يبدد الصورة المتخيلة للأرض بوصفها زمناً كتابياً متجمداً.
كما توضح أن خيبة الأمل هذه، ولا سيما لدى زوار كنيسة القيامة، لم تكن في الغالب نتيجة صدمة مباشرة بالواقع بقدر ما كانت انعكاساً مكتسباً من تصورات سابقة تشكلت عبر القراءة. فقد وصل كثير من الحجاج إلى القدس وهم يحملون في أذهانهم صوراً جاهزة استقوها من أدبيات الرحلات والكتابات البروتستانتية التي سبقتهم. وحين واجهوا الفضاء الديني الفعلي -المثقل بطقوس الكنائس الشرقية وتقاليدها-فسّروا المشهد من خلال تلك الصور المسبقة.
أدت العناصر الأساسية للأساطير المؤسسة للأمة الأمريكية، مثل عقيدة القدر المحتوم Manifest Destiny، دوراً محورياً في تشكيل ما يمكن تسميته بـ"الدين الأمريكي" البروتستانتي، محددةً مسارات السياسة الأمريكية ورؤيتها للعالم المحيط بها. وتناغمت هذه العقيدة مع رؤية مسيحانية طوباوية، ترى في الشرق أرضاً تحتاج إلى نشر "النور الإلهي" وكلمة الرب، وإدخال الحضارة إلى أماكن يعيش أهلها في الظلام الروحي والثقافي.
وارتبط الدافع لتوسيع النفوذ الأمريكي في الشرق بإحساس مركزي بالرسالة الإلهية للأمة الأمريكية، بوصفها الفاعل الرئيس في تنفيذ إرادة الرب على الأرض. فالأراضي المقدسة، بموقعها التاريخي واللاهوتي، شكلت مكاناً لاستعادة منزلة المسيحية واسترجاع أرض مملكة إسرءيل القديمة من المسلمين. وقد سهّل هذا الاعتقاد ربط الخصائص المادية للأرض الفلسطينية بنصوص العهدين القديم والجديد، وإعادة إحياء أسماء المواقع والحيوانات والنباتات القديمة.
أدى هذا الربط النصي مع الجغرافيا الفعلية إلى غياب السكان الحاليين عن السردية البروتستانتية، كما ظهر في كتابات مارك توين، الذي أصر على استخدام الأسماء الكتابية لنابلس ومناطق أخرى، متجاهلاً حضور العرب المعاصر، ليصبح المشهد الفلسطيني بمثابة لوحة تاريخية تتكرر فيها صورة النصوص المقدسة.
ساءت صورة العرب التي نقلتها روايات الرحلات من فلسطين لتفوق سوء صورة اليهود لدى الأمريكيين. ورغم انتشار معاداة السامية في الولايات المتحدة منذ نهاية القرن التاسع عشرـ إلا هذا لم يكن يعني تعزيز صورة إيجابية عن العرب. يذكر بيتر غروس[24] أن العديد من مسؤولي وزارة الخارجية الذين عملوا في قسم شؤون الشرق الأدنى، في عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وعارضوا إنشاء دولة إسرائيل في العام 1948 نشؤوا وتربوا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين على منظومة أدب أطفال معادٍ للسامية يصور اليهود شخصيات سخيفة وحمقى، ويعتقد غروس أن هذه الأدبيات تركت انطباعاً مبكراً، من الصعوبة بمكان محوه، عند الشباب الأمريكي، وتحديداً صانعي السياسة في مرحلة شبابهم. ونظراً لأن جزءً كبيراً من اليهود انتقل للعيش داخل الولايات المتحدة، ووصل بعضهم إلى مناصب بارزة، ربماـ احتفظوا، بسبب هذا، بوجه أكثر إنسانية في المجتمع الأمريكي أكثر من العرب "أبطال القصص الغريبة الذين يعيشون في أماكن بعيدة"
أسهمت الجهود التبشيرية الأمريكية في الشرق الأوسط بترسيخ عدم التعاطف مع السكان المحليين، لتركيزها على بناء تصور ديني وجغرافي جديد يبرر تدخلات خارجية. وقد تجلى هذا المنحى في أولى المحاولات الأمريكية لدعم الاستيطان اليهودي في فلسطين على يد المبشر البروتستانتي وليم بلاكستون في العام 1889، عقب زيارته سوريا وفلسطين، إذ رأى في الأرض إمكانات زراعية وتجارية يمكن أن تُستثمر لخدمة مشروع قومي يهودي، يُخفف عنهم معاناتهم. وبعد عامين، قدم بلاكستون عريضة إلى الرئيس بنيامين هاريسون، جمع من أجلها توقيعات 413 من الشخصيات الأمريكية البارزة غير اليهودية، من حكام الولايات وأعضاء الكونغرس والقضاة ورجال الدين والمحررين ورجال الأعمال، على رأسهم جون روكفلر.
لاقى هذا الطرح تجاوباً واسعاً بين الأمريكيين، لأنهم ربطوا عودة اليهود إلى فلسطين بمسألة حماية اليهود من الاضطهاد وتقليل أعدادهم داخل الولايات المتحدة. كما ألهمت فكرة "عودة اليهود إلى أرض الميعاد" شعوراً دينياً عميقاً لدى البروتستانت الأمريكيين، نشأ من التعاليم الكتابية، ومنحهم حافزاً روحياً لم يكن الفلسطينيون أنفسهم طرفاً فيه لغيابهم التام عن المخيلة البروتستانتية والقراءة التاريخية والنصية للأرض المقدسة.
باختصار، احتفظ اليهود بمكانة بارزة في الذهنية الأمريكية، سواء أكانت إيجابية أم سلبية، بينما بقي الفلسطينيون محرومين من أي حضور مماثل، وافتقروا إلى أي موقع أو مكانة واضحة في الوعي العام.
................
الهوامش
[1]سعيد، إدوارد. الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، ١٩٨١. يصف إدوارد سعيد الاستشراق "المؤسسة المشتركة للتعامل مع الشرق"، وأداة للسلطة الفكرية والإمبريالية، قائماً على افتراض التفوق الغربي. لقد صنف الاستشراق، حسب سعيد، السكان الأصليين أحياناً كـ "متوحشين نبلاء" أو بقايا غريبة من الماضي، وسمّاهم "غير متحضرين".
[2] Stephanie Stidham Rogers, Inventing the Holy Land (2011), p. 42.
[3] Edward Robinson, Biblical Researches in Palestine, Vol. 1 (1841), Preface, p. xi. كما تستشهد روجر بكتاب وليم كوبر برايم Tent Life in the Holy Land (1857)، حيث يصف فلسطين بأنها "مخطوطة جرى محوها وإعادة الكتابة فوقها" (Palimpsest). فـ "فلسطين الحقيقية ليست هي التي نراها، بل هي التي نقرأها في الكتاب المقدس ونبحث عنها تحت التراب". إلى جانب اعتمادها على وثائق "صندوق استكشاف فلسطين" (أسس في العام 1865)، والذي كان شعاره "الاستكشاف العلمي". المصدر هنا هو تقاريرهم التي كانت تقول صراحة إن "فلسطين تضيع" بسبب "إهمال العثمانيين"، وأن العلم البريطاني/الأمريكي هو الذي "سينقذ" تاريخها المدفون.
[4] Robinson, Biblical Researches, 2:71.
[5] Rogers, Inventing the Holy Land, 42, 84.
[6] Nadia Abu El-Haj, Facts on the Ground: Archaeological Practice and Territorial Self-Fashioning in Israeli Society (Chicago: University of Chicago Press, 2001), 33.
[7] Charles Walker, A Tour Through the Holy Land, Philadelphia: American Tract Society, 1875. قدم الكتاب سنداً معرفياً للمسيحية الصهيونية الناشئة، باعتبار أن خلاص اليهود وإحياء الأرض وجهان لعملة لاهوتية واحدة تسبق المملكة الألفية.
[8] Rogers, Inventing the Holy Land, 15, 18, 31.
[9] انظرRogers, Inventing the Holy Land, 23, 25. وكذلك Stephens, John Lloyd. Incidents of Travel in Egypt, Arabia Petraea, and the Holy Land. New York: Harper & Brothers, 1837. يمثل كتاب جون لويد ستيفنز الوثيقة التأسيسية للمخيلة الاستشراقية الأمريكية في القرن التاسع عشر. فمن خلال الانتشار الواسع لهذا العمل، تم تعليب الشرق وفلسطين كفضاءات جغرافية "مقدسة/قديمة" تفتقر للحداثة والسيادة الوطنية، مما خلق تمهيداً ذهنياً لدى القارئ الأمريكي لتقبل السرديات اللاهوتية والسياسية اللاحقة التي أعادت تعريف ملكية الأرض وفق المرجعية الكتابية. وتؤكد أسبقية الكتاب على "الاستعداد الاستشراقي" في أمريكا الذي سبق في الواقع "النضوج اللاهوتي" الصهيوني المسيحي، مما جعل التربة الثقافية خصبة لتقبل أفكار مثل عودة اليهود.
[10] انظرRogers, Inventing the Holy Land, 31-33. وتتناول روجرز ظاهرة مارك توين وكتابه The Innocents Abroad، وتوثق رقم الـ 67 ألف نسخة المباعة في السنة الأولى. انظر كذلك Harriet Beecher Stowe, The Arab Nights, New York: American Publishing Company, 1857 كما تقتبس كلام هارييت بتشر ستو (مؤلفة "كوخ العم توم") حول "الليالي العربية" وشغف الأمريكيين بها بقولها إن قصص "مصباح علاء الدين" و"السندباد البحري" كانت غريبة جداً لدرجة أنها أعطت "بداية للخيال.. ودافعاً قوياً للروح". من المثير للاهتمام أن الناشر هو (American Publishing Company)، وهو نفس الناشر الذي أصدر كتاب مارك توين لاحقاً، مما يشير إلى وجود صناعة نشر متكاملة في أمريكا القرن التاسع عشر كانت تتكسب من تسويق "الشرق" كسلعة ثقافية تجمع بين السحر الديني والرومانسية القصصية.
[11] المسيحية التدبيرية (Dispensationalism): مذهب لاهوتي صاغه القس الإيرلندي John Nelson Darby في القرن التاسع عشر، يقسم التاريخ إلى حقب إلهية ويربط العودة المادية لليهود إلى فلسطين بنبوءات آخر الزمان. ويوضح كل من Paul C. Merkley, Christian Attitudes Towards the State of Israel, McGill-Queen’s University Press, 2001، وDonald M. Lewis, The Origins of Christian Zionism, Cambridge University Press, 2010، كيف تحولت العودة الجسدية لليهود إلى شرط مسبق للمجيء الثاني، ومن ثم إلى التزام سياسي وعقائدي في البروتستانتية الأمريكية.
[12]Mark Twain, The Innocents Abroad,´-or-The New Pilgrims Progress, Hartford: American Publishing Company, 1869. . يقدم توين وصفاً واقعياً ساخراً لفلسطين، موضحاً الفقر والإهمال والخراب تحت الحكم العثماني. وصفه للأرض "قاحلة وكئيبة" عزز لاحقاً المخيلة الاستشراقية الأمريكية عن فلسطين كأرض خالية تنتظر بعثاً خارجياً، متوازياً مع أهداف المسيحية الصهيونية.
[13] تبدو إشارة مارك توين بأن فلسطين "تجلس على الخيش والرماد" استعارة من الإصحاح الرابع من سفر إستير: "1وَلَمَّا عَلِمَ مُرْدَخَايُ كُلَّ مَا عُمِلَ، شَقَّ مُرْدَخَايُ ثِيَابَهُ وَلَبِسَ مِسْحًا بِرَمَادٍ وَخَرَجَ إِلَى وَسَطِ الْمَدِينَةِ وَصَرَخَ صَرْخَةً عَظِيمَةً مُرَّةً". ومردخاي هذا هو ابن عم إستير من سبط بنيامين وهو وإستير كانا من بين يهود السبي الذين عاشوا في البلاط الفارس بعد سقوط الدولة البابلية الحديثة حسب التقليد اليهودي. وتقول الحكاية أن مردخاي رفض السجود لهامان كبير وزراء الملك، فصرح هذا الأخير بأن اليهود جماعة لا فائدة ترجى منهم ولا ولاء لهم، وأوغر في صدر الملك للتخلص منهم الذي أمر، في نهاية المطاف بمصادرة ممتلكاتهم و إبادتهم جميعاً داخل حدود مملكته، وعند سماع مردخاي هذا الخبر مزّق ثوبه ووضع الرماد على رأسه، إشارة إلى حزنه وحداده وخضوعه لحكم الرب للحصول على رحمته، ولبس المسوح -وهي ثياب خشنة مثل الخيش- كنوع من التقشف والتذلل إلى الرب لينال الحماية له ولشعبه.. إلى آخر القصة المذكورة في سفر إستير .. وما زالت هذه العادات سائدة في أماكن عديدة في الشرق.
[14]Kathleen Christison, Perceptions of Palestine: Their Influence on U.S. Middle East Policy, Berkeley: University of California Press, 1999. توضح كريستيسون كيف تحولت السرديات والتصورات البروتستانتية حول فلسطين من الفضاء الخيال الثقافيين إلى قرارات سياسية في البيت الأبيض ووزارة الخارجية. كما تصف دور كتابات مارك توين في تقديم "الذخيرة الأخلاقية" لصانعي القرار الأمريكيين لتبرير المشروع الصهيوني باعتباره إحياءً للأرض، وليس احتلالاً لشعب موجود.
[15] Stephen Sizer, Christian Zionism: Road-map to Armageddon?, Inter-Varsity Press, 2004 وكذلك Donald M. Lewis, The Origins of Christian Zionism, Cambridge University Press, 2010
[16] انظر، Sherrard, Brooke. American Biblical Archaeologists and Zionism: The Politics of Historical Ethnography." PhD diss., Florida State University, 2011, 28. نقلاً عن . Edward Robinson, Biblical Researches in Palestine, 1838–52. In three volumes. (Boston: Crocker and Brewster, 1856), Vol. I, 223-255 وتشير ناديا أبو الحاج في كتابها "حقائق على الأرض"(انظر الهامش "6") إلى هذا "العمى الإيديولوجي" للمستشرقين الذين تجاهلوا الوجود البشري الحي في فلسطين لصالح تصورات في مخيلتهم عن "الأرض الصامتة" التي يسهل توظيفه وتطويعها لمصلحة الرواية الكتابية.
[17] William Blackstone, Jesus is Coming, Chicago: Fleming H. Revell Company, 1878. الذي يعكس أولى المحاولات البروتستانتية الأمريكية لدعم عودة اليهود إلى فلسطين لأسباب لاهوتية وسياسية. عُرف عن كتاب بلاكستون أنه لم يكن مجرد وعظ، بل بياناً حركياً يمثل أول مشروع أمريكي متكامل لاستعادة "إسرائيل" كشرط مسبق لعودة المسيح.
[18]Arno C. Gaebelein, The World’s Hope: The Coming of the Kingdom of God in History, New York: Loizeaux Brothers, 1913. ربط غيبلين مصير البشرية بعودة اليهود إلى فلسطين، ويعتبر الكتاب الإطار الفكري الذي منح "صهيونية التدبيريين" تأثيراً عابراً للحدود قبل أن تظهر التشكيلات السياسية الصهيونية الرسمية، ومهد لفهم سيطرة المخيال البروتستانتي على الوعي الأمريكي تجاه فلسطين.
[19] Papal Archive, Audience with Theodore Herzl, Vatican, 1904. يُمثل محضر لقاء البابا بيوس العاشر مع تيودور هيرتزل (1904) في الأرشيف البابوي وثيقة محورية لأنها ترسم حداً فاصلاً وواضحاً بين "الصهيونية المسيحية" (البروتستانتية التدبيرية) وبين "الموقف الكاثوليكي التقليدي" الرافض كلياً للمشروع الصهيوني. ففي هذا اللقاء الشهير، واجه هيرتزل رداً حاسماً من البابا بيوس العاشر بعبارته الشهيرة: "لا نستطيع (Non Possumus) منع اليهود من الذهاب إلى القدس، لكننا لا نستطيع أبداً مباركة ذلك". هذا المرجع يثبت أن الفاتيكان، كأعلى سلطة كاثوليكية، لم يرَ في عودة اليهود أي "تحقيق لنبوءة"، بل اعتبرها مناقضة للعقيدة المسيحية التي ترى أن الكنيسة هي "إسرائيل الجديدة".
[20] Shlomo Sand, The Invention of the Jewish People, London: Verso, 2009 . يقدم ساند نقداً جذرياً للسردية الصهيونية، موضحاً أن الشعب اليهودي القومي الحالي اختراع حديث من القرن التاسع عشر، وأن سكان فلسطين هم في الغالب أحفاد السكان الأصليين، ما يضع المخيلة البروتستانتية الأمريكية في مواجهة مع الواقع الديموغرافي.
[21] Mark Mazower, Dark Continent: Europe’s Twentieth Century, New York: Vintage Books, 1999. يحلل مازور كيف أدى السعي الأوروبي للقوميات النقية إلى صراعات عرقية، ويربط ذلك بالمنطق البروتستانتي الأمريكي التدبيري، موضحاً أن دعم المشروع الصهيوني تزامن مع أيديولوجيا قمع السكان الأصليين لصالح الدولة القومية.
[22] Jacob Rabkin, A Threat from Within: A Century of Jewish Opposition to Zionism, Montreal: Black Rose Books, 2006
[23] للمزيد انظر. Brit Shalom, Manifesto and Writings, Jerusalem, 1925.
[24] Grose, Peter. Israel in the Mind of America. New York: Alfred A. Knopf, 1983. يتقاطع كتاب غروس مع أطروحات ستيفاني روجرز وناديا أبو الحاج في النقاط الثلاث التالية: أولاً في الإحياء الديني، يوضح غروس كيف أن الرؤية البروتستانتية الأمريكية في القرن التاسع عشر (مثل رؤية روبنسون وبرايم) لم تكن دينية فحسب، بل كانت ترى في "عودة اليهود" ضرورة لاهوتية وتاريخية. ثانياً في تشكيل الوعي، حيث يحلل كيف تشكل "الخيال الشعبي" الأمريكي تجاه فلسطين عبر الحكايات التوراتية وكتب الرحلات قبل عقود من ظهور الحركة الصهيونية السياسية. وأخيراً في الرابط السياسي، حيث يوثق كيف تحول هذا "الشغف الروحي" (الذي بدأ مع ستيفنز ومارك توين) إلى التزام سياسي استراتيجي في العقل الجمعي الأمريكي.
..............
المصادر العربية
سعيد، إدوارد. الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق. ترجمة كمال أبو ديب. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1981.
المصادر الأجنبية
Abu El-Haj, Nadia. Facts on the Ground: Archaeological Practice and Territorial Self-Fashioning in Israeli Society. Chicago: University of Chicago Press, 2001.
Blackstone, William. Jesus is Coming, Chicago: Fleming H. Revell Company, 1878.
Brit Shalom, Manifesto and Writings, Jerusalem, 1925.
Christison, Kathleen. Perceptions of Palestine: Their Influence on U.S. Middle East Policy, Berkeley: University of California Press, 1999.
Gaebelein, Arno C. The World’s Hope: The Coming of the Kingdom of God in History, New York: Loizeaux Brothers, 1913.
Grose, Peter. Israel in the Mind of America. New York: Alfred A. Knopf, 1983.
Lewis, Donald M. The Origins of Christian Zionism, Cambridge University Press, 2010.
Mazower, Mark. Dark Continent: Europe’s Twentieth Century, New York: Vintage Books, 1999.
Merkley, Paul C. Christian Attitudes Towards the State of Israel, McGill-Queen’s University Press, 2001.
Papal Archive, Audience with Theodore Herzl, Vatican, 1904.
Rabkin, Jacob. A Threat from Within: A Century of Jewish Opposition to Zionism, Montreal: Black Rose Books, 2006.
Robinson, Edward. Biblical Researches in Palestine, 1838–52. In three volumes. Boston: Crocker and Brewster, 1841/1856.
Rogers, Stephanie Stidham. Inventing the Holy Land, 2011.
Sand, Shlomo. The Invention of the Jewish People, London: Verso, 2009.
Sherrard, Brooke. American Biblical Archaeologists and Zionism: The Politics of Historical Ethnography. PhD diss., Florida State University, 2011.
Sizer, Stephen. Christian Zionism: Road-map to Armageddon?, Inter-Varsity Press, 2004.
Stephens, John Lloyd. Incidents of Travel in Egypt, Arabia Petraea, and the Holy Land. New York: Harper & Brothers, 1837.
Stowe, Harriet Beecher. The Arab Nights, New York: American Publishing Company, 1857.
Twain, Mark. The Innocents Abroad,´-or-The New Pilgrims Progress, Hartford: American Publishing Company, 1869.
Walker, Charles. A Tour Through the Holy Land, Philadelphia: American Tract Society, 1875.



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التحليل النفسي وصناعة -اليهودي الجديد- قراءة تفكيكية في كتاب ...
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب
- عن الطوفان وأشياء اخرى (57)
- عن الطوفان واشياء أخرى (56)
- الإرهاب في الجليل: التواطؤ البريطاني-الصهيوني وفرق الليل الخ ...
- قرية إجزم الفلسطينية إبان حرب عام 1948: صياغة تاريخ أنثروبول ...
- بين وحشية النظام ووقاحة التبسيط الغربي: لماذا نرفض اختزال سو ...
- تقلبات مكان مقدس: المشهد الحسيني في عسقلان، بناءه وتدميره وإ ...
- حصانة النخبة و-فردنة- الجريمة: جيفري إبشتين مثالاً
- تهافت رأس المال الاستعماري: خطاب -الواقعية القائمة على القيم ...
- مئوية فرانتز فانون في فلسطين
- عن الطوفان وأشياء أخرى (55)
- توطئة في سوسيولوجيا الإكراه: من دولة القانون إلى دولة الإنفا ...
- فيزياء الإبادة: هندسة -الإنتروبيا- وتقويض الوجود الفلسطيني
- نقد -الواقعية المتخيلة- عند ماجد كيالي: تفكيك الإسقاط السوري ...
- عن -الحيوان- السياسي المعاصر
- صراع سرديات أم صراع على الأرض: فساد الخطاب الأخلاقي عند يو&# ...
- استعادة فلسطين: قراءة في بنية الدول الاستعمارية الاستيطانية
- عن الطوفان وأشياء أخرى (54)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (53)


المزيد.....




- خبير عسكري يوضح لـCNN تداعيات قصف جزيرة خرج الإيرانية على أس ...
- ما هي مهمة الجنود الفرنسيين في كردستان؟
- ماهي البدائل الحالية لنقل النفط بعيدا عن مضيق هرمز؟
- ضغوط على الإدارة الأمريكية بشأن القدرات العسكرية والذخيرة
- إسرائيل تدمر جسرا جنوب لبنان: ما دلالة الخطوة؟
- فوسفات المغرب وهيليوم الجزائر: أي قطاعات مغاربية تستفيد وأيه ...
- بهلوان وطالب وأمير... مرشحون غير مألوفين في الانتخابات البلد ...
- الإمارات.. النيابة تأمر بضبط 10 متهمين بنشر مقاطع مضللة
- نتنياهو يكلّف ديرمر بملف لبنان.. وحزب الله: أعددنا أنفسنا لم ...
- سريلانكا تبدأ إعادة جثامين 84 بحارًا إيرانيًا بعد غرق فرقاطت ...


المزيد.....

- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - فلسطين في عيونهم قراءة في كتاب اختراع الأرض المقدسة: الحجيج الأمريكان البروتستانت 1865-1941