أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود الصباغ - تهافت رأس المال الاستعماري: خطاب -الواقعية القائمة على القيم-















المزيد.....

تهافت رأس المال الاستعماري: خطاب -الواقعية القائمة على القيم-


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8597 - 2026 / 1 / 24 - 03:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يا لهذه الصياغة الأنغلوسكسونية الكلاسيكية للأخلاق القابلة للإدارة!
إنها-يا سادة- عملية تزوير صامتة للقيم: قيم بلا ثمن مقابل، وواقعية بلا مساءلة، وقواعد مرنة تسمح باستمرار التراكم الرأسمالي الغربي، وتعمل على تخفيف حدّة الفوضى دون تفكيك الامتياز التاريخي، مع تجاهل تام للخطيئة الأصلية التي قامت عليها رفاهية الرجل الأبيض.
لم يكن خطاب رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، في دافوس مجرد كلمة عابرة في محفل للنخبة، ولا مصارحة أخلاقية متأخرة. ما قدمه وثيقة نعي للنظام الدولي القديم" القائم على القواعد" (وإن لم يقطع معه). والاحتفاء بـ "شجاعة" أن هذا الاعتراف لم يكن سوى خيال مريح (لمن صاغه طبعاً وأدار منافعه من مراكز القوة)، يغفل حقيقة أكثر أهمية: الخطاب يعالج أعراض الأزمة وليس جذورها البنيوية، وإعادة صياغة هذا الانهيار بلغة تقنية وأخلاقية مخففة، تُنقذ ما يمكن إنقاذه من شرعية نظام لم يعد قادراً على الاستمرار بصيغته القديمة.
إنها لحظة ارتباك تعلن -بخجل- عن تهافت رأس المال الاستعماري، ومحاولة يائسة لإعادة تموضع القوة الغربية في عالم لم تعد تملك فيه ناصية التحكم المنفرد. فالأصل في القول إن النظام لم يتأسس على قاعدة العدل، أو بالأحرى لم يؤسس ليكون عادلاً؛ بل بني ليحمي مصالح المركز ويحوّل الهيمنة إلى طبيعة مضمونة.
وتلك "الخرافة" التي يقر بها هذا الكندي الطيب بأنها كانت مفيدة ليست سوى الآلية التي يدار بها العنف حيث يتوزع الاستقرار على المركز(تراكم رأس المال تحت غطاء أخلاقي) وأما الأطراف فتغرق في الفوضى "الخلاقة" (إخفاء الاستغلال الاستعماري العميق).
وما يراه البعض لحظة صدق في الخطاب مثل التحذير من أن الاندماج الاقتصادي قد يصبح أداة خضوع- لم يكن يرمي إلى توجيه نقد أخلاقي من أي نوع، بقدر ما هو تعديل طفيف متعمد لموضع الخضوع، فلا مشكلة طالما بقي الآخرون خاضعين. إذ تبدأ الأزمة فقط حين يصبح المركز عرضة للأدوات التي استخدمها طويلًا.
والتواضع القبيح في الاعتراف بأن "رواية النظام لم تكن صحيحة تماماً" هو مثال نموذجي على هذا التعديل لحماية المعنى. نحن لسنا أمام رواية ناقصة أو تطبيق معيب، بل أمام كذب بنيوي. فالقواعد لم تصمم يوماً لتكون عامة أو ملزمة للجميع، بل لتمنح القوة غطاءً أخلاقياً عبر الممارسة الانتقائية، وتحوّل الهيمنة إلى وظيفة طبيعية وشرعية للنظام العالمي.
ولكن ما هو أكثر دلالة في خطاب مستر كارني هو الإقرار بأن "الخرافة كانت مفيدة".
نعم! كانت مفيدة لأنها سمحت بتراكم رأس المال تحت غطاء أخلاقي، وضمان تدفق الموارد، وتحييد المساءلة الأخلاقية عن الحروب، والانقلابات، وحالات الحصار، والإبادات البطيئة، وإدارة العنف بوصفه ضرورة نظامية وليس جريمة سياسية.
ما يسميه الخطاب "منافع عامة" هو في الواقع توزيع غير متكافئ لهذا العنف، حيث تُنقل كلف الاستقرار إلى خارج المركز.
صحيح أن مستر كارني لا يدّعي قيادة العالم، ولا ينافس القوى العظمى على حجمها. فهو يقول ببساطة: العالم القادم لن يدار بقواعد عامة، بل بشبكات. ومن لا يكون جزءً من شبكة لن يتمتع بالحماية وسيخضع للإدارة. لذلك يقترح شكل جديد من "هندسة متغيرة للعلاقات": تحالفات مرنة، ملفاً بملف، بلا أوهام كونية. هذا اعتراف ضمني بنهاية العولمة الليبرالية بصيغتها الشاملة، وبداية مرحلة تكتلات ذكية، أقل خطاباً وأكثر وظيفة... كل هذا صحيح وصريح، لكن الصراحة هنا ليست كاملة، وهذه نقطة لا يجب تجاهلها.
فالخطاب ينتقد الانتقائية، لكنه لا يسمّيها حين تتعلق بحلفائه الأقرب. يتحدث عن سيادة القانون الدولي، دون أن يقترب من فلسطين مثلًا، حيث يكثف الموقف منها ومما يجري فيها جميع تناقضات "القيم" الغربية.
هذا الصمت ليس تفصيلاً، بل اختبار لمدى الاستعداد الفعلي لإزالة اللافتة... إزالتها وليس استبدالها بلافتة أخرى أقل تزويقاً.
أما الدعوة إلى "الاستقلالية الاستراتيجية" و"الواقعية القائمة على القيم"، فهي ذروة هذا النفاق المُدار. فالاستقلالية يطرحها مستر كارني ( أو هكذا فهمتها) كتحصين داخلي يسمح باستمرارها ولكن بشروط أفضل في زمن المخاطر، أما القيم فهي تمرين في "الفصاحة" وخطاب انتقائي يكتسب فاعليته فقط حين لا يفرض كلفة سياسية أو اقتصادية ملزمة.
إن الصمت الكامل عن الاستعمار الاستيطاني لأجداده في كندا وجارة كندا ليس سهواً بل شرطاً لتمكين هذا الخطاب. ولعل هذا ما يجعله يوجه الدعوة إلى تحالفات القوى المتوسطة (تحت سقف الناتو والغرب الأوسع).
حتى اختيار المرجعية الفكرية ليس بريئاً. استدعاء "فاكلاف هافل"، يحدّد سقف النقد مسبقاً. لأن حضور هافل يسمح بفضح الكذبة دون المساس بالبنية التي أنتجتها (علاقات الملكية والقوة). إنه نقد أخلاقي منزوع الجذور، صالح لتجميل "السيستم" دون تفكيكه.
كيف غاب عن مستر كارني إن إزالة "اللافتة من نافذة المتجر" لا تعني إغلاقه، وإنما تغيير واجهته ليس إلا.
بات الجميع يعرف أن "لافتة" هافل لم تكن تصف الواقع بصدق وأمانة، وأن الجميع يكررها لتفادي الكلفة. حيث الاعتراف العلني بأننا نعيش "داخل كذبة" مساره النهائي هو الاعتراف بتآكل الشرعية الرمزية للهيمنة الغربية وتراجع قوتها.
ولكن هل نسي مستر كارني أن المنظومة الغربية ليست "البقّال" المغلوب على أمره، بل هي "مالك المتجر" الذي صاغ الشعارات وفرضها؟
في المحصلة، لا يسعى هذا الخطاب إلى تغيير النظام. أصلاً هو غير مخول بهذا، ناهيك عن عدم امتلاكه القدرة لفعل ذلك.
اسمح لي يا مستر كارني أخبرك أننا نفتقد، في جغرافيا الأمر الواقع، لغة "الصدق الوحشي" في خطابك، وأقصد أن النظام الدولي لا يحمي "سيادة" الضعيف، بل يدير عملية ابتلاعه ببطء، ويطلب منه في ذات الوقت شكر "الرعاة" على جهودهم.
نحن، حقاً، أمام تهافت رأس المال الاستعماري في لحظة عجزه عن الاستمرار بصيغة الهيمنة القديمة.
ولسنا ندري إن كنا أمام مراجعة تاريخية أو قطيعة أخلاقية، أو اعتراف بالجريمة، أم اعتراف بالخسارة.
نقد "السيستم" لن يجعله ينهار... وتسمية الأشياء بأسمائها هي المعيار هنا. وهذا الخطاب، رغم صراحته المعلنة، لم يفعل ذلك، بل نراه يتهافت حين يفقد قدرته على الإنكار الكامل للجريمة الواقعة فعلاً
صحيح أنه خطاب بلغة أقل وقاحة لصاحبه من أقرانه، لكنه سقيم لأنه يستدعي "قوة المستضعفين" وهو يعلم أن الصدق ليس فضيلة مجردة بل شرط عملي لأي سياسة تريد أن تكون متسقة. هذا الاستدعاء في الحقيقة ليس رومنسية أخلاقية بقدر ما هو إعادة تعريف للقوة ذاتها
إنه خطاب سقيم للغاية لأنه يظهر مدى توظيف التقنية في فن الكذب
سقيم لأنه يحاكم الظل وليس السيد
سقيم لأنه تحول إلى "لطمية" تفريغ للقلق بما يكفي لتخفيف الضغط
أو لعل مستر كارني أضاع "كتالوغ" تشغيل" إدارة العولمة"
فهل يحاكِم مستر كارني-هذا التكنوقراطي الأبيض- ظله على أطراف "ساكسونيا".. أم يخاطب الكرسي الفارغ أمامه في عيادة الأخ فرويد



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مئوية فرانتز فانون في فلسطين
- عن الطوفان وأشياء أخرى (55)
- توطئة في سوسيولوجيا الإكراه: من دولة القانون إلى دولة الإنفا ...
- فيزياء الإبادة: هندسة -الإنتروبيا- وتقويض الوجود الفلسطيني
- نقد -الواقعية المتخيلة- عند ماجد كيالي: تفكيك الإسقاط السوري ...
- عن -الحيوان- السياسي المعاصر
- صراع سرديات أم صراع على الأرض: فساد الخطاب الأخلاقي عند يو&# ...
- استعادة فلسطين: قراءة في بنية الدول الاستعمارية الاستيطانية
- عن الطوفان وأشياء أخرى (54)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (53)
- عن الطوفان واشياء أخرى (52)
- عن الطوفان وأشياء أخرى(51)
- انتفاضة الحجارة في زمن الإبادة والتطبيع والتنسيق
- قراءة في كتاب ستانلي ميلغرام. الطاعة للسلطة: وجهة نظر تجريبي ...
- انتفاضة الحجارة :بين العفوية و القصدية
- سوريا اليوم... نحو لغة سياسية جديدة
- زمن الضفادع: مجازات الطغيان في التجربة السورية
- جدل الصمت، الحضور الخفي وانكسار الإيمان
- دونالد ترامب وعصر ما بعد الحقيقة في الخطاب السياسي
- عن الطوفان وأشياء أخرى (50)


المزيد.....




- ميلوني تطالب ترامب بتعديل نظام -مجلس السلام- وتعد بترشيحه لج ...
- محكمة إسبانية تقضي بسجن باكستاني 36 عامًا بعد إدانته بقتل ثل ...
- القمع داخل المخابرات السورية.. نموذج -الفرع 300-
- شروط الخروج من الانقلاب في تونس
- رويترز: هكذا تسيطر الولايات المتحدة على عائدات النفط العراقي ...
- أساليب ترمب الجديدة لإسقاط النظام في كوبا
- قيادات داعش في قبضة بغداد.. وأوروبا تحت ضغط الاستعادة
- بدائل لليمون.. 8 إضافات للماء تعزز فوائده الصحية
- مسؤول سوري: ننتظر رد -قسد- على -عرض الاندماج-
- -ميتا- توقف وصول المراهقين إلى شخصيات الذكاء الاصطناعي


المزيد.....

- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية
- ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ / غنية ولهي- - - سمية حملاوي
- شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان ... / غيفارا معو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود الصباغ - تهافت رأس المال الاستعماري: خطاب -الواقعية القائمة على القيم-