أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (55)















المزيد.....

عن الطوفان وأشياء أخرى (55)


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8595 - 2026 / 1 / 22 - 04:51
المحور: القضية الفلسطينية
    


من خطاب الهون إلى غزة: عطب الذاكرة الألمانية
كم هو سهل على الألماني (والأوروبي عموماً) تذكر الهولوكوست وتعريفها-تصنيفها مأساة لا تُغتفر، وكم يصعب عليه-في ذات الوقت- بما يشبه الألم، أن يتذكر-يعترف بأن ألمانيا لم تكن يوماً بريئة من العنصرية الإمبريالية.
يخبرنا التاريخ أنه في السابع والعشرين من تموز من العام 1900، ألقى القيصر فيلهلم الثاني اجتمع في ميناء بريمرهافن Bremerhaven في جنوده المحتشدين و المتجهين نحو الصين لقمع ثورة الملاكمين Boxer Rebellion (1899–1901). فألقى فيهم خطاباً، بات يعرف بـ "خطاب الهون"* Hunnenrede . ومن جملة ما قاله لهم: "أيها الجند(...) لا تظهروا أي رحمة! لا تأخذوا أسيراً! واجعلوا سمعة الألمان تظل تتذكرها الصين لألف عام، فلا يجرؤ، بعدها، أي صيني على النظر بعين الازدراء إلى ألماني!"*. ثم دعاهم إلى صناعة سمعة لأنفسهم تضاهي سمعة الهون تحت إمرة ملكهم أتيلا".
لم يكن ما قاله القيصر الألماني زلة لسان من حاكم استبدادي، أو لحظة انفعال "قومي"، وإنما هو تجسيد صريح لتماهي الإمبريالية الأوروبية مع نظرة التفوق العرقي، والنظر من عُلو للآخر غير الأوروبي.
طيب... يغيب هذا الخطاب عن المناهج الدراسية الألمانية، وعن الخطاب العام، ولا يستحضر في النقاشات حول العنصرية أو الإمبريالية، ويسقط من حساب "الدروس الأخلاقية" التي يُفترض أن ألمانيا تعلّمتها.
ويُهمَل، عن عمد في الغالب، أو عن جهل، لو أردنا حسن النية-ما يُناقض صورة الألماني "المعاقِب لنفسه". في حين يُقدّس الوعي الجماعي ذاكرة الهولوكوست كأساسٍ لهُوية المجتمع الأخلاقية بخضوعها لذاكرة ذات قوالب قياسية معلبة ومغلفة مصنعة ومنتقاة**، تطمس أصوات الضحايا غير الأوروبيين، وتُرسّخ فكرة "فرادة" ألمانيا المعاصرة في تحمّل الذنب، بينما تعيد هي، في الواقع، إنتاج صمتٍ مشابهٍ تجاه ضحاياها الآخرين.
إن تضخيم "الهولوكوست" على حساب جرائم مشابهة، أو أشد قسوة، يمثل ذاكرة مشوهة وضميراً انتقائياً، وخطاباً «أخلاقياً» يبرّر الصمت على الظلم مادام لا يمس غير الأوروبيين (واليهود منهم).
هذا ما يعرف في ألمانيا باسم "فخر الذنب" Schuld-Stolz، وتتمثل إحدى تجلياته السياسية الحالية في تحويل الاعتراف التاريخي بالهولوكوست إلى واجب أخلاقي مطلق تجاه إسرائيل. وهو ما يفسر الدعم الأعمى لإسرائيل، بغضّ النظر عن سياساتها أو أفعالها. إذ تحول الدعم من خيار سياسي قابل للنقاش، ليصيح جزءً من الهُوية الأخلاقية لألمانيا الحديثة تحت شعار: "نحن نعترف بذنبنا، ولذلك يجب أن نقف بجانب إسرائيل، في كل حين، دون قيد أو شرط".
يحيل هذا الربط السياسة إلى عقيدة. فحتى حين ترتكب إسرائيل جرائم ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وهو ما توثقه لمنظمات الدولية والأمم المتحدة، يعد نقدها في ألمانيا انتهاكاً للذاكرة الجماعية، و"خيانة" للدرس الأخلاقي المفترض تعلّمه من النازية.
والنتيجة!: صمت رسمي مطبق، وقمع للرأي النقدي، ووصم لأي صوت يدعو إلى الحياد أو العدالة بـ "اللاسامية" ومعاداة اليهود ودولة إسرائيل، وإن لم يمسّ اليهود كأفراد، واقتصر على نقد سياسات دولة تدعي تمثيلهم. بل ذهب بعض الساسة الألمان إلى عدّ "دعم إسرائيل جزءً من الدستور"، وهو تأويل سياسي يفتقر إلى الأساس القانوني، لكنه يعكس عمق التحويل الأخلاقي للسياسة.
تدعى ثقافة الذاكرة في الألمانية Erinnerungskultur وهي في صورتها اليوم ذاكرة جماعية انتقائية ترفع حدثاً واحداً (الهولوكوست) إلى درجة التأليه، وتغيب جرائم أخرى اقترفتها ألمانيا على مدار تاريخها الاستعماري والعسكري. مثل خطاب القيصر المذكور أعلاه، وكذلك مجازر ناميبيا(1904–1908): حين قمعت الإمبراطورية الألمانية تمرّد شعبي الهيريرو والناما في جنوب غرب إفريقيا (ناميبيا حالياً)، فارتكبت واحدةً من أولى الإبادات الجماعية في القرن العشرين. وقضت على نحو 80% من الهيريرو و50% من الناما بالتهجير القسري والجوع والمعسكرات. وقد صفت وثائق أرشيفية ألمانية آنذاك هذه السياسة بأنها "إبادة" (Vernichtung) ومع ذلك، لبثت هذه الجريمة شبه مجهولة في الوعي العام الألماني لعقود. ولم تعترف ألمانيا رسمياً بالإبادة إلا في العام 2021، أي بعد أكثر من 110 سنوات، وحتى ذلك الاعتراف قوبل باعتراضات من داخل البرلمان.
يظهر خطاب الهون ومجازر ناميبيا، وغيرهما كثير بلا ريب، أنّ الذاكرة الجماعية الألمانية ليست استحضاراً للماضي، بل اختيار إيديولوجي لما يجب تذكّره. فالهولوكوست يُستخدم اليوم أساساً للهوية الأخلاقية الجديدة لألمانيا، بينما تهمَل جرائم الاستعمار لأنها لا تخدم هذا السرد. يتولد هذا الانتقاء الرسمي و "الشعبي" داخل مؤسسات الدولة الرسمية ومنظمات المجتمع المدني لترسيخ مفهوم واحد للذنب ومفهوم واحد للذاكرة المنظمة
بنى الألمان (والغرب عموماً) بعد الحرب العالمية الثانية ذاكرةً تاريخية تفصل الهولوكوست عن سياقه الاستعماري، وتحيله حدثاً "ميتافيزيقياً" فريداً لا يقاس عليه شيء، لغرضين: تبرئة الذات من التاريخ الاستعماري، فالتركيز الحصري على الهولوكوست سمح لهم بطي صفحة قرون من الإبادات في أفريقيا وآسيا، وتصوير النازية "انحرافاً مفاجئاً" وليس تتويجاً لمنطق الاستعمار ذاته. وتمثل الغرض الثاني في جعل المعاناة اليهودية المعيار الوحيد للألم، مما همّش معاناة الشعوب المستعمَرة الأخرى.
أنهت غزة -في الواقع- هذه السردية الليبرالية، فما يجري هناك يمثل نقطة الانهيار النهائي للنظام الأخلاقي الذي شيده الغرب بعد العام 1945، مستنفذاً "رصيده الأخلاقي" الذي اكتسبه من إدانة النازية، حين استخدم هذا الرصيد لتغطية حرب إبادة تشنها "إسرائيل" على شعب أعزل تحت الاحتلال.
لقد كشفت غزة أن القيم الأخلاقية الغربية مشروطة بعِرْق ولون بشرة الضحية
.......
....
* كما ورد في German History in Documents and Images: https://germanhistorydocs.ghi-dc.org/document.cfm?document_id=762) وأيضاً Wilhelm II. (1900, July 27). Speech to the expeditionary force departing for China (the “Hun Speech”). In German History in Documents and Images (GHDI). German Historical Institute. https://germanhistorydocs.ghi-dc.org/document.cfm?document_id=762 ونص الخطاب كاملاً: "يا جنود جيشي! ها أنتم ترحلون الآن إلى مهمة بعيدة، بُعد المكان وقساوةَ الظروف. عليكم مساعدة رفاقكم الذين سبقوكم إلى هناك، وأن تُنفّذوا انتقاماً شديداً على أولئك الذين أساؤوا إلى الأوروبيين، وارتكبوا ما لا يُطاق من الوحشية. لا تظهروا أي رحمة! لا تأخذوا أسيراً! واجعلوا سمعة الألمان تظل تتذكرها الصين لألف عام، فلا يجرؤ، بعدها، أي صيني على النظر بعين الازدراء إلى ألماني! وكما اشتهرت الهون بقوتها تحت إمرة ملكها أتيلا-رغم نسيانهم اليوم في غياهب التاريخ-، فليُذكَر اسم الألمان في الصين كذلك من هذا اليوم فصاعداً بقوّتهم! ليكن الاسم الذي تتركونه خلفكم، عند العودة، اسمَ الهون! فلتُظهِر كلّ الأمثلة أنه لم يكن هناك هروب، ولا تردّد، بل نُبل وشجاعة لا تُضاهى! وعندما تعودون إلى الوطن، فسأكون أنا شخصياً واقفاً عند الأبواب لأحييكم". مترجمة من John C. G. Röhl, Wilhelm II: The Kaiser’s Personal Monarchy, 1888–1900, Cambridge University Press, 2004, p. 207. . وعبارة "الهون" Hunnen التي استخدمها القيصر كاستعارة لشعب "بربري" لا يرحم، استخدمها الحلفاء فيما بعد في الحرب الأوروبية الأولى وصفاً مهيناً للألمان أنفسهم.
** لمزيد من التحليل النقدي لظاهرة الذاكرة الانتقائية، مع توثيقٍ مفصّل لجرائم ناميبيا وخطاب القيصر، وعلاقتها بخطاب اليوم حول الصين وفلسطين. انظر الإصدار للحديث للروائي الهندي بانكاج ميشرا" العالم بعد غزة"(2025) The World After Gaza حيث يشير إلى أن دعم الغرب لتدمير غزة يعني "انهيار المنظومة الأخلاقية" التي بُنيت بعد الحرب الأوروبية الثانية (أي بعد الهولوكوست).وأن شعار "لن يتكرر ذلك أبداً" (المرتبط بالهولوكوست) قد سقط. يؤسس ميشرا حُجته بالعودة إلى خطاب القيصر فيلهلم الثاني الذي يرى فيه الترخيصَ الرسمي الأول للإبادة العرقية الحديثة؛ إذ نُزعت الصفة البشرية عن «الآسيويين» وسُمح بإفنائهم. ويؤكد ميشرا أن خطاب فيلهلم القاني لم يكن مجرد بلاغة؛ بل جرى تطبيقه عملياً بعد أربع سنوات (1904) في ناميبيا، حين أصدر الجنرال الألماني لوثار فون تروثا أمر الإبادة Vernichtungsbefehl ضد شعبي الهيريرو والناما. ويعتبر ميشرا هذه الإبادة "المختبر الأول" لتقنيات المعسكرات، وأفكار "المجال الحيوي"، والعنصرية البيولوجية التي استعارتها النازية لاحقاً لتطبيقها داخل أوروبا.



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- توطئة في سوسيولوجيا الإكراه: من دولة القانون إلى دولة الإنفا ...
- فيزياء الإبادة: هندسة -الإنتروبيا- وتقويض الوجود الفلسطيني
- نقد -الواقعية المتخيلة- عند ماجد كيالي: تفكيك الإسقاط السوري ...
- عن -الحيوان- السياسي المعاصر
- صراع سرديات أم صراع على الأرض: فساد الخطاب الأخلاقي عند يو&# ...
- استعادة فلسطين: قراءة في بنية الدول الاستعمارية الاستيطانية
- عن الطوفان وأشياء أخرى (54)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (53)
- عن الطوفان واشياء أخرى (52)
- عن الطوفان وأشياء أخرى(51)
- انتفاضة الحجارة في زمن الإبادة والتطبيع والتنسيق
- قراءة في كتاب ستانلي ميلغرام. الطاعة للسلطة: وجهة نظر تجريبي ...
- انتفاضة الحجارة :بين العفوية و القصدية
- سوريا اليوم... نحو لغة سياسية جديدة
- زمن الضفادع: مجازات الطغيان في التجربة السورية
- جدل الصمت، الحضور الخفي وانكسار الإيمان
- دونالد ترامب وعصر ما بعد الحقيقة في الخطاب السياسي
- عن الطوفان وأشياء أخرى (50)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (48)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (49)


المزيد.....




- الأمير هاري وتأثره بتصريح عن صحيفة جعلت حياة زوجته ميغان مار ...
- مياه فيضانات تغمر مطعمًا في صقلية.. شاهد ما رصدته الكاميرا
- تقرير حقوقي يسلّط الضوء على مزاعم انتهاكات بحق سجناء فلسطيني ...
- دراسة: الرغبة الجنسية لدى الرجال لا تبلغ ذروتها في العشرينات ...
- أستراليا: يوم حداد وطني على أرواح ضحايا هجوم شاطئ بونداي في ...
- شق الطرق.. سياسة إسرائيلية لتغيير معالم الضفة وترسيخ -الأبار ...
- الأمن السوري يواصل البحث عن سجناء تنظيم الدولة الفارين
- 11 شهيدا بغزة بينهم صحفيون وأطفال ومصر تبعث برسالة غاضبة
- مستوطنون يحرقون سيارات وآليات ثقيلة بقرية عوريف الفلسطينية
- مقتل 11 شرطيا بهجوم مسلحين في بوركينا فاسو


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (55)