|
|
توطئة في سوسيولوجيا الإكراه: من دولة القانون إلى دولة الإنفاذ
محمود الصباغ
كاتب ومترجم
(Mahmoud Al Sabbagh)
الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 04:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
نغفل، في خضم الفوضى السياسية الضاربة عالمنا، عن المعارك الصامتة الدائرة في حقل اللغة. إذ تتجاوز الكلمات وظيفة الأوعية المحايدة للمعاني، لتغدو أدوات حكم وتقنيات سيطرة؛ فترسم ملامح حياتنا اليومية، ابتداءً بإجراءات التفتيش في المطارات، وانتهاءً بقوانين الفضاء الرقمي. تقوم هذه الدراسة على فرضية مفادها انحسار "دولة قانون" (Rule of Law) تحت وطأة نموذج جديد هو "دولة الإنفاذ" (State of Enforcement). وعبر تتبع جينالوجي لمصطلح "إنفاذ القانون" (Law Enforcement) نكشف كيف أن هذا المفهوم ليس مجرد ترجمة تقنية بريئة، بل هو "حصان طروادة" مفاهيمي ينقل معه انقلاباً وظيفياً يحوّل القانون من "سقف" يقيّد السلطة ويحمي العدالة، إلى "ذراع" استباقية للقهر المشرعن ليتحول إلى نموذج محدد للدولة، أي "دولة الإنفاذ" . وعبر رحلة نقدية تمتد من جذور الليبرالية الأنغلوسكسونية، مروراً بصرامة الفقه الألماني والفرنسي، وصولاً إلى مختبر الدولة العربية المشوّه، تحاول هذه الدراسة تفكيك آلية هذا التحول، وتعري تواطؤ التخدير الرمزي (باسم الفاعلية الثقافية) مع القمع المادي المباشر، لننتهي إلى ضرورة استعادة سؤال السيادة المادية كما طرحه فانون، بعيداً عن فخاخ اللغة المستعارة." تنطلق هذه المقالة من فرضية تقول إن ما نشهده اليوم من تغول للأجهزة الأمنية -عالمياً وعربياً- ليس مجرد انحراف في التطبيق، بل هو نتاج تحول بنيوي في مفهوم القانون ذاته. يتناول النص بالنقد والتحليل صعود مفهوم (Law Enforcement) بديلاً عن (Rule of Law)، وكيف تحولت الدول العربية إلى "مختبر مثالي" ومشوه لهذا النموذج، حيث تستعير من الغرب تقنيات القمع وتسقط ضمانات الحقوق. إنها محاولة لفهم كيف أصبح القانون سلاحاً استباقياً بيد السلطة، بدلاً من أن يكون ملجأً للمجتمع، وذلك عبر حوار نقدي يستحضر ماكس فيبر وحنة آرنت وفوكو...وغيرهم، ويشتبك مع الماوردي والغزالي، ليصل إلى تشخيص دقيق لمرضنا السياسي المعاصر: إذابة العدالة في الجهاز." ........ توطئة في سوسيولوجيا الإكراه: من دولة القانون إلى دولة الإنفاذ استهلال تتجاوز خطورة (وغموض) مفهوم Law Enforcement حدود المصطلح التقني، لتشكل إطاراً معرفياً مهيمناً يصوغ علاقة الدولة بالمواطن في العصر الحديث. نتتبع هنا تشكل هذا الإطار في قلبه الأمريكي الذي يعيش تصاعداً أمنياً مطرداً، لاسيما مع السياسات الداخلية المتعاقبة (وصولاً إلى حقبة ترامب) حول ملف المهاجرين. فنحلله بوصفه محركاً لـ"دولة الإنفاذ" التي تذيب القانون في بوتقة القوة. ونستعرض المقاربات الموازية في ألمانيا وفرنسا، كما نعرج على مقاربات نقدية من داخل الفقه السياسي الإسلامي لنرى كيف أن الدولة العربية الحديثة، بانتهاكاتها المنهجية للحقوق -تحت غطاء قوانين فضفاضة-، تمثل تجسيداً مأساوياً ومتطرفاً لهذا النموذج. فخاخ اللغة لعل أكثر ما يضلّل في الدراسات السياسية الحديثة، تلك الانزياحات "اللسانية" الصامتة التي تصيب المصطلحات عند نقلها من سياقها الثقافي والمعرفي إلى لغات أخرى، دون الالتفات إلى حقيقة بنيتها الفلسفية. فالمصطلح يبدو ثابتاً في صورته اللغوية، ومتحركا ومتغيراً في موقعه ووظيفته ضمن بنية الحكم. ويبرز مصطلحLaw Enforcement المتداول بكثافة حالياً واحداً من أخطر المفاهيم التي عانت من "تطبيع" دلالي مخادع في لغتنا، فيقدم كمقابل مباشر لتعبير "إنفاذ القانون"، بينما يضمر في بنيته تصور جذري مغاير لطبيعة القانون ووظيفته وعلاقته بالقوة-السلطة. تُترجم مشتقات هذا المصطلح في العربية الحديثة إلى -مؤسسة إنفاذ القانون Law Enforcement Agency -هيئة إنفاذ القانون Law Enforcement Authority -أجهزة إنفاذ القانون Law Enforcement Agencies . بيد أنها تعجر، على دقتها في الشكل، عن نقل الإطار المعرفي الناظم للمفهوم كما ظهر في اللغة و "الثقافة الأنغلوسكسونية"[1] حيث يكف عن كونه معياراً حاكماً مجرداً، ليصير ذراعاً ماديةً للتنفيذ بالقوة المشروعة. وهذا ما يجعل القانون يتجاوز طبيعته النصية التنظيمية، ليصبح أداة إكراه مقننة[2]. تعريف المصطلح وجينالوجيا النشأة واكب نشوء مصطلح Law Enforcement في الثقافة الأنغلوسكسونية تطور الدولة الحديثة والشرطة المدنية في القرنين السابع عشر والثامن عشر ليتحول مع الوقت ذراعاً تنفيذية للنظام. فتعمل هيئة إنفاذ القانون Law Enforcement Authority: أداة توجيهية. في حين تمثل الأجهزة Agencies الأدوات التنفيذية (كالشرطة والحرس). ومن الناحية التاريخية، لم يشير إلى هذا التحول فلاسفة إنكليز أوائل مثل جون لوك (1632–1704) وجيمس ستيوارت ميل(1806-1873)، اللذين ركزا على حماية الحقوق الطبيعية والشرعية التقليدية بوجود سلطة تنفيذية مقيدة بالقانون، وليس جهازاً مستقلاً لإنفاذه بالقوة الاستباقية preemption. اهتم لوك بالحق الطبيعي والحكومة المقيدة بالقانون وحصر مشروع الدولة في حماية الحياة والحرية والملكية، معتبراً القانون أداة ضبط للسلطة وليس لتنفيذها بالقوة. ولم يستعمل مصطلحاً يعادل المعنى الحديث لـLaw Enforcement ؛ واقترب تعبيره executive power (السلطة التنفيذية) من الوظيفة الحكومية لضمان الحقوق، لينوب عن مفهوم الشرطة أو أجهزة القمع الموزعة. وكذلك ركّز ميل على حرية الفرد والشرعية القانونية، وكانت السلطة عنده واجبة التقييد بالقانون والنظام الأخلاقي، وليس بالتنفيذ القسري المسبق. ولم يعرف مصطلح "إنفاذ القانون" كما نفهمه اليوم؛ لأن تركيزه انصب أكثر على وظيفة القضاء والسلطة التنفيذية في الحفاظ على النظام، وليس على جهاز مستقل ينفذ "القانون" بالقوة. وإذن، لم يكن ما نسميه اليوم Law Enforcement امتداداً طبيعياً للفكر الليبرالي الكلاسيكي بقدر ما كان انحرافاً متأخراً عنه. ويشكل انعطافة جذرية أو تطوراً "باراديمياً" داخل التقاليد الغربية، تحت ضغوط الرأسمالية المتأخرة، وتكوين الدولة القومية، ومنطق الإمبراطورية، ثم الحرب على الإرهاب. مقاربات موازية لا يوجد في الثقافتين الألمانية والفرنسية مكافئ مفهومي مباشر لعبارة Law Enforcement بمعناها الأنغلوسكسوني الدقيق. إذ ينبني تصور الدولة والقانون في الألمانية على مفهوم Rechtsstaat (دولة القانون)، حيث يُفهم القانون بوصفه معياراً متعالياً يقيّد السلطة دون تحوله ذراعاً في يدها، ويُستخدم لهذا العرض الفعل anwenden (يُطبّق) مع غياب أي فعل يحيل إلى الإكراه التنفيذي. ولا تكن الشرطة "ذراعاً للقانون"، وتُعرَّف بوصفها Ordnungsmacht (سلطة النظام)، أي أداة لضبط المجال العام. أما في الفرنسية، فيستعاض عنه بعبارة application de la loi (تطبيق القانون)، في دلالة واضحة على فهم القانون كمرجعية معيارية للتطبيق دون أي معنى يحيل إلى تبنيه ذراعاً تنفيذية قسرية. وتكون الشرطة force publique أي "القوة العمومية"، خاضعة للقانون ومقيدة به في النظر (أي البعد النظري والفلسفي) والرمز (أي الإحالة المادية للفكرة)-، دون تجسيد مادي له. أي، الفصل الجذري بين "الحق" (القانون كمعيار مجرد في النصوص) وبين "القوة" (الشرطة كأداة مادية). ففي النموذج القاري (الفرنسي/الألماني)، لا يحلّ القانون في جسد الشرطي، ولباسه والشعار وما إلى ذلك (لأنها لا تمثل تفويضاً مطلقاً)، بل يظل الشرطي خاضعاً لنص خارجي يراقبه ويحدّه. وهذا نقيض منطق "دولة الإنفاذ" حيث يتماهى الشرطي مع القانون ليصبح هو "القانون المجسد" (The Law Incarnate)، فيصبح قراره القسري اللحظي قانوناً بحد ذاته، إذ تتلاشى المسافة بين القوة والحق. وهنا جوهر التمييز بين المدرسة الأوروبية القارية (الفرنسية/الألمانية) وبين المدرسة الأنغلوسكسونية (الأمريكية) في التعامل مع الشرطة. لا يكمن الاختلاف في وجود الإكراه أو غيابه، بل في طريقة تبريره، فالإكراه في النموذج القاري استثناء مقيد بالقانون، وهو في "دولة الإنفاذ" القاعدة التي تلبس لغة القانون. وتكشف هذه الفروق التباين بين تصور القانون كأداة إكراه مقوننة وبين تصوره سقفاً معيارياً يقيّد السلطة؛ مما يظهر مفهوم "دولة الإنفاذ" كبناء أنغلوسكسونياً خاص. فوكو وآرنت وفيبر : الانزياح المعرفي يتجاوز ميشيل فوكو في تحليله نطاق أجهزة الإنفاذ، إلى نمط أوسع من السلطة: سلطة موزعة، وداخلية، وعاملة عبر المراقبة الدقيقة والإكراه الرمزي والمادي معاً. لم تعد القوة الحديثة، عند فوكو، معتمدة على التهديد بالعنف المباشر أو العقاب فحسب، بل استندت أيضاً إلى إنشاء آليات منتجة الطاعة قبل وقوع الخرق. وتعمل هذه السلطة في مجالات المعيش اليومي كافة؛ لتقنين السلوك وتحويله كجزء من بنية إدارة الحياة ذاتها. ويستخدم فوكو مصطلحات تقنية تحليلية محددة، أهمها: • السلطة (Pouvoir): لا يقصد بها الشخص أو المؤسسة، بل العلاقات المعقدة المنتشرة؛ لذا تنتفي مركزيتها الدائمة وارتباطها بالقوة الوحشية فقط. وتكمن مثالية السلطة في جعل ممارستها الفعلية أمراً غير ضروري. • الانضباط (Discipline): تقنيات إدارة الأجسام والسلوكيات (كترتيب الوقت، والحضور). ولا تجر دائماً بالعنف المباشر دائماً، لكنها تحيل الجسد آلة مطواعة. • المراقبة (Surveillance): تتجاوز الرؤية العيانية، لتصبح آلية لإنتاج الطاعة الذاتية؛ حيث "يأخذ الفرد على عاتقه إكراه السلطة، ويمارسه تلقائياً على نفسه"، فينشطر إلى قسمين: أحدهما يُجري السلطة، والآخر يخضع لها [3]. • التطبيع (Normalisation): فرض معايير السلوك وتحويل الامتثال إليها "طبيعياً"، مما يجعل الأفراد يحكمون أنفسهم وفقها. فن الحكم (Gouvernementalité): أي "عقلانية الحكم"؛ الطريقة التي تدير بها السلطة المجتمعات لتحقيق أهدافها، وتكتسب إشارة حنّة آرنت إلى "إنفاذ القانون" دلالتها الخاصة، لأنها كتبت جلّ أعمالها السياسية بالإنكليزية رغم تكوينها الفلسفي الألماني. فتستخدم في نصوصها (لا سيما في "أيخمان في القدس" Eichmann in Jerusalem و "بصدد العنف" On Violence) تعبيرات من قبيل law-enforcement machinery و apparatus و law-enforcement وlaw-enforcement -function-، كمفاتيح تحليلية لكشف صيرورة القانون بوصفه جهازاً قسرياً (لا تعتبرها آرنت توصيفات إدارية محايدة). ويعكس هذا الاستعمال انزياحاً لغوياً ومعرفياً مفروضاً عليها بالكتابة داخل الحقل الأنغلوسكسوني، حيث تسمح اللغة ذاتها بتحويل القانون إلى "آلة". وأتاح لها تشخيص "تفاهة الشر" كوظيفة داخل جهاز إنفاذ، فهما أعمق من كونه مجرد انحراف أخلاقي فردي. لعلنا هنا لا نجانب الصواب لو قلنا إن أخطر تحليل لبيروقراطية الشر في القرن العشرين صيغ بلغة يحمل جهازها المفهومي البنية ذاتها التي ينتقدها. ولا يقف تحليل آرنت عند حدود "الآلة" الوظيفية، بل يغوص ليلتقط الأثر المعرفي للدعاية الحديثة التي تتجاوز غايتها الكذب الفج لتصل إلى تدمير الحاسة التي يدرك بها الإنسان الواقع، لتتركه مستباحاً وجاهزاً لتقبّل "منطق الجهاز" بديلاً عن "حقيقة العالم"[4]. عالم تتساوى فيه الروايات، يفقد فيه العقل بوصلته. يغاير منظور ماكس فيبر الأفق الأنغلوسكسوني. فحين يعرّف الدولة بالجماعة البشرية التي تحتكر الاستخدام المشروع للعنف[5]، لم يكن يقصد "إنفاذ القانون"، وإنما بنية ما قبل-قانونية تبحث عن شرعنة العنف وتقنينه. فالعنف، عنده، يسبق القانون، ويأتي القانون ليحدّه ويسبغ الشرعية عليه، فيصير معياراً له، لكنه هو ذاته ليس أداة تنفيذية للقوة. وإذن، يشتغل فيبر في أفق الـ Rechtsstaat حيث القانون سقف معياري، وليس ذراعاً قسرية يعاد صياغتها تحت اسم "الإنقاذ" النموذج العربي-الإسلامي يفتقر الواقع السياسي العربي المعاصر إلى مصطلح مطابق لـLaw Enforcement، لكنه يتضمن وظائف وأجهزة تشبهه في الوظيفة ويمكن استنباطها داخل إطار دولة أمنية. ولا سيما في الدول التي تجمع بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية في بنية واحدة تهيمن عليها الدولة. ويصبح القانون -غالباً- غطاءً لتلك السلطة[6] أ).الدولة الأمنية العربية لا يكتفي الواقع العربي باستيراد النموذج ، بل يمثل مختبره المثالي ومحصّلته النهائية. بسبب تأسيس الدولة العربية الحديثة في سياق استعماري، سبقت فيه "أجهزة الإنفاذ" (الشرطة، الجيش، المخابرات) مؤسسات الدولة الأخرى في الوجود وكانت أكثر تطوراً، في حين ظلت مؤسسات القانون المستقلة (القضاء، البرلمان) ضعيفة أو تابعة. وتجسد الدولة العربية الشكل الأكثر تطرفاً ووحشية لـ "دولة الإنفاذ"؛ إذ تخلع عنها كل غطاء حقوقي، لتظهر "دولة الإنفاذ" في صورتها العارية؛ لتبنيها أدوات استباقية وقمعية من النموذج الأنغلوسكسوني-الأمريكي (التكنولوجيا والخطاب الأمنيين) وخلوّها -في كثير من الأحيان- من الإطار المعياري المقيد (حتى الليبرالي الشكلي) الموجود في الغرب. فهي أخذت "الذراع القسرية" وتركَت "الخطاب الحقوقي" (ولو من الناحية الشكلية) لخشيتها خلق معارضة. كما عملت على تهجين ذلك مع آليات سلطوية تقليدية (ولاءات قبلية وعائلية وخطاب طاعة الحاكم)، مما أنتج كياناً مختلطاً قمعياً على درجة عالية. ويمكن المرور سريعاً على العديد من الأمثلة المعبرة عن هذا الواقع مثل قوانين مكافحة الإرهاب الفضفاضة والمحاكم الاستثنائية والاختفاء القسري للمعارضين تحت ذريعة "الأمن القومي" كتجسيد عملي لنموذج "دولة الإنفاذ" الذي يحوّل القانون إلى غطاء للإكراه. ب).القوة المقيدة بالمقاصد في التقليد السياسي الإسلامي يتقيد التنفيذ في الفقه الإسلامي التقليدي بالقانون والشرعية الدينية، دون تحويل الأول إلى غطاء مستقل للإكراه، مما يبرز الفارق بين ثلاثة نظم: النظرية الغربية، والممارسة العربية المعاصرة. والتأصيل الإسلامي. وأشار فقهاء كالغزالي والماوردي إلى السلطان ووظيفته في إقامة العدل وحفظ الأمن، بوجود سلطة تنفيذية تشمل العنف المشروع[7] (الجند، الأمن العام، القضاء التنفيذي). كما يقرر الماوردي حق الدولة في استخدام القوة لإقامة العدل (تنفيذ أحكام الشريعة) كجزء من وظيفتها، مشابهاً بذلك وظيفة الـ Law Enforcement Authority والـAgency الحديثين، مع انتفاء الاستباقية أو الطابع الاستباقي الأنغلوسكسوني، الذي لا يوجد ما يقابله في الفقه الإسلامي. ويظل القانون الشرعي الإسلامي المعيار الأعلى ولا يتحول إلى غطاء مستقل للإكراه على غرار الدولة الأنغلوسكسونية. يؤسس الماوردي في "الأحكام السلطانية" نظريته على ضرورة السلطة (الإمامة)؛ مؤكداً ازدواجية هدفها: حراسة الدين، وسياسة الدنيا. ويقتضي كلاهما استخدام القوة الشرعية عند الحاجة. ويربط استقرار الحكم باستخدام القوة العادلة؛ مقتصراً استقامة المُلك على اجتماع الحزم والعدل[8]. فيرسم بهذا الإطار النظري الذي يمنح الحاكم الحق والواجب في استخدام القوة والسلطة (الحزم) كجزء لا ينفصم من وظيفته الأساسية لضمان العدل وحفظ الشريعة والنظام العام. وفي موقف مقارب، يقرر الإمام الغزالي ضرورة الإمامة (الدولة أو السلطة الحاكمة) فرضاً واجباً لضمان النظام العام، و"إنفاذ" أحكام الشريعة، وإقامة العدل. ويرى في السلطة شرطاً لتحقيق سعادة المجتمع في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وينطلق من قاعدة "الدين أساس والسلطان حارس"؛ فلا سلام ولا أمان بلا حكومة قوية تحميهم وتفرض النظام؛ فالفوضى (اقرأها الفتنة) في غياب السلطة أشد وطأة من وجود حاكم جائر إلى حد معين. ويشدد على تحقيق العدل وتجنب الجور كهدف أسمى للحاكم. فالعدل عنده ذروة الفضائل السياسية. ويجيز للحاكم (الخليفة) استخدام القوة لفرض النظام وحماية الأمة، مشترطاً الحذر وتقييدها بالمبادئ الشرعية. ويلزم الخليفة اتباعها وتعزيز رفاهية المجتمع، واتخاذ القرارات الأخلاقية، وحماية الجماعة (أهل الإسلام وغيرهم ممن يعيشون بين ظهرانيهم)[9]. ويبين في تعريفه مقاصد الشريعة الضرورية، أن حفظها يتطلب سلطة قوية: "ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم... فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة" (المستصفى في علم الأصول). فتهدف الشريعة في الأساس، إلى تحقيق خمس ضروريات للبشر وحفظها، ويعد كل خادم لها مصلحة واجبة السعي، وتمثل هذه المقاصد استنتاجاً منطقياً ضمنياً في سياق الفقه السياسي، يذكرها الغزالي مؤكداً ضرورة الإمامة لإنفاذ "هذه الأحكام" وحماية "هذه الأصول الخمسة" في الواقع العملي، فاستخدام الحاكم القوة والسلطة الحازمة واجباً شرعياً وضرورة عقلية؛ ضماناً لاستقرار المجتمع وتطبيقاً للعدالة وحماية المصالح الأساسية للأمة[10]. ومهما اختلفت المذاهب السياسية الإسلامية حول آليات اختيار الحاكم وحدود طاعته (من نظرية العقد والشورى إلى نظريات الطاعة لدرء الفتنة)، فهي تجمع على استناد السلطة إلى مرجعية قانونية عليا (الشريعة) تُقيّدها وتمنع تحولها إلى قوة مجردة، وهو ما يتناقض مع منطق "دولة الإنفاذ" التي يذيب المرجعية في الجهاز وتنتهك المقصد الأساسي من القانون في الإسلام وهو حفظ الكليات الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، المال) لاستخدامها القانون أداة لإهدار هذه الكليات (خصوصاً النفس والعقل والنسل) بذريعة الأمن، فتفقد القانون مقصده العدلي.[11] دولة الإنفاذ: التحول البنيوي يتجلى مفهوم "إنفاذ القانون" في ما يمكن تسميته "دولة الإنفاذ" وهو تجلٍ لا يكتفي بامتلاك أجهزة قمعية، بل يعيد تعريف القانون كوظيفة قسرية وجهاز قمعي، مما يمنح دولة إنفاذ القانون سطوة غير مسبوقة، فلا يعود القانون حاكماً للقوة، وإنما تصبح القوة هي التي تكتب معنى القانون وتعيد إنتاجه عبر الممارسة. وينفتح هذا التحول الدلالي على تحول بنيوي أعمق يمس طبيعة الدولة ذاتها التي تُفهم، في تعريفها الكلاسيكي بوصفها حكماً ومرجعية ومركزاً لتسوية النزاعات، ويُنظر إلى القانون كمعيار سقف لقياس شرعية الفعل والحد من القوة على التوالي. وتبرز آلية هذا التحول الكاملة في "دولة الإنفاذ". ينقلب هذا الترتيب بتحول القانون إلى أداة قسرية، فنكون أمام نمط حكم "دولة الإنفاذ" بالمعنى الدقيق للعبارة؛ حيث تكف القوة عن الخضوع لحكم القانون، لتتولى هي كتابة معناه وإعادة إنتاجه علة صعيدي الممارسة والتطبيق. [12] غير أن دولة الإنفاذ ليست سياسة أمنية ظرفية، ولا انحرافاً إدارياً قابلاً للإصلاح بتعديلات قانونية؛ لأنها تعبر بالأساس عن نمط وجود للسلطة ذاتها، ولشكل معيّن لوجود الدولة، حيث لا يعود القانون إطاراً ناظماً للعنف، وإنما يستحيل إلى منطق ينتج القانون ويعيد تعريفه باستمرار. فعلى سبيل المثال لم يتأسس هذا التحول في الولايات المتحدة مع أحداث الحادي عشر من أيلول، بل انكشف وظهر واكتسب شرعيته في أثنائها. فقبل تلك اللحظة كان مفهومLaw Enforcement يشير إلى جهاز وظيفته حماية النظام القانوني القائم، ليتحول عقب "الحرب على الإرهاب" إلى جهاز وقائي استباقي، أو ما يعرف بدقة أكبر "الوقاية الأمنية" التي تسمح بالتدخل قبل وقوع الجريمة، استناداً إلى مؤشرات سلوكية أو هُوياتية[13]، وليس إلى أدلة جرمية، و يعتمد في عمله على استراتيجية الشبهة وليس الجرم المثبت (أي على الاحتمال بديلاً عن الفعل المتحقق). [14] وبهذا لم تعد الدولة تنتظر من يخرق القانون لتحاسبه، بل بدأت تعيد تعريف الخرق، وانتهى في الواقع العملي السؤال التقليدي "ماذا فعلت؟" للانتقال إلى السؤال الاستخباري (والإنكاري!) "من أنت؟ وماذا يمكن أن تكون؟ وما احتمالات صيرورتك؟"[15]. هنا يفقد القانون إحدى أهم ركائزه، أي صفته كحدّ، أو احد الحدود، ويتحوّل إلى لغة بيروقراطية تبريرية غامضة، وقابلة للتأويل حسب الطلب، بحيث يجد كل إجراء قسري نصاً يبرره، دون نص يحدّه، وهذا ما يشكل الفارق الجوهري بين دولة القانون ودولة الإنفاذ. تبرز خطورة التحول في بنية "الجهاز"Agency بوصفه الأداة الوظيفية التي تُعقلن الإكراه المادي وتحوّله من عنف فجّ إلى إجراء خاضع للقانون. إذ يقبع خلف تسمية "أجهزة إنفاذ القانون" لاوعي ثقافي يرى في القانون ذراعاً مشروعة لكسر أي مقاومة مادية مفترضة، فتحيل كلمة "إنفاذ" إلى حضور قسري يفترض سلفاً وجود ما يجب كسره وإخضاعه. ويستمد هذا المعمار الوظيفي شرعيته النظرية من تصور سوسيولوجي أتى به ماكس فيبر في سياق وصفه احتكار الدولة للاستخدام المشروع للقوة (اقرأها العنف أيضاً)، بينما يمنح -هذا المعمار-في الممارسة اليومية مهرباً أخلاقياً للعناصر المنفذة، على النحو الذي وصفته حنة آرنت بتفاهة الشر، حيث يتحول القتل أو الإيذاء أو الإذلال إلى "مهمة تقنية" يؤديها موظف لا يرى في الضحية سوى موضوع للضبط والربط[16]. التواطؤ المادي والرمزي في موازاة هذا القمع المادي، يجري تفكيك رمزي لا يقل خطورة[17]، تتولاه تيارات فكرية أعادت تعريف التحرر بوصفه "فاعلية ثقافية" Cultural Agency بديلاً عن استعادة السيادة المادية[18]. فجرى الاحتفاء بالتمثيل واللغة والهُوية[19]، بينما تُركت بنية الإكراه المادية على حالها. وهكذا تحوّلت الـ Agency من توصيف للفعل الاجتماعي إلى مهرب أخلاقي، في الوقت الذي تظل فيه السلطة المادية مصادرة ومحتكرة من قبل "الأجهزة" (Agencies) ذاتها. وهنا يظهر التواطؤ البنيوي بين "الجهاز" القامع والخطاب الذي يزينه، حيث يسحق الأول الجسد، بينما يحيل الثاني إلى راحة الضمير. ينتج الارتهان لهذا النموذج تواطؤاً بنيوياً مزدوجاً: أولاً، هو تواطؤ مادي يقع فيه على عاتق "الأجهزة" مسؤولية تحويل الإكراه إلى مهمة تقنية بيروقراطية (كما حللت حنة آرنت "تفاهة الشر")، وثانياً، هو تواطؤ رمزي يحدث فيه اختزال مطالب التحرر إلى "فاعلية ثقافية" وتمثيل هُوياتي، يمنح وهم الانتصار الرمزي بينما تظل بنية الإكراه المادي سليمة دون أن تمس. وفي مواجهة هذا التمييع، تحتفظ أفكار فرانز فانون بحدتها النظرية، إذ يتحقق التحرر بتفكيك بنية الإكراه ذاتها[20]، وليس بتحسين شروط التمثيل داخل منظومة القمع. فما تحتاجه الشعوب المستباحة وجموع المهمشين في مدن الغرب الرأسمالي يتجاوز مفهوم الاعتراف الثقافي داخل دولة الإنفاذ، إنهم بحاجة إلى استعادة السيادة المادية المصادرة[21] باسم" السيستم، أو "الاستبلاشمنت"، فالقانون الذي يقتات ل على ذراعه القسرية ليس في جوهره إلا إكراه يرتدي شكلاً رسمياً[22]. خاتمة: إخراج العدالة من الجهاز لا تكمن المعضلة، إذن، في غياب العدالة داخل دولة الإنفاذ، وإنما في إعادة صياغتها بوصفها وظيفة داخل الجهاز. فيتحوّل الحق إلى إجراء دون إلغاء، وتُعاد برمجة الكرامة ضمن بروتوكول يسمح بانتهاكها من غير فضيحة، ويجري التغافل عن سبب الظلم، فيُعاد تعريفه كعملية قانونية "محايدة" لا تحتاج إلى حقد، ولا حتى إلى نية. بهذا المعنى، لا يبدأ التحرر من داخل هذه القوالب، ولا من تحسين شروط تمثيل الذات داخلها، بل بكسر منطقها الوجودي ذاته[23] أي: إعادة القانون من كونه ذراعاً للإكراه إلى كونه أفقاً للعدالة، وإخراج العدالة من الجهاز قبل إخراج الجسد من القيد. وعليه، تتعدى ثنائية "إنفاذ القانون/الفاعلية الثقافية" حيز الجدل النظري، لتتموضع في مركز التجلي المادي والرمزي لإطار هيمنة واحد. إنها الملقط المحاصر للوعي المعاصر بين قمع مادي مباشر وتخدير رمزي ناعم. وينطلق التحرر من كسر هذه القوالب (وليس من داخلها حتماً) وبإعادة تعريف القانون بعيداً عن كونه ذريعة للإكراه، ليتحوّل إلى أفق ساطع للعدالة. ... الهوامش والإحالات تعتمد هذه المقالة منهجية تركيبية (Synthesis) وتستفيد من مقولات ما بعد البنيوية ودراسات ما بعد الاستعمار، وتعيد صهرها لقراءة الواقع السياسي المعاصر، في مناقشة عمل الجهاز القمعي (الإنفاذ) بتواطؤ مع الجهاز الإيديولوجي (الثقافة/السردية). ورغم الاستناد المباشر للمراجع المذكورة، فإن الإطار النظري العام يستبطن ولا شك أصداءً لمفكرين آخرين من مدرسة فرانكفورت أو السوسيولوجيا النقدية (مثل بورديو[عند استخدام العنف الرمزي] وألتوسير [في تقسيمه الشهير بين "أجهزة الدولة القمعية" (الشرطة، الجيش) و"أجهزة الدولة الإيدلوجية"(الإعلام، التعليم، الثقافة]) وسواهم ممن شكلت أفكارهم الخلفية المعرفية لهذه القراءة. لذا اقتضى التنويه 1.لا نقصد به التقاليد الأنغلوسكسونية كافة. وإنما نخص بالذكر ترسيماته في السياق الأمريكي المعاصر ونموذجه المهيمن، ولا سيما عقب أحداث الحادي عشر من أيلول. 2. هذا ما يفسّر ترجمة Law-Enforcement State(وليس Legal State) بـ "الدولة الأمنية" في الأدبيات السياسية الغربية ، لأن ما يعرّف هذا النمط من الدول كثافة الذراع التنفيذية التي تحوّل النص إلى فعل قسري مباشر وليس كثافة النصوص القانونية. 3.ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة: مطاع صفدي (بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990). يرى فوكو أن "مفعول السلطة الأقصى ووجهها المنتصر، هو ذاك الذي يغنيها عن ممارسة أي فعل فعلي؛ فيكفي أن تضمن نفاذها عبر نظرة دائمة ومجهولة"، لتتحقق بذلك استراتيجية الضبط الذاتي. ويشرح -في سياق حديثه عن البانوبتيكونPanoptique - "الآلية" التي تعمل بها الدولة في ضبط الأفراد، حين يصبح الفرد المبدأ الناظم بخضوعه الخاص(تذويت السلطة بحيث لا تحتاج إلى إكراه خارجي). 4. تتضافر رؤية آرنت لـ "آلة الإنفاذ" مع تحليلها في كتاب "أسس التوتاليتارية" The Origins of Totalitarianism (ترجمة: أنطوان أبو زيد، دار الساقي"1993")؛ إذ ترى أن الدعاية الحديثة لا تهدف إلى الكذب الفج فحسب، بل إلى تحطيم الحيز المشترك للواقع. وتقول في هذا الصدد: "إن الموضوع المثالي للحكم الشمولي ليس النازي المقتنع ولا الشيوعي المقتنع، بل هم أولئك الناس الذين لم يعد التمييز لديهم قائماً بين الواقع والخيال... ولا بين الحق والباطل". ففي عالم تتساوى فيه الحقائق بالآراء، يفقد الإنسان بوصلته، مخلّفاً كائناً عاجزاً عن الحكم، وجاهزاً لتقبّل "منطق الجهاز" بديلاً عن "حقيقة العالم".. كما فصلّت هذه الفكرة بدقة أكبر عند شرح الآلية المعرفية لهذا "التدمير" (تحويل الحقائق إلى مجرد آراء) في مقالها الشهير "الحقيقة والسياسة" (Truth and Politics - 1967). ضمن كتابها بين الماضي والمستقبل Between Past and Future ترجمة عبد الرحمن بشناق . دار جداول للنشر. لبنان (2014). 5. يرد هذا المفهوم المركزي حول احتكار العنف في محاضرة فيبر المؤسسة "السياسة بوصفها حرفة" (Politics as a Vocation - 1919) [انظر ماكس فيبر. العلم والسـياسـة بوصفهما حرفة، ترجمة جورج كتورة 2011 . المنظمة العربية للترجمة / لبنان]. لا يعرف فيبر الدولة الحديثة بغاياتها وإنما بوسيلتها الخاصة: "الكيان البشري الناجح في احتكار الاستخدام المشروع للقوة المادية داخل إقليم معين". ويكمن الفارق الحاسم بين توصيف فيبر وممارسة "دولة الإنفاذ" في التراتبية؛ فيجعل فيبر الشرعية (Legitimacy) شرطاً للعنف وسابقاً عليه، بينما تقلب "دولة الإنفاذ" المعادلة، حين تجعل العنف (والقدرة على فرضه) مصدراً للشرعية، ومحيلةً القانون أداةً تقنية لتبرير القوة لا للحد منها. 6.لا يوجد فصل بين السلطة القانونية، التي تتقاطع أحياناً مع مهام التنفيذ الأمني كمعيار والذراع التنفيذية كما في الثقافة الأنغلوسكسونية، مما يعكس، بالتالي، منطق دولة الإنفاذ أكثر من دولة القانون بمعناها الأنغلوسكسوني). 7.يقتضي المنهج التأكيد على أن السياق كفيل بإنتاج المعنى، وعلى هذا ينبغي قراءة الغزالي والماوردي في سياقهما التاريخي، أي في الرد على مسائل الفتن داخلية والتفكّك السياسي، وليست في سياق التأسيس لنظرية مستقلة للعنف المشروع خارج إطار الشريعة ومقاصدها. 8.حتى في النموذج السلطاني الكلاسيكي (الماوردي)، حيث القوة ضرورية لحفظ النظام، ظل القانون (الشريعة) معياراً متعالياً للاحتكام وتستمد منه شرعية القوة. بينما في نموذج "دولة الإنفاذ"، يحل الجهاز التنفيذي محل المعيار، ويصبح هو الذي يحدد ماهية القانون عبر الممارسة الاستباقية. 9. يُنسب للغزالي الكثير من المقولات المشهورة مثل "الدين أساس والسلطان حارس، وما لا أساس له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع". ويقول في وجوب الإمامة: " "اعلموا أَن قوام الشرع بقوام السلطان، ولا نظام للدين إِلا بإمام مُطاع، يحسم مادة الفتن، ويقطع دابر الباطل، فلو خليت الرعية بغير سلطان يقوم بالحق وجرى في الخلق، لأكل قويهم ضعيفهم...".(الاقتصاد بالاعتقاد). وحين يتناول "وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ودور الحاكم، يبرز ضرورة القوة في التنفيذ، ففي شروط المحتسب (المسؤول عن تطبيق النظام العام والأخلاق) يشترط القدرة التنفيذية: "... بأن يكون قادراً على إلزام المنكر باليد واللسان والقلب، ويكون له سلطان وولاية من جهة الإمام أو الخليفة، إذ لا يتمكن آحاد الرعية من القمع باليد إلا نادراً". (إحياء علوم الدين) 10. غاية استحضار نموذجي الغزالي والماوردي في عرض نموذج معياري إزاء البنية الأنغلوسكسونية لـ"دولة الإنفاذ"، متجاوزاً تقديم قراءة شاملة للفقه السياسي الإسلامي، لا يهدف إلى تقديم قراءة شاملة لهذا الفقه. ورغم مشروعية هذا الاختيار في المنهج والمقاربة (لسياق المقارنة المفاهيمية)، فعلى القارئ توخي الحذر والوعي بانتفاء التجانس في ن التراث الإسلامي السياسي، فثمة ثراء وتنوع كبيران في رؤى السلطة والعدل والعنف المشروع: تنوع يمتد من ابن تيمية إلى الفقه الشيعي الإمامي، مروراً بمفكري الدولة العثمانية وغيرهم. ولذلك، يمثل الاستحضار هنا - رغم دقته النظرية- اختياراً تحليلياً وليس تمثيلاً شاملاً. 11. يتجلى الانزياح عن "نموذج المقاصد" (للماوردي والغزالي) في بنية التشريعات العربية الحديثة (كقوانين الطوارئ، ومكافحة الإرهاب، والجرائم الإلكترونية). فبينما خضع "السلطان" في التراث لسيادة الشريعة -نصاً متعالياً لا يملك تغييره- تعمد الدولة الحديثة إلى تفصيل القانون على مقاس السلطة التنفيذية؛ مستخدمةً صياغات فضفاضة (مثل: "وهن نفسية الأمة"، "تكدير السلم العام") تمنح الأجهزة الأمنية سلطة تأويل مطلقة. وبذلك، ينتفي دور القانون "حارساً للكليات الخمس" (النفس، العقل..)، ليغدو غطاءً إجرائياً لانتهاكها؛ مفارقاً بذلك شرط "العدل" الذي جعله الماوردي أساس استقامة المُلك. كما سعت دول إسلامية حديثة لدمج الشريعة بأجهزة إنفاذ قانونية، (مثل المحاكم الشرعية وأجهزة الأخلاق). وحتى في هذا السياق، تبقى للشريعة المرجعية العليا وتقيد السلطة التنفيذية، مانعة تحولها غطاء مستقل للإكراه. باختصار، يعرّف الفقه السياسي الإسلامي الدولة والسلطة التنفيذية تعريفاً مقارباً لوصف فيبر: احتكار الدولة العنف المشروع، والقانون معيار للشرعية. بيد أنه يفتقر إلى التحوّل الذي يحيل القانون ذراعاً استباقية للإكراه كما هو الحال في دولة إنفاذ القانون الأنغلوسكسونية Law-Enforcement State 12. لا يمثل هذا التحول مجرد تطرف للنموذج الأنغلوسكسوني، بل منطقاً وجودياً جديداً للسلطة؛ ينقلها من "إدارة المجتمع" إلى "حرب المجتمع". ويمكن رصد ملامح هذا المنطق في ثلاثة مستويات: أولاً، المستوى الفلسفي: يطرح جورجيو أغامبين في كتابه State of Exception [جورجيو أغامبين. حالة الاستثناء: الإنسان الحرام (1.2). ترجمة ناصر إسماعيل. مدارات للأبحاث والنشر. مصر 2015.]، تحول إجراءات الطوارئ (تعليق القانون) إلى قاعدة دائمة للحكم وليست استثناء مؤقتاً، مما يخلق "فراغاً قانونياً" تمارس فيه السلطة سيادتها البيولوجية على الأجساد مباشرة دون وسيط قانوني (كما في معتقل غوانتانامو). ثانياً، المستوى السوسيولوجي، كما رصده بويك فاكون من تحول "دولة الرعاية" إلى "دولة العقاب"؛ حيث يحل الجهاز الشرطي ومنظومة السجن محل شبكات الأمان الاجتماعي لإدارة البؤس وتهميش الفائض البشري، فتصبح "الصرامة العقابية" أداة الحكم الأولى [: Loïc Wacquant, Punishing the Poor: The Neoliberal Government of Social Insecurity (Durham: Duke University Press, 2009)].. . ثالثاً، المستوى التشريعي: ويتجسد هذا المنطق في "قانون الوطنية" الأمريكي (USA PATRIOT Act 2001)، الذي شرعن المراقبة الشاملة والاعتقال غير محدد المدة، مؤسساً لمفهوم "العدالة الاستباقية" (Preemptive Justice)؛ التي تعاقب على "النوايا" و"الاحتمالات" (الخطر الكامن) قبل وقوع الفعل الجرمي، وهو ما ينسف قرينة البراءة الكلاسيكية من جذورها. 13. يتمدد مفهوم "الإنفاذ الاستباقي" هنا عبر ما صاغه ديفيد ليون وزيجمونت باومان بمصطلح "المراقبة السائلة" (Liquid Surveillance)؛ حيث لم تعد الدولة بحاجة لانتزاع الاعترافات تحت التعذيب وفي أقبية مغلقة، بل تنتزع "البيانات" Data التي تتدفق بسلاسة عبر الفضاء الرقمي وخوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تحلل هذا السلوك الرقمي للتنبؤ بالخطر. هنا تتحول "الخوارزمية" إلى "القانون الخفي" الذي يصدر أحكاماً مسبقة (كمنع السفر مثلاً، او الوضع على قوائم الرقابة... وما إلى ذلك) بناءً على المخاطر المحتملة لا الأفعال المرتكبة. دون أن يعرف المتهم التهمة أو يواجه القاضي. [انظر: زيجمونت باومان وديفيد ليون، المراقبة السائلة، ترجمة: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017)] 14. يتجلى هذا المنطق في ما عُرف بـ "عقيدة الواحد بالمئة" التي صاغها ديك تشيني عقب 11 سبتمبر، ونصها: "إذا كان هناك احتمال بنسبة 1% أن يشكل شخص تهديداً، فيجب التعامل معه وكأنه يقين بنسبة 100%". ينسف هذا المبدأ أساس العدالة الجنائية ("الشك يفسر لمصلحة المتهم")، مستبدلاً إياه بـ "الشك يوجب التحييد". [انظر: رون سوسكيند. مبدأ الواحد في المئة: نظرة عميقة في مطاردة أميركا لأعدائها منذ 11 أيلول. ترجمة ميشيل دانو. شركة المطبوعات للتوزيع والنشر (بيروت، لبنان). 2008]. 15. يجد هذا التحول سنده النظري في مفهوم "قانون جنايات العدو" (Feindstrafrecht) الذي طوره الفقيه القانوني الألماني غونتر جاكوبس (Günther Jakobs). يميز جاكوبس بين "قانون المواطن" (الذي يحترم الحقوق الإجرائية) وبين "قانون العدو" المخصص لمن يُنظر إليهم كخطر مبدئي على النظام. في هذا النموذج، يُجرّد الفرد من صفته "شخصاً" قانونياً ويُعامل كـ "مصدر خطر" فيزيائي يجب تحييده استباقياً. [للاطلاع على المفهوم بالإنجليزية، انظر: Günther Jakobs, "On the Theory of Enemy Criminal Law", in: Foundational Texts in Modern Criminal Law, ed. Markus D. Dubber (Oxford: Oxford University Press, 2014)]. وقد تجسد هذا عملياً في برنامج NSEERS (نظام تسجيل الدخول والخروج للأمن القومي) الذي طبقته الولايات المتحدة في العام 2002، حيث تم استجواب وأرشفة بيانات آلاف الرجال المسلمين لمجرد انتمائهم لبلدان محددة، دون ارتكابهم أي جرم، في تطبيق حرفي لمنطق "الهوية كإدانة". 16.يقدم عالم النفس الاجتماعي فيليب زيمباردو في كتابه The Lucifer Effect تحليلاً معاصرا لهذا التواطؤ البيروقراطي، مستنداً إلى "تجربة سجن ستانفورد" ووقائع سجن "أبو غريب". يجادل زيمباردو بأن "الجهاز" (أو النظام) هو الذي يصنع الجلادين باستبدال المسؤولية الأخلاقية الفردية بـ "الامتثال الإداري"؛ ففي سجن أبو غريب، لم يكن الجنود مجرد "تفاح فاسد" (كما ادعت الرواية الرسمية)، بل كانوا موظفين بيروقراطيين في "دولة إنفاذ" حولت التعذيب إلى إجراء معياري لجمع المعلومات (SOP). مما يجعل العنف وظيفة تقنية خالية من الشعور بالذنب. [ فيليب زيمباردو: تاثير الشيطان كيف يتحول الاخيار الى اشرار. ترجمة هشام سمير. دار تكوين للنشر (المملكة العربية السعودية). 2019]. وعبارة تفاح فاسد (Bad Apples) هو استعارة شائعة جداً في الخطاب السياسي والإداري الأمريكي، وأصله المثل الشعبي: "تفاحة فاسدة واحدة تفسد السلة بأكملها" (One bad apple spoils the bunch). لكن في سياق النص والموضوع يقصد به "نظرية التبرئة" (The Defense of the System): حين تنكشف فضيحة كبرى داخل مؤسسة (مثل تعذيب السجناء في أبو غريب، أو وحشية الشرطة)، تلجأ السلطة فوراً إلى استخدام حجة "التفاح الفاسد". 17. نستعير هنا مفهوم "العنف الرمزي" (Symbolic Violence) لعالم الاجتماع بيير بورديو؛ للتدليل على الآليات الناعمة التي تُخفي علاقات القوة المادية تحت قناع الثقافة واللغة. يرى بورديو أن هذا العنف يمارس هيمنته ليس بالقسر الفيزيائي، بل بفرض "مسلّمات" تجعل الخضوع يبدو أمراً طبيعياً، مما يخلق نوعاً من "التواطؤ" الضمني بين المُهيمن والمُهيمن عليه. [انظر: بيير بورديو، الرمز والسلطة، ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي (الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1986)]. 18. يُعدّ المُنظّر الهندي هومي بابا (Homi Bhabha) أبرز من نقل الصراع إلى "النص"، عبر مفاهيم "التهجين" Hybridity و"الفضاء الثالث" Mimicry و"المحاكاة". في كتابه The Location of Culture ، يرى بابا أن الفاعلية Agency تكمن في التفاوض داخل الخطاب الكولونيالي وليس بالضرورة في القطيعة المادية معه. [انظر: هومي بابا، موقع الثقافة، ترجمة: ثائر ديب (القاهرة: المشروع القومي للترجمة، 2004)]. واجه هذا التوجه نقداً شرساً من ماركسيين مثل إعجاز أحمد، في كتابه In Theory الذي رأى في رأي بابا ترفاً أكاديمياً يُجرّد الكولونيالية من وحشيتها المادية ويحولها إلى "حالة نصية" مما يخدم -دون قصد- استمرار الهيمنة الرأسمالية. [للاطلاع على النقد، انظر: إعجاز أحمد، في النظرية: طبقات، أمم، آداب، ترجمة: ثائر ديب . المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات 2019] 19.رغم ريادة إدوارد سعيد في ربط الثقافة بالإمبريالية، إلا أن تركيزه المكثف على "السردية" (Narrative) بوصفها ميدان المعركة جرى تفسيره وتلقيه في الوسط الأكاديمي (خاصة في الجامعات الأمريكية) كدعوة للاكتفاء بـ"تفكيك الخطاب" بدلاً من تفكيك المستوطنات. يرى سعيد أن "الأمم هي سرديات"، وهو طرح ذكي لكنه يحمل خطورة الانزلاق إلى الاعتقاد بأن "تصحيح السردية" يكفي لتحقيق العدالة، [انظر: إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة: كمال أبو ديب (بيروت: دار الآداب). 1978]. وهو ما حذر منه سعيد نفسه لاحقاً واستدركه في كتابه الأنسنة والنقد الديمقراطي [[انظر: إدوارد سعيد، الأنسنة والنقد الديمقراطي، ترجمة: فواز طرابلسي (بيروت: دار الآداب، 2005)].، لكن التيار الغالب في الدراسات الثقافية استمر في تقديس "التمثيل" على حساب "الأرض". [الثقافة والإمبريالية] 20.يشدد فرانز فانون على أن الاستعمار ليس حالة فكرية بل "عنف في حالته الطبيعية"، ولا ينحني إلا أمام عنف مادي مضاد. يسخر فانون من النخب الوطنية (والأكاديمية لاحقاً) التي تبحث عن تسويات ثقافية مع المستعمر، مؤكداً أن استعادة "إنسانية" المستعمَر لا تتم عبر نيل اعتراف المستعمر (التمثيل)، بل عبر "خلق إنسان جديد" من خلال الممارسة الثورية التي تكنس البنية الكولونيالية من جذورها. [انظر: فرانز فانون، معذبو الأرض، ترجمة: سامي الدروبي. دار الطليعة. بيروت]. 21.يدعم المؤرخ الفلسطيني نور مصالحة هذا الطرح عبر توثيقه لمنهجية "محو المكان" (Topocide) في كتابه نكبة فلسطين. يجادل مصالحة بأن المشروع الصهيوني لم يستهدف الرواية الفلسطينية فحسب، بل استهدف المحو الفيزيائي للقرى والأسماء والمعالم. وعليه، فإن الرد لا يكون بـ "التذكر" الثقافي فقط، بل بـ "إنهاء الاستعمار" (Decolonization) كعملية مادية لاستعادة الأرض والحيز، وليس مجرد استعادة الاسم. [انظر: Nur Masalha, The Palestine Nakba: Decolonising History, Narrating the Subaltern, Reclaiming Memory (London: Zed Books, 2012)]. وانظر أيضا لنفس الكاتب في ما يتعلق بسياسات المحو المكاني [نور مصالحة، طرد الفلسطينيين: مفهوم "الترانسفير" في الفكر والتخطيط الصهيونيين 1882-1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية بيروت 1992]. 22.يتجلى هذا "الشكل الرسمي للإكراه"، أي شرعنة "دولة الإنفاذ" بوضوح في فقه القاضي الإسرائيلي أهارون باراك (الرئيس السابق للمحكمة العليا)، الذي صاغ مفهوم "كل شيء قابل للمقاضاة" (Everything is Justiciable). يسمح هذا المبدأ للمحكمة بالتدخل في العمليات العسكرية ليس لمنعها، بل لضبطها ضمن إطار "المعقولية" و"التناسب" القانوني. وبذلك، لا يعود القانون أداة لمنع الاحتلال، بل وسيلة لـ "أسرلة" العنف وإضفاء طابع قانوني تقني عليه، مما يحول الجريمة إلى مجرد "إجراء إداري" قابل للطعن والاستئناف، وهو جوهر "دولة الإنفاذ". [انظر: Aharon Barak, The Judge in a Democracy (Princeton University Press, 2006)]. 23.يتقاطع هذا الطرح مع أطروحة والتر بنيامين في مقاله التأسيسي "نقد العنف" (Critique of Violence). يميز بنيامين بين "عنف القانون" (Mythic Violence) الذي تمارسه الشرطة لتثبيت السلطة والحفاظ على الوضع القائم، وبين "العنف الإلهي/الثوري" (Divine Violence) الذي لا يهدف إلى سن قوانين جديدة، بل إلى "كسر" دائرة القانون الظالمة من أساسها وتحطيم بنية الهيمنة. فالخلاص عند بنيامين لا يكمن في إصلاح الجهاز، بل في "خلع" (Entsetzung) القانون القمعي. [انظر: والتر بنيامين، مقالات مختارة، ترجمة: أحمد حسان (القاهرة: دار ميريت).2010] ******* قائمة المصادر والمراجع أولاً: المصادر العربية والمترجمة 1. أحمد، إعجاز. في النظرية: طبقات، أمم، آداب. ترجمة: ثائر ديب. دمشق: دار المدى، 2005. 2. أغامبن، جورجيو. حالة الاستثناء: الإنسان الحرام (ج2.1). ترجمة: ناصر الدين علي. رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، 2015. 3. آرنت، حنة. أسس التوتاليتارية. ترجمة: أنطوان أبو زيد. بيروت: دار الساقي، 1993. 4. آرنت، حنة. بين الماضي والمستقبل. ترجمة: عبد الرحمن بشناق. بيروت: دار جداول للنشر، 2014. 5. بابا، هومي. موقع الثقافة. ترجمة: ثائر ديب. القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2004. 6. باومان، زيجمونت، وليون، ديفيد. المراقبة السائلة. ترجمة: حجاج أبو جبر. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2017. 7. بنيامين، والتر. مقالات مختارة. ترجمة: أحمد حسان. القاهرة: دار ميريت، 2010. 8. بورديو، بيير. الرمز والسلطة. ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي. الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1986. 9. زريق، رائف. "مطلب الدولة اليهودية من الجانبين التكتيكي-السياسي والفكري-الأيديولوجي". في كتاب: في معنى الدولة اليهودية، تحرير: هنيدة غانم وأنطون شلحت. رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، 2012. 10. زريق، رائف. إسرائيل: خلفية أيديولوجية وتاريخية. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2018. 11. زيمباردو، فيليب. تأثير الشيطان: كيف يتحول الأخيار إلى أشرار. ترجمة: هشام سمير. الرياض: دار تكوين، 2019. 12. سعيد، إدوارد. الثقافة والإمبريالية. ترجمة: كمال أبو ديب. بيروت: دار الآداب، 1997. 13. سعيد، إدوارد. الأنسنة والنقد الديمقراطي. ترجمة: فواز طرابلسي. بيروت: دار الآداب، 2005. 14. سوسكيند، رون. مبدأ الواحد في المئة. ترجمة: عمر الأيوبي. بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2007. 15. الغزالي، أبو حامد. إحياء علوم الدين. (طبعات متعددة). 16. الغزالي، أبو حامد. الاقتصاد في الاعتقاد. (طبعات متعددة). 17. الغزالي، أبو حامد. المستصفى في علم الأصول. (طبعات متعددة). 18. فانون، فرانز. معذبو الأرض. ترجمة: سامي الدروبي وجمال الأتاسي. بيروت: دار الفارابي، 2004. 19. فوكو، ميشيل. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة: مطاع صفدي. بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990. 20. فيبر، ماكس. العلم والسـياسـة بوصفهما حرفة. ترجمة: جورج كتورة. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011. 21. لوك، جون. في الحُكم المدني. ترجمة: ماجد فخري. بيروت: اللجنة الدولية لترجمة الروائع، 1959. 22. الماوردي، أبو الحسن. الأحكام السلطانية والولايات الدينية. (طبعات متعددة). 23. الماوردي، أبو الحسن. تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك. (طبعات متعددة). 24. مصالحة، نور. طرد الفلسطينيين: مفهوم "الترانسفير" في الفكر والتخطيط الصهيونيين. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1992. 25. ميل، جون ستيوارت. عن الحرية. ترجمة: عبد الكريم أحمد. القاهرة: دار الفكر العربي، 1993. ثانياً: المصادر الأجنبية 1. Barak, Aharon. The Judge in a Democracy. Princeton: Princeton University Press, 2006. 2. Masalha, Nur. The Palestine Nakba: Decolonising History, Narrating the Subaltern, Reclaiming Memory. London: Zed Books, 2012. 3. Wacquant, Loïc. Punishing the Poor: The Neoliberal Government of Social Insecurity. Durham: Duke University Press, 2009.
#محمود_الصباغ (هاشتاغ)
Mahmoud_Al_Sabbagh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
فيزياء الإبادة: هندسة -الإنتروبيا- وتقويض الوجود الفلسطيني
-
نقد -الواقعية المتخيلة- عند ماجد كيالي: تفكيك الإسقاط السوري
...
-
عن -الحيوان- السياسي المعاصر
-
صراع سرديات أم صراع على الأرض: فساد الخطاب الأخلاقي عند يو
...
-
استعادة فلسطين: قراءة في بنية الدول الاستعمارية الاستيطانية
-
عن الطوفان وأشياء أخرى (54)
-
عن الطوفان وأشياء أخرى (53)
-
عن الطوفان واشياء أخرى (52)
-
عن الطوفان وأشياء أخرى(51)
-
انتفاضة الحجارة في زمن الإبادة والتطبيع والتنسيق
-
قراءة في كتاب ستانلي ميلغرام. الطاعة للسلطة: وجهة نظر تجريبي
...
-
انتفاضة الحجارة :بين العفوية و القصدية
-
سوريا اليوم... نحو لغة سياسية جديدة
-
زمن الضفادع: مجازات الطغيان في التجربة السورية
-
جدل الصمت، الحضور الخفي وانكسار الإيمان
-
دونالد ترامب وعصر ما بعد الحقيقة في الخطاب السياسي
-
عن الطوفان وأشياء أخرى (50)
-
عن الطوفان وأشياء أخرى (48)
-
عن الطوفان وأشياء أخرى (49)
-
قراءات في كتاب عصور الرأسمالية الأمريكية : تاريخ الولايات ال
...
المزيد.....
-
هل يقترب النظام الإيراني من الانهيار؟ فريد زكريا يجيب
-
مأساة ليبرفيل: قصة سقوط طائرة منتخب زامبيا في المحيط ثم التت
...
-
القوات الروسية تسيطر على بلدتين.. وتعبر نهر غايشور
-
تظليل نوافذ سيارة يقود إلى مطاردة عنيفة انتهت بحادث مروّع في
...
-
صحفية تسأل ترامب: هل أقنعك العرب والإسرائيليون بعدم ضرب إيرا
...
-
دعاهم لعدم تصديق -روايات الفتنة-.. الشرع يصدر مرسوما لصالح ا
...
-
ترامب يلوح بالرسوم الجمركية ضد من يعارض خطته ضم غرينلاند
-
حرب.. دبلوماسية.. أم ثورة: ما الذي ينتظر إيران؟
-
زعماء اليمين المتشدد يوجهون رسائل مسجلة لدعم رئيس الوزراء ال
...
-
المتظاهرون منقسمون بشأنه.. نجل الشاه بهلوي يدعو لقصف إيران
المزيد.....
-
صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة
/ محمد حسين النجفي
-
الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح
...
/ علي طبله
-
الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد
...
/ علي طبله
-
الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل
...
/ علي طبله
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر
/ محمد جعفر ال عيسى
-
اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات،
...
/ رياض الشرايطي
-
رواية
/ رانية مرجية
-
ثوبها الأسود ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
تداخل الاجناس الأدبية في رواية قهوة سادة للكاتب السيد حافظ
/ غنية ولهي- - - سمية حملاوي
-
شيوعيون على مر الزمان ...الجزء الأول شيوعيون على مر الزمان
...
/ غيفارا معو
المزيد.....
|