أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب















المزيد.....



إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 17:46
المحور: القضية الفلسطينية
    


استهلال
يضع هذا النص القارئَ أمام مرافعة أخلاقية وفكرية يقدمها البروفيسور هنري جيرو (Henry A. Giroux)، أحد أبرز منظري "التربية النقدية" (Critical Pedagogy) في العالم.
وتستند المقالة على ركيزة التفكيك النقدي لمفهوم "الإبادة التعليمية" بوصفها الذراع النظامية في سياسات حرب الإبادة الممنهجة على ذاكرة وتاريخ، وعقل الفلسطيني.
ينقل جيرو مصطلحscholasticide (يوضح أن الفلسطينية كرمة النابلسي الأستاذة في جامعة أكسفورد هي التي صاغته أول مرة) من حيز الوصف المجازي إلى حيز المفهوم القانوني والسياسي، ليصف عملية المحو المتعمد للمؤسسات التعليمية والثقافية التي تشكل العمود الفقري للهُوية الفلسطينية. لكنّ القيمة المضافة في هذا الطرح تكمن في الربط الجدلي الذي ينسجه بين تدمير المدارس في غزة، وبين قمع الأصوات الحرة في الجامعات الغربية والأمريكية. ليكشف كيف أن "إبادة التعليم" ليست حدثاً محلياً معزولاً، بل هي بنية قمع عالمية تجلت في "الإبادة الجماعية" في "الشرق" ، تقتات عليها "المكارثية الجديدة" في "الغرب".
ولكي نفهم شمولية هذه الحرب على الوجود الفلسطيني، يمكننا توسيع الإطار النظري بمصطلحات موازية كشفتها هذه الحرب الإبادية على غزة مثل الإبادة المكانيةSpaciocide، وهو مصطلح ما زال -باعتقادي- قيد الترسيخ في الدراسات الحضرية وسوسيولوجيا الحرب لوصف التدمير المتعمد للفضاء الجغرافي والمشهد العمراني والنسيج المكاني ككل، وأشد ما ينطبق -كما يبدو من وصفه- على ما يجري في غزة والضفة الغربية؛ فالتدمير هناك لا يقتصر على هدم المباني، وإنما يمتد ليشمل إبادة البيئة الحضرية التي تشكل المسرح المادي للحياة والذاكرة الجماعية. وبهذا، تكمل "الإبادة التعليمية" و"الإبادة المكانية" بعضهما بعضاً؛ فتستهدف الأولى "عقل" المجتمع وذاكرته المؤسسية، وتستهدف الثانية "جسده" الجغرافي والحضري. وحجتها الرئيسة -التي تربط بين القصف المادي في غزة وخنق الحريات الأكاديمية في الغرب- تُظهر كيف أن هذه الإبادات المتعددة (ضمن ما نعنيه بقولنا معاداة الفلسطينيين) تُدار كحرب شاملة على كافة الأصعدة.
على أنه لا ينبغي القول إن هذه المقالة (رغم اتكائها على عشرات المصادر والتقارير الدولية) تدعي "الحياد" الأكاديمي البارد، وإنما هي أقرب إلى "بيان اتهام" يتسلح بالأكاديميا، ونموذجاً لعقلٍ إنساني متنور ونقدي رافض للرواية الاستعمارية السائدة، يدعو إلى "انتفاضة معرفية" عالمية تعيد للتعليم دوره كأداة للتحرر لا للقهر.
لكنه يرتكز أيضاً على لغة أخلاقية صارمة مقصودة لتحريض الضمير العالمي ورفع سقف الخطاب خارج إطار "الحياد" البارد الذي قد يطمس الفظاعة. كما أنها تتصدى لمفهوم "الإبادة الصورية" (Visual Genocide) الذي تُمارسه البروباغاندا الإسرائيلية عبر اختطاف الصور وتشويه الواقع البصري.
ويستخدم جيرو التعميم كجزء من الحجة من خلال ربط سياسات إسرائيل بـ "موجة قمع عالمية" في أمريكا وغيرها (المجر)، وإن كان يستند إلى تشابهات حقيقية، فهو جزء من حجة أكبر تهدف إلى كشف نمط عالمي لقمع المعرفة.
لا شك أن المقالة تسد فراغاً تحليلياً مهماً؛ فهي ترفع الصوت عالياً إزاء صمت دولي مطبق، وتسلط الضوء، بتوثيق دامغ، على وجه من وجوه المعاناة الفلسطينية قلما تناوله النقاشات (اللهم إلا على سبيل الإحصاء)، أي الحرب المنهجية على الذاكرة والهُوية عبر تدمير مؤسسات التعليم والثقافة. حتى إن طرح مصطلح "إبادة التعليم" (Scholasticide) يمثل بحد ذاته إسهاماً نظرياً جريئاً يربط بين عنف الاستعمار الاستيطاني وأدواته في محو التاريخ.
بقي القول إن هنري جيرو هو أحد أبرز منظري التربية النقدية والنظرية النقدية في العالم، وأستاذ الجامعة ذو التأثير الكبير في حقل الدراسات الثقافية والتربية(له أكثر من70 كتاباً ونحو 500 مقالة أكاديمية). ويعمل حالياً أستاذ كرسي ماك آرثر للتعليم الجامعي والدراسات الثقافية في جامعة ماكماستر في كندا. وسبق له أن درَّس في عدة جامعات مرموقة في الولايات المتحدة مثل جامعة بوسطن وجامعة ميامي (أوهايو)، حيث أسس وترأس فيها مركز التعليم والثقافة. يصنف معرفياً ضمن مدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية، ويركز عمله على نقاط التقاطع بين التربية والثقافة والسياسة والإعلام.
يرى جيرو في التعليم فعل سياسي غير محايد وساحة صراع على المستقبل والذاكرة والهوية لذا نراه يدعو إلى "تربية نقدية" تُسلح الطلاب بأدوات تفكيك خطابات السلطة والإيديولوجيا. كما ينتقد بشدة النيوليبرالية والرأسمالية "المتوحشة" ويرفض بشدة ما تعمل عليه النيوليبرالية لتحويل المؤسسات التعليمية إلى سوق، والطلاب إلى مستهلكين، والمعرفة إلى سلعة، مما يقوّض فكرة التعليم كمنفعة عامة. له كتابات مميزة عن "ثقافة الخوف والاستهلاك و كيفية استخدام "ثقافة الخوف" لتبرير إجراءات أمنية قمعية وتقليص الحريات المدنية، وكيف تحوّل الثقافة الاستهلاكية المواطنين إلى متفرجين سلبيين... وغيرها من المواضع الحساسة مثل صعود النزعات الفاشية الجديدة وما يسميه "الفاشية الجديدة" في عصر ترامب وما بعده، وكيف تستهدف هذه النزعات العقل النقدي والتعليم العام..
......
إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب
هنري أ. جيرو
ترجمة محمود الصباغ
تمهيد
نكشف هذه الورقة عن الطبيعة الوحشية متعددة الأوجه للحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة، فهي لا تقتصر على العنف العسكري فحسب، وإنما تتعداه إلى الهجوم البنيوي والإيديولوجي والسياسي المحكم على المعارضة والتعليم. كما سنبين كيف لا تخضع أفعال إسرائيل- من قصف عشوائي للمدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، والمدارس، والمؤسسات الثقافية- لإدانة هيئات دولية، ليس بوصفها جرائم حرب فقط، وإنما كأعمال إبادة جماعية. فالتدمير المتعمد للبنية التحتية التعليمية والثقافية في قطاع غزة يمثل جزءاً من مسعى أوسع لمحو تاريخ الفلسطينيين وهُويتهم، وهي عملية نعرّفها في سياق هذا البحث باسم "إبادة التعليم" أو "الإبادة التعليمية" (Scholasticide)، لنكشف من ضمنها عن الامتداد العالمي لهذا الصراع، مع تصاعد قمع الحرية الأكاديمية والبحث النقدي، لا سيما في الولايات المتحدة، مما يعكس اتجاهاً أكبر- بالأحرى أشمل- لمحو فكري وثقافي.
وفي الختام، نطلق-من هنا عبر هذا البحث- دعوة عاجلة للمقاومة العالمية ضد هذا المحو الممنهج للتعليم والذاكرة والحرية.
الإرهاب الدولتي في عصر "مناطق القتل"
إلى جانب العمليات العسكرية العنيفة التي تتسم بالقتل العشوائي للنساء والأطفال، تتميز حرب إسرائيل على غزة بالهجوم المتواصل أيضاً على من يعارضها وينتقدها، حتى في أبسط أو ألطف أشكال الاعتراض على انتهاكاتها لحقوق الإنسان وجرائم الحرب المدانة دولياً. وترتبط الحملة العسكرية الإسرائيلية الوحشية الجارية (المقترنة بـ "سياسات غير إنسانية متطرفة ضد الشعب الفلسطيني") ارتباطاً وثيقاً بمسعى ترعاه الدولة لشرعنة وتطبيع أفعالها في غزة (Sussman 2024). ويشمل ذلك خوض حرب إيديولوجية ساحاتها الرئيسية الرقابة والتشهير ضد أي تحدٍ، مهما كان مصدره، لما يدينه كينيث روث، المؤسس المشارك لمنظمة "هيومن رايتس ووتش"، باعتباره "نظام الفصل العنصري الإسرائيلي" (2024)، وما يصفه أرييه نيير، الناجي من الهولوكوست والمؤسس المشارك للمنظمة بـ "الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة" (2024).
يتكشف النطاق الكامل للهجوم الإسرائيلي على غزة من خلال أعمالها العسكرية المتواصلة والعشوائية ضد النساء والأطفال والمسنين وغير المقاتلين. ووفقاً للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فإن حجم الدمار الذي ألحقته إسرائيل بغزة لا يمكن تصوره أخلاقياً. فمنذ بداية الحرب، وحتى نهاية تشرين الثاني 2024، ألقت إسرائيل أكثر من 25,000 طن من المتفجرات على قطاع غزة، وهي قوة تعادل قنبلتين نوويتين. وهذا يعني أن القوة التدميرية للمتفجرات التي أُسقطت على غزة في غضون شهرين فقط تتجاوز قوة القنبلة التي أُسقطت على هيروشيما (HuMedia 2023). ووفقاً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، يشكل استخدام مثل هذه القنابل شديدة التدمير في المناطق السكنية، جريمة حرب.
برزت عواقب هذا القصف على نحو مأساوي في 10 آب 2024، عندما قصفت إسرائيل مدرسة "التابعين" في غزة، وهو حدث مؤسف طالما كررته آلة الحرب الإسرائيلية.
كانت المدرسة تؤوي ما يقرب من 2,500 شخص فروا من مناطق مختلفة مدمرة، والعديد منهم من الأطفال. وقد استهدفت القنابل الإسرائيلية مصلى عند الفجر، حيث كان المئات يصلون. ووفقاً لتحقيق أجراه المرصد الأورومتوسطي، "قُتل أكثر من 100 فلسطيني، بينهم عدة عائلات [بأكملها]". وقد أدت القوة التدميرية الهائلة للقنابل إلى تحويل جثث الضحايا إلى أشلاء وبقايا محترقة، مخلفة العديد من الإصابات الخطيرة (Countercurrents.org 2024). وذكرت شبكة "سي إن إن" أن فارس عفانة، مدير خدمات الإسعاف والطوارئ في شمال غزة، صرح بأن جميع المستهدفين "كانوا مدنيين- أطفالاً عزلاً، ومسنين، ورجالاً، ونساء" (Nasser et al. 2024)، ولم يجد المرصد الأورومتوسطي أي دليل على أن المدرسة "كانت تُستخدم لأغراض عسكرية" (HuMedia 2024).
ورغم الأدلة الموثقة على استمرار إسرائيل في القتل والاختطاف والتجويع القسري والتعذيب ضد الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال (Cleland 2023)، فقد ادعى نتنياهو وأعضاء حكومته على نحو مثير للدهشة أن إسرائيل تمتلك "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم" (Shupak 2024).
لقد قتلت إسرائيل أكثر من 40,000 فلسطيني. وتفيد منظمة "أنقذوا الأطفال" أن "أكثر من 15,000 طفل يُرجح قتلهم جراء الهجمات الإسرائيلية المتواصلة على القطاع [بينما يُقدر] ما يصل إلى 21,000 في عداد المفقودين" (Mahdawi 2024). وهذا الرقم الإجمالي المعلن للقتلى (40,000) قد يكون أقل بكثير من الواقع، أو الرقم الحقيقي. إذ صرح ثلاثة مسؤولين صحيين، هم رشا خطيب ومارتن ماكي وسليم يوسف، في مجلة "ذا لانسيت" (The Lancet)، وهي مجلة طبية بريطانية مرموقة ومحكمة، أنه نتيجة للقتل الناجم عن العنف غير المباشر بدلاً من المباشر، فمن المرجح أن العدد الفعلي يقترب من 186,000 (Khatib et al. 2024). ويلاحظ أندريه دامون في موقع "وورلد سوشياليست" (World Socialist Web Site) أن إسرائيل تشن حرب إبادة ضد الشعب الفلسطيني وأن هدفها ليس فقط "... ذبح عشرات الآلاف ولكن أيضاً تدمير جميع جوانب ومظاهر الحضارة في غزة، مما يسهم في موت عشرات الآلاف من خلال سوء التغذية والأمراض المعدية ونقص الرعاية الصحية" (2024).
وتتأكد فظاعة هذا العنف من خلال الأعمال الوحشية العميقة، بما في ذلك قصف المدارس، وتعذيب الأسرى (United Nations Human Rights 2024)، واستخدام التجويع كسلاح، واستهداف المستشفيات وأجزاء كبيرة من المرافق الصحية في غزة، من بين سياسات همجية أخرى.
وأدانت جهات قانونية مثل "مركز الحقوق الدستوريةCenter for Constitutional Rights وأكثر من 50 حكومة من بينها حكومة جنوب أفريقيا والعديد من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية هذه الأفعال ووصفتها بالإبادة الجماعية (Imray 2024). بالإضافة إلى ذلك، نظرت المحكمة الجنائية الدولية (ICC) في طلب المدعي العام للمحكمة، كريم خان، إصدار أوامر اعتقال ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت لارتكابهما "جرائم حرب ضد الإنسانية في قطاع غزة" (Corder 2024). كما طلب خان أوامر اعتقال مماثلة لزعيمين من حماس. ونتيجة لذلك، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في أيار 2024 مذكرات اعتقال بحق اثنين من قادة حماس وبنيامين نتنياهو ويوآف غالانت بتهمة ارتكاب "جرائم حرب" و"جرائم ضد الإنسانية"[1].
وكما تشير الباحثة اليهودية جوديث بتلر، فإن قادة اليمين المتطرف في إسرائيل كانوا صريحين ولا يبدون أي ندامة بشأن خططهم الإقصائيةeliminationist plans في أعقاب هجوم حماس في السابع من تشرين الأول. فقد هدفوا وعلى نحو منهجي إلى تقويض "معيش الفلسطينيين اليومي، وصحتهم ورفاهيتهم وقدرتهم على الصمود" وسط الهجوم العسكري الإسرائيلي الانتقامي وغير المتناسب (Goodman 2023).
بعد هجوم حماس الإرهابي المفاجئ [كذا يصفه المؤلف-المرتجم]، دعا وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت إلى حصار كامل لغزة، معلناً: "لن تكون هناك كهرباء، ولا طعام، ولا وقود، كل شيء مغلق. نحن نقاتل حيوانات بشرية، ونتصرف بمقتضى لذلك" (Karanth 2023). ودعا بعض الوزراء الإسرائيليين إلى إسقاط قنبلة ذرية على غزة (Kingsley 2024).
في تصريح يتجاوز الحدود الأخلاقية والقانونية-إن لم يكن يتحداها-، ادعى وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموطريتش، أن "لا أحد في العالم سيسمح لنا بتجويع مليوني شخص، رغم أن ذلك قد يكون مبرراً وأخلاقياً من أجل تحرير الرهائن" (Guardian Staff and Agencies 2024).
لا يقلل تصريح سموطريتش من معاناة الملايين فحسب، بل يتجاهل حقيقة حاسمة هي أن التجويع المتعمد للمدنيين يشكل بلا ريب جريمة حرب. هذا هو لسان حال السياسيين الفاشيين الذين ينطقون بخطاب تشكل الجثث التي أزهقوها ثقله، وتتلطخ ايديهم بالدماء التي أراقوها؛ فكلامهم لا ينفصل عن جرائمهم، وصوتهم هو صوت العنف ذاته. لا يستهدف هذا الخطاب اللاإنساني مقاتلي حماس فقط؛ وإنما يمتد ويتطاول ليشمل جميع سكان غزة بلا استثناء، معتبراً جميع الفلسطينيين إرهابيين وأدنى من مرتبة البشر. ومن خلال تجريد جماعة بأكملها من إنسانيتها، يسهّل هذا الخطاب ويشرعن اضطهاد إسرائيل لجميع الفلسطينيين، مبرراً حرمانهم من الاحتياجات الإنسانية الأساسية وارتكاب جرائم الحرب.
ويبدو أن الهدف النهائي لحرب إسرائيل في غزة هو القضاء على أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية وطرد الفلسطينيين في نهاية المطاف من أرضهم. وهذا واضح في "الحصار الكامل" المفروض على غزة، ومعارضة نتنياهو الصريحة لوجود دولة فلسطينية في المستقبل. وبالنظر إلى الهجوم الإسرائيلي الحالي على غزة، الذي كاد يمحو فرص البقاء اليومي لسكانها، يصبح هذا الهدف شديد الوضوح أكثر فأكثر.
وتؤكد شارون تشانغ على هذه النقطة بالإشارة إلى أن نتنياهو أعلن صراحة بنيته "سحق أي أمل في وجود دولة فلسطينية على الإطلاق" (2024)، فتكتب: "قال المدافعون عن الحقوق الفلسطينية إن هذه كانت خطة المسؤولين الإسرائيليين طوال الوقت، بينما تذبح القوات الإسرائيلية الفلسطينيين بشكل جماعي في غزة وتعمد إلى محو الأدلة على وجود الفلسطينيين أصلاً في المنطقة. ومع ذلك، يعد هذا أحد أوضح التصريحات حتى الآن من نتنياهو نفسه وسط الحصار الحالي، مما يشير إلى ثقته في قدرته على تنفيذ ذلك بمساعدة حلفاء مثل الولايات المتحدة." (2024)
وكتب كينيث روث في عدد من المقالات بكلام بليغ عن انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي (2024). ويجادل بأن أياً من تصرفات حماس، مهما كانت مروعة، لا تبرر انتهاك إسرائيل لقوانين الحرب. ويذكر أن "الحكومة الإسرائيلية انتهكت مراراً وتكراراً القانون الإنساني الدولي بطرق ترقى إلى جرائم حرب". ويشير إلى هجوم إسرائيل على المنشآت المدنية بما في ذلك المدارس والمتاحف والمكتبات. ويستشهد بادعاء صحيفة هآرتس أن "إسرائيل أنشأت "مناطق قتل"kill zones يطلق فيها الجنود النار على أي شخص يدخلها، سواء كان مسلحاً أم لا".
ويشير-روث- إلى تدمير إسرائيل للمستشفيات، وتعذيبها للفلسطينيين المعتقلين، وكيف أن بعض المعتقلين "ماتوا في الحجز العسكري [بينما ورد أن آخرين] احتاجوا إلى بتر أطرافهم بسبب الإصابات الناجمة عن التكبيل لفترات طويلة". ويجادل بأن الحكومة الإسرائيلية "فرضت عقبات هائلة أمام إيصال المساعدات، وخاصة الغذاء- وهي سياسة ترقى إلى استخدام التجويع كسلاح حرب"[2].
وما يوضحه روث وتتجاهله العديد من الدول الغربية هو أن إسرائيل دولة مارقة مذنبة بجرائم حرب شنيعة وقد انتهكت القانون الدولي مرات كثيرة لا تحصى ولا تعد.
تتجاوز جرائم الحرب تدمير الأجساد؛ فهي تنخر الأخلاق، وتدمر الذكريات، وتسحق، بثقلها، العادات المتجذرة عميقاً في الوعي العام. وتتجلى وحشية العمليات والأفعال العسكرية الإسرائيلية في غزة على نحو مؤلم في صور أجساد الأطفال الممزقة وسط المساجد والمستشفيات والمدارس المقصوفة. وكثيراً ما تبرر هذه الفظائع بخطاب تجريدي للبشر ينزع عنهم إنسانيتهم وبذريعة الدفاع عن النفس وتصوير الذات كضحية- وهي سردية تقرها الدولة وتوازي في فظاعتها الأخلاقية المعاناة التي تتيحها، خاصة بين الفئات الأكثر ضعفاً.
وما يتم تجاهله غالباً، خاصة من قبل وسائل الإعلام السائدة، هو أن حرب إسرائيل على غزة ليست مجرد هجوم مادي، بل هجوم على التاريخ والذاكرة والمؤسسات الثقافية. وهذا المحو هو جهد مدروس ومسعى محسوب لحجب وإخفاء جرائمها الحربية، وعنفها الوحشي، وتاريخها الاستعماري الاستيطاني؛ فالنسيان هنا ليس غياباً للذاكرة، بل أداة توظّف لتمكين الجريمة من الاستمرار عبر التطبيع والإنكار. ويحدث كل ذلك متلفعاً بـ"بطانية النسيان وفقدان الذاكرة التاريخي" (White and Ballas 2024) التي توفر وهم الأمان والإفلات.
الإبادة التعليمية كحرب بنيوية وإيديولوجية
تتجلى الإبادة الجماعية في التدمير الممنهج للبنية التحتية الفكرية والثقافية والمدنية بأكملها في غزة (Roth 2024)، إلى جانب عملياتها في إنشاء "مناطق القتل"، حيث يطلق الجنود النار عشوائياً على الفلسطينيين، وفي استخدام القوة المميتة ضد أهداف غير عسكرية مثل المستشفيات والمدارس. ويسعى هذا التآكل المحسوب إلى القضاء على النسيج المجتمعي ذاته في غزة، ممتداً إلى ما هو أبعد من العنف المادي ليصل إلى طمس الهوية التاريخية والثقافية
(Gaza Academics and Administrators 2024).
يكشف التوثيق المستمر والدقيق لجرائم الحرب الإسرائيلية الحقائق المروعة على الأرض، ويسلط الضوء أيضاً على الآثار الأوسع لهذه الانتهاكات. وتمتد الأزمة المتكشفة إلى ما هو أبعد من الوحشية المباشرة والدمار المادي في غزة، لتكشف عن شكل أعمق وأكثر خبثاً من العنف يتجاوز ساحة المعركة. وينبت هذا العنف من أجندة إيديولوجية تشرعن هذه الهمجية بينما تهاجم على نحو منهجي أي شكل من أشكال التعليم والنقد الذي يسعى لفضحها.
ويتجلى هذا الهجوم كحرب ناعمة وصلبة في آن واحد على التعليم، والتاريخ، والبحث النقدي، وأي حركة معارضة فاعلة.
أطلقت كرمة النابلسي من جامعة أكسفورد على هذه "الحرب على التعليم" اسم "الإبادة التعليمية" (Scholasticide)، وترى النابلسي أن هذا النوع من الحرب سيؤثر على أجيال من الأطفال الفلسطينيين (Bhabha et al. 2024).
وفي صميم هذه الحرب على المعارضة والتعليم، تكمن محاولات متكررة من قبل الحكومة اليمينية الإسرائيلية لرفض جميع الانتقادات الموجهة لحرب إسرائيل على غزة واعتبارها شكلاً من أشكال اللاسامية. وعلى سبيل المثال، عندما توضع الحرب على غزة في سياقها التاريخي في التقارير-في بعض الأحيان-، تسارع الحكومة الإسرائيلية والمدافعون عنها إلى استخدام تهمة معاداة السامية كسلاح ضد المنتقدين، وخاصة الفلسطينيين، ولا يستثنى اليهود أيضاً. ويسلط المؤرخ إيلان بابيه الضوء على كيفية استخدام هذا الاتهام من قبل الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة لإسكات منتقدي الحرب وأي سردية تكشف حملتها المستمرة منذ خمسة عقود من قبل "قوات الاحتلال لإلحاق عقاب جماعي مستمر بالفلسطينيين... وتعريضهم للمضايقات المستمرة على يد المستوطنين الإسرائيليين وقوات الأمن وسجن مئات الآلاف منهم" (2023).
يتطلب منا إدراك العنف الواسع والعشوائي- ذاك العنف الذي يبلغ من الفظاعة حدَّ إذهال العقل وإرباك اللسان- الذي أطلقته إسرائيل على غزة البحث عن مفردات جديدة لتفسيره وفهماً أعمق لسياسات التعليم وتعليم السياسات. كما يستلزم إعادة تعريف فهمنا لما نعنيه بقولنا "جريمة حرب"، مقترناً هذا المطلب بحركة دولية جماهيرية تقاوم الهجمات المتعمدة والوحشية للحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة على الشعب الفلسطيني وسعيه للحرية والسيادة. بالإضافة إلى ذلك، من الضروري الإقرار أن هذا العنف، بأشكاله المتعددة، يتضمن شكلاً أقل وضوحاً من العنف غالباً ما يغفل، وهو الشكل الذي تحجبه في أغلب الأوقات صيرورات المذابح والإبادة الجماعية المتكشفة والجارية في غزة، هو عنف النسيان المنظم -المحو الممنهج للذكريات الخطيرة، والتواريخ، والذاكرة الجماعية.
هذا هو-باختصار- القصد من معنى عنف "الإبادة التعليمية" الساعي إلى محو النكبة من التاريخ، وتدمير المؤسسات التي تحفظ ذكرى التهجير القسري لـ 700,000 فلسطيني من أرضهم، وفرض نسيان وفقدان الذاكرة التاريخيين كوسيلة لمنع الأجيال القادمة من التعرف على- والتعلم عن- المقاومة الفلسطينية ضد العنف الاستعماري والسلب والمحو الذي استمر لعقود.
وتعبر إيزابيلا حمّاد، الكاتبة البريطانية الفلسطينية -بحق- عن غضبها من كيفية عمل حاضنات الإبادة التعليمية الناعمة التربوية لإدانة المتظاهرين الفلسطينيين والتستر على جرائم الإبادة الجماعية. وهي تستحق ذكر هذا الاقتباس المطول: "لا تستهدف حرب إسرائيل في غزة الذاكرة والمعرفة والبحث النقدي فحسب، بل تمتد أيضاً إلى تدمير المؤسسات التعليمية حيث يكشف التاريخ عن الجرائم الماضية وحركات التحرر والمقاومة. هذه حرب تُشن على الأجساد وعلى التاريخ ذاته، وضد الذكريات، وإرث القسوة -أي العواقب الحية للفظائع التي لم تنته- والمدارس، والمتاحف، وأي فضاء يحفظ فيه تاريخ الشعب وهُويته الجماعية لينتقل إلى الأجيال الحالية والقادمة. ويجسد هذا الهجوم على الوعي التاريخي والتذكر والأفكار النقدية والتاريخ المستمر للاستعمار الاستيطاني شكلاً من العنف الإيديولوجي، يدعم على نحو استراتيجي تلك الحرب المادية الدامية التي تدمر حياة الفلسطينيين والمؤسسات الحارسة للذكريات الحيوية. في هذا السياق، يبرز مفهوم "الإبادة التعليمية"، الذي يعني التدمير المتعمد للفضاءات التعليمية الناقلة للمعرفة الأساسية والذكريات والقيم، ليكون عنصراً مركزياً في الحرب الإسرائيلية الأوسع ضد الشعب الفلسطيني." (2024)
وتعمل الإبادة التعليمية -بوصفها شكلاً من أشكال فقدان الذاكرة التاريخي والسياسي والاجتماعي- من خلال ما يسميه روب نيكسون "العنف البطيء"، وهو شكل تدريجي وتصاعدي وغالباً أقل وضوحاً من الضرر. كما تتجلى هذه الإبادة-في هذا السياق- من خلال التواءات وتلاعبات لفظية تتسم بالمراوغات والأكاذيب والخوف والتهديدات والترهيب. وتُستخدم اللغة والصور وأمواج الكراهية العاتية عبر مختلف المنافذ والمنصات الإعلامية لتشتيت انتباه الناس عن الجرائم المرتكبة في غزة.
ونتيجة لذلك، تعمل إبادة التعليم على تطبيع الحرب الدموية على غزة وقمع حرية التعبير. غير أنه، من الأهمية بمكان الاعتراف بأشكال التعبير الأكثر وحشية ومباشرة التي تتخذها إبادة التعليم أيضاً فيما أسميه "العنف البنيوي الوحشي للإبادة التعليمية". وأقصد به ما يستهدفه من تدمير للمدارس والجامعات والمتاحف بالتوازي مع قمع العلماء والطلاب وغيرهم من المعارضين المنهجيين لها.
إنه شكل إبادة ينطوي على أسلحة دمار شامل حقيقية، تهاجم الأجساد والعقول والمؤسسات أيضاً التي تحافظ على الحياة الفكرية.
وسأحلل، فيما يلي، هذا العنف البنيوي الوحشي للإبادة التعليمية الجارية في غزة، حيث تستهدف المؤسسات التعليمية وتدمر بطريقة منهجية. ثم سأفحص العنف الإيديولوجي المصاحب لهذه الإبادة التعليمية، الذي يتميز بقمع حرية التعبير والحرية الأكاديمية، والذي تفرضها على نحو متزايد آليات مراقبة الدولة، وفقدان الوظائف، وإجراءات عقابية أخرى تشمل الاحتجاز. وهذان الملمحان من الإبادة التعليمية لا يمثلان أشكالاً منعزلة حيث يعزز كل منهما الآخر، لخدمة مشروع أكبر يتمثل في فرض دولة قمعية في إسرائيل.
وسيكشف هذا التحليل أيضاً كيف تشير هذه الممارسات إلى اتجاه أكثر اتساعاً وخبثاً في الغرب، حيث تنتشر بصورة قوية لأشكال الرقابة والقمع وغيرها من المظاهر المختلفة لإرهاب التربوي لقمع المعارضة والفكر النقدي، مما يؤدي إلى مسار عالمي وحشي للقمع الفكري والأكاديمي.
هذان الشكلان من الإبادة التعليمية- الإيديولوجي والبنيوي- مترابطان بعمق. فالهجوم الإيديولوجي على حرية التعبير والحرية الأكاديمية يمهد الطريق للتدمير المادي للمؤسسات الأساسية والضرورية للتعليم النقدي كممارسة للحرية والتحرر. وبهذه الطريقة، تعمل القوى الإيديولوجية للإبادة التعليمية كمقدمة وشرط مسبق للإفناء النهائي لأسس وجذور التعليم التحرري ذاته.
الإبادة التعليمية في غزة
لا تستهدف الحرب الإسرائيلية الوحشية في غزة الأجساد فحسب، بل تهاجم أيضاً أسباب ومقومات الحفاظ على التاريخ والمعرفة والفكر النقدي. فمن خلال تدمير المؤسسات التعليمية، يجري محو سرديات الجرائم الماضية وحركات التحرر الفلسطينية.
إنها حرب ضد التاريخ- ضد الذكريات، وإرث المقاومة، والمؤسسات التي تحمي الهُوية الجماعية للشعب للأجيال القادمة. ويمثل قمع الوعي التاريخي وتاريخ الاستعمار الاستيطاني شكلاً من أشكال العنف الإيديولوجي يغذي الصراع المستمر الذي يدمر حياة الفلسطينيين ويمحو الذكريات حيوية الفاعلة. هذا التدمير المتعمد للمؤسسات والفضاءات التعليمية والتاريخ، المعروف بـ "إبادة التعليم"، هو جزء مركزي من حرب إسرائيل الأوسع ضد الشعب الفلسطيني. تصف تشاندني ديساي، في صحيفة الغارديان، إبادة التعليم بأنها عمل من أعمال الوحشية الأخلاقية والقمع التربوي، مشيرة إلى: "إنه يطمس الوسائل التي يمكن من خلالها لمجموعة (في هذه الحالة الفلسطينيين) الحفاظ على ثقافتهم ومعرفتهم وتاريخهم وذاكرتهم وهويتهم وقيمهم ونقلها عبر الزمان والمكان. إنها سمة رئيسة للإبادة الجماعية" (2024).
ولا يمكن إنكار العنف البنيوي لإبادة التعليم في غزة منذ هجوم حماس المروع في 7 تشرين الأول، ويكاد لا يمكن تصوره. لقد شهد العالم استهداف إسرائيل المتعمد للمدارس والجامعات والمواقع الثقافية الأخرى في غزة. وكما تشير شارون تشانغ، "إن استهداف البنية التحتية المدنية في الحرب جريمة حرب، لكن إسرائيل لديها تاريخ طويل من الانتهاك الصارخ للقانون الدولي بوقاحة مع الإفلات من العقاب، بما في ذلك استهداف المؤسسات التعليمية التي تحفظ التاريخ والهوية والثقافة الفلسطينية" (2024).
وفقاً للأمم المتحدة، دُمّرت 90 % من مدارس غزة، وقُصفت جميع الجامعات الـ 12 أو تضررت أو تحولت إلى ركام. وتفيد تشاندني ديساي أن "ما يقرب من 90,000 طالب جامعي فلسطيني علقت دراستهم؛ وسيدفع العديد منهم إلى النزوح القسري من خلال الإبادة الجماعية، حيث أصبحت غزة غير صالحة للسكن" (2024). والأمر يزداد سوءاً. حيث يفيد مسؤولو الأمم المتحدة ووزارة التربية والتعليم الفلسطينية أن العمليات العسكرية الإسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 5,479 طالباً، و261 معلماً، و95 أستاذاً جامعياً في غزة، بمن فيهم عمداء ورؤساء جامعات وفيزيائيون وشعراء وفنانون ونشطاء بارزون حائزون على جوائز (Hedges 2024).
واجهت مدارس غزة تحديات كبيرة حتى قبل الحرب، بما في ذلك الاكتظاظ، والدوام بنظام الفترتين، ونقص المباني، وتقييد الوصول إلى مواد البناء واللوازم المدرسية. وكما يسلط ستيفن مكلوسكي الضوء، "أفادت منظمة أنقذوا الأطفال، في حزيران 2022، أن 80 % من الأطفال في غزة كانوا في حالة دائمة من الخوف والقلق والحزن والأسى" (2024). ولم تزد الحرب هذه القضايا إلا تفاقماً، تاركة شباب غزة يصارعون صدمات متكررة، وأزمات صحة نفسية، والتهديد المستمر بالموت أو الإصابة. وتتفاقم هذه المصاعب بسبب الفقر المدقع، والعنف المستمر، والنزوح القسري، والرعاية الصحية غير الكافية.
علاوة على ذلك، تمتد الحقائق الوحشية إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة. فمن الموثق جيداً أن العديد من الأطفال المحتجزين دون تهمة في مراكز الاعتقال الإسرائيلية تعرضوا لإساءات جسدية وجنسية ونفسية. وجمعت منظمة "أنقذوا الأطفال" شهادات من أطفال تكشف عن مستويات متصاعدة من العنف، لا سيما منذ تشرين الأول 2023، حين فُرضت قواعد أشد صرامة تمنع زيارات الأهل أو المحامين. وأفاد بعض الأطفال بتعرضهم لكسر في العظام والضرب، مما يسلط الضوء على الانتهاكات الشديدة التي تحدث في مراكز الاعتقال هذه. ووسط هذه الأزمة الإنسانية الكارثية، يُترك الأطفال الفلسطينيون وأهاليهم أمام خيار مؤلم: "بين الموت بسبب العوامل الجوية، أو المرض، أو القنابل، أو التجويع، أو الأمراض المعدية، أو المغادرة" (Hedges 2024).
وتؤكد هذه الحقيقة القاتمة أن تدمير نظام التعليم في غزة هو جزء من حملة أوسع تشنها إسرائيل لجعل المنطقة غير قابلة للعيش.
تمتد حرب إسرائيل على التعليم والثقافة إلى أبعد من ذلك، مستهدفة نسيج هُوية غزة ذاته. ويوضح قصف وتدمير العديد من المكتبات، والأرشيفات، ودور النشر، والمراكز الثقافية، وقاعات الأنشطة، والمتاحف، ومتاجر الكتب، والمقابر، والآثار، والمواد الأرشيفية جهداً ممنهجاً لمحو التراث الفلسطيني (Desai 2024). وقد قدمت العديد من المنافذ الإخبارية ووسائل التواصل الاجتماعي قصصاً وصوراً تؤكد أن الجنود الإسرائيليين لا يدمرون فحسب بل يسرقون أيضاً القطع الأثرية. وفي حالة فاضحة بشكل خاص نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، عُرضت قطع أثرية مسروقة من قطاع غزة بشكل علني في واجهة عرض صغيرة في الكنيست (Palestine Chronicle Staff 2024).
إن سياسة الإبادة التعليمية الإسرائيلية، التي تهدف إلى تدمير التعليم الفلسطيني، وخاصة بأساليبها الأقل عنفاً، لا تقتصر على غزة. بل تمتد أيضاً لتشمل الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وغيرهم من منتقدي الحرب داخل إسرائيل. تجادل الباحثة الإسرائيلية، البروفيسورة مايا ويند، بأن الجامعات الإسرائيلية أصبحت مراكز للبحث العسكري والدعاية والقمع (2024).
وتوضح عسكرة الجامعات الإسرائيلية تحولها إلى بؤر مسلحة على نحو متزايد، مما أدى إلى ما يسميه جون أرميتاج في سياق آخر "عسكرة المعرفة، وتحديداً عسكرة الحقائق والمعلومات والقدرات المكتسبة من خلال تجربة التعليم" (2006: 221).
وتوسع ويند هذه النقطة بملاحظة أن "التخصصات الأكاديمية، والبرامج الدراسية، والبنية التحتية للحرم الجامعي، ومختبرات البحث تخدم الاحتلال الإسرائيلي والفصل العنصري". وتستحق الاقتباس مطولاً: "تقوم الجامعة العبرية، من بين جامعات أخرى، بتدريب جنود الاستخبارات لإنشاء بنوك أهداف في غزة. إنهم ينتجون المعرفة للدولة... وهي الدعاية، أو الدراسات القانونية للمساعدة في إحباط محاولات محاسبة إسرائيل على جرائم الحرب التي ترتكبها، مثل القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا إلى محكمة العدل الدولية. وهم، في الواقع، يمنحون حقاً وحدات دراسية للجنود الاحتياط العائدين من غزة إلى فصولهم الدراسية. لذا، فإن الجامعات الإسرائيلية متواطئة بعمق في هذه الإبادة الجماعية." (2024)
أفاد نيف جوردون وبيني غرين في مقال لهما لمجلة "نيويورك ريفيو أوف بوكس"، بأن نادرة شلهوب-كيفوركيان، وهي مواطنة فلسطينية في إسرائيل وتشغل كرسي لورانس د. بيلي للقانون في الجامعة العبرية في القدس، اعتقلت لتوقيعها على عريضة بعنوان "باحثو وطلاب الطفولة يدعون إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة" (2024). وكانت واحدة من العديد من الأكاديميين الفلسطينيين الذين تعرضوا للترهيب من قبل حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة لانتقادهم الحرب (Wind 2024). ويشمل نطاق رقابة الدولة الإسرائيلية وعقابها أيضاً أعضاء هيئة التدريس اليهود مثل البروفيسورة الشهيرة بيليد-إلحنان التي خضعت لجلسة استماع تأديبية لأنها أرسلت رسائل على تطبيق واتساب للموظفين اعتبرت داعمة لحماس.
كما أشار جوردون وغرين إلى أنه "في الأسابيع الثلاثة التي تلت هجوم حماس، واجه أكثر من مائة طالب فلسطيني في إسرائيل، ما يقرب من 80 % منهم من النساء، إجراءات تأديبية بسبب منشورات خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي تدعم إنهاء الحصار على غزة... أو تعبر عن التعاطف مع الفلسطينيين في القطاع، أو تتضمن ببساطة صوراً نمطية سريعة (memes)* أو قوالب خطابية جاهزة حول معاناة الأطفال الفلسطينيين" (2024).
إن محاولات الدولة الإسرائيلية لتدمير التعليم في فلسطين هي جزء من مشروع أوسع لتدمير أي أثر لحركة تحرير في فلسطين.
تلاحظ ويند أن هذا واضح ليس فقط من حيث قمع النقاد الفلسطينيين في غزة وإسرائيل، ولكن أيضاً في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. وتذكر أن الجامعات الفلسطينية تتعرض للمداهمة بشكل روتيني من قبل الجيش الإسرائيلي. وتضيف: "يختطف، من الجرم الجامعي، ومن المنازل في منتصف الليل، ناشطون ومنظمون في أكثر من 411 مجموعة ورابطة طلابية فلسطينية أعلنت الدولة الإسرائيلية عدم شرعيتها بشكل روتيني. وهم يتعرضون للتعذيب. ويُحتجزون في اعتقال إداري دون تهمة أو محاكمة لأشهر. ولذا، ما نراه حقاً هو هجوم نظامي ومنهجي للجيش الإسرائيلي والحكومة العسكرية الإسرائيلية على التعليم العالي الفلسطيني، وتحديداً على الجامعات الفلسطينية كمواقع للتنظيم من أجل التحرير الفلسطيني." (Goodman 2024)
خاتمة
ما يبرز بخصوص سياسة الإبادة التعليمية الإسرائيلية ليس فقط القتل المروع، والمعاناة، والرعب الذي يُلحق بالشعب الفلسطيني في غزة، بل أيضاً الجهد المدروس لطمس المؤسسات التي تحفظ التاريخ الفلسطيني، وتعلم الأجيال الحالية والمستقبلية، وتقيم روابط بين الماضي ومستقبل من الحرية والعدالة. هذا ليس مجرد هجوم على الذاكرة؛ إنه هجوم على جوهر التعليم كقوة محررة، وهو جوهر لا غنى عنه لمجتمع يُعد فيه الحكم الواعي المستنير، والشجاعة المدنية، والفاعلية النقدية ضرورية لدعم مُثُل الحرية والعدالة من خلال المقاومة الجماهيرية الجماعية.
من الأهمية بمكان للمعلمين النقديين والنشطاء المناهضين للحرب إدراك أن هذه الحرب على التعليم في غزة توازي الهجوم المستمر على التعليم العالي في الولايات المتحدة وفي أنظمة استبدادية أخرى، كاشفة عن تماثل عالمي مقلق في الهجوم على الحرية الفكرية والحقيقة التاريخية.
إن استراتيجية إبادة التعليم هي مشروع بنيوي عنيف وجهد إيديولوجي وتربوي محسوب لإسكات المعارضة داخل وخارج التعليم العالي، وخاصة المعارضة التي تقيم الدليل على جرائم تلك الحرب وتطالب بمحاسبة أجهزتها على التلقين الإيديولوجي والقمع.
تمثل الفظائع المتكشفة في غزة نقطة النهاية القصوى لحملة أوسع وأكثر خبثاً تهدف إلى سحق المعارضة عبر الجامعات في الولايات المتحدة وأوروبا وخارجها، بما في ذلك دول مثل المجر.
وفي الولايات المتحدة، قد لا تقصف المدارس والمؤسسات الثقافية، لكنها تمول بشكل منهجي وتتحول إلى حصون للقمع الأكاديمي. فتحظر الكتب، ويواجه المتظاهرون الطلاب وحشية الشرطة، ويطرد أعضاء هيئة التدريس، ويبيض التاريخ.
في مؤسسات النخبة مثل جامعة نورث وسترن وجامعة كولومبيا، يواجه أكاديميون متميزون إجراءات عقابية لانتقادهم إسرائيل. فقد أوقف البروفيسور ستيفن ثراشر، رئيس قسم صحافة العدالة الاجتماعية في كلية ميديل للصحافة بجامعة نورث وسترن، عن العمل "لمجرد مشاركته في احتجاج تضامني مع غزة" (Goodman 2024). وفي جامعة كولومبيا، تواجه البروفيسورة كاثرين فرانكي الفصل بعد ظهورها في برنامج "الديمقراطية الآن!" (Democracy Now!) في كانون الثاني 2024 "لمناقشة هجوم كيماوي على نشطاء طلابيين مؤيدين للفلسطينيين في كولومبيا" (Goodman 2024).
هذه ليست حوادث معزولة، فالأمر يزداد سوءاً.
حيث يجري فرض قيود على أعضاء هيئة التدريس لمنعهم من تدريس محتوى معين في الفصل الدراسي، فيما يعين كبار المسؤولين السياسيين، وغالباً ما يكونوا من الأصدقاء والمقربين، لتحديد سياسات الحرم الجامعي. علاوة على ذلك، يقدم عدد متزايد من مشاريع القوانين لتقليص حرية التعلم والتعليم وإجراء البحوث. ويسحب فاحشي الثراء من اليمين تمويلهم مما يسمونه الجامعات "الصاحية" (woke universities)**، متهمين إياها بالتساهل المفرط في عدم إسكات الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والموظفين الذين ينتقدون حرب إسرائيل في غزة.
وكما تلاحظ مريم ألانيز في موقع "ذا بوليت" (The Bullet)، فإن تصرفات مدراء الجامعات والسياسيين وغيرهم ممن يستهدفون المتظاهرين المؤيدين لفلسطين "تهدف إلى إثارة الخوف في نفوس الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والعمال المتمردين الذين وقفوا ضد الإبادة الجماعية اللاإنسانية في فلسطين" (Alaniz 2024).
تشكل هذه الهجمات جزءاً من "مكارثية" (McCarthyism) أوسع نطاقاً في العصر الحديث تنتشر عبر الجامعات، وتنتزع حتى الحق الأكثر جوهرية في الاحتجاج.
في فلوريدا، تلقى قادة جامعاتها العامة الاثنتي عشرة "تعليمات... بفحص مساقات دراسية معينة بحثاً عن ’معاداة السامية أو التحيز ضد إسرائيل‘". وقيل لهم أن يجروا "بحثاً بالكلمات المفتاحية في جميع أوصاف المساقات الدراسية للطلاب الجامعيين والدراسات العليا ومخططات المناهج (syllabi) عن الكلمات التالية: إسرائيل، إسرائيلي، فلسطين، فلسطيني، الشرق الأوسط، الصهيونية، صهيوني، اليهودية، يهودي، واليهود" (Petit 2024).
وأدانت الرابطة الأمريكية لأساتذة الجامعات (AAUP) بشدة هذا التدخل السياسي في التعليم العالي، مسلطةً الضوء على التهديد الخطير الذي يشكله على الحرية الأكاديمية: "لقد بلغ التدخل السياسي في التعليم العالي الأمريكي مستوىً منذراً بالخطر. ففي عدد من الولايات، بما في ذلك فلوريدا ونورث كارولينا وتينيسي وتكساس، أعلنت الأغلبية الجمهورية في المجالس التشريعية، إلى جانب الحكام الجمهوريين، عن نيتهم الصريحة في إعادة تشكيل الكليات والجامعات. ومرروا مشاريع قوانين تسعى إلى تهميش، بل وتجريم، التدريس والبحث في قضايا العرق والجندر. وهم بذلك يقوضون إمكانية أن تخدم الجامعة، بصفتها موقعاً للبحث الحر، الصالح العام. وبدلاً من ذلك، تسعى هذه الجهود إلى إجبار مؤسسات التعليم العالي على تعزيز المصالح العنصرية وتفوق العرق الأبيض." (AAUP 2024)
تعمل العديد من المنظمات خارج نطاق التعليم العالي بنشاط لإسكات المعارضة ضد حرب إسرائيل في غزة.
وتمارس لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك - AIPAC) نفوذاً هائلاً في قمع انتقاد سياسات إسرائيل وأفعالها في غزة، فضلاً عن الجهود الرامية لدعم الحرية والسيادة الفلسطينية. مارست "أيباك" ضغوطاً عدوانية على أعضاء الكونغرس الأمريكي لمعاقبة الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والجامعات التي تنتقد إسرائيل. وشنوا حملة شديدة لسحق "المعارضة المتنامية في الكونغرس ضد حرب إسرائيل على غزة" (Harb 2024).
إن نمط السلوك هذا ليس جديداً. ففي العام 2006، اتهمت "إيباك" زوراً النائبة بيتي ماكولوم بمعاداة السامية ودعم الإرهاب لأنها صوتت ضد مشروع القانون (H.R. 4681)***، الذي فرض "قيوداً فظيعة وغير أخلاقية على المساعدات المقدمة للشعب الفلسطيني" (McCollum 2006).
ومنذ ذلك الحين، وخاصة رداً على الاحتجاجات الجماهيرية ضد ممارسات إسرائيل في غزة، استهدفت "إيباك" المؤسسات الأكاديمية والمنظمات الأخرى التي تنتقد السياسات الإسرائيلية. وهاجموا بلا رحمة السياسيين المرشحين للمناصب الذين انتقدوا إسرائيل، ما أدى إلى هزيمة العديد منهم في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي (Barshad 2023).
أغرقت "إيباك" وسائل الإعلام بدعاية مؤيدة لإسرائيل، ووضعت الأفراد والمنظمات والمتحدثين باسم وسائل الإعلام والجماعات التي تحتج على حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية على غزة في القوائم السوداء.
ويشير أسامة أندرابي، المتحدث باسم "ديمقراطيي العدالة" (Justice Democrats)، إلى أن "أيباك يمولها أثرياء جمهوريون ومانحون كبار"[3]. وتعمل هذه النخب الغنية نفسها ومنفذوها الإداريون دون كلل على "هندسة الإفقار الفكري والاجتماعي والمالي للقطاع التعليمي"، لإسكات أي شخص يجرؤ على تحدي سعيهم وراء الامتثال القومي والأيديولوجي (Ben-Ghiat 2023).
تُعد الإبادة التعليمية شكلاً حديثاً من أشكال المكارثية تتصاعد من إسكات المعارضة إلى التدمير الصريح للمؤسسات الأكاديمية والثقافية التي تتيح المقاومة الفردية والجماعية على حد سواء. وتبدأ باستهداف الحكم الواعي، والذاكرة التاريخية، والمعارضة، ثم تتصاعد لطمس البنى التحتية المدنية مثل المدارس والمتاحف. وتخلف وراءها أثراً من الدماء، والأطراف المكسورة، والنساء والأطفال الجرحى، وإرثاً مروعاً من العنف والموت الجماعي والفراغ الأخلاقي.
إن إبادة التعليم هي نذير الخطر الداهم أشبه بـ "طائر الكناري في المنجم"****، مما يشير إلى تهديد وشيك وخطير للحرية الأكاديمية، وحرية التعبير، والتعليم النقدي، والديمقراطية نفسها.
..............
هوامش المترجم
*لا يقصد بتعبير memes هنا، المعنى الشعبي المتداول للنكات أو الصور المضحكة على الإنترنت. فهو مصطلح أكاديمي (صاغه ريتشارد دوكينز) يشير إلى "وحدة ثقافية- كفكرة أو صورة أو شعار أو عادة- تنتشر بسرعة عبر التقليد والنسخ. تُستخدم هذه "الميمات" في الحرب الإعلامية كأدوات خطابية فعالة تتمثل في صور مبسطة ورموز عاطفية، أو عبارات مختصرة تنتشر سريعاً لتشكيل السردية العامة. وتعمل في سياق الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، على تكريس الصور النمطية وتبرير العنف ومحو-حذف السياق التاريخي، أو تجريد الخصم من إنسانيته، كجزء من آلة البروباغندا الأوسع التي تستهدف الذاكرة والوعي الجمعيَّين.
** المعنى المعجمي لكلمة "Woke" هو (المستيقظ) أو (الصاحي)، لكنها في السياق السياسي الأمريكي تعبر عن "شفرة" صار يستخدمها اليمين الجمهوري للسخرية من -والهجوم على- حركات العدالة الاجتماعية (مثل السود والجندر وفلسطين). وقد بات هذا المصطلح "شتيمة سياسية" في قاموس اليمين المتطرف.
*** (H.R. 4681) مشروع قانون أمريكي قدَّمه النائب الجمهوري إيلينا روز-ليتينين، عرف باسم قانون مكافحة الإرهاب الفلسطيني للعام 2006. Palestinian Anti-Terrorism Act of 2006 ، وهدف إلى فرض عقوبات اقتصادية وسياسية قاسية على السلطة الفلسطينية عقب فوز حماس في الانتخابات التشريعية. من أبرز بنوده: تعليق المساعدات الأمريكية المباشرة للسلطة الفلسطينية. وإغلاق المكاتب التمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن. وتقييد السفر على المسؤولين الفلسطينيين. ومنع التمويل لأي كيان فلسطيني لا يلتزم بشروط محددة تتعلق بـ"نبذ الإرهاب. وقد نُظر إليه على نطاق واسع، خاصة في الأوساط الحقوقية والسياسية الناقدة، كأداة للعقاب الجماعي وعقبة أمام التنمية الفلسطينية، حيث ربط تقديم أبسط أشكال المساعدات الإنسانية بشروط سياسية صارمة. في سياق المقالة، يذكره المؤلف كمثال على كيفية تسييس المساعدات ووصم النشاط السياسي الفلسطيني الشرعي بأنه "إرهاب"، وكجزء من الجهود المنهجية لإخضاع الشعب الفلسطيني اقتصادياً وسياسياً. تم تمرير المشروع في مجلس النواب الأمريكي ولكن لم يصبح قانوناً نافذاً بالكامل
**** إشارة إلى ممارسة قديمة في مناجم الفحم، حيث كان العمال يأخذون معهم طيور الكناري الحساسة للغازات السامة (مثل أول أكسيد الكربون والميثان). فإذا ظهرت غازات سامة، كان الطير يمرض أو يموت قبل أن يصل تركيز الغاز إلى مستوى خطر على حياة الإنسان، مما يمنح العمال إنذاراً مبكراً للهرب. وتحولت هذه الممارسة إلى مجاز للتعبير عن الإنذار المبكر لظاهرة أو مجموعة تكون الأكثر حساسية وتأثراً ببداية خطر أكبر وأشمل. أو علامة تحذيرية على أن نظاماً بأكمله في خطر، وأن ما يصيب "الكناري" اليوم سيصيب الآخرين غداً. في سياق المقالة، يشبه الكاتب "الإبادة التعليمية" بـ"طائر الكناري ويكون تدمير المدارس والجامعات وحرية التفكير هو المؤشر التحذيري الأول، والعلامة الواضحة على أن هجوماً أوسع وشيكاً يهدد أسس الديمقراطية والمجتمع الحر برمته، وتجاهل مثل هذا "الموت" التحذيري يعني المخاطرة بكارثة أخلاقية وإنسانية عامة.
....
العنوان الأصلي: Scholasticide: Waging War on Education from Gaza to the West
المصدر: https://www.euppublishing.com/doi/10.3366/hlps.2025.0348?fbclid=IwdGRjcAPze3JjbGNrA_N7RmV4dG4DYWVtAjExAHNydGMGYXBwX2lkDDM1MDY4NTUzMTcyOAABHgEpwLBx4WphnEqSF1W_iETNTOcHO8V5q-yFvZ5BcEQEIXMjX9zxSAGkF0N1_aem_H_tyq9G1bTpz6_KFpQHLTQ
الملاحظات
[1].https://news.un.org/en/story/2024/05/1149966
[2]. جميع الاقتباسات الواردة في هذه الفقرة مأخوذة من: (2024) Roth
[3]. مرجع سابق، (2024) Harb
المراجع
AAUP Report (2024) ‘Statement on Political Interference in Higher Education’, AAUP, January 2024. https://www.aaup.org/report/statement-political-interference-higher-education
AAUP Report (2024) ‘As Classes Start, Universities Begin A New Wave Of Repression of Palestine Solidarity’, The Bullet, 4 September. https://socialistproject.ca/2024/09/classes-start-universities-begin-wave-of-repression/#more
Armitage, John (2006) ‘Beyond Hypermodern Militarized Knowledge Factories’, Review of Education, Pedagogy, and Health Studies, 23 August. https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/10714410500228884
Barshad, Amos (2023) ‘How The Israel Lobby Silenced Democratic Dissent’, The Lever, 14 November. https://www.levernews.com/how-the-israel-lobby-silenced-democratic-dissent /
Bhabha, Faisal, Heidi Matthews, and Stephen Rosenbaum (2024) ‘OPEN LETTER FROM NORTH AMERICAN ACADEMICS CONDEMNING SCHOLASTICIDE IN GAZA’ Google Docs, April. https://docs.google.com/forms/d/e/1FAIpQLSc7_K7qybzbeiBAg7sYTxbp1VOyYBrYPaxRf8jvHuBa0kQHlg/viewform?pli=1
Ben-Ghiat, Ruth (2023) ‘How Authoritarians Target Universities’, Lucid, 11 July. https://lucid.substack.com/p/from-fascism-to-hungary-and-the-us
Cleland, Miranda (2023) ‘Why Israel can torture detained Palestinian children with impunity’, Middle East Eye, 1 December. https://www.middleeasteye.net/opinion/israel-palestine-war-torture-detained-palestinian-children-impunity
Corder, Mike (2024) ‘International Criminal Court judges mulling arrest warrants consider legal arguments on jurisdiction’, Associated Press, 9 August. https://apnews.com/article/israel-palestinians-icc-court-warrants-jurisdiction-12df89805cf654df030a56264ad38bb8#:∼:text=THE%20HAGUE%2C%20Netherlands%20(AP),attacks%20by%20Hamas%20in%20Israel
Damon, Andre (2024) ‘Lancet warns Gaza death toll could be over 186,000’,World Socialist Web Site, 7 July. https://www.wsws.org/en/articles/2024/07/08/xgqe-j08.html
Desai, Chandni (2024) ‘Israel has destroyed´-or-damaged 80% of schools in Gaza. This is scholasticide’, The Guardian, 8 June. https://www.theguardian.com/commentisfree/article/2024/jun/08/israel-destroying-schools-scholasticide
Gaza Academics and Administrators (2024) ‘Open letter by Gaza academics and university administrators to the world’, Al Jazeera, 29 May. https://www.aljazeera.com/opinions/2024/5/29/open-letter-by-gaza-academics-and-university-administrators-to-the-world
Goodman, Amy (2024) Northwestern Suspends Journalism Professor Steven Thrasher After Gaza Solidarity Protest’, Democracy Now! 25 September. Online: https://www.democracynow.org/2024/9/5/steven_thrasher
Goodman, Amy (2025) ‘Campus Has Become Unrecognizable’: Columbia Prof. Franke Faces Firing After DN Interview on Gaza’, Democracy Now! 25 September. https://socialistproject.ca/2024/09/classes-start-universities-begin-wave-of-repression/#more
Goodman, Amy (2024) ‘Maya Wind: Destruction of Gaza’s Universities Part of Broader Israeli Project to Destroy Palestinian Liberation’ Part 2. Democracy Now, 15 March. https://www.democracynow.org/2024/3/15/maya_wind_part_2
Goodman, Amy (2023) ‘Palestinian Lives Matter Too: Jewish Scholar Judith Butler Condemns Israel’s ‘Genocide’ in Gaza’, Democracy Now, 26 October. https://www.democracynow.org/2023/10/26/judith_butler_ceasefire_gaza_israel
Goodman, Amy (2024) ‘‘Towers of Ivory and Steel’: Jewish Scholar Says Israeli Universities Deny Palestinian Freedom’, Democracy Now, 15 March. https://www.democracynow.org/2024/3/15/maya_wind_towers_of_ivory_and
Gordon, Neve and Penny Green (2024) ‘Israel’s Universities: The Crackdown’, The New York Review of Books, 5 June. https://www.nybooks.com/online/2024/06/05/israel-universities-the-crackdown/
Guardian Staff and Agencies (2024) ‘Israel minister condemned for saying starvation of millions in Gaza might be ‘justified and moral’’, The Guardian, 8 August. https://www.theguardian.com/world/article/2024/aug/08/israel-finance-minister-bezalel-smotrich-gaza-starve-2m-people-comments
Hammad, Isabella (2024) ‘Acts of Language’, The New York Review of Books, 13 June. https://www.nybooks.com/online/2024/06/13/acts-of-language-isabella-hammad/
Harb, Ali (2024) ‘‘Reject AIPAC’: US progressives join forces against pro-Israel lobby group’, Al Jazeera, 11 March. https://www.aljazeera.com/news/2024/3/11/reject-aipac-us-progressives-join-forces-against-pro-israel-lobby-group
Hedges, Chris (2024) ‘Israel destroyed my university. Where is the outrage?’,The Real News, 9 January. https://therealnews.com/israel-destroyed-my-university-where-is-the-outrage
HuMedia (2024) ‘Initial Euro-Med Monitor investigation finds no evidence of military presence at site of Tab’een School massacre in Gaza’, Euro-Med Human Rights Monitor, 11 August. https://euromedmonitor.org/en/article/6432/Initial-Euro-Med-Monitor-investigation-finds-no-evidence-of-military-presence-at-site-of-Tab%E2%80%99een-School-massacre-in-Gaza
Imray, Gerald (2024) ‘Genocide case against Israel: Where does the rest of the world stand on the monstrous allegations?’, Associated Press, 14 January. https://apnews.com/article/genocide-israel-palestinians-gaza-court-fbd7fe4af10b542a1a4e2c7563029bfb
Karanth, Sanjana (2023) ‘Israeli Defense Minister Announces Siege on Gaza to Fight ‘Human Animals’’, The Huff Post, 9 October. https://www.huffpost.com/entry/israel-defense-minister-human-animals-gaza-palestine_n_6524220ae4b09f4b8d412e0a
Khatib, Rasha, Martin McKee, and Salim Yusuf (2024) ‘Counting the dead in Gaza: difficult but essential’, The Lancet, 5 July. https://www.thelancet.com/journals/lancet/article/PIIS0140-6736(24)01169-3/fulltext
Kingsley, Patrick (2024) ‘Top U.N. Court Decision Adds to Israel’s Growing Isolation’,New York Times, 24 May. https://www.nytimes.com/2024/05/24/world/middleeast/icj-israel-rafah-isolation.html
Mahdawi, Arwa (2024) ‘Nearly 21,000 children are missing in Gaza. And there’s no end to this nightmare’ The Guardian, 27 June. https://www.theguardian.com/global/commentisfree/article/2024/jun/27/gaza-missing-children
McCollum, Betty (2006) ‘A Letter to AIPAC’, New York Review of Books, 8 June. https://www.nybooks.com/articles/2006/06/08/a-letter-to-aipac/
Neier, Aryeh (2024) ‘Is Israel Committing Genocide?’ The New York Review of Books, 6 June. https://www.nybooks.com/articles/2024/06/06/is-israel-committing-genocide-aryeh-neier/
Palestine Chronicle Staff (2024) ‘Israeli Forces Display Stolen Gaza Artifacts in Knesset’,The Palestine Chronicle, 14 August. https://www.palestinechronicle.com/israeli-forces-display-stolen-gaza-artifacts-in-knesset-reports/
Pappe, Ilan (2023) ‘Why Israel wants to erase context and history in the war on Gaza’, Al Jazeera, 5 November. https://www.aljazeera.com/opinions/2023/11/5/why-israel-wants-to-erase-context-and-history-in-the-war-on-gaza
Petit, Emma (2024) ‘Florida’s Universities Are Told to Review Courses for ‘Antisemitism´-or-Anti-Israeli Bias’’, The Chronicle of Higher Education, 6 August. https://www.chronicle.com/article/floridas-public-universities-are-told-to-review-courses-for-antisemitism-or-anti-israeli-bias
Roth, Kenneth (2024) ‘Crimes of War in Gaza’,The New York Review of Books, 18 July. https://www.nybooks.com/articles/2024/07/18/crimes-of-war-in-gaza-kenneth-roth/
Shupak, Greg (2024) ‘Israel may have the least ‘moral army’ in the world: The rate of civilian death during Israel’s assault on Gaza has few precedents this century’, Canadian Dimension, 17 February. https://canadiandimension.com/articles/view/israel-may-have-the-least-moral-army-in-the-world
Sussman, Gerald (2024) ‘US-Israeli Regime of Despair’, Counter Punch, 21 July. https://www.counterpunch.org/2024/07/21/the-us-israeli-regime-of-despair/
United Nations Human Rights Press Release (2024) ‘UN report: Palestinian detainees held arbitrarily and secretly, subjected to torture and mistreatment’, United Nations Human Rights, 31 July. https://www.ohchr.org/en/press-releases/2024/07/un-report-palestinian-detainees-held-arbitrarily-and-secretly-subjected
White, Donalyn and Anthony Ballas (2024) ‘Settler Colonialism and the Engineering of Historical Amnesia’, Counter Punch, 11 July. https://www.counterpunch.org/2024/07/11/settler-colonialism-and-the-engineering-of-historical-amnesia/
Wind, Maya (2024) Towers of Ivory and Steel: How Israeli Universities Deny Palestinian Freedom (New York: Verso).
Zhang, Sharon (2024) ‘Israel Bombs Girls’ School in Gaza, Killing 30 and Wounding Over 100’, Truthout 29 July. https://truthout.org/articles/israel-bombs-girls-school-in-gaza-killing-30-and-wounding-over-100/
Zhang, Sharon (2024) ‘Netanyahu Says Israel’s Goal Is to Wipe Out All Possibility of Palestinian State’, Truthout, 18 January. https://truthout.org/articles/netanyahu-says-israels-goal-is-to-wipe-out-all-possibility-of-palestinian-state/#:∼:text=War%20%26%20Peace-,Netanyahu%20Says%20Israel s%20Goal%20Is%20to%20Wipe%20Out%20All%20Possibility,amid%20Israel s%20genocide%20in%20Gaza.&text=Honest%2C%20paywall%2Dfree%20news%20is,a%20donation%20of%20any%



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن الطوفان وأشياء اخرى (57)
- عن الطوفان واشياء أخرى (56)
- الإرهاب في الجليل: التواطؤ البريطاني-الصهيوني وفرق الليل الخ ...
- قرية إجزم الفلسطينية إبان حرب عام 1948: صياغة تاريخ أنثروبول ...
- بين وحشية النظام ووقاحة التبسيط الغربي: لماذا نرفض اختزال سو ...
- تقلبات مكان مقدس: المشهد الحسيني في عسقلان، بناءه وتدميره وإ ...
- حصانة النخبة و-فردنة- الجريمة: جيفري إبشتين مثالاً
- تهافت رأس المال الاستعماري: خطاب -الواقعية القائمة على القيم ...
- مئوية فرانتز فانون في فلسطين
- عن الطوفان وأشياء أخرى (55)
- توطئة في سوسيولوجيا الإكراه: من دولة القانون إلى دولة الإنفا ...
- فيزياء الإبادة: هندسة -الإنتروبيا- وتقويض الوجود الفلسطيني
- نقد -الواقعية المتخيلة- عند ماجد كيالي: تفكيك الإسقاط السوري ...
- عن -الحيوان- السياسي المعاصر
- صراع سرديات أم صراع على الأرض: فساد الخطاب الأخلاقي عند يو&# ...
- استعادة فلسطين: قراءة في بنية الدول الاستعمارية الاستيطانية
- عن الطوفان وأشياء أخرى (54)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (53)
- عن الطوفان واشياء أخرى (52)
- عن الطوفان وأشياء أخرى(51)


المزيد.....




- مصر.. الداخلية تكشف تفاصيل اصطدام سيارة ملصق بها علم إسرائيل ...
- بسبب مخاطر أمنية.. السفارة الأميركية في إسرائيل تسمح بمغادرة ...
- حليف الأمس.. عدوّ اليوم: كيف تحوّلت العلاقة التاريخية بين با ...
- الكرملين يرد على مزاعم علاقة روسيا بالطائرة المسيرة قرب حامل ...
- على خطى القديس أوغسطين.. لماذا اختار البابا زيارة الجزائر؟
- برشلونة يتفوق على الريال والبايرن في تصنيف إيرادات يويفا
- كيف تغير تعاطف الأمريكيين مع الفلسطينيين بعد عقود من الدعم ا ...
- سماء دموية فوق إنجلترا.. ماذا يحدث في الأجواء؟
- عاجل | تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية: من المهم أن نجري ...
- مصر.. بيان رسمي بعد -حادث دهس- بسيارة تحمل علم إسرائيل


المزيد.....

- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب