أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ومنطق الإبادة الجماعية في غزة: حوار مع البروفيسور آفي شلايم















المزيد.....



الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ومنطق الإبادة الجماعية في غزة: حوار مع البروفيسور آفي شلايم


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 04:47
المحور: القضية الفلسطينية
    


إعداد: تيسير أبو عودة وشهد دعباس
ترجمة محمود الصباغ
استهلال المترجم
يتعذر قراءة الحوار مع المؤرخ الإسرائيلي آفي شلايم بوصفه مجرد مقابلة فكرية عابرة.
ينتمي شلايم إلى تيار محدد في الكتابة التاريخية داخل إسرائيل؛ ظهر إثر فتح جزء من الأرشيفات الإسرائيلية أواخر الثمانينيات، وعُرف باسم "المؤرخين الجدد". شرع هذا التيار في فحص السردية الرسمية التي صاغتها الدولة حول نشأتها وحروبها الأولى؛ وأفضى ذلك إلى مراجعات عميقة في فهم أحداث العام 1948 وما تلاها، لا سيما ما يتعلق بمسألة اللاجئين الفلسطينيين وطبيعة الصراع العربي-الإسرائيلي. واكتسبت أعمال شلايم في هذا السياق أهمية خاصة؛ فهو يكتب من موقع "داخلي" يطل على التجربة الصهيونية/الإسرائيلية، ومن موقع "خارجي" بصفته معادياً للصهيونية.
وُلد آفي شلايم في بغداد في العام 1945 لعائلة يهودية عراقية، وهاجر طفلاً إلى إسرائيل، قبل استقراره في بريطانيا وعمله أستاذاً للعلاقات الدولية في جامعة أكسفورد. منحت هذه السيرة المركبة، الجامعة بين التجربة العربية واليهودية والإسرائيلية، كتاباته زاوية نظر مختلفة داخل النقاش الإسرائيلي حول التاريخ والسياسة.
أعاد شلايم في كتابه الذائع الصيت "الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي"* قراءة السياسة الإسرائيلية تجاه العالم العربي منذ قيام الدولة، مستعيداً المفهوم الذي صاغه المفكر الصهيوني زئيف جابوتنسكي في عشرينيات القرن الماضي. فقد رأى جابوتنسكي استحالة نجاح المشروع الصهيوني دون إقامة "جدار حديدي" من القوة العسكرية، يفرض على العرب لغاية اقتناعهم باستحالة مقاومته. واستخدم شلايم هذا المفهوم بوصفه مفتاحاً تفسيرياً لفهم الاستراتيجية الإسرائيلية طويلة الأمد في التعامل مع محيطها.
وتتجاوز أهمية شلايم إعادة قراءة التاريخ الدبلوماسي لإسرائيل، لتشمل نقده للمنظومة الأخلاقية المتشكلة حول تأسيس الدولة. قامت الرواية الصهيونية التقليدية على تصور مزدوج: شعب مضطهد عاد إلى أرضه التاريخية لبناء ملاذ آمن بعد قرون من الاضطهاد الأوروبي. ويغفل هذا التصور حقيقة أن هذا المشروع ترافق مع اقتلاع مجتمع آخر من أرضه. وتنشأ من هنا المعضلة الأخلاقية الحاضرة بقوة في كتابات شلايم: كيف لمشروع نشأ باسم العدالة التاريخية إنتاج ظلم تاريخي جديد؟
ويندرج الحوار المقدم هنا ضمن هذا الأفق الفكري؛ إذ يتجاوز إعادة سرد الوقائع، محاولاً وضعها في سياق تاريخي أوسع يمتد من نهاية القرن التاسع عشر إلى الحاضر.
يناقش شلايم جذور المشروع الصهيوني في أوروبا، ودور القوى الإمبراطورية في تمكينه، وينتقل بعدها لتحليل النكبة الفلسطينية بوصفها لحظة تأسيسية أعادت تشكيل الجغرافيا السكانية للبلاد. ويتطرق الحوار كذلك إلى مسألة مهمشة عادةً في النقاشات السياسية؛ ألا وهي الانقسامات الداخلية في المجتمع الإسرائيلي، ولا سيما العلاقة بين النخب الأشكنازية القادمة من أوروبا واليهود الشرقيين الوافدين من البلدان العربية. وتحضر هذه الخلفية الشخصية في تجربة شلايم الذاتية؛ لجهة انتمائه إلى يهود العراق الذين وجدوا أنفسهم داخل الدولة الجديدة في موقع ثقافي واجتماعي ملتبس بين الشرق والغرب.
وتتعلق النقطة الأشد حساسية في هذا الحوار بفكرة "استمرارية النكبة". فبديلاً عن النظر إلى العام 1948 بوصفه حدثاً منتهياً في الماضي، يطرح شلايم استمرار منطق السيطرة على الأرض والسكان بأشكال مختلفة بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة في العام 1967. ويصبح الصراع الحالي، من هذا المنظور، امتداداً لمسار تاريخي أطول، متجاوزاً كونه مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين.
تكمن قيمة هذا الحوار في تقديمه شهادة من داخل التاريخ الإسرائيلي. شهادة تفارق الرواية الرسمية لتفتح مساحة لنقاش أسئلة يجري إقصاؤها عادةً من الخطاب السياسي، أي حدود القوة العسكرية، ومعنى العدالة التاريخية، وإمكانية التعايش بين مشروع قومي نشأ في أوروبا الحديثة ومجتمع عربي يعيش على الأرض ذاتها منذ قرون.
انطلاقاً من هذه الخلفية، يأتي الحوار التالي ليعيد التفكير في تاريخ الصراع والأسئلة الأخلاقية والسياسية الحاكمة له حتى اليوم.
* Shlaim, Avi. The Iron Wall: Israel and the Arab World. New York and London: W.W. Norton & Company, 2000.
.......................
ملخّص
في ظلّ الإبادة الجماعية الجارية في غزة ضمن سياق الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، وبعد وقت قصير من هجوم حركة حماس على إسرائيل في السابع من تشرين الأول، أُجري هذا الحوار مع المؤرخ والناشط البارز آفي شلايم. جرى اللقاء الأول في 24 تشرين الأول 2023، ثم أُعيدت مراجعته وتحديثه وأدخلنا عليها تنقيحات متتالية بين أيار 2024 وأيلول 2024، ليعكس التطورات المتلاحقة في مجريات الإبادة الجماعية الدائرة في القطاع.
يحلل البروفيسور شلايم، وهو أحد "المؤرخين الجدد" إلى جانب بيني موريس وإيلان بابيه، الآلة السياسية والإيديولوجية والعسكرية لإسرائيل من منظور الاستعمار الاستيطاني، والفصل العنصري (الأبارتيد)، ومساعي إبادة واقتلاع السكان الفلسطينيين الأصليين. ويضع شلايم في هذه المقابلة الأحداث الأخيرة في سياقها التاريخي الواسع، متناولاً ظروفها وتداعياتها وأبعادها السياسية والنفسية والاجتماعية، وما يترتب عليها من نتائج.
---
آفي شلايم: تيسير، أنا مستعد لإجراء الحوار، لكنني تلقيت للتو خبراً بالغ السوء. لدينا شابة فلسطينية من رام الله تقيم معنا في أكسفورد. تلقت للتو خبراً يفيد بقصف الإسرائيليين خالتها واثنين من أبناء خالتها بعد نزوحهم من مدينة غزة إلى مخيم النصيرات في الجنوب. لقيت خالتها حتفها مع اثنين من أبنائها.
تيسير أبو عودة: أشعر بأسف عميق لسماع هذا الخبر المفجع، يؤسفني جداً سماع هذا. نتقدم بأحرّ التعازي لها ولعائلتها. فجميعنا مصدومون من هول هذه الإبادة الجماعية المروّعة.
آفي شلايم: نعم. يختلف قتل المدنيين الأبرياء بهذه الصورة المروعة عن الاعتداءات الإسرائيلية السابقة على أهالي غزة. ما يجري الآن تطهير عرقي وإبادة جماعية.
تيسير أبو عودة: هذا صحيح. ومع ذلك، رتبنا لهذا الحوار قبل موجة التصعيد الأخيرة، حين زرتك في جامعة أكسفورد قبل بضعة أشهر. هل لنا البدء بوضع ما يحدث الآن في غزة ضمن سياقه التاريخي؟
آفي شلايم: بالتأكيد. تتجاوز نقطة البداية في حرب غزة هجوم حماس في السابع من تشرين الأول. فتلك هي الرواية الإسرائيلية، وهي، كما في كل مرة، رواية انتقائية تخدم غرضاً سياسياً محدداً ومصلحة ذاتية لإسرائيل. ذلك الهجوم لم يأت من فراغ. فخلفيته الفعلية هي ستة وخمسون عاماً من الاحتلال الإسرائيلي.
إسرائيل دولة استعمار استيطاني، وهذه هي الزاوية التي يجب النظر منها إلى المسألة. هكذا نشأت إسرائيل، وهكذا استمرت حتى اليوم. وقد أشار نعوم تشومسكي ذات مرة إلى اعتبار الاستعمار الاستيطاني أشد أشكال الإمبريالية تطرفاً وقسوة. ولسوء حظهم الفريد، يعيش الفلسطينيون مفارقة قاسية؛ فهم يقعون -في آن واحد- تحت وطأة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني والإمبريالية الغربية. بدأت القصة مع الإمبراطورية البريطانية، ثم انتقلت الرعاية إلى الولايات المتحدة. ولفهم السياق الحقيقي لهذا الهجوم يجدر بنا العودة إلى نكبة العام 1948. بل سأذهب أبعد من ذلك، إلى وعد بلفور سنة 1917.
يمكن القول خضع الفلسطينيون منذ ذلك التاريخ لحكم عسكري بكل ما تحمل هذه العبارة من معنى؛ بدءً من الانتداب البريطاني حتى العام 1948، ومن ثم تحت حكم عسكري داخل دولة إسرائيل حتى العام 1966 حين ألغاه رئيس الوزراء ليفي إشكول. وتخضع فلسطين الانتدابية بأكملها لسيطرة عسكرية إسرائيلية منذ عام 1967.
منذ ذلك التاريخ، يمكن القول إن الفلسطينيين يعيشون في ظل حكم عسكري متواصل. كان ذلك في البداية تحت الانتداب البريطاني حتى عام 1948، ثم داخل دولة إسرائيل نفسها حتى عام 1966، حين ألغى رئيس الوزراء ليفي أشكول نظام الحكم العسكري المفروض على الفلسطينيين داخل إسرائيل. ومنذ العام 1967 أصبحت فلسطين الانتدابية بأكملها خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.
في حزيران 1967 أتمّت إسرائيل احتلال فلسطين الانتدابية، ومنذ ذلك الحين وهي تتصرف خارج إطار الشرعية الدولية. كل ما قامت به إسرائيل منذ ذلك التاريخ غير قانوني. ضمّ القدس غير قانوني. والمستوطنات كلها غير قانونية. والجدار الذي تسميه إسرائيل "جداراً أمنياً" في الضفة الغربية غير قانوني أيضاً. بل إن الاحتلال ذاته غير قانوني من جهتين: من حيث وجوده، ومن حيث الممارسات التي تقوم بها سلطة الاحتلال على الأرض.
وخلال السنوات الثلاث الأخيرة صدرت تقارير عن أربع منظمات كبرى لحقوق الإنسان خلصت إلى نتيجة واضحة: إسرائيل دولة فصل عنصري. وهي كذلك بالفعل، لكنها دولة فصل عنصري لأنها في الأصل دولة استعمار استيطاني. هذا هو الإطار الحاسم لفهم كل ما يجري.
ويعد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية أطول احتلالاً عسكرياً وأكثرها وحشية في العصر الحديث. ولا تزل إسرائيل تمثل قوة احتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة، رغم انسحابها الأحادي من القطاع في العام 2005.
ويؤكد خبراء القانون الدولي، حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال، بما في ذلك المقاومة المسلحة، ويقدمون، في هذا الصدد، أدلة قانونية واسعة تدعم هذا الحق[1].
تيسير أبو عودة: لطالما جرى تصوير النضال الفلسطيني من أجل الحرية وتقرير المصير على أنه إرهاب أو همجية، مهما اتخذ من أشكال. وهذا لا يعنِ بالطبع تنزيه حماس عن النقد؛ يمكن انتقادها بطرق عديدة. لكن فهم الاستعمار الاستيطاني الصهيوني يبقى ناقصاً ما لم نضع في الحسبان الوجه المقابل له، أي المقاومة الفلسطينية المسلحة[2]. لنتذكر وصف إيلي بن دهان، نائب وزير الدفاع الإسرائيلي، الفلسطينيين بأنهم ليسوا بشراً، بل قال بالحرف الواحد: "بالنسبة لي، هم كالوحوش، ليسوا بشراً"(Pileggi 2015). الخطاب الاستشراقي ذاته تكرّر مراراً على لسان وزير الدفاع وقادة آخرين في إسرائيل، وكذلك لدى المدافعين عن الصهيونية في الولايات المتحدة وأماكن أخرى. في المقابل، يرى عدد من المفكرين، مثل نعوم تشومسكي وإدوارد سعيد وإيلان بابيه وجوديث بتلر ونور مصالحة ونورمان فنكلشتين ورشيد الخالدين في حماس حركة إسلامية مناهضة للاستعمار، تشبه في طبيعتها حركات حرب العصابات التي ظهرت في تجارب التحرر الوطني في أماكن أخرى. ونتيجة متوقعة تماماً لأي مشروع يسعى للسيادة الوطنية في ظل ظروف استعمارية. كيف تنظر أنت إلى هذا الجدل والتضارب في الآراء حول طبيعة المقاومة الفلسطينية؟
آفي شلايم: اسم «حماس» اختصار لعبارة «حركة المقاومة الإسلامية». وهناك أدبيات أكاديمية واسعة تناولت جذورها الاجتماعية والتاريخية، خصوصاً بين اللاجئين الفلسطينيين منذ العام 1948، وكذلك صعودها السياسي بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى( كانون الأول 1987 – أيلول 1993) ضد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وغزة. في رأيي، حماس حركة مقاومة مناهضة للاستعمار، نشأت من رحم الانتفاضة الأولى. والانتفاضة ذاتها كانت شكلاً من أشكال المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الاستيطان الإسرائيلي.
كما أن الأدبيات القانونية التي ذكرتها قبل قليل تؤكد أن للفلسطينيين حق مقاومة الاحتلال بموجب القانون الدولي.
أصبحت حماس، منذ تسعينيات القرن الماضي، القوة الأساسية داخل الحركة الوطنية الفلسطينية التي تواصل مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. أما السلطة الفلسطينية في رام الله فلا تُعد حركة مقاومة؛ كثيرٌ يرونها نظاماً متعاوناً مع الاحتلال، يؤدي دور المقاول الأمني بالباطن لحساب إسرائيل.
تتمتع حماس بشرعية سياسية في نظر قطاع واسع من الفلسطينيين، في حين تفتقر السلطة الفلسطينية إلى هذه الشرعية. ففي انتخابات كانون الثاني 2006 فازت حماس بأغلبية مطلقة في انتخابات حرة ونزيهة، وشكّلت حكومة. لكن إسرائيل رفضت الاعتراف بهذه الحكومة المنتخبة ديمقراطياً. بعد ذلك شنّت إسرائيل حرباً اقتصادية لإضعافها، وساندتها القوى الغربية في هذا المسار. واستناداً إلى نتائج انتخابات 2006، أرى أن حماس تمثل بالفعل شكلاً من أشكال المقاومة الفلسطينية للاحتلال. ومع ذلك ينبغي التمييز بين جناحها السياسي وجناحها العسكري. حماس حزب سياسي، وليست منظمة إرهابية. أما الجناح العسكري فقد ارتكب أعمالاً يمكن وصفها بالإرهابية، مثل الهجوم الأخير في السابع من تشرين الأول الذي استهدف مدنيين داخل إسرائيل. لكن هذا لا يجعل الحركة كلها تنظيماً إرهابياً. ولكن إسرائيل وحلفاءها يذهبون أبعد من ذلك، إذ يصفون الفلسطينيين جميعاً- وليس حماس وحدها- بالإرهابيين.
يجري تصوير الشعب الفلسطيني كله على أنه جماعة من المتطرفين المختلّين أو المعادين للسامية أو حتى "النازيين". أما أنا فأراهم شعباً طبيعياً، يطمح إلى ما يطمح إليه كل إنسان طبيعي: العيش بحرية وكرامة على أرضهم. والذي يحول بينهم وبين هذا الحق هو إسرائيل، لأنها تمنعهم من ممارسة حقوقهم الأساسية، وفي مقدمتها حق تقرير المصير.
تيسير أبو عودة: ليس جميع الباحثين يقبلون الفصل بين الجناحين السياسي والعسكري لحماس. فالفيلسوفة جوديث بتلر، على سبيل المثال، ترى أن أحداث السابع من تشرين الأول يمكن فهمها بوصفها شكلاً من أشكال المقاومة الفلسطينية المسلحة، حتى وإن اتسمت بالعنف والقسوة (Starr 2024). لا أحد ينكر أن قتل المدنيين أمر فظيع ومدان. غير أن تصنيف الهجوم الذي قادته حماس باعتباره عملاً إرهابياً خالصاً- كما يفعل كثير من الكتّاب والإعلاميين والسياسيين المؤيدين للصهيونية، ومنهم جو بايدن ونفتالي بينيت وبنيامين نتنياهو- يحمل خطراً تعميمياً آخراً؛ إذ يمكن أن يمتد هذا الحكم ليشمل القضية الفلسطينية برمتها.
فإذا جرى إنكار حق شعب ما في المقاومة، فهذا يعني ضمناً إنكار حقه في الحرية وتقرير المصير. وفي هذه الحال يصبح المدنيون أنفسهم عرضة للإرهاب. ولعل ما قاله وزير التراث الإسرائيلي اليميني عميحاي إلياهو حين دعا علناً إلى إلقاء قنبلة نووية على غزة مثال صارخ على هذا المنطق. (Bachner 2023)
آفي شلايم: أتفق معك في نقطة أساسية: بداية الحرب في غزة ليست هجوم حماس في السابع من تشرين الأول. هذا جزء من الرواية الإسرائيلية التي تميل دائماً إلى الانتقاء بما يخدم مصالحها. الهجوم لم يقع في فراغ؛ خلفيته هي عقود طويلة من الاحتلال الإسرائيلي. لفهم السياق الحقيقي ينبغي العودة إلى نكبة عام 1948، بل حتى إلى وعد بلفور سنة 1917. منذ ذلك الحين يعيش الفلسطينيون تحت حكم عسكري في صورة أو أخرى: أولاً في ظل الانتداب البريطاني حتى عام 1948، ثم تحت الحكم العسكري داخل إسرائيل حتى عام 1966 حين أُلغي هذا النظام. ومنذ عام 1967 أصبحت فلسطين الانتدابية كلها خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.
شهد دعباس: دأب قادة الصهيونية البارزين، منذ تأسيس إسرائيل الحديثة سنة 1948، على مشروعهم الاستيطاني بوصفه مشروعاً أوروبياً للتحديث، وكأنه تعويض وتكفير عن تاريخ طويل لمعاداة السامية في أوروبا، ورد اعتبار لليهود بعد فظائع المحرقة على وجه الخصوص. كيف تنظر إلى هذا الطرح؟
آفي شلايم: أرفض هذا التأطير، فالحركة الصهيونية سبقت المحرقة بوقت طويل. ويمثل وعد بلفور عام 1917 بداية المشروع المنهجي للاستيلاء الصهيوني على فلسطين. وهذا لا يعني أن المحرقة بلا أهمية في فهم التاريخ اللاحق. بالعكس، هي عنصر مهم لفهم ما جرى بعد ذلك. لكن فكرة ومبررات الدولة اليهودية كانت مطروحة قبل المحرقة، بوصفها تعبيراً عن رغبة اليهود في تقرير مصيرهم. وقد أصبحت الحجة بعد المحرقة أقوى، واكتسب هذه المبررات زخماً أكبر بعدها. وتكمن المأساة الحقيقية أن أوروبا- حيث وقعت جريمة المحرقة- قررت تعويض اليهود على حساب الفلسطينيين. فلم تفتح لا بريطانيا ولا الولايات المتحدة حدودهما أمام الناجين من المحرقة. بديلاً عن ذلك جرى توجيههم إلى فلسطين، حيث كانوا غير مرغوب فيهم، وحيث لم يكن كثير من هؤلاء الناجين أنفسهم يرغبون في الذهاب. لكن لم يُترك لهم خيار آخر.
قاد الشعور الغربي بالذنب بعد المحرقة إلى قرار الأمم المتحدة في تشرين الثاني 1947 بتقسيم فلسطين إلى دولتين: يهودية وعربية. كان هذا القرار مجحفاً بالفلسطينيين إلى حد بعيد. فقد قضى بتقسيم بلادهم ومنح 55 % من الأرض لليهود، رغم أنهم كانوا أقلية ولم يملكوا سوى نحو 7 % من الأرض آنذاك. إضافة إلى ذلك، أقام القرار مستعمَرة استيطانية يهودية في قلب مجتمعهم. لهذا رفضه العرب. ومع ذلك منح القرار في الوقت ذاته شرعية دولية لقيام دولة يهودية.
بعد حرب 1948 وقّعت إسرائيل اتفاقات هدنة مع جيرانها: لبنان وسوريا والأردن ومصر. هذه الخطوط التي نتجت عن الهدنة هي الحدود الوحيدة التي حظيت باعتراف دولي لإسرائيل، وهي الحدود الوحيدة التي أعتبرها مشروعة. أما ما أرفضه فهو المشروع الاستعماري الصهيوني الذي تجاوز الخط الأخضر، أي خطوط الهدنة.
تيسير أبو عودة: غير أن الاعتراف بشرعية حدود ما قبل 1967 لا يعالج المظالم الفادحة التي سبقتها. فقد جرى طرد نحو مليون فلسطيني من أرضهم، وتعرضوا لعملية اقتلاع مستمرة، وقتل وتدمير طال أكثر من خمسمئة قرية، في ما يسميه الباحث باتريك وولف "منطق إزالة السكان الأصليين" (Wolfe 2006: 387-409). وإذا أخذنا في الحسبان عملية "الأسرلة" الاستيطانية الاستعمارية الاستراتيجية للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس تحت شعار الاندماج الثقافي، يصبح من الصعب تجاهل الحقيقة الأساسية: قيام إسرائيل عام 1948 كان مشروعاً استعمارياً استيطانياً قام على محو الوجود البيئي والبشري والاقتصادي والثقافي للسكان الفلسطينيين الذين طردوا من أرضهم وتحولوا إلى لاجئين وذبحوا بدم بارد. والحديث عن حدود العام 1948 يتجاهل الواقع الديموغرافي والجيوسياسي الراهن الذي نشأ بعد العام 1967، أي الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية المتجذرة، سواء في صفوف الصهاينة اليمينيين أو اليساريين أو الحكومة الإسرائيلية. فكما صرحت جولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل السابقة، ذات مرة: لا وجود لشيء اسمه فلسطين أو حتى فلسطينيون.
آفي شلايم: أيا كانت الزاوية التي تنظر منها إلى الأمر، انطوى قيام دولة إسرائيل في العام 1948 على ظلم هائل للفلسطينيين. وكثيراً ما يقسو التاريخ على الطرف الأضعف، وهذا ما تحلى على نحو واضح في هذه الحالة. ويبقى السؤال: ما العمل الآن؟ يتمثل أحد الأجوبة الممكنة في تفكيك دولة إسرائيل لرفع الظلم عن الفلسطينيين. في رأيي، مثل هذا الحل قد يضيف ظلماً جديداً إلى الظلم الأول بديلاً عن أن يعالجه.
تيسير أبو عودة: لكن ينبغي أيضاً تجنب المساواة الزائفة بين وقائع ملموسة وبين مخاوف افتراضية طالما غذّت الخيال الاستعماري. فإذا أخذنا في الاعتبار أن الاستيلاء على الأراضي بالقوة أمر محظور في القانون الدولي، فإن حجم المظالم الواقعية التي نتحدث عنها هنا واضح للغاية. فمنذ العام 1948 شملت المجازر الإسرائيلية تهجير نحو 750 ألف فلسطيني. وفي غزة وحدها أسفرت الضربات الجوية والقصف المدفعي الأخير عن قتل أكثر من 41 ألف فلسطيني، بينهم ما يقرب من 16 ألف طفل و11 ألف امرأة، فيما لا يزال نحو عشرة آلاف شخص مفقودين تحت الأنقاض. يضاف إلى ذلك مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين قُتلوا أو جُرحوا أو اعتُقلوا على يد القوات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية. ويموت العشرات من الأطفال حديثي الولادة بسبب المجاعة، ويقضي الآباء أيامهم ولياليهم كفاحاً لمحاولة إطعام أبنائهم داخل ما وصفته أنت يوماً بأنه "سجن إسرائيل المفتوح ومقبرتها غزة".
أما الضفة الغربية فتموج بالتوتر وتغلي بالاضطرابات، وبعد التحريض المستمر من قبل شخصيات مثل بتسلئيل سموطريتش وإيتمار بن غفير- الداعيين إلى تسوية مناطق كاملة بالأرض وتحويلها إلى "غزة ثانية"- وغيرهما، يبعث على الرعب، إنه أمر مروع وبغيض حقاً. إلى جانب تواصل الاقتحامات والتوغلات العسكرية اليومية، والدمار الهائل للبنية التحتية والتهجير القسري والاعتداءات المستمرة على المدنيين بلا توقف. بل إن الظلم يمتد حتى إلى الموتى ليلاحقهم في قبورهم. أستحضر هنا الهجوم الوحشي للقوات الإسرائيلية قبل نحو عام تقريباً على موكب تشييع شيرين أبو عاقلة، الصحافية الفلسطينية-الأميركية الشجاعة التي قتلوها. لقد ركلوا المشيعين وضربوهم، حتى سقط النعش أرضاً. حتى الحداد بات محرماً على الفلسطينيين، فهم ممنوعون حتى من الحزن.
يرى إيلان بابيه أن النجاح الاستراتيجي اليوم لخطاب التطهير العرقي الصهيوني يعود جزئياً إلى ما سماه "لغة التمويه، أو التضليل" Newspeak ، مستعيراً تعبير جورج أورويل ["نيوسبيك"]. إنها لغة تصنع خطاباً يخفي الآثار المدمرة والسادية لممارسات الإقصاء والإبادة. لكن يبدو أن إسرائيل لم تعد تكترث كثيراً برأي المجتمع الدولي. كيف تفهم هذا الخطاب؟ وكيف تقسر لغته التضليلية؟
آفي شلايم: حين وقعت النكبة في العام 1948 تحول ثلاثة أرباع مليون فلسطيني إلى لاجئين، ومُحي اسم فلسطين من الخريطة. أنا أحد "المؤرخين الجدد" في إسرائيل، إلى جانب إيلان بابيه وبيني موريس. انحرف موريس لاحقاً نحو أقصى اليمين، ولم يعد يربطني به أي قواسم فكرية، لكنني ما زلت قريباً من بابيه، وهو الذي ألف كتاباً مهماً عن أحداث العام 1948 بعنوان "التطهير العرقي في فلسطين"(Pappé 2006). الرواية الصهيونية القديمة كانت تقول إن الفلسطينيين غادروا بلادهم طوعاً أو استجابة لأوامر قادتهم، على أمل العودة بعد الانتصار، ولذلك لا تتحمل إسرائيل مسؤولية مشكلة اللاجئين. غير أن موريس- قبل تحوله السياسي- وبابيه أثبتا من خلال الوثائق أن الفلسطينيين لم يغادروا بمحض إرادتهم، بل تعرضوا للطرد. ولم يعد هناك مجال للجدل حول حقيقة ارتكاب إسرائيل للتطهير العرقي في العام 1948. ويقتصر الخلاف الوحيد بين المؤرخين حول ما إذا كانت هناك خطة مركزية للترانسفير (التهجير) أم لا. في حين يعتقد بابيه أن الخطة "دالت" التي وضعتها عصابة الهاغاناه كانت الخطة الرئيسة لطرد الشعب الفلسطيني.
لكن ينبغي إضافة شيئ مهم هنا: النكبة ليست حدثاً عابراً وقع في الماضي وانتهى. إنها عملية مستمرة. نراها اليوم تتجسد أمام أعيننا في الضفة الغربية، وتتكشف على نحو خاص في القدس الشرقية. تمارس إسرائيل تمارس التطهير العرقي منذ العام 1967. وتضم الحكومة الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو متطرفين يمينيين ينتمون إلى الصهيونية الدينية، مثل إيتمار بن غفير، وعيم حزب القوة اليهودية، وبتسلئيل سموطريتش، زعيم حزب الصهيونية الدينية، يسعون إلى ضم الضفة الغربية بأكملها وطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين. بهذا المعنى نحن أمام صيغة متطرفة من الاستعمار الاستيطاني مقترنة بالقومية الدينية. صحيح أنهم أقلية، لكن ينبغي ألا ننسى أن الفكرة الأساسية للصهيونية كانت دائماً إقامة دولة يهودية على أكبر مساحة ممكنة من الأرض الفلسطينية، مع أقل عدد ممكن من العرب داخلها. هذه هي السياسة التي يجري تنفيذها اليوم.
أما ما يجري في غزة الآن فهو، في تقديري، الهجوم العسكري الإسرائيلي السابع على القطاع منذ الانسحاب الأحادي في العام 2005؛ إذ كان الهجوم الأول عملية "الرصاص المصبوب" في كانون الأول 2008. لكن ما يحدث اليوم مختلف تماماً. فإسرائيل تمطر غزة بالموت والدمار على نطاق غير مسبوق. وما نشهده اليوم هو إبادة جماعية في غزة، يقابلها تكثيف وتسارع التطهير العرقي في الضفة الغربية تحت الظل القاتم لهذه الحرب.
تيسير أبو عودة: يؤكد إيلان بابيه ارتكاب أكثر من 36 مجزرة من أصل 45 مجزرة كبرى، شملت تل الزعتر، وصبرا وشاتيلا، وكفر قانا، وقرية الطنطورة، وطيرة حيفا، وغيرها(Pappé 2006: 258). ويندرج هذا في سياق رعب النكبة المستمر، كما تفضلت بالقول. وهذا تحديداً أحد المعاني المركزية للنكبة؛ فعل مضارع مستمر يعكس حالة صدمة متواصلة من الخوف والاقتلاع والتهجير والتشرد وانعدام الجنسية، والتي ابتلت الوجود الفردي والجماعي للفلسطينيين داخل فلسطين وفي المنافي، وأصابتهم بصدمات نفسية عميقة.
لقد أصبح هذا سمة من سمات الهُوية الفلسطينية، مما ينقلني إلى مسألة القومية. أرى إيديولوجية القومية (وما يتصل بها من إيديولوجية "صدام الحضارات" المزعومة) جذراً للصراعات. غير أن للقومية دلالة إيجابية أيضاً، أليس كذلك؟ لنتأمل نظرية فرانز فانون حول الثقافة الوطنية في سياق الثورة الجزائرية؛ إذ يزعم وجود جانب إيجابي وإبداعي لحركات التحرر الوطني. فغالباً ما توجه نضالات التحرر الوطني قصداً نحو عملية إنهاء الاستعمار، متحدية التوظيف الاستعماري للقومية المرتبط بمشروعه الإمبريالي. وكما يكتب فانون: "التحرر الوطني هو الذي يدفع الأمة لأداء دورها على مسرح التاريخ. وفي قلب الوعي الوطني ينمو الوعي الدولي ويزدهر"(Fanon 247-248). كيف تميز الجوانب التحررية للقومية في سياق النضال الوطني للتحرر؟
آفي شلايم: يكمن أحد الفروق بين الجزائر وفلسطين في تمثيل فرنسا القوة الاستعمارية للجزائر بمركزها الإمبراطوري. وغداة نجاح نضال التحرر الوطني، انسحبت فرنسا من الجزائر ومنحتها الاستقلال. أما في فلسطين، فإسرائيل هي القوة الاستعمارية، وتفتقر إلى مركز إمبراطوري تتراجع إليه. وهذا اختلاف جوهري للغاية، غير أننا ما زلنا نواجه الواقع الكئيب للوضع الاستعماري. تفاخرت إسرائيل بعد انسحابها من غزة في العام 2005 بمنحها الاستقلال والحرية لسكان القطاع، بزعمها توفير فرصة لتحويل غزة إلى هونغ كونغ أو سنغافورة الشرق الأوسط. وهذا ادعاء عبثي وسخيف تماماً عند مقارنته بالواقع في غزة.
يتعين علينا التساؤل عما حدث قبل العام 2005 في غزة. وتتمثل الإجابة في وضع استعماري كلاسيكي سيطرت فيه أقلية ضئيلة من المستوطنين اليهود على 25% من أراضي غزة، و40% من الأراضي الصالحة للزراعة فيها، وموارد المياه الشحيحة جداً. ولم تنسحب إسرائيل من غزة سنة 2005 ضمن تسوية شاملة، أو نتيجة مفاوضات مع السلطة الفلسطينية؛ بل كخطوة تخدم المصلحة الوطنية الإسرائيلية، ومقدمة لترسيخ الاستعمار الإسرائيلي في الضفة الغربية. ففي العام التالي لسحبها 8000 مستوطن من غزة، أدخلت إسرائيل 12000 مستوطن جديد إلى الضفة الغربية. وهذا ما نواجهه اليوم؛ وضع استعماري كلاسيكي تؤدي فيه إسرائيل دور السيد الاستعماري الساعي لتأبيد الوضع الراهن، وإدامة خضوع الفلسطينيين وتجريدهم من حقوقهم.
ترفض الأنظمة الاستعمارية عموماً المفاوضات، أو الحجج المنطقية، أو الإقناع العقلاني. ولا تنسحب إلا تحت وطأة الألم؛ عندما تعجز عن تحمل تكلفة الاحتلال. وتنتهي الأنظمة الاستعمارية بإحدى طريقتين: إما بالعنف، أو بتحقيق العدالة للمُستعمَرين. وتقدم جنوب أفريقيا نموذجاً لوضع استعماري انتهى بالديمقراطية وحقوق متساوية للسود والبيض. وآمل أن ينتهي هذا الوضع الاستعماري في إسرائيل وفلسطين بتحقيق العدالة للفلسطينيين، غير أن المعطيات الحالية لا تشير إلى ذلك؛ بل تنذر بمزيد من العنف وسفك الدماء، وربما إبادة جماعية.
تيسير أبو عودة: بصفتك مؤرخاً يستعيد تاريخه الخاص، تقدم بعض بوادر الأمل، وإن كانت محفوفة بالتحديات. أتحدث عن كتابك الأخير: "ثلاثة عوالم: مذكرات يهودي عربي"(Shlaim 2023). يبدو الكتاب كأنه يحمل في طياته سيرة ذاتية ترثي عالم اليهود العرب المنسي والمفقود في عراق ما قبل الخمسينيات. تكتب فيه: "عُرفت بغداد باسم مدينة السلام، وكان العراق أرضاً للتعددية والتعايش. وكنا في المجتمع اليهودي نتشارك مع مواطنينا العراقيين، لغوياً وثقافياً، أكثر بكثير مما نتشاركه مع أبناء ديننا الأوروبيين. ولم نشعر بأي تقارب مع الحركة الصهيونية، ولم يراودنا أي دافع داخلي لترك وطننا والذهاب للعيش في إسرائيل". (Shlaim 2023: 8). لنتخيل سيناريو مستقبلي يتعايش فيه الفلسطينيين والإسرائيليين بسلام على هذا النحو. لقد أثبتت اتفاقيات أوسلو (1993) أنها استسلام سياسي ووجودي مثالي لمصلحة المشروع الاستعماري الاستيطاني على حساب الفلسطينيين. وفي حدود علمي، تتمثل الخطيئتان الأصليتان وراء العداء بين اليهود والمسلمين في القومية و"صدام الحضارات" المُختلَق لصموئيل هنتنغتون. وتشكل هذه السرديات جزءاً من الآلة الممنهجة للصهيونية في تكريس الفصل العنصري والإنكار الوجودي. هل تقوض هاتين السرديتان تحديداً إمكانية التعايش والسلام المستقبلي بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟
آفي شلايم: يشير "العوالم الثلاثة" في عنوان سيرتي الذاتية إلى بغداد، حيث عشت حتى سن الخامسة؛ ورامات غان، المدينة الإسرائيلية التي درست فيها من سن الخامسة حتى الخامسة عشرة؛ ولندن، حيث واصلت دراستي من الخامسة عشرة حتى الثامنة عشرة. ويتوقف السرد عند سن الثامنة عشرة، وتعقبه خاتمة طويلة تتتبع تطور تفكيري بشأن إسرائيل وفلسطين حتى الوقت الحاضر. وأدعم في الوقت الراهن وأدعو لإنشاء دولة واحدة ديمقراطية من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط، تضمن حقوقاً متساوية لجميع مواطنيها بغض النظر عن الدين والعرق.
يتمحور الكتاب حول المفهوم الجوهري لليهودي العربي؛ وهو مفهوم يثير جدلاً واسعاً في إسرائيل. ينكر العديد من الإسرائيليين وجوده، ويزعمون أنه تناقض لفظي واستحالة وجودية؛ مدعين استحالة أن يكون اليهودي عربياً، واستحالة أن يكون العربي يهودياً. وأشكل بالنسبة لمنتقديَّ الصهاينة معضلة؛ فها أنا ذا يهودي عربي، أعتز بتراثي العربي وتراثي اليهودي معاً. ولا أجد وصفاً لهُويتي الأصلية أفضل من "يهودي عربي". كنا يهوداً عرباً، عشنا في العراق وفي بغداد، ولم نتحدث في المنزل سوى العربية. وكانت عاداتنا الاجتماعية عربية، وثقافتنا ثقافة عربية، وطعامنا طعاماً شرق أوسطي. وشكّلت موسيقى والديّ مزيجاً رائعاً من الموسيقى اليهودية والعربية.
عانت أوروبا، وخاصة ألمانيا، من "مشكلة يهودية"، بينما خلا العراق منها. ضم العراق أقليات متعددة؛ يهوداً، ومسيحيين، وكلداناً كاثوليك، وشركساً، وآشوريين، وإيزيديين، وامتلك تقاليد راسخة من التسامح الديني. ولم يمثل اليهود في العراق "الآخر"، ولم يعيشوا في معازل (غيتوهات). وهذه نقطة بالغة الأهمية وغالباً ما تُنسى اليوم.
أثارت مذكراتي اهتماماً واسعاً في العالم العربي؛ فأي عربي ولد بعد العام 1948 قد لا يعلم بوجود يهود عاشوا ذات يوم في جميع أنحاء العالم العربي. ويدرك كبار السن من العرب هذه الحقيقة، وكلما تحدثت مع أحدهم، استعاد ذكريات سعيدة جداً عن علاقاته بجيرانه وأصدقائه اليهود. لذا، من الأهمية بمكان بالنسبة لي شخصياً الإصرار على حقيقة وجود اليهود العرب ذات يوم.
لا تمثل الشرْطة في مصطلح "يهودي-عربي" أداة فصل بالنسبة لي، بل أداة وصل بين العنصرين لانتفاء التناقض بين شقي المعادلة. فالقومية هي المشكلة الأساسية؛ إيديولوجية مدمرة ومسببة للانقسام، وتنتهي عادةً بالحرب، وأحياناً بالإبادة الجماعية. والصهيونية، أو القومية اليهودية، قوة مسببة للانقسام في المنطقة؛ إيديولوجية إقصائية تصور الفلسطينيين "آخراً"، وتفصل اليهودي عن المسلم، والإسرائيلي عن العربي، واليهودية عن الإسلام.
استمتعنا، عائلتي وأنا، بوصفنا يهوداً عرباً، بالحياة في بلد عربي. ولم يكن التعايش الإسلامي اليهودي فكرة مجردة أو مثالاً يوتوبياً؛ بل واقعاً يومياً عشناه ولمسناه. وتقودني تجربتي الشخصية وماضيَّ في بلد عربي إلى استنتاج عدم حتمية العداء بين اليهود والمسلمين. بعبارة أخرى، العداء الإسرائيلي الفلسطيني أو الإسرائيلي العربي ليس قدراً محتوماً، بل صنيعة القومية، وتحديداً القومية اليهودية. وتمنحني تجربتي الخاصة القدرة على تخيل مستقبل أفضل لمنطقتنا؛ مستقبل يتسم بالمساواة والتعايش والكوزموبوليتانية.
شهد دعباس: لماذا يعتنق إيتمار بن غفير وأفيخاي أدرعي، وكلاهما من أصول عراقية وتراث يهودي عربي، آراء متطرفة ويظهران كراهية عميقة للفلسطينيين، خاصة في ضوء الطرد المأساوي لأجدادهم من العراق، وهو تحول هائل ومفجع فرض عليهم ظروف قاسية ودفعهم للجوء في خيام مؤقتة؟ ما العوامل المعقدة التي دفعتهم للتنصل الواضح من هُويتهم العربية؟
آفي شلايم: هذا سؤال في غاية الأهمية، وقد حاولت الإجابة عنه في سيرتي الذاتية. هُجرتُ من وطني وأنا في الخامسة من عمري، ونشأتُ في إسرائيل. وفي سن الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة، اهتممتُ بالسياسة تزامناً مع إجراء انتخابات. وحضرتُ تجمعاً لحزب حيروت القومي، سلف حزب الليكود، بقيادة مناحيم بيغن. كان بيغن خطيباً مفوهاً، وصفقتُ له مع غيري من المزراحيم (اليهود الشرقيين) في الحشد. وفي شبابي، مِلتُ نحو السياسة الإسرائيلية اليمينية. ويعود السبب، عند النظر إلى الماضي، لنظرة الاستعلاء التي قوبلنا بها من مؤسسة حزب العمل في إسرائيل لكوننا يهوداً عرباً. عاملونا بتعالٍ ومارسوا التمييز ضدنا نحن المزراحيم. وعانيتُ من شعور واضح بالنقص لكوني فتى عراقياً، واستبطنتُ قيم مجتمعي الجديد وتحيزاته. وقد حدد هذا الشعور بالنقص شكل علاقتي بالمجتمع الإسرائيلي.
تساعدني تجربتي المبكرة في الإجابة عن سؤال شهد: لماذا يؤيد المزراحيم، اليهود من أصول عربية، مثل إيتمار بن غفير وأفيخاي أدرعي، الأحزاب القومية مثل الليكود والأحزاب الأشد يمينية؟
تتلخص الإجابة الصهيونية في عيش المزراحيم مع العرب وفهمهم لعقليتهم، وإدراكهم عدم فهم العرب سوى لغة القوة، ولهذا يصوتون للأحزاب القومية. أرفض هذا التفسير تماماً لكونه يخدم مصالحهم الذاتية. وأعزو تصويت المزراحيم في الغالب للأحزاب اليمينية لتعرضهم لغسيل دماغ في إسرائيل لزرع كراهية العرب في نفوسهم. فضلاً عن ذلك، يبالغ المزراحيم في إثبات ولائهم القومي كإسرائيليين، فيمتنعون عن التصويت لحزب العمل أو أحزاب الوسط، ويتجهون للأحزاب القومية والقومية الدينية؛ سعياً لتأكيد موقعهم "كقوميين ووطنيين إسرائيليين". يطمحون إلى ترسيخ مكانتهم في التسلسل الهرمي فوق العرب، المواطنين الفلسطينيين في دولة إسرائيل، ولكن دون الأشكناز. يتباهون بشعورهم بالتفوق على العرب. يتسم المجتمع الإسرائيلي بهرمية شديدة؛ فتوجد تسلسلات هرمية بين الأشكناز كما هو الحال بين المزراحيم (حيث يتربع العراقيون على القمة، بينما يقبع اليهود المغاربة في القاع). ورغم ذلك، يتحد الأشكناز والمزراحيم في نظرتهم الدونية للعرب. في الأساس، إسرائيل مجتمع عنصري بعمق، وتفسر هذه العنصرية إلى حد بعيد الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل حالياً في غزة.
شهد دعباس: بالتفكير في تواريخ الإسرائيليين وتجاربهم الحياتية، كيف صاغت تجربة الخدمة في جيش الدفاع الإسرائيلي سنة 1948 الأعمال الأدبية للروائيين والشعراء الذين عاشوا تلك التجربة؟
آفي شلايم: أود الحديث عن روائي إسرائيلي يُدعى يزهار سميلانسكي، والمعروف باسم إس. يزهار، وكان جندياً في حرب 1948. كتب في العام 1949 رواية قصيرة بعنوان "خربة خزعة"، يصف فيها كيف طرد هو وفرقته المدنيين الفلسطينيين من منازلهم. ومثل هذا اعترافاً مبكراً، في قالب أدبي، بالطرد المتعمد للفلسطينيين. ويُعد إس. يزهار بهذا المعنى رائداً لـ "المؤرخين الجدد". ورغم كونه روائياً وعمله عملاً أدبياً، إلا أنه يتقاطع مع التاريخ الجديد الذي برز في إسرائيل أواخر الثمانينيات. فنحن - بيني موريس وإيلان بابيه وأنا- مؤرخون تلقينا تدريباً غربياً، ونقبنا في الأرشيف لنكتشف أدلة تجريبية تثبت طرد إسرائيل للفلسطينيين في العام 1948. لم يغادر اللاجئون الفلسطينيون طواعية؛ بل دُفعوا للخروج بالقوة. وتؤكد أبحاثنا الأكاديمية الشهادة المباشرة لـ إس. يزهار. ويحمل أحد كتب إيلان بابيه عنوان "التطهير العرقي لفلسطين"، وهو الوصف الدقيق لما حدث في العام 1948.
تيسير أبو عودة: بالانتقال من مجالي التاريخ والأدب إلى التحليل النفسي، أود الإشارة أيضاً إلى جاكلين روز، وقد سبق وذكرنا فانون. يفهم المحللون النفسيون ونقادهم هذه الممارسة بوصفها شكلاً من أشكال اكتشاف الذات ومعرفتها ونقدها. تتعمق روز في كتابها "المسألة الصهيونية" في العقل الباطن للصهيونية، متناولة عمق واتساع عُصاباتها القسرية، ودوافع الموت، وأشكال السادية القمعية فيها، مؤكدة على المخاطر التي تشكلها دولة صهيونية خالصة على الشعب اليهودي نفسه(Rose 2007). كيف تقوّم نموذج روز النقدي للإسرائيليين والفلسطينيين؟
آفي شلايم: أنا من كبار المعجبين بعمل روز. هي امرأة بالغة الذكاء، وجمعتها صداقة وثيقة بإدوارد سعيد. واستوحت عنوان كتابها "المسألة الصهيونية" من كتاب سعيد "المسألة الفلسطينية". استند الكتاب إلى ثلاث محاضرات ألقتها في جامعة برينستون، وأهدته لذكرى إدوارد سعيد. ويمثل فصل "الصهيونية كتحليل نفسي" أفضل فصول الكتاب وأكثرها أصالة. يبدأ الكتاب باقتباس لغولدا مائير: "لا شأن لنا بكل الحروب التي تُشن ضدنا". ولن تجد مثالاً أوضح من هذا على ادعاء الصهيونية للفضيلة المطلقة. ويشير أيضاً إلى نزوع لدى الصهاينة والإسرائيليين لاعتبار عدوانهم على العرب مجرد رد فعل على الاستفزاز أو العنف العربي. لكنني لا أراه رد فعل؛ بل أرى في الصهيونية المصدر الأصلي للعنف في الشرق الأوسط، لاعتماد مشروعها المعني ببناء دولة يهودية على أرض فلسطينية، على العدوان ضد السكان المحليين. ومثّل العنف العربي رداً على ذلك.
وبالعودة إلى روز، تفند في كتابها الادعاء الصهيوني المعتاد بتصرف إسرائيل الدائم من منطلق الدفاع عن النفس. وتستكشف المصادر النفسية الداخلية للعدوان الإسرائيلي لتفسير لجوئهم المعتاد إلى القوة. وبوصفي مؤرخاً، أجد الكثير من الأدلة التجريبية الداعمة لرؤاها النفسية.
وفي هذا الصدد، تشكل حرب العام 1948 نقطة انطلاق جيدة. اضطرت إسرائيل سنة 1948 للاعتماد على القوة العسكرية للدفاع عن نفسها، فهزمت العرب، ووسعت حدودها لتتجاوز خطة التقسيم الأممية. ومنذ العام 1948، مالت إسرائيل لاستخدام القوة كخيار أول، لا كملجأ أخير. ولتفسير هذا التوجه، يجدر النظر للمحرقة بوصفها رمزاً للعجز اليهودي المطلق والمأساوي؛ فخلال المحرقة، سيق اليهود إلى حتفهم كالنعاج إلى المذبح. وتمثل دولة إسرائيل رد فعل على عجز يهود الشتات. لقد نشأتُ على شعار "لن يتكرر ذلك أبداً، لن يتكرر ذلك أبداً، لن يتكرر ذلك أبداً". وعند تجنيدي في الجيش الإسرائيلي سنة 1964، أقمنا مراسم في جبال يهودا وهتفنا جميعاً: "بالدم والنار سقطت يهودا، وبالدم والنار ستبث يهودا من جديد". يبرز هنا الارتباط العاطفي القوي بمفهوم القوة اليهودية والاعتماد على الذات. واليوم، يحمل أحد الأحزاب المتطرفة في الحكومة اسم "القوة اليهودية"، وهو وكما يوحي اسمه، حزب للتفوق اليهودي يترأسه إيتمار بن غفير المنحدر من أصول عراقية-كردية.
لا يقتصر اللجوء المتعطش للقوة العسكرية على كونه مجرد رد فعل على العنف العربي أو الفلسطيني؛ بل تحركه دوافع نفسية داخلية كالرغبة في لعب دور السيد. وإسرائيل بالفعل دولة تفوق يهودي تمارس السلطة على الفلسطينيين وتقمعهم وتخضعهم وتستعبدهم. لقد ألفت كتاباً مطولاً بعنوان "الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي"(Shlaim 2001). تقع نسخته المحدثة الصادرة عام 2014 في 900 صفحة، لكن يمكنني تلخيصها في جملة واحدة: أبدت إسرائيل منذ تأسيسها في العام 1948 تردداً بالغاً، وملحوظاً جداً، في الانخراط في مفاوضات حقيقية مع الفلسطينيين لحل الصراع. وفي المقابل، أظهرت استعداداً كبيراً، بل ومفرطاً، للجوء إلى القوة العسكرية في التعامل مع كل من الدول العربية والفلسطينيين.
يبعدني هذا قليلاً عن سؤالك حول روز، لكنني أستطرد فيه لتقديم مثال على تكامل عملي كمؤرخ مع عملها كخبيرة في التحليل النفسي. عملت روز أستاذة للأدب في كلية كوين ماري، وكنت أزورها سنوياً للتحدث إلى طلابها الجدد في مقرر تدرسه بعنوان: "إسرائيل-فلسطين، فلسطين-إسرائيل: السياسة والمخيلة الأدبية". حقلي هو التاريخ لا الأدب، لكنني تعلمت الكثير من قراءة أعمالها. هي كاتبة غزيرة الإنتاج، وأوصي بشدة بقراءة كتاب "قارئ جاكلين روز".
تيسير أبو عودة: يحضرني هنا نقد نورمان فينكلشتين المستفز للصهيونية من منظور سردية المحرقة. كان والداه من الناجين من المحرقة، وتتقاطع تجربته الفكرية إلى حد كبير مع إجابتك. كتب كثيراً عن الاستغلال الإيديولوجي الخبيث والتوظيف الصهيوني للمحرقة. وهو يصر على ضرورة امتناع اليهود الأمريكيين عن استخدام هذه الصدمة المستمرة، وشعار "لن ننسى أبداً"، هتافاً إيديولوجياً لتبرير التواطؤ والإنكار(Finkelstein 2000)، معتبراً ذلك إهانة لذكرى هذه المأساة الجماعية. ويناقش هذا بوصفه "معاداة السامية الإسرائيلية" التي تموه أعمال العنف الإسرائيلية وتبرئها، وتُسكِت المعاناة الفلسطينية والقضية الفلسطينية الساعية لتقرير المصير والتحرر الوطني.
آفي شلايم: أثار كتاب نورمان فينكلشتين "صناعة الهولوكوست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية" (2000) جدلاً واسعاً، غير أن أمراً واحداً لا يقبل الجدل: محاولة الحركة الصهيونية الدائمة لتحقيق مكاسب سياسية من المحرقة. وهذا أمر مرفوض له ولي. شكلت المحرقة مأساة مروعة، وجعلت اليهود من أكثر الشعوب تعرضاً للظلم في تاريخ البشرية، غير أنها لا تبرر بأي حال ما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين. يكمن الدرس الحقيقي للمحرقة في تطبيق مبدأ "لن يتكرر ذلك أبداً" على الجميع، وليس على اليهود وحدهم. فاستغلالها لإسكات الانتقادات لجرائم حرب الجيش الإسرائيلي يمثل ابتزازاً أخلاقياً وفعلاً خاطئاً تماماً. ويفلح فينكلشتين تماماً في إدانته لهذا الاستغلال الرامي لخدمة الأجندة الصهيونية. وتتجسد المفارقة التاريخية المحزنة في تحول الجيش الإسرائيلي، الموصوف زوراً بأنه "أكثر الجيوش أخلاقية في العالم"، لشن حملة إبادة جماعية ضد المدنيين الأبرياء والعزل في غزة، في حين كان اليهود يوماً ضحايا عزل للإبادة الجماعية النازية.
تيسير أبو عودة: بالنظر إلى الدعائم الخطابية والإيديولوجية المختلفة، دعنا نتناول أيضاً الارتباط التاريخي بين الإمبريالية الأوروبية والاستعمار الاستيطاني، مع إدراك ضرورة عدم الخلط بين التاريخ الحديث والأشكال القديمة للإمبريالية الأوروبية في بيزنطة والإمبراطورية الرومانية وما شابه. يذكرنا [إدوارد]سعيد بفطنة بأن بيزنطة أو روما أو أثينا أو بغداد أو إسبانيا أو البرتغال لم تسيطر على أراضٍ خارج حدودها خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر. لكن بريطانيا وفرنسا استوليتا عليها خلال القرن التاسع عشر؛ حيث استعمرت القوى الأوروبية ما يقرب من 80% من الكرة الأرضية في القرنين التاسع عشر والعشرين. ويمكن القول إن الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية نتاج ثانوي لهذه القوى الاستعمارية. هل توافق على ذلك؟
آفي شلايم: اتسمت الحركة الصهيونية بضعف شديد في بدايتها؛ مقتصرة على عدد قليل من الصهاينة في لندن خلال الحرب العالمية الأولى. ومثّل وعد بلفور الاختراق الأكبر في تاريخ الصهيونية، حين أيدت الإمبراطورية البريطانية العظمى مشروع الوطن القومي لليهود في فلسطين. ولم تمتلك بريطانيا أي حق، أخلاقي أو قانوني، في عرض فلسطين وطناً قومياً لليهود. هذه حالة واضحة لوعد من دولة لشعب آخر بمنحه أرض شعب ثالث. واستند الدعم البريطاني للصهيونية خلال الحرب العالمية الأولى إلى تصور خاطئ بامتلاك اليهود نفوذاً فريداً، وقوة خفية، وسيطرة على التمويل الدولي، مما دفع بريطانيا لإصدار هذا الوعد لكسب حليف رئيس. والحقيقة خلو اليهود من أي قوة خفية، وتشكيل الصهاينة أقلية ضئيلة داخل الأقلية اليهودية في بريطانيا. وارتكبت بريطانيا خطأ استراتيجياً فادحاً بتحالفها مع الصهيونية، مما أدى إلى استعداء العالمين العربي والإسلامي.
يضيق الوقت للحديث عن تاريخ الانتداب البريطاني في فلسطين من 1922 إلى 1948، لكنني أراه في جوهره قصة سرقة بريطانيا لفلسطين من الفلسطينيين لمنحها للصهاينة. ولم تكن إسرائيل لترى النور في العام 1948 لولا دعم القوة الاستعمارية في ذلك الزمن.
عقب الحرب العالمية الثانية، حلت أمريكا محل بريطانيا كأبرز قوة غربية في المنطقة، وواصلت دعمها لإسرائيل حتى يومنا هذا. ويمثل الحصول على دعم القوة الأبرز في الساحة مبدأً أساسياً في السياسة الخارجية الصهيونية منذ أيام تيودور هرتزل. وقد أثبتت هذه الاستراتيجية الصهيونية نجاحها، ولولاها لما تمكنت إسرائيل من إدامة نظامها الاستعماري في الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان.
لم تتفق بريطانيا وأمريكا دائماً. ففي الثاني من حزيران 1948، بعد أسبوعين من إعلان قيام إسرائيل، وجه السير جون تروتبك، الدبلوماسي البارز في وزارة الخارجية البريطانية، مذكرة إلى وزير الخارجية إرنست بيفين، اشتكى فيها من الدور الأمريكي في تأسيس إسرائيل. وذكر أن الأمريكيين يساعدون في إنشاء "دولة عصابات تقودها مجموعة من القادة المتجردين تماماً من المبادئ الأخلاقية"(Rogan and Shlaim 2001). كنت أرى هذا الحكم قاسياً جداً، لكن اليوم، وبعد سبع هجمات إسرائيلية على أهالي غزة بتواطؤ أو دعم نشط من بريطانيا وأمريكا، لم أعد أراه قاسياً.
تيسير أبو عودة: من اللافت عودتك إلى الثورة الفلسطينية 1936-1939، التي قمعها الجيش البريطاني بوحشية بالغة. هل يمكن اعتبارها مقدمة تاريخية لنكبة عام 1948 اللاحقة؟
آفي شلايم: هذه قراءتي للأحداث؛ فقد رعت بريطانيا الاستيلاء الصهيوني على فلسطين، ودعمت الصهاينة في إنشاء مؤسسات الدولة، وسمحت بهجرة يهودية غير مقيدة إلى فلسطين. وفي المقابل، قيّدت وعرقلت الجهود الفلسطينية لتطوير مؤسسات سياسية. وفي العام 1936، اندلعت الثورة العربية واستمرت ثلاث سنوات. ولم يقمعها الصهاينة لقدراتهم العسكرية المحدودة جداً آنذاك، بل سحقها الجيش البريطاني بمنتهى الوحشية. وأتفق هنا مع رشيد خالدي في الفصل الذي أسهمَ به في كتاب "حرب فلسطين: إعادة كتابة تاريخ 1948" (2001) والذي شاركت في تحريره مع يوجين روغان، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في كلية سانت أنتوني بأكسفورد.
تتمحور حجة خالدي الرئيسة حول عدم ضياع فلسطين في أواخر الأربعينيات، كما يُعتقد عموماً، بل في أواخر الثلاثينيات نتيجة القمع البريطاني الحاسم والوحشي للميليشيات الفلسطينية. أتفق مع رشيد في هذا التفسير. ومرة أخرى، أثبتت الإمبراطورية الدفاع عن صنيعتها المحلية local protégée. وبالمناسبة، كان سعيد هو من كتب إلي واقترح فكرة كتاب "حرب فلسطين" في أواخر الثمانينيات تزامناً مع بزوغ "التاريخ الجديد". قال لي سعيد: "لننظم مؤتمراً في أكسفورد للمؤرخين الشباب لدراسة العواقب الأخلاقية والسياسية للعام 1948". ورأى العواقب الأخلاقية تفوق السياسية أهمية. قال لي: "لننظر فيما حدث في ذلك العام. لنلقي نظرة شاملة وطباقية". وكانت كلمة "طباقية" (Contrapuntal) من مصطلحات إدوارد المفضلة، وتعني فحص الموضوع من كلا الجانبين لرؤية حقيقة ما جرى في ذلك العام المصيري. وأسفر ذلك عن سلسلة محاضرات نظمتُها مع يوجين روغان في أكسفورد ونشرت لاحقاً في هذا الكتاب.
تيسير أبو عودة: لدي سؤال أخير، إن سمحت لي. أسهم الإرث التاريخي والفكري للمؤرخين الجدد إسهاماً هائلاً في فهمنا الجماعي والسياسي للنكبة والصهيونية وكيفية نشأة دولة إسرائيل. وأضيف هنا الانتقادات الشجاعة التي قدمها سعيد، وفينكلشتين، وفايز صايغ، ونور مصالحة، وجوزيف مسعد، وجميل خضر، وجوديث باتلر، وجاكلين روز، وشخصك الكريم.
يرى موريس أن جوهر مشكلة اللاجئين الفلسطينيين يكمن تاريخياً في حرب الاستقلال التي هزمت فيها إسرائيل الجيوش العربية. غير أن فينكلشتين ومصالحة يعتبران ادعاء موريس ادعاءً ينتمي لمرحلة ما بعد الصهيونية ويتعارض مع العواقب التاريخية للنكبة، وأعتقدُ أنكَ أشرت لذلك في إجابتك السابقة. لكن ما يعنيني هنا هو موقف حاييم غيربر القائل بضرورة امتداد نمط التفكير النقدي للمؤرخين الجدد، الذي يركز على حرب 1948، ليشمل التاريخ الفلسطيني قبل النكبة وبعدها.
آفي شلايم: أتفق مع وجود أوجه شبه بين التأريخ "الجديد" والتأريخ الفلسطيني لعام 1948؛ فكلاهما يوجه نقداً أدق لأدوار إسرائيل وبريطانيا والدول العربية مقارنة بالتأريخ الصهيوني التقليدي. ومع ذلك، أرى اختلافاً بينهما؛ فهما يتشابهان لكنهما لا يتطابقان.
يدعم منظور "التاريخ الجديد" السردية الفلسطينية إلى حد كبير، لكنني لا أود التحدث نيابة عن الفلسطينيين؛ فلهم الحق في سرد روايتهم الخاصة عما حدث في العام 1948. أسهم التاريخ الجديد في فهمنا لأحداث ذلك العام، غير أنه يركز على الجانب الإسرائيلي لا الفلسطيني. ولذلك، لم يدر النقاش بين مؤرخين إسرائيليين وعرب، أو إسرائيليين وفلسطينيين، بل شكّل نقاشاً إسرائيلياً داخلياً بين مؤرخين تقليديين وآخرين مُراجعيين revisionist. وتبرز خمس نقاط خلافية رئيسية في هذا النقاش:
1.أسباب مشكلة اللاجئين الفلسطينيين: يدعي المؤرخون القدامى فرارهم، ونؤكد نحن تعرضهم للطرد.
2.سياسة بريطانيا قبيل انتهاء انتدابها المخزي لفلسطين: تتمثل الرؤية الصهيونية في تسليح بريطانيا لحلفائها العرب وتشجيعهم وتحريضهم على غزو فلسطين فور انتهاء الانتداب لخنق الدولة اليهودية الوليدة في مهدها. ويثبت بابيه استسلام بريطانيا لفكرة ظهور دولة يهودية، وتواطؤها مع صنيعتها الملك عبد الله ملك شرق الأردن لإجهاض ولادة دولة فلسطينية.
3.أهداف حرب العرب في العام 1948: يرسم المؤرخون القدامى صورة لتحالف عربي متماسك وموحد خلف هدف الإبادة الجماعية وإلقاء اليهود في البحر. ويناقش كتابي "التواطؤ عبر الأردن: الملك عبد الله والحركة الصهيونية وتقسيم فلسطين" هذه النقطة. وأجادل فيه بأن تشكيل التحالف العربي المواجه لإسرائيل في العام 1948 كان واحداً من أكثر التحالفات انقساماً وفوضى وهشاشة في تاريخ الحروب، وتآمر أحد أعضائه، الملك عبد الله، مع الصهاينة، وإبرامهم معاً اتفاقاً ضمنياً لتقسيم فلسطين بينهم على حساب الفلسطينيين.
4.أسباب استمرار الجمود السياسي لثلاثة عقود بعد صمت البنادق: تتلخص إجابة المؤرخين القدامى في كلمتين: "التعنت العربي". وتشير أدلتنا إلى كون إسرائيل الطرف الأكثر تعنتاً.
هذه هي نتائج التاريخ الجديد باختصار.
فما أهمية هذا التاريخ الجديد على المدى الطويل؟ قدم سعيد الإجابة. لم يكن مؤرخاً، ولم يكتب فصلاً في "حرب فلسطين"، لكنه أسهم بخاتمة مكتوبة ببراعة ومؤثرة جداً لخص فيها انخراطه في القضية الفلسطينية. وفي لقاء لاحق في لندن، أكد قيمة التاريخ الجديد على ثلاثة مستويات:
-أولاً: توعية الجمهور الإسرائيلي بتاريخ الصراع ووجهة النظر العربية تجاهه.
-ثانياً: تزويد العرب، والفلسطينيين خاصة، برواية تاريخية صادقة وحقيقية تتوافق مع تجربتهم الخاصة لأحداث العام 1948 لتحل محل دعاية المنتصرين المعتادة.
-ثالثاً: إسهام التاريخ الجديد في خلق مناخ رأي على جانبي الانقسام يفضي إلى التفاهم والمصالحة المتبادلة، وهو ما تجلى في اتفاقيات أوسلو.
ولكن، من المؤسف عدم تحقق وعود اتفاقيات أوسلو قط. وبالنظر إلى الماضي، لم تفضِ اتفاقيات أوسلو إلى دولة فلسطينية مستقلة؛ بل تحولت إلى فخ للفلسطينيين أجهض طموحهم في الاستقلال وبناء الدولة.
................
المصدر:Journal of Holy Land and Palestine Studies Vol. 24, No. 1 https://www.euppublishing.com/doi/full/10.3366/hlps.2025.0349
الحواشي
[1] يستشهد خبراء القانون الدولي هؤلاء بما يلي: يُعترف بحق المقاومة في القانون الدولي العرفي بوصفه حقاً منبثقاً من حق تقرير المصير، ويتجلى ذلك في قرارات أممية عديدة، منها: قرار الجمعية العامة 37/43، الفقرة 2؛ يقر إعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية (القرار 2625 لعام 1970)، الذي يعكس القانون العرفي، بحق المقاومة لصد الإجراءات القسرية الأجنبية التي تحرم الشعوب من حقها في تقرير المصير (اعترفت الأمم المتحدة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير؛ ويجدر قراءة هذا مقترناً بإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة الوارد في قرار الجمعية العامة 1514 (د-15))؛ تعترف المادة 1 (4) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف بسريان القانون الدولي الإنساني على النزاعات المسلحة التي تشهد مقاومة مشروعة للهيمنة الأجنبية؛ أُقِرَّ حق الفلسطينيين في المقاومة في آراء منفصلة (غير معارضة) عدة، أدلى بها قضاة في محكمة العدل الدولية: الآثار القانونية الناشئة عن سياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، رأي استشاري، 19 تموز/يوليو 2024، تقارير محكمة العدل الدولية 2024، انظر إعلان القاضية تشارلزورث، الفقرتان 23-24؛ الآثار القانونية المترتبة على الدول نتيجة الوجود المستمر لجنوب أفريقيا في ناميبيا (جنوب غرب أفريقيا) رغم قرار مجلس الأمن 276 (1970)، رأي استشاري، 1971، تقارير محكمة العدل الدولية 16، انظر الرأي المنفصل للقاضي أمّون، الفقرة 69؛ الصحراء الغربية، رأي استشاري، تقارير محكمة العدل الدولية 1975، ص. 12، انظر الرأي المنفصل لنائب الرئيس أمّون، الفقرة 100؛ استندت المقررة الخاصة الحالية للأمم المتحدة المعنية بالأراضي المحتلة إلى هذا الحق القانوني في تقريرين على الأقل من تقاريرها الأخيرة: الإبادة الجماعية بوصفها محواً استعمارياً (A/79/384)، الفقرة 70؛ الحق في تقرير المصير (A/77/356)، الفقرتان 28 و30.
[2] للاطلاع على آراء المحامين الدوليين بشأن هذه المسألة، انظر الحاشية السابقة.
الهوامش المرجعية والتوضيحية
* ولد آفي شلايم في بغداد في العام 1945 ونشأ في إسرائيل بُعيد تأسيسها. يبدو شلايم ممزقاً بين هاتين الهويتين والتاريخين والانتماءين، غير أنه، سواء عُرف باسم "إبراهيم البغدادي" أو "آفي شلايم"، قاوم الفخاخ الثقافية والسياسية للقومية الإسرائيلية ليدرس الصهيونية بوصفها ظاهرة أوروبية متجذرة، وليعتنق تراثه الثقافي العربي اليهودي العريق. انتقل شلايم من إسرائيل ليستقر نهائياً في المملكة المتحدة. وهو زميل فخري في كلية سانت أنتوني وأستاذ فخري للعلاقات الدولية في جامعة أكسفورد. تنصب اهتماماته البحثية الرئيسية على تاريخ إسرائيل والصراع العربي الإسرائيلي. كتب شلايم بغزارة في شؤون الشرق الأوسط، وعُرف بانتقاده البارز لسياسات الحكومة الإسرائيلية وآلتها الاستعمارية الاستيطانية. من كتبه: "الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي"، و"سياسة التقسيم: الملك عبد الله والصهاينة وفلسطين، 1921-1951". وأحدث كتبه سيرته الذاتية "ثلاثة عوالم: مذكرات يهودي عربي" (2023).
**تيسير أبو عودة، كاتب وباحث ومترجم فلسطيني أردني. يعمل أبو عودة أستاذاً مشاركاً للأدب المقارن في جامعة عمان الأهلية، ومحرراً لكتاب "الأوديسة الفلسطينية" لوليد سيف (قيد النشر من مطبعة جامعة تكساس في أوستن عام 2025). ويعمل أيضاً مستشاراً دولياً في هيئة تحرير مجلة دراسات الأراضي المقدسة وفلسطين. نُشرت مقالاته وكتاباته الإبداعية في عدة مجلات.
***شهد دعابس طالبة دكتوراه في اللغويات بجامعة أكسفورد، تابعة لكلية سانت هيو. تنصب اهتماماتها البحثية على النحو التوليدي والتفاعل بين النحو والدلالة، وتهتم أيضاً باللهجات العربية، وتوثيق اللغة، والمعجمية الحاسوبية، والتحليل النقدي للخطاب. أسهمت شهد في مشاريع معجمية متعددة مع مؤسسات بارزة، وتدير مشروع "مكنونة" للقاموس الفلسطيني العربي القابل للقراءة آلياً، وتعمل معجمية مستقلة في قاموس أكسفورد العربي، ومساعدة باحث للبروفيسور آفي شلايم، حيث حررت الترجمة العربية لكتابه الأخير.
المصادر والإحالات
Bachner, M. (2023), ‘Far-right minister says nuking Gaza an option, PM suspends him from cabinet’, 5 November 2023, The Times of Israel.
Fanon, F. (1963), The Wretched of the Earth (New York: Grove Press): 247–248.
Finkelstein, N. (2000), The Holocaust Industry: Reflections on the Exploitation of Jewish Suffering (New York: Verso).
Pappé, I. (2007), The Ethnic Cleansing of Palestine (Oxford: Oneworld).
Pileggi, T. (2015), ‘New deputy defense minister called Palestinians “animals”’, 11 May 2015, The Times of Israel. https://www.timesofisrael.com/new-deputy-defense-minister-called-palestinians-animals/.
Rogan, E. and Avi Shlaim (2001), The War for Palestine: Rewriting the History of 1948 (Cambridge: Cambridge University Press).
Rose, J. (2005), The Question of Zion (Princeton: Princeton University Press).
Shlaim, A. (1988), Collusion Across Jordan: King Abdullah, the Zionist Movement, and the Partition of Palestine (New York: Columbia University Press).
Shlaim, A. (2009), ‘How Israel Brought Gaza to the brink of humanitarian catastrophe’, The Guardian, 7 June 2009.
Shlaim, A. (2014), The Iron Wall: Israel and the Arab World (New York: W.W. Norton and Company).
Shlaim, A. (2023), Three Worlds: Memoirs of an Arab Jew (London: Oneworld).
Starr, M. (2024), ‘Judith Butler defends calling October 7 Massacre ‘armed resistance’. March 30, 2024. https://www.jpost.com/diaspora/antisemitism/article-791928.
Wolfe, P. (2006), ‘Settler colonialism and the Elimination of the Native’. Journal of Genocide Studies, No. 8: 387–409, https://doi.org/10.1080/14623520601056240.



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في انقلاب الوظيفة: من تفكيك الاستعمار إلى إدارة أزمته قراءة ...
- فلسطين في عيونهم قراءة في كتاب اختراع الأرض المقدسة: الحجيج ...
- التحليل النفسي وصناعة -اليهودي الجديد- قراءة تفكيكية في كتاب ...
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب
- عن الطوفان وأشياء اخرى (57)
- عن الطوفان واشياء أخرى (56)
- الإرهاب في الجليل: التواطؤ البريطاني-الصهيوني وفرق الليل الخ ...
- قرية إجزم الفلسطينية إبان حرب عام 1948: صياغة تاريخ أنثروبول ...
- بين وحشية النظام ووقاحة التبسيط الغربي: لماذا نرفض اختزال سو ...
- تقلبات مكان مقدس: المشهد الحسيني في عسقلان، بناءه وتدميره وإ ...
- حصانة النخبة و-فردنة- الجريمة: جيفري إبشتين مثالاً
- تهافت رأس المال الاستعماري: خطاب -الواقعية القائمة على القيم ...
- مئوية فرانتز فانون في فلسطين
- عن الطوفان وأشياء أخرى (55)
- توطئة في سوسيولوجيا الإكراه: من دولة القانون إلى دولة الإنفا ...
- فيزياء الإبادة: هندسة -الإنتروبيا- وتقويض الوجود الفلسطيني
- نقد -الواقعية المتخيلة- عند ماجد كيالي: تفكيك الإسقاط السوري ...
- عن -الحيوان- السياسي المعاصر
- صراع سرديات أم صراع على الأرض: فساد الخطاب الأخلاقي عند يو&# ...
- استعادة فلسطين: قراءة في بنية الدول الاستعمارية الاستيطانية


المزيد.....




- العراق.. الدفاع الجوي يتصدى لمقذوف مما يتسبب في انفجار قرب ا ...
- الخسائر البشرية المعلنة لواشنطن وتل أبيب مع دخول الحرب أسبوع ...
- -القيادة الوسطى- تنفي تدمير إيران لأي مقاتلة أميركية
- ترامب: إسرائيل لن تستخدم أبدا سلاحا نوويا ضد إيران
- الاتحاد الأوروبي يطرح نموذج مبادرة البحر الأسود لفتح هرمز
- ترامب يندد بـ-قلة الحماس- لدى بعض الدول لمساعدته في إعادة فت ...
- الكويت تعلن تفكيك خلية مرتبطة بحزب الله خططت -لزعزعة الاستقر ...
- هجمات على دول خليجية بعد تهديد إيراني باستهداف الشركات الأمر ...
- -ترامب رفض طلبًا إيرانيًا لإعادة فتح قناة دبلوماسية-.. مصدرا ...
- طالبان تتهم باكستان بقتل 200 شخص في قصف مستشفى لعلاج مدمني م ...


المزيد.....

- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ومنطق الإبادة الجماعية في غزة: حوار مع البروفيسور آفي شلايم