أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - في انقلاب الوظيفة: من تفكيك الاستعمار إلى إدارة أزمته قراءة نقدية في أطروحة خالد عودة الله على ضوء فرانس فانون















المزيد.....



في انقلاب الوظيفة: من تفكيك الاستعمار إلى إدارة أزمته قراءة نقدية في أطروحة خالد عودة الله على ضوء فرانس فانون


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 19:12
المحور: القضية الفلسطينية
    


تنويه منهجي: لماذا فانون؟
يعود التركيز المكثف في هذه المادة على أدبيات فرانس فانون، واتخاذها معياراً حصرياً للمساءلة النقدية، إلى السياق الأصلي للمداخلة موضوع النقد؛ إذ قُدّمت محاضرة الباحث خالد عودة الله في جامعة بيرزيت ضمن فعاليات "مئوية فرانس فانون" في جامعة بير زيت. (13.01.2026) وعليه، فإن استدعاء الجهاز المفاهيمي لفانون هنا ليس خياراً تعسفياً، ولا إسقاطاً خارجياً، بل هو استجابة لشرط المناسبة ذاتها، واختبار لمدى اتساق الأطروحة مع الحقل المعرفي الذي اختارت هي التموضع فيه والتحدث باسمه.
لم يكن هذا الحضور مجرد حدث رمزي، بل شكل فرصة للتفاعل المباشر مع الإرث الفكري لفانون، مما أتاح التمعن في أدواته التحليلية وتطبيقاتها العملية، ووفّر خلفية سياقية تجعل من استدعائه لفكر فانون مبرراً ومنطقياً ومصدراً مرجعياً ناهيك عن كونه منطلقاً لإعادة فحص الانزياحات الإبستمولوجية في أطروحة خالد عودة الله.
وسوف نعتمد على الترجمات العربية المتداولة لأعمال فرانس فانون، وبخاصة "معذبو الأرض"، و"بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" لأغراض المساءلة الإبستمولوجية، وضبط العلاقة بين النص المرجعي واستدعائه التحليلي، بما يمنع الانزلاق من الاستشهاد المفهومي إلى التوظيف الانتقائي.
توطئة
في الحاجة إلى "فانون" ضدّ تأويلاته
تأتي هذه المادة للاشتباك مع أطروحة الباحث خالد عودة الله، كما وردت في مداخلته المعنونة بـ "عذابات استعمارية: في آثار العنف الثوري الفلسطيني على المستعمِر الصهيوني"، اعتبارها نموذجاً دالاً (أكثر من وصفها اجتهاداً نظرياً عابراً) على تحوّل إبستمولوجي آخذ في التبلور داخل الخطاب الثقافي الفلسطيني، يتمثّل في استعارة أدوات "التحليل النفسي" من مدوّنة فرانس فانون، لإعادة توصيفه كأزمة سيكولوجية، واختزال الفعل المقاوم في وظيفة "إدارة القلق" لدى المستعمِر. مما يخل من الهدف النهائي للتحليل، أي تفكيك بنية الاستعمار المادية.
تسعى هذه القراءة، عبر تفكيك المفاصل النظرية للأطروحة، إلى تبيان المخاطر السياسية والاستراتيجية المترتبة على هذا الانزياح النفسي؛ إذ يُعاد تعريف المقاومة من ممارسة تاريخية "براكسيس" تهدف إلى تفكيك النظام الاستعماري، إلى ممارسة وجودية تُعنى بإدارة "عذابات المستعمِر". وبذلك يجري تعديل زاوية النظر وإعادة تشكيل منطق الصراع ذاته. إنها، في جوهرها، محاولة للدفاع عن مادية الصراع في وجه محاولات "أنسنته" أو "تطبيبه" القسري.
ويكتسب هذا الاشتباك راهنيته أيضاً من السياق ذاته، أي فعاليات مئوية فانون في جامعة بيرزيت، حيث بدا إرثه حاضراً بوصفه موضوعاً للتأويل بقدر ما هو أداة للصراع. ومن هنا، لم تكن العودة إلى فانون ترفاً أكاديمياً، بل ضرورة لفحص الكيفية التي يُعاد بها توظيف فكره اليوم داخل خطاب يبتعد تدريجياً عن جذره التحرري.
فبينما أراد فانون للتحليل النفسي لعب دور أداتي لكشف العطب الذي يُحدثه الاستعمار في الذات المستعمَرة، تحوّل في بعض القراءات المعاصرة إلى عدسة نرى من خلالها المستعمِر "مريضا" تجب مشاغلته. فيجري استبدال منطق المواجهة بمنطق التشخيص، وانزياح سؤال السلطة والسيادة لمصلحة سؤال القلق والهشاشة "النفسية: التي تبرز في قراءة خالد عودة الله للمستعمِر الصهيوني باستحضار إرث فانون. غير أن هذه المحاولة، رغم جاذبيتها الظاهرية، تنطوي على انزلاق نظري وسياسي خطير؛ إذ تنقل مركز الثقل في الصراع من الأرض والسيادة إلى الفضاء النفسي والشعوري، أي إلى "تطبيب" الصراع.
في هذا الإطار، يتحوّل المستعمِر من مجرم يحتل أرضاً إلى عصابي يعاني من القلق، وتتحوّل المقاومة من مشروع تحرير شامل إلى مجموعة تكتيكات لمشاغلة هذا العصاب.
لا تكمن خطورة هذا الطرح في إساءة استخدام فانون فحسب، بل في نتائجه العملية على الوعي الفلسطيني، بمعنى خفض سقف التحرر إلى مستوى "إقلاق راحة العدو"، واستبدال تفكيك البنية المادية للاحتلال بإدارة أزمته النفسية. وبذلك، يجري تفريغ المشروع التحرري من مضمونه التاريخي، وتحويله إلى ممارسة رمزية بلا أفق سيادي.
تسعى هذه الدراسة إلى تتبّع الانزياحات المنهجية الناتجة عن استدعاء أدوات فانون خارج سياقها الأصلي، خصوصاً حين يصبح التحليل النفسي معيار لتحديد طبيعة الصراع ذاته. بديلاً عن النظر إليه كأداة لفهم أثر الاستعمار على الذوات. وسنتحرى تلك الانزياحات انطلاقاً من ضرورة التمييز بين مستويين: تفكيك البنية المادية–التاريخية للاستعمار، وتحليل آثاره النفسية على الأفراد والمجتمع.
فحين تستدعى النزعة التشخيصية خارج حدودها، تنقلب من أداة تفسير إلى أداة إعادة تعريف. وعندها، تتحوّل الأعراض إلى مركز، وتصبح إدارة أزمة المستعمِر النفسية بديلًا عن مواجهة البنية الاستعمارية ذاتها. وتسعى هذه التوطئة إلى تثبيت هذا الإطار المفهومي والمنهجي، بما يمكّن القارئ من فهم الأطروحة ضمن نسق مقاربة فانون المادية–الثورية، وفهم طبيعة الانحرافات التي تنشأ حين تُرفع السيكولوجيا إلى مقام السياسة.
ومن هنا، يهدف النص إلى إعادة ترتيب الأولويات التحليلية بين "إدارة الأزمة" و"تفكيك البنية"، بما يعيد الاعتبار لمنطق التحرر بوصفه فعلاً تاريخياً لتغيير الواقع بما هو أبعد ما يكون تمريناً وجودياً للتكيّف مع هذا الواقع.
....
1. في الإنصاف البحثي والسياق السوسيولوجي
قبل الشروع في التفكيك النقدي، لا بد من تثبيت نقطتي ارتكاز ضروريتين لفهم طبيعة هذه الأطروحة وحدودها الموضوعية. أولاهما تتعلق بما أصاب فيه الباحث حين نجح في التقاط ما يغيب غالباً عن التحليلات السياسية الصرفة، بتعامله مع أحد أبعاد الحركة الصهيونية كمشروع يعيد إنتاج "ذات إنسانية" جديدة داخل بنية الاستيطان. كما أصاب حين أشار إلى عدم اقتصار العنف الفلسطيني على إحداث خسائر "عسكرية" مادية وإنما بما يشمل أثره المعنوي والوجودي العميق الذي يعطل إمكانات "الاستقرار النفسي" للمجتمع الاستيطاني.[1]
وتتصل نقطة الارتكاز الثانية بالسياق الحاكم للبحث، وهو مسار لا ينفصل قطعاً عن الموقع الجغرافي والاجتماعي للباحث نفسه. فالعيش داخل الفضاء الاستيطاني -وإن جاز التعبير- في "أمعاء الوحش"، يتيح معاينة المستعمِر عن قرب: في الحيز العام والشارع والمستشفى والمقهى والحافلة... وفي تفاصيل المعيش اليومي برمته، ولذا فهو أقدر منى غريه على تعرية "الأسطورة العسكرية" للعدو، وكشف هشاشته وبنيته القلقة، مما يفتح المجال أمام قراءة تتجاوز صورة القوة الصلبة إلى تفكيك عقدها النفسية والاجتماعية[2].
لابد من تثبيت هذا السياق المادي الذي يعيشه الباحث ويحكم قراءته. فالعدو ليس مجرد آلة عقلية أو "وعي مفترض" يجب تشخيصه نفسياً، بل هو كيان مادي ونسق استعماري يفرض نفسه عبر ممارسات محددة، أبرزها الطرد المنهجي لسكان الأرض الأصليين وبناء مجتمع استيطاني جديد على حسابهم[3]. غير أن هذا القرب ذاته يحمل كلفة منهجية عالية. إذ يدفع، في كثير من الأحيان نحو تفضيل أدوات التحليل النفسي والسوسيولوجي على حساب أدوات التحليل السياسي–العسكري، بما يؤدي إلى منزلق دقيق لجهة تحوّل تفكيك العدو من تحليل لبنية استعمارية إلى نوع من "التشخيص العيادي" لمشكلاته الداخلية. وهو الإرباك المنهجي الذي ستعالج هذه الدراسة آثاره وحدوده في الفقرات اللاحقة.
2.في المنهج ومحاكمة النسق بأدواته
نسعى هنا إلى فحص أطروحة الباحث خالد عودة الله كما وردت في مداخلته من خلال تأصيل إبستمولوجي نقدي ينطلق من داخل الإطار النظري الذي يستدعيه المحاضر، أي نسق فرانس فانون التحليلي[4]. وعليه، لا تمارس هذه القراءة وصاية "أرثوذكسية" على كيفية قراءة فانون، ولا تتعامل معه بوصفه أيقونة مغلقة تُقاس عليها النيات، كما لا تقارب الأطروحة بوصفها اختلافاً تأويلياً مشروعاً داخل النسق. فموضوع التحليل هنا ليس "صحة" القراءة من حيث الرأي، بل وظيفة الأدوات النظرية وحدود استعمالها.
وسوف ننطلق من وضع أطروحة المحاضر أمام مرجعيتها المعلنة، بهدف اختبار الاتساق البنيوي والوظيفي بين الأدوات المستعملة والغاية التي وُضعت لها تلك الأدوات في الأصل. هذا الاختبار لا يهدف إلى قياس درجة "الوفاء" لفانون، بل إلى فحص ما إذا كان استدعاؤه قد التزم بالمنطق الداخلي لنسقه، أم انزلق نحو قلب وظيفي للأدوات: أي تحويلها من أدوات لتفكيك بنية العنف الاستعماري إلى أدوات لتشخيص القلق الداخلي للمستعمِر، وإدارة أثر العنف عليه، بدل مواجهته كبنية تاريخية مادية يجب تفكيكها[5]
بهذا المعنى، لا يتمحور الخلاف حول توصيف الاستعمار أو تحديد أثر المقاومة فحسب، بل حول تحويل موقع التحليل بعينه، أي نقله من مستوى تفكيك البنية الاستعمارية إلى مستوى إدارة أزمتها النفسية. وهو انتقال يشكّل انزياحاً إبستمولوجياً يمس جوهر نسق منهج فانون وحدود اشتغاله، وهو في نهاية المطاف ليس مجرد اختيار زاوية نظر.
السؤال المركزي هنا يتمثل في كشف إذا كان هناك ثمة -أو لم يكن- انحرافات ناتجة عن التوظيف الانتقائي لفانون السيكولوجي–التشخيصي حين يجري استحضاره خارج مجاله الأصلي بوصفه تحليلًا لآثار البنية الاستعمارية، ويُعاد توظيفه ليحل محل فانون المادي–الثوري.
فذا كان الجواب نعم، فسوف يؤدي هذا إلى قلب العلاقة بين ما هو نفسي و ما هو سياسي، وتحويل ما كان مستوى تفسير إلى مستوى تأسيس، بما يخلّ بالتوازن الداخلي لنسق فانون بحد ذاته.
3.الانزياح الإبستمولوجي في استدعاء أدوات فانون: من تشخيص الأثر إلى تعريف البنية
بعد تثبيت السياق المادي والسوسيولوجي الذي يعايشه الباحث، تظهر أهمية محاكمة أطروحته ضمن نسق فانون التحليلي. والغاية هنا اختبار مدى اتساق الأدوات المستعملة في الأطروحة مع المنطق الداخلي للنسق الفانوني المادي–الثوري الذي تستدعيه، ولا تكفي إجراء المقارنات العامة أو الاكتفاء بربط نصوص باسم فانون، لفحص التوافق البنيوي والمنهجي بين ما يقتبسه الخطاب وبين ما يقوله فانون فعلياً داخل سياقه النظري والتاريخي، مع التمييز الحاسم بين وظيفة التحليل النفسي كأداة تفسير لأثر الاستعمار على الذوات، وبين تحويله إلى إطار ناظم لتعريف طبيعة الصراع نفسه.[6]
وتنشأ، هنا، تنشأ مشكلة الانزياح الوظيفي، فعندما يُستدعى التحليل النفسي والتشخيصي الموجود في كتاب فانون "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" خارج مجاله الأصلي ليحل محل أدوات فانون المادي–الثوري في "معذبو الأرض"، سوف تنقلب العلاقة بين النفسي والسياسي، ويُستبدل مستوى تفسير أثر الاستعمار بمستوى تأسيس بنية الصراع، بما يخل بالتوازن الداخلي للنسق.
لا يغير هذا الانزياح حقيقة العنف المادي، ولا يبطل المعرفة التفكيكية التي ينتجها القرب المعيشي للباحث، لكنه يحوّل الأدوات إلى وسائل لإدارة أزمة المستعمِر النفسية، بدلاً من تفكيك البنية الاستعمارية التاريخية، وهو ما يشكل مفارقة منهجية مركزية في قراءة أطروحة المحاضر.
المأزق النظري هنا ليست في الانتقاء، بل في تغيير، أو قلب وظيفة الأداة؛ يستخدم فانون التحليل النفسي ليشرح آثار الاستعمار على الذوات بالدرجة الأولى قبل تعريف طبيعة الاستعمار. بينما يرفع المحاضر -في المقابل- "الحالة النفسية" من كونها عَرَضاً لتصبح هي البنية والجوهر. وهذا الانزياح سيحول الصراع من مواجهة مع نظام مادي لاقتلاع الأرض، إلى اشتباك مع "عصاب" جماعي. مما يفرغ مشروع فانون من ماديته التاريخية. وهذا ما يوضحه فانون حين يربط الشعور النفسي بالبنية المادية" "إن شعور المستعمَر بالدونية هو النتيجة المباشرة لشعور الأوروبي بتفوّقه". فانون نفسه يحذر من فصل النفسي عن المادي، مؤكداً أسبقية العنف البنيوي: "إن الاستعمار ليس آلة تفكير، ولا كائناً مزوداً بملكات عقلية، إنما هو العنف في حالته الطبيعية".
يظهر خطاب "عودة الله" انزياحاً واضحاً عن منظور فانون المادي–الثوري كما في "معذبو الأرض"، حيث يُفهم الاستعمار كبنية عنف مادي وإحلالي لا يمكن تفكيكها إلا عبر مقاربات سياسية وتاريخية. ويصف فانون الاستعمار كنظام عنيف ومنهجي يفصل بين البشر، لا يكتفي بالسيطرة المادية وإنما يتمدد باتجاه الهيمنة على الأرض والممتلكات ليمتد نفوذه فيشمل التصورات والهُويات، ومن هنا لا يقتصر أثر الاستعمار على المستوى النفسي، لأنه يمثل هيمنة مادية–ثقافية منظّمة تمتد إلى الذات والذاكرة الجمعية.
في المقابل، يقوم خطاب "عودة الله" باستدعاء فانون التشخيصي ("بشرة سوداء، أقنعة بيضاء") خارج سياقه الأصلي، فيحوّل التحليل النفسي من أداة تفسيرية لتأثير الاستعمار على الذوات إلى معيار لتحديد طبيعة الصراع ذاته. وبهذا يتحول الاستعمار من مشروع إحلالي ملموس إلى حالة اختلال نفسي. علماً أن فانون نفسه يؤكد أن الحالة النفسية للمستعمَر ليست هدفاً في حد ذاتها، لكنها نتيجة مباشرة للهيكل القوي المادي الذي يعيد إنتاج الذات وارتباط التحليل النفسي بالهيكلية الاستعمارية دون أن يحل محلها.
يعكس هذا الاستخدام الانتقائي اختلافاً في القراءة، ولكنه في الجوهر يمثل قلب وظيفة الأداة: فما كان تفسيراً لأثر الاستعمار على الذوات أصبح معياراً لتحديد طبيعة الصراع والسيطرة عليه. بالتالي، يحول توظيف التحليل النفسي خارج سياقه البنيوي الأصلي الأداة التفسيرية إلى إطار رئيس لفهم الاستعمار، ما يؤدي إلى اختزال البنية التاريخية المادية للعنف الاستعماري إلى مجرد حالة نفسية.
4."تطبيب" الصراع (Medicalization):
يستند النقد هنا على تمييز مفاهيمي صارم بين مستويين مختلفين جذرياً: المرض بوصفه حالة تستدعي العلاج وإدارة الأعراض، والجريمة بوصفها بنية تستدعي التفكيك والإلغاء. وهذا التمييز ليس توصيفاً لغوياً أو أخلاقياً، بل تمييز سياسي–إبستمولوجي، لأن الخلط بين المستويين ينقل الصراع إلى المستوى العيادي[7]، ويعيد توصيف الاستعمار من فعل اقتلاع منظم إلى حالة اختلال نفسي قابلة للإدارة. وفي ظل هذا التحول، لا يعود الاستعمار بنية عنف يجب مواجهتها سياسياً، وإنما ظاهرة مَرضية يجري التعامل معها ضمن أفق علاجي إنساني بما يعني أنسنته واحتواءه بوصفه عَرضاً مرضياً بديلاً عن كونه مشروعاً سياسياً يجب تفكيكه وهزيمته.
يفضي هذا الانزياح إلى تغيير خطير في مركز الثقل التحليلي، حيث ينتقل الاهتمام من تفكيك البنية الاستعمارية المادية إلى الانشغال بعوالم المستعمِر الداخلية. غير أن هذا التحول لا يضعف الاستعمار لأن إدارة الأعراض، حتى حين تكون مؤلمة نفسياً للمستعمِر، تترك أصل البنية المادية للهيمنة قائماً وفاعلاً. وهنا يكون حضور أو استدعاء فانون حاسماً ضد هذا الخلط، حين يعرف الاستعمار كنظام للإقصاء الوجودي، وليس كاضطراب نفسي: "الاستعمار هو نفي ممنهج للآخر، وتصميم محموم على حرمانه من كل صفة إنسانية"[8].
يظهر هذا التعريف أن المطلوب هو تفكيك هيكل القوة المادي، وليس تشخيص أعراضه النفسية؛ وأن أي مقاربة علاجية أو "أنسنية" للصراع تعد خروجاً عن منطق فانون المادي–الثوري.
يقود هذا "التطبيب" عملياً إلى توليد سقف استراتيجي منخفض للفعل السياسي؛ إذ تتحول "المشاغلة" النفسية من تكتيك مؤقت، (أو محدود ضمن أفق تحرري أشمل) إلى غاية بحد ذاتها. عند هذه النقطة، يُعاد تعريف الصراع بوصفه أزمة إدراكية أو نفسية بخلاف معناه الأصلي، أي صراع تاريخي على السلطة والوجود، مما يعني استبدال أفق "التفكيك السياسي" بأفق إدارة الأزمة" النفسية للمستعمِر. بهذا المعنى، لا يمثل "تطبيب» الصراع مقاربة تفسيرية محايدة، بقدر ما يمثل انزياحاً منهجياً يُفضي إلى تأبيد البنية الاستعمارية عبر تحويلها من فعل سياسي قابل للهزيمة إلى حالة مزمنة قابلة للإدارة.
ولا ينفصل هذا الانزياح نحو "تطبيب" الصراع عن الطريقة التي يُستدعى بها فانون نفسه داخل الخطاب محل النقاش. فاختزال الاستعمار في أبعاده النفسية يتأسس على فصل تعسفي بين فانون العيادي وفانون الثوري، واستدعاء الأول بمعزل عن الثاني[9]. عندها، لا يعود التحليل النفسي أداة لفهم أثر البنية الاستعمارية (كما أراده فانون)، بل يتحول إلى مدخل لإعادة تعريف طبيعة الصراع ذاتها، بما يسمح بإزاحة مركزه من العنف المادي والسياسي إلى مجال الإدراك والتمثّل. من هنا، يصبح السؤال عن الوظيفة التي يُعاد توظيفه من أجلها، وعن الثمن النظري والسياسي لهذا الفصل داخل قراءة الصراع الفلسطيني. ناهيك عن دقة الاقتباس من فانون
5. المأزق الأنطولوجي: "العنفوان" والمقاومة خارج التاريخ
يمثل اجتراح مفهوم "العنفوان"[10] بوصفه بديلاً (أو أصلاً سابقاً) لمفهوم "العنف" خروجاً صريحاً عن منطق فانون، وانزلاقاً نحو ما يمكن تسميته بـ "المأزق الأنطولوجي".
تتأسس الإشكالية هنا على مفارقة جوهرية: فالعنف عند فانون، كما يطرحه في "معذبو الأرض"، مقولة تاريخية؛ أي أداة وظيفية محددة بالزمان والمكان ومحكومة بغاية سياسية واضحة تقضي بوجوب تفكيك بنية الاستعمار بوصفه نظام اقتلاع مادي. بخلاف ما يراه المحاضر كتعبير وجودي أو حالة وجدانية أو نفسية عامة.
في المقابل، يظهر "العنفوان" في أطروحة "عودة الله" كدفق وجودي سابق على الحدث التاريخي، وكحالة أنطولوجية مجردة تنبثق من الذات باعتبارها خاصية طبيعية أصيلة أكثر منها فعلاً سياسياً مشروطاً. وتكمن خطورة هذا التحول في أنه يسحب المقاومة من حقل السياسة والتاريخ، ويلقي بها في فضاء الوجود المجرد، حيث تفقد طابعها كفعل واعٍ أو ممارسة (Praxis)[11]، وتتحول إلى "حالة طبيعية" مستمرة أو نمط عيش دائم. عند هذه النقطة، لا يعود الفعل المقاوم حدثاً تاريخياً له بداية ونهاية مرتبطين بزوال بنية الاستعمار، بل فيضاً وجودياً مفتوحاً يسيل بلا أفق سياسي ناجز.
يحذّر فانون صراحة من هذا الانزلاق عبر رفضه أسطرة العنف. فالعنف، عنده، ممارسة تاريخية تغيّر الواقع عبر الاشتباك المادي مع بنية القوة ذاتها، ويكون على مستوى الأفراد قوة مطهرة تحرر المستعمَر كمم عقدة الدونية واليأس[12]، ولا مكان هنا باي تجربة تأملية ولا لوعي وجودي قد يجسده هذا العنف. لا يتوقف فانون عند الأثر النفسي للعنف لأنه يربطه بالفعل الواعي، مؤكداً أن المستعمَر "يكتشف واقعه، ويعيد تشكيله داخل حراكه العملي (Praxis)، أي عبر ممارسة العنف بوصفها فعلاً تاريخياً". هنا، يُفهم العنف كفعل تاريخي مشروط موجه لتفكيك نظام الاستعمار لا لتكريسه في صورة قدرية وجودية دائمة. في الحقيقة العنف -هنا في بعده الفانوني- أبعد ما يكون عن تعريفه كصفة ملازمة للذات، وعليه، ستؤدي عملية استبدال "العنف" بـ"العنفوان" إلى ما هو أعمق من تغيير المصطلح، نحو نزع الصفة التاريخية عن الفعل المقاوم، أي فصله عن شروطه السياسية والزمنية، وجعله معلقاً في فضاء ميتافيزيقي مفتوح.
وإذن،
سيؤدي هذا التجريد إلى إعادة توصيف المقاومة وإعادة تعريف طبيعة الصراع ذاته: من مواجهة مع منظومة اقتلاع مادي قابل للتفكيك، إلى تجربة وجودية رمزية بلا نهاية. مما سيفرغ حركة التحرر من زمنيتها، ويحوّلها من مشروع تغيير ملموس يهدف إلى إنهاء الاستعمار كبنية تاريخية قابلة للزوال، إلى حالة وجودية أبدية تتعايش معه بوصفه قدراً.
6.الانكفاء الاستراتيجي في "المشاغلة النفسية"
ينتهي هذا المسار النظري إلى نتيجة عملية بالغة الخطورة، تتمثل في الانكفاء الاستراتيجي للفعل الفلسطيني. إذ يؤدي تحويل المقاومة إلى أداة لـ"إدارة أزمة المستعمِر" إلى تقليص وظيفتها من تفكيك البنية المادية للنظام الاستعماري إلى مجرد إحداث إرباك نفسي في وعي المستوطن. هكذا يُعاد تعريف الصراع من مواجهة تاريخية على الأرض والسيادة إلى مناورة نفسية محدودة الأثر.
يرفض فانون هذا الاختزال رفضاً قاطعاً، ويؤكد أن التحرر لا يُختزل في إدارة علاقة نفسية مع المستعمِر، فالأصل في المقاومة أن تكون اشتباك مادي يعيد صياغة علاقات القوة. ففي لحظة المواجهة الحقيقية، كما يكتب في "معذبو الأرض"، يكتشف المستعمَر أن حياته وأنفاسه وخفقان قلبه هي ذاتها حياة المستعمِر… ويجب القول إن هذا الاكتشاف يزلزل العالم على نحو ضروري"[13]. هذا "الزلزال" ليس اضطراباً وجدانياً عابراً، وإنما تحولاً مادياً يقلب بنية الواقع، ويعيد ترتيب موازين القوة، ويكسر منطق السيطرة من جذوره.
لكن المقاربة التي تحصر الصراع في بعده النفسي تفرغ هذا التحول من مضمونه. والنتيجة العملية لذلك هي غياب أي تصور لإعادة بناء المؤسسات، أو لاستعادة السيادة، واستمرار الهيمنة الاستيطانية تحت عنوان فضفاض هو "تحليل الأزمة".
في هذا السياق، تظهر استراتيجية "مشاغلة العدو" في طرح "عودة الله" كبديل استراتيجي أكثر منها تكتيك مرحلي داخل مشروع تحرري شامل. وحين يصبح الهدف المركزي هو "تعميق المأزق النفسي" للمستعمِر، يُختزل الطموح الفلسطيني من مشروع تحرير الأرض وبناء الدولة إلى مجرد "إقلاق راحة" المستوطن ومنعه من الشعور بالأمان. هنا تحل إدارة الأزمة محل التفكيك، ويتحوّل التكتيك إلى استراتيجية يتيمة تعوّض غياب المشروع السياسي.
يحسم فانون هذه المسألة على نحو شديد الوضوح حين يرفض أي اختزال نفسي للتحرر، مؤكداً أن "إنهاء الاستعمار ليس مواجهة نفسية، بل عملية تاريخية كاملة"، وبهذا فهو يقوض من الأساس كل مقاربة تُسقِط الصراع في مستوى الإدارة النفسية. وضمن هذا الإطار، تكون "المشاغلة" تقنية محدودة الأثر يجري تضخميها دلالياً لتعويض الفراغ السياسي دون أن تتحول إلى أداة للتحرر [14].
ويقود هذا التأسيس، في النهاية، إلى مأزق بنيوي يتمثل في استمرار السيطرة الاستيطانية باسم "تحليل الأزمة". إن تقليص الفعل المقاوم إلى تأثير رمزي أو نفسي هو، في جوهره، إضعاف ممنهج له في مواجهة نظام استعماري لا يُهزم بتعديل في الوعي وحده، بقدر ما يُهزم من خلال تفكيك شروط وجوده المادية والتاريخية.
7. إشكالية "مركز الثقل" في سياق الاستعمار الاستيطاني
تكمن المعضلة المنهجية الأخيرة والأخطر في استعارة مفهوم "مركز الثقل" من النظرية الكلاسيكية للحرب عند كلاوزفيتز، وإسقاطه قسراً على سياق الاستعمار الاستيطاني الإحلالي، مع إعادة تعريفه بوصفه مركزاً "نفسياً" بديلاً عن كونه عقدة مادية–سياسية حاسمة.
يتجاهل هذا النقل الفارق البنيوي الحاسم بين "حرب الدول" (حيث يمكن تحديد عقدة حاسمة -كالعاصمة أو الجيش- تؤدي إصابتها إلى انهيار العدو)، وبين "الاستعمار الاستيطاني" الذي لا يقوم على "إرادة قتال" يمكن كسرها نفسياً، بل على بنية هيمنة شاملة تنتج آليات تأبيد الواقع كما هو -الآن وهنا- عبر القانون، والعمارة، والاقتصاد، وإدارة السكان.
الاستعمار عند فانون نظام مادي يعيد تشكيل المجال الاجتماعي والجغرافي بأكمله، واختزاله بحالة شعورية معلقة في الهواء، -واختزال "مركز الثقل" في البعد النفسي- يُزيح التحليل من مستوى "التفكيك البنيوي" للمنظومة، إلى مستوى "التأثير الرمزي" عليها. ويقودنا هذا إلى إعادة تعريف خطيرة لمكانة "فلسطين" نفسها داخل الصراع. ففي ظل التركيز على "عقدة الغيتو" و"قلق المستوطن" و"الشفاء من الضحية"، تتحول فلسطين في الخطاب -ولو ضمنياً- من "موضوع للصراع" إلى "فضاء للعلاج". أي أنها تُختزل لتصبح مسرحاً للدراما النفسية الصهيونية (سواء كانت دراما "بناء اليهودي الجديد" أو دراما "انهياره").
يعيد هذا الإطار إدراج الأرض داخل الوظيفة النفسية للمشروع الاستيطاني، بديلاً عن تثبيتها بوصفها "موقع الجريمة" وموضوع الاقتلاع. واستخدام مفردات التحليل النفسي لإعادة توصيف الصهيونية كبنية مأزومة. غير أن هذا التوصيف يُبدّل طبيعة المواجهة؛ والنتيجة هي ينتهي المرض بعلاجه، في حين تنتهي الجريمة بتفكيكيها وإلغائها.
يكون التحليل النفسي عند فانون أداة لفهم آثار الاستعمار على الذوات، لكنه لا يحلّ محل السياسة ولا يبدّل طبيعة الصراع بوصفه صراعاً لتفكيك بنية مادية–سياسية.
وتحويل المشروع الاستيطاني إلى "أزمة نفسية" ينقل أفق الفعل الفلسطيني من مشروع تفكيك إلى إدارة أزمة. هنا، يصطدم الطرح بجدار فانون الصلب؛ ففي "معذبو الأرض"، يحدد فانون "الأرض" -وليس وعي المستعمِر أو لاوعيه- بوصفها القيمة المطلقة ومركز الثقل الحقيقي للصراع. فيقول بوضوح: "بالنسبة لشعب مستعمَر، القيمة الأكثر جوهرية، لأنها الأكثر واقعية، هي الأرض: الأرض التي ستجلب له الخبز، وبشكل أهم: الكرامة"[15].
إن نقل "مركز الثقل" من الأرض (باعتبارها مادة السيادة والعيش) إلى النفسية (باعتبارها مكمن الهشاشة)، يعيد صياغة الاستعمار كـ "بنية أزمة" قابلة للإدارة والمشاغلة، وليس كـ "بنية جريمة" تجب إزالتها. وعملياً، يؤدي هذا إلى اختزال وظيفة المقاومة في "تعميق المأزق الوجودي" للمستعمِر، دون تقديم تصور واضح لتفكيك منظومة ملكية الأرض، والقانون، والعمارة الاستيطانية.
بذلك، يغيب أفق إعادة بناء السيادة والمؤسسات بوصفها جوهر التحرر، ويحل محله أفق غائم لـ "إدارة أزمة سيكولوجية" طويلة الأمد. وفي المحصلة: يظل المستعمِر مأزوماً نفسياً، لكنه يظل سيداً مادياً على الأرض؛ وهو وضع قد يتعايش معه الاستعمار طويلاً، لكنه لا يحقق التحرر الذي ناضل فانون من أجله.
8.خاتمة: إعادة ترتيب الأولويات بين إدارة الأزمة وتفكيك البنية
يقدم المحاضر قراءة سوسيولوجية نفسية لفرانس فانون، لكنها في المحصلة قراءة تأويلية مغايرة لفكر فانون تؤسّس لانزياح إبستمولوجي يعيد تعريف مركز الصراع الفلسطيني–الصهيوني؛ فينقله من كونه مركزاً مادياً–سياسياً، يتصل بالأرض والسيادة، إلى مركز نفسي–وجودي، يتمحور حول قلق المستعمِر وهشاشته. وبناءً على ذلك، تُمنح المقاومة وظيفة جديدة: «تعذيب» هذا المركز وإرباكه، بديلاً عن تفكيكه وإلغائه.
والخلاف مع هذه المقولات ليس خلافاً في توصيف الآثار النفسية للاستعمار، ولا في البلاغة المستخدمة لعرض عنفه الرمزي- إذ أصاب الباحث في توصيف جانب من هذه الآثار- بل يكمن في الخطأ البنيوي المتمثل في تحويل النتائج إلى محرّكات، والأعراض إلى مركز. وعبر هذا التحول تحدث انزياحات تضع السياسة في مقام التأويل السيكولوجي، وتستبدل منطق التفكيك البنيوي (الذي يشكّل جوهر مشروع فانون)، بمنطق التشخيص العيادي.
وعليه، فإن السؤال الجوهري الذي مازال قائماً ومفتوحاً للنقاش هو:
هل ينبغي إدارة الاستعمار ومشاغلته بوصفه مشكلة نفسية، أم يجب فهمه كبنية مادية ينغي هزيمته وتفكيكها ؟
لا مجال هنا للالتباس.
لم يقارب فانون الاستعمار قط بوصفه "مرضاً" يستدعي العلاج. لقد نظر إلية باعتباره نظاماً تاريخياً من العنف المنظّم يجب تفكيكه جذرياً. ففي "معذبو الأرض"، يظهر الاستعمار كهيمنة مادية وإعادة تشكيل قسري للمجال الاجتماعي (لم يقل قانون قط أن الاستعمار حالة قلق وجودي). ومن هنا، أي انزياح نحو "تطبيب" الصراع يحوّله من فضاء للمواجهة التاريخية إلى فضاء رمزي–سيكولوجي، ويُفرغ حركة التحرر من بعدها العملي. والنتيجة النهائية واضحة:
إن اختزال المقاومة في "إدارة أزمة المستعمِر" عبر مشاغلته نفسياً، يمثّل انكفاءً استراتيجياً، تتحول فيه من مشروع تاريخي ملموس لاستعادة السيادة، إلى وظيفة "علاجية معكوسة" تهدف إلى إيلام العدو دون أفق لإزالته.
الوفاء الحقيقي لفانون اليوم لا يكون بتكرار لغته، بل باستعادة منطقه، أي إعادة ترتيب الأولويات، والعودة من العيادة إلى الميدان، ومن إدارة الأزمة إلى تفكيك البنية.
.......
هوامش
[1] من مأثورات صن تزو المتداولة "إذا عرفت عدوك وعرفت نفسك، فلا تخشَ نتيجة مئة معركة" وهذا يشير إلى أن المعرفة استراتيجية وليست مجرد تشخيص نفسي. ويعزز التمييز بين المعرفة التفكيكية والمعرفة تشخيصية. حول علاقة القرب المعيشي بإنتاج معرفة ملتبسة عن العدو، (انظر: فرانس فانون، معذبو الأرض، ترجمة سامي الدروبي وجمال أتاسي، دار الطليعة، بيروت، 1963)؛ حيث يتحدث عن معرفة المستعمِر من خلال الاحتكاك اليومي. و انهيار صورة "الآلة الاستعمارية" ككيان متماسك، وخطر اختزال هذا الاكتشاف في مستوى نفسي. كذلك انظر (ميشيل فوكو. المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن. ترجمة: مطاع صفدي. بيروت: مركز الإنماء القومي، 1990)؛ و(جيمس سكوت James C. Scott. Seeing Like a State: How Certain Schemes to Improve the Human Condition Have Failed. Yale University Press.1989) للتمييز بين المعرفة اليومية المحلية والمعرفة البنيوية وأثرها في تحليل هشاشة العدو.
[2] يتطلب إدراك طبيعة العدو وظيفته في النسق الاستعماري تثبيت البعد المادي للصراع. فالعدو كيان استعماري يمارس سيطرة منهجية على الأرض. وما حصل في فلسطين في العام 1948-كما يوضح إيلان بابيه- لم يكن نزوحاً عفوياً، بل عملية تطهير عرقي منهجية شملت هدم القرى وطرد السكان الأصليين لتثبيت السيطرة اليهودية على الأرض. انظر (إيلان بابيه . التطهير العرقي في فلسطين، ترجمة أحمد خليفة. مؤسسة الدراسات الفلسطينية . بيروت 2007). إن إدراك هذا البعد المادي يحفظ التحليل النفسي ضمن حدود تفسير أثر الاستعمار على الذوات، دون تحوله إلى أداة لإدارة أزمة المستعمِر النفسية، أو تغيير موقع التحليل ذاته، أي من تفكيك البنية الاستعمارية إلى إدارة أزمة المستعمِر النفسية، أي يحمي جوهر النسق الفانوني المادي–الثوري. إدراك هذا التوازن يوفر أساس القراءة النقدية الدقيقة لاستدعاء أدوات فانون ضمن أطروحة "عودة الله"، ويمنع الانزلاق إلى قلب وظيفي للأدوات،
[3] لا يُفهم استدعاء فانون هنا بوصفه مرجعية رمزية أو نصاً مغلقاً تجعل من الممكن تسويغ أي قراءة باسمه. والمقصود ليس المقارنة العامة ولا الاستشهاد الاسمي، وإنما محاكمة الأطروحة بأدواتها المرجعية التأسيسية، أي قياسها على ما يربط النفسي بالسياسي ضمن بنية العنف الاستعماري وفقاً لفانون.
[4]تقوم الحجة المركزية على أن أطروحة "عودة الله" لا تقدّم قراءة مغايرة لفانون فحسب، بل تُجري انقلاباً وظيفياً في أدواته، مستخدمة إياها على نحو يناقض الغاية التي وُجدت من أجلها. وهو ما يحذّر منه فانون نفسه حين يشدّد على عدم فصل التحليل النفسي، في السياق الاستعماري، عن البنية المادية للعنف، إذ يقول: "إن الاستعمار ليس آلة تفكير، ولا كائناً مزوداً بملكات عقلية، إنما هو العنف في حالته الطبيعية" بينما نجد الأطروحة تنشغل بـ "تفكير" هذه (الآلة الاستعمارية) وقلقها الداخلي، وهو ما يشكل مفارقة منهجية تستوجب التفكيك. (فرانس فانون، معذبو الأرض، ترجمة سامي الدروبي وجمال أتاسي، دار الطليعة، بيروت، 1963).
[5]يكتسب هذا التمييز المنهجي أهمية مركزية في تتبّع تطوّر النسق الفانوني ذاته. ففي "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" (1952) ينشغل فانون بتحليل البنى النفسية–الظاهراتية للاغتراب الاستعماري، أي بتشخيص عوارضه على مستوى الذوات المُستعمَرة، وهو مستوى يمكن اعتباره تحليلاً لمرحلة المرض وليس وصفة للخروج منه. أمّا في "معذبو الأرض"، فينتقل فانون إلى أفق الممارسة الثورية Praxis، حيث لا يعود التحليل النفسي غاية في ذاته، بل لحظة ضمن منطق مادي–سياسي يضع تفكيك البنية الاستعمارية في مركز التحليل. الخلط بين هذين المستويين، أو تحويل أدوات التشخيص النفسي إلى إطار ناظم لتعريف طبيعة الصراع، يؤدي إلى إعادة إنتاج الاستعمار بوصفه حالة نفسية مزمنة أكثر منه بنية تاريخية قابلة للتفكيك. وهو ما يناقض المنطق الجدلي للنسق الفانوني، الذي يتعامل مع النفسي بوصفه أثراً للسياسي وليس بديلاً عنه. ويؤدي الخلط بين هذين المستويين منهجياً إلى إعادة إنتاج الاستعمار كحالة نفسية مزمنة (فرانس فانون. بشرو سوداء، اقنعة بيضاء. تعريب خليل أحمد خليل، دار الفارابي، بيروت، 2004)
[6] فرانس فانون، بشرة سوداء، أقنعة بيضاء، تعريب خليل أحمد خليل، دار الفارابي، بيروت، 2004؛ ومعذبو الأرض، ترجمة سامي الدروبي وجمال أتاسي، دار الطليعة، بيروت، 1963. يشدد فانون على عدم فصل التحليل النفسي عن البنية المادية للعنف الاستعماري، وإلا يتحول التشخيص النفسي إلى أداة لإدارة الأزمة بدلاً من تفكيك بنية الاستعمار. يكمن العطب الجوهري للأطروحة في استبدال "فانون الثوري" (معذبو الأرض1963) الذي يرى الاستعمار بنية عنف مادي، بـ "فانون العيادي" (1952) بشكل تعسفي.
[7] يُستخدم مفهوم "تطبيب الصراع" هنا بمعناه النقدي، لا الوصفي، للإشارة إلى نقل الصراع من حقل السياسة والتاريخ إلى الحقل العيادي–الإداري، حيث يُعاد تعريفه بوصفه اختلالاً نفسياً أو إدراكياً قابلاً للعلاج والتدبير وإغفال تعريفه الأساسي كبنية عنف استعمارية قابلة للتفكيك والإلغاء. لا يحيل المصطلح إلى الطب بالمعنى الحرفي، بل إلى منطق إدارة الأعراض بدل مساءلة الشروط البنيوية المنتِجة لها، وهو منطق يتقاطع مع نقد السلطة الحيوية (biopolitics) ومع انتقادات تحويل القضايا السياسية إلى مسائل تقنية أو إنسانية منزوعة الطابع الصراعي.
[8] يؤكد فانون هنا أن الاستعمار لا يمكن اختزاله في أثره النفسي، لأن هذا الأثر ليس سبب العنف بل نتيجته. فالتحليل النفسي عنده ليس بديلاً عن الصراع السياسي، وإنما أداة لكشف الأثر الذاتي لبنية مادية قائمة على الإقصاء والقوة. من هنا، يرفض فانون أي مقاربة "إنسانية" أو علاجية تتعامل مع الاستعمار كأزمة أخلاقية أو نفسية، للمزيد انظر: فرانس فانون، معذبو الأرض.
[9] يستند هذا النقد إلى رفض الفصل التعسفي بين فانون "العيادي" وفانون "الثوري"، وهو فصل شائع في بعض القراءات المعاصرة التي تنتقي من فانون أدوات التحليل النفسي وتفصلها عن أفقه المادي–التحرري. غير أن هذا الفصل لا يجد ما يسنده في بنية نصوص فانون نفسها، حيث يعمل التحليل النفسي بوصفه لحظة تفسيرية داخل مشروع سياسي أوسع. لم يقل قانون أن التحليل النفسي بديل عن المشروع السياسي أو إطار مستقل لإعادة تعريف طبيعة الصراع.
[10] يستدعي الباحث مفهوم "العنفوان" مستنداً إلى جذره اللغوي في لسان العرب ("ما سال من العنب دون اعتصار" أو "أول الشيء وحدّته")، ويوظفه فلسفياً للإشارة إلى دفق وجودي أصيل في الذات سابق على فعل الاستعمار وليس مجرد رد فعل عليه. فبينما يُعرَّف "العنف" في السياق الثوري كفعل قصدي ومضاد، يطرح الباحث "العنفوان" كحالة فطرية أو "قوة صيرورة" تنبع من الداخل ولا تتشكل كرد فعل خارجي. نقدنا لهذا المفهوم لا يتوجه للمعنى اللغوي، بل لتوظيفه السياسي الذي ينقل المقاومة من حقل "الفعل التاريخي المشروط" (أداة لهزيمة المستعمَر وتفكيكه مادياً) إلى حقل "الفيض الوجودي" (التعبير عن الذات)، مما يهدد بنزع الطابع السياسي والتنظيمي عن العمل المقاوم.
[11] يُستخدم مصطلح "البراكسيس" (Praxis) في الأدبيات الماركسية وفي كتابات فانون تحديداً للدلالة على "الممارسة الواعية الهادفة لتغيير الواقع". لا يعني المصطلح مجرد "العمل" أو "السلوك"، بل التحام النظرية بالتطبيق، والوعي بالممارسة بوصفها أداة تغيير. العنف عند فانون، ليس انفجاراً غريزياً أعمى (كما قد يوحي العنفوان)، بل هو "براكسيس"؛ أي فعل منظم يدرك فيه المستعمَر شروط واقعه ويعمل على هدم بنية الاستعمار مادياً لإعادة خلق الإنسان. إن غياب "البراكسيس" يحول المقاومة إلى مجرد انفعال وجداني أو وجودي بلا أفق سياسي للتغيير.
[12]يشدد فانون على أن العنف هو ممارسة تاريخية واعية لها وظيفة محددة ونهاية محددة. وربط العنف بالتاريخ يعني أنه يزول بزوال الاستعمار، بينما ربطه بالأنطولوجيا (الوجود المجرد) يجعله صفة ملازمة للذات، وهو يتناقض جذرياً مع مشروع فانون التحرري الذي يهدف لإنهاء حالة العنف الاستعماري، لا مأسستها كحالة وجودية دائمة.
[13] يشير فانون هنا إلى لحظة وعي حاسمة، يدرك فيها المستعمَر مساواته البيولوجية والمادية مع المستعمِر، بوصفه كائناً قابلاً للحياة والموت والعمل والصراع بالقدر ذاته. هذا الإدراك لا يبقى في مستوى الوعي الذاتي، لأنه يدفع نحو المواجهة المادية لانتزاع موقع فعلي في العالم. وعليه، فإن "زلزلة العالم" تعني تغيير شروطه المادية وهياكله السياسية وعلاقات القوة داخله، وهي بهذا تتجاوز معنى إحداث «صدمة نفسية» أو قلق وجودي لدى المستعمِر، كما تفعل بعض القراءات التحليلية المنزوعة من سياقها التاريخي والاستعماري.
[14] يُستخدم مفهوم "المشاغلة" في الأدبيات العسكرية بوصفه تكتيكاً يهدف إلى استنزاف العدو، أو تشتيت قدراته، تمهيداً لهجوم حاسم أو لتحقيق هدف سياسي محدد. ويتوجّه النقد هنا إلى تحويل "المشاغلة النفسية" من أداة مرحلية داخل مشروع تحرري، إلى سقف استراتيجي نهائي؛ أي عندما يصبح «منع المستعمِر من الاستقرار النفسي» هو الغاية القصوى للمقاومة، بدل أن يكون وسيلة لتقويض سيطرته المادية. هذا الانتقال من منطق «التحرير» إلى منطق "الإقلاق" يعكس تراجعاً في سقف الأهداف الوطنية، ويستبدل مشروع السيادة التاريخية بمشروع "التعايش الصراعي" مع استعمار يمكن إدارته بديلاً عم هزيمته.
[15]يربط فانون ربطاً عضوياً بين "الأرض" و"الكرامة"، ويؤسس لهذا الربط داخل تصور مادي–سياسي للتحرر. فالأرض، عنده، تتخطى مجازات الرمز الهُوياتي أو العاطفي، لتنتقل إلى مفردة شرط الوجود الاجتماعي والاقتصادي والسيادي للشعب المستعمَر. ومن ثمّ، الاستعمار الاستيطاني في جوهره صراع على المجال الحيوي، والموارد، والبنية المكانية للسلطة. ولا يدخل في جوهر الصراع هذا برنامج أو برامج تغيير قناعات المستعمِر أو معالجة اضطراباته النفسية. وهنا، تصبح السيطرة على الأرض هي "مركز الثقل" الحقيقي للصراع، لأنها تمثل نقطة التقاء الملكية، والسيادة، والعمل، والكرامة، وإعادة إنتاج المجتمع. وكل مقاربة تنقل هذا المركز من المجال المادي إلى المجال النفسي، تنزلق -بحسب منطق فانون- من مشروع تفكيك الاستعمار إلى مشروع التكيّف معه.(انظر: فانون، معذبو الأرض، فصل "حول العنف").



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلسطين في عيونهم قراءة في كتاب اختراع الأرض المقدسة: الحجيج ...
- التحليل النفسي وصناعة -اليهودي الجديد- قراءة تفكيكية في كتاب ...
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب
- عن الطوفان وأشياء اخرى (57)
- عن الطوفان واشياء أخرى (56)
- الإرهاب في الجليل: التواطؤ البريطاني-الصهيوني وفرق الليل الخ ...
- قرية إجزم الفلسطينية إبان حرب عام 1948: صياغة تاريخ أنثروبول ...
- بين وحشية النظام ووقاحة التبسيط الغربي: لماذا نرفض اختزال سو ...
- تقلبات مكان مقدس: المشهد الحسيني في عسقلان، بناءه وتدميره وإ ...
- حصانة النخبة و-فردنة- الجريمة: جيفري إبشتين مثالاً
- تهافت رأس المال الاستعماري: خطاب -الواقعية القائمة على القيم ...
- مئوية فرانتز فانون في فلسطين
- عن الطوفان وأشياء أخرى (55)
- توطئة في سوسيولوجيا الإكراه: من دولة القانون إلى دولة الإنفا ...
- فيزياء الإبادة: هندسة -الإنتروبيا- وتقويض الوجود الفلسطيني
- نقد -الواقعية المتخيلة- عند ماجد كيالي: تفكيك الإسقاط السوري ...
- عن -الحيوان- السياسي المعاصر
- صراع سرديات أم صراع على الأرض: فساد الخطاب الأخلاقي عند يو&# ...
- استعادة فلسطين: قراءة في بنية الدول الاستعمارية الاستيطانية
- عن الطوفان وأشياء أخرى (54)


المزيد.....




- ماذا قالت الصين وبريطانيا عن تصريحات ترامب بشأن تأمين مضيق ه ...
- عاجل | وزارة الصحة اللبنانية: 7 شهداء و8 مصابين في غارتين إس ...
- عاجل | ترمب: على مجتبى خامنئي أن يفعل شيئا حكيما للغاية لبلا ...
- أنور قرقاش يرد على عراقجي: إيران -أخطأت العنوان- بهجماتها عل ...
- البحر الأسود: الحكومة اليونانية ترفع حالة تأهب بعد الهجوم عل ...
- الدول الخليجية تتعرض لموجة هجمات جديدة بالصواريخ والمسيرات
- تواصل القصف على إيران في الأسبوع الثالث من الحرب وإسرائيل تع ...
- آلاف الهجمات وعشرات الجبهات.. ماذا تكشف أرقام الحرب بعد أسبو ...
- استهداف مطار الكويت ودول الخليج تعترض عشرات المسيّرات والصوا ...
- من يصرخ أولا؟.. حرب أمريكا وإيران صراع على عقارب الساعة


المزيد.....

- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - في انقلاب الوظيفة: من تفكيك الاستعمار إلى إدارة أزمته قراءة نقدية في أطروحة خالد عودة الله على ضوء فرانس فانون