أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - التوظيف الرمزي للنص الديني في التشريع الإسرائيلي















المزيد.....

التوظيف الرمزي للنص الديني في التشريع الإسرائيلي


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 04:49
المحور: القضية الفلسطينية
    


في صناعة العدو المطلق، يحضر التاريخ الديني لليهود بقوة في صورة "قانون إعدام المخربين"؛ إذ تتجاوز الأحداث في أعماق مجتمع المستعمَرة اليهودية في فلسطين مجرد إقرار قانون، لتمثل سردية محكمة تربط "العدو القديم" في النصوص (الفلشتيم أو غيرهم) بـ"العدو المعاصر" في الواقع السياسي (العرب الفلسطينيين). وهو ربط رمزي وانتقائي يستدعي الماضي الخرافي؛ بغية إضفاء طابع أعمق على الحاضر، وإظهاره امتداداً طبيعياً يغاير الوضع التاريخي الطارئ.
وتستعير العبارات الشائعة اليوم، مثل "محاربة الشر" أو "الدفاع عن الوجود"، بنية أخلاقية ذات حمولات عاطفية ولاهوتية هائلة. وتتجاوز مصطلحات "الإرهاب" و"التخريب" احتكار طرف بعينه، وتفتقر إلى تعريف موحد جامع مانع؛ فهي مفاهيم سياسية يحددها الاجتماع السياسي الإنساني المعاصر انطلاقاً من موقع القوة؛ لتصبح أدوات فعالة في نزع الشرعية عن الخصم.
وتكمن المعضلة في كيفية توظيف الذاكرة الدينية لتثبيت صورة نمطية للعدو، وإعادة إنتاجها بلغة قانونية وأمنية حديثة؛ لتتحول إلى أسطورة مؤسسة تمنح الشرعية والهُوية بغض النظر عن تدين صاحبها. ويستحيل النص الديني هنا ذاكرة قومية ذات صبغة علمانية؛ فالعلماني الإسرائيلي يتبنى النتيجة السياسية للفكرة عبر مسار مختلف، متجاوزاً الإيمان الضروري بالمعنى الديني للنصوص. ويتحول الدين بذلك إلى هُوية قومية، ويكف عن كونه عقيدة لاهوتية. ويفسر ذلك تقارب المخرجات السياسية للطبقة الحاكمة هناك؛ إذ تبدو حالة إجماع تتجاوز اختلاف الدوافع العميقة.
وتمهد أرضية ثقافية-رمزية لهذا التوصيف، متقاطعة تقاطعاً واسعاً مع سردية قومية وهُوية تاريخية وخطاب أمني؛ ما يخلق انطباعاً بوجود إجماع تام. وتتسم الفكرة الأساسية بالبساطة والعمق معاً؛ فالصهيونية، منذ ثيودور هرتزل، تستند إلى مقولة "نحن ننتمي لانتمائنا الماضي إلى هذا المكان"، في تخطي واضح لفكرة "العودة الآنية". ويكتسب هذا التحول أهميته من نقله الشرعية من الجغرافيا الحاضرة إلى الذاكرة التاريخية. ويمثل وجود شخص أوروبي في الشرق الأوسط، وفق هذا المنطق، استعادة لحق تاريخي متخيل قابل للتأويل والتأويل المضاد؛ وهما المنظوران اللذان يحركان الصراع بأسره.
على أن الأمر لا يقتصر على "تزييف" الماضي واختلاق وقائع غير موجودة، ليصل إلى انتقاء جزء من هذا الماضي وتضخيمه على حساب أجزاء أخرى؛ ليخدم سردية معينة، ويسقط مفاهيم حديثة على نصوص قديمة، ويحول الرموز الدينية إلى حجج سياسية.
غير أن النص القديم شيء، وتفسيره شيء آخر، واستخدامه في الصراع شيء ثالث.
وتبدأ المشكلة لحظة استدعاء النص لخدمة الموقف السياسي المعاصر؛ إذ ينحاز التأويل بطبيعته، كما تتسم المشاريع القومية عامة، غير أنه يتخذ في الحالة الإسرائيلية طابعاً أشد حدة تبعاً لطبيعة الصراع. وتبرز تأويلات تفتقر إلى الصحة التاريخية، يجري توظيفها في الفضاء السياسي توظيفاً متعمداً. ويدرك السياسي العلماني الذي يربط الفلسطيني المعاصر بصورة "العدو الكتابي" (مثل "عَمَالِيق")، غياب الأساس التاريخي العلمي لهذا الربط، واستحالة الاستمرارية الرمزية البشرية أو السياسية بين الجماعات القديمة والفلسطينيين اليوم. لكنه لا يمانع، بالأحرى لا يتورع، من استخدام هذه الصورة لفائدة هدف سياسي جوهري، يحقق من خلاله عدة أمور بعينها: فأولاً يعطي الصراع بعداً "أبدياً" بدل كونه نزاعاً حديثاً، وثانياً، يحول الخصم من طرف سياسي إلى "عدو مطلق" وأخيراً، يبرر إجراءات قاسية عبر تغليفها بسردية أخلاقية قديمة.
ويتجلى الجوهر الإيديولوجي والسياسي والربط الرمزي في المماهاة المتعمدة بين الفلسطينيين الحاليين والفلشتيم (الفلسطينيين القدماء)، واستغلالها لتبرير سياسات عنصرية، كقانون الإعدام، وتكريس التمييز الصريح بين "العدو الفلسطيني" و"المواطن اليهودي". ويصبح الفلسطيني في المستعمَرة اليهودية امتداداً مباشراً للعدو القديم المعادي لإسرائيل منذ القدم؛ فتُستحضر النصوص الدينية لتعزيز هذه الصورة، وتكريس فكرة توارث الفلسطيني عداوة الفلشتيم. وتخلق هذه المماهاة سردية "استمرارية الخطر الفلسطيني"، وتمنح الإجراءات القاسية شرعية أخلاقية وسياسية في وعي الجمهور، وتحول الصراع الحالي صراعاً وجودياً يبرر الاستثناءات القانونية؛ ليثمر خطاباً عنصرياً سياسياً يبرر التفوق والسيطرة.
ويؤكد فاضل الربيعي تعمد المخيال الإسرائيلي افتعال المماهاة الرمزية بين الفلسطينيين المعاصرين والفلشتيم القدماء. وتُعاد قراءة النصوص الكتابية -كاستخدام كلمة "مَشْحَت" لوصف الفلشتيم*- لتصوير الفلسطيني امتداداً طبيعياً لـ"المخربين الفلشتيم"، وعدواً مبدئياً بالفطرة. ويرسب ذلك في وعي الجمهور الإسرائيلي كاستمرارية للصراع، ليصير الفلسطيني المعاصر عدواً وجودياً متجاوزاً صفة الخصم السياسي، أو الجار السيء. يعكس قانون الإعدام هذه الرؤية الرمزية جلياً؛ إذ تترجم الانتقائية القانونية التمييز الرمزي المنطلق من النصوص الدينية والتاريخية، وتحوله إلى أداة سياسية وقانونية. وتمثل هذه العملية، كما يفصل الربيعي، إعادة إنتاج استشراقية واحتلالية للذاكرة، متجاوزة خطأ الترجمة أو التفسير العابر. ويستوعب المخيال الغربي والأوروبي-الأمريكي هذه الصورة لتغدو جزءً من الخطاب التبريري للصراع، وتنزع صفة المواطنة والجماعة السياسية عن الفلسطيني، لتجعله امتداداً طبيعياً للعدو التاريخي.
ويستنسخ الواقع المعاصر السردية القديمة في صلب القانون والسياسة؛ إذ يحل "المخرب" الحديث (الفلسطيني)** محل "المخرب" القديم (الفلشتيم)، ويُختزل الصراع الاستعماري في عداء أسطوري يجعل القانون أداة لتجسيد هذه الصورة واقعاً.
....
*يورد فاضل الربيعي في كتابه "القدس ليست أورشليم: مساهمة في تصحيح تاريخ فلسطين" اقتباساً كما يلي: "واتجهت فرقة من المخربين [مشحت من الجذر شحت שחת] الفلسطينيين... وأخذوا تابوت الرب"، مشيراً إلى سفر صموئيل. وتفتقر نصوص العهد القديم إلى أي ربط بين كلمة "شحت" -وتعني الإفساد أو الإهلاك أو الخراب، وتعد لقباً تحقيرياً- وبين الفلشتيم. وتخلو نصوص سفر صموئيل من كلمة שחת المذكورة عند الحديث عن استيلاء الفلشتيم (פלשתים - وتُترجم خطأً في الترجمات المعتمدة بالفلسطينيين) على تابوت العهد. ويبرز الجذر "شحت" في سياقات أخرى، مجرداً من الدلالة الإثنية التي يسبغها عليه الربيعي؛ إذ يظهر أكثر من 140 مرة في نصوص العهد القديم دالاً على الفساد والتدمير والخراب (أرض فاسدة، فساد السلوك، أفعال هلاك). ويتجلى ذلك في سفر التكوين (6:11-12) بوصف فساد الأرض قبل الطوفان، وفي سفر إرميا (2:13) بوصف الخراب الناجم عن الشعب، وفي سفر الأمثال (13:14) بالتحذير الأخلاقي من فساد الفكر أو الطريق.
** يخلو نص قانون الإعدام الجديد من الكلمات التاريخية أو الرمزية كـ"شحت/مشحت" أو "محبل" (מחבל/محبليم - وتعني المعنى الدقيق للإرهابي أو المفجر، وتُطلق على منفذي الهجمات المسلحة أو عمليات المقاومة ضد الإسرائيليين)، أو "פורע חוק" (بورع خوك - وتعني المخالف للقانون). وتنتشر هذه العبارات في الخطاب الإسرائيلي الرسمي والإعلامي المعاصر، مصحوبة بمصطلحات أدبية رمزية كـ "אויב של המדינה" (أُويڤ شِل هَمدِينا - عدو الدولة) لتضخيم الطابع الوجودي للصراع. يظهر نص القانون مصاغاً بلغة قانونية حديثة تصف الجريمة وتتجنب التأطير الثقافي للشخص المقصود به. وتتضمن مصادره صياغات تقر صراحة بإعدام من يتسبب عمداً في قتل شخص ما في حال توفر لدى القاتل "نية الإضرار بالمواطن أو المقيم في دولة إسرائيل، بهدف إنكار وجودها"، وتُصنف الجريمة حينها مستوجبة للعقوبة المشددة بالإعدام أو السجن المؤبد لا غيرهما. وينصب التركيز القانوني على صفة الفعل ودافعه، متجاوزاً وصف الشخص. وتتناول الصياغة القتل العمد بدافع الإضرار بالدولة أو إنكار وجودها بوصفه "أعمالاً إرهابية" وفق القانون الإسرائيلي المعاصر. وتغيب عن النص أي إشارة إلى "الفلسطيني" أو "اليهودي" أو أي هُوية قومية مباشرة؛ مرسخاً الأساس القانوني المجرد للفعل.



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النافذة المسدودة
- بصدد الجملة الإعلامية (1): اللغة التي تسبق الصاروخ
- عسكرة التنوير وصناعة العدو -المعرفي-
- الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ومنطق الإبادة الجماعية في غزة: ...
- في انقلاب الوظيفة: من تفكيك الاستعمار إلى إدارة أزمته قراءة ...
- فلسطين في عيونهم قراءة في كتاب اختراع الأرض المقدسة: الحجيج ...
- التحليل النفسي وصناعة -اليهودي الجديد- قراءة تفكيكية في كتاب ...
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب
- عن الطوفان وأشياء اخرى (57)
- عن الطوفان واشياء أخرى (56)
- الإرهاب في الجليل: التواطؤ البريطاني-الصهيوني وفرق الليل الخ ...
- قرية إجزم الفلسطينية إبان حرب عام 1948: صياغة تاريخ أنثروبول ...
- بين وحشية النظام ووقاحة التبسيط الغربي: لماذا نرفض اختزال سو ...
- تقلبات مكان مقدس: المشهد الحسيني في عسقلان، بناءه وتدميره وإ ...
- حصانة النخبة و-فردنة- الجريمة: جيفري إبشتين مثالاً
- تهافت رأس المال الاستعماري: خطاب -الواقعية القائمة على القيم ...
- مئوية فرانتز فانون في فلسطين
- عن الطوفان وأشياء أخرى (55)
- توطئة في سوسيولوجيا الإكراه: من دولة القانون إلى دولة الإنفا ...
- فيزياء الإبادة: هندسة -الإنتروبيا- وتقويض الوجود الفلسطيني


المزيد.....




- غارات جوية على طرق رئيسية وخطوط للسكك الحديدية في إيران.. أي ...
- أمريكا تقصف أهدافًا عسكرية في جزيرة خرج الإيرانية.. إليكم ما ...
- مصدر باكستاني يربط هجومًا إيرانيًا على السعودية بتراجع فرص ا ...
- 5 مهل لإيران خلال الحرب، ماذا قال ترامب فيها؟
- صور مباشرة لقتل المهاجم أمام السفارة الإسرائيلية في إسطنبول ...
- بعد قصف السكك الحديدية.. توقف رحلات القطارات بشكل شبه كامل ف ...
- ماكرون: طهران تفرج عن الفرنسيين سيسيل كولر وجاك باري وهما في ...
- على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة: أمن مشدد وإجراءات ...
- إسرائيل تعلن استكمال نشر قواتها على -خط دفاع- في جنوب لبنان ...
- قصف أمريكي إسرائيلي يستهدف جسر يحيى آباد في محافظة أصفهان وس ...


المزيد.....

- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - التوظيف الرمزي للنص الديني في التشريع الإسرائيلي