محمود الصباغ
كاتب ومترجم
(Mahmoud Al Sabbagh)
الحوار المتمدن-العدد: 8676 - 2026 / 4 / 13 - 23:54
المحور:
القضية الفلسطينية
-أسرلة عن أسرلة بتفرق : من بوتقة الانصهار إلى وسم الاستحواذ.
يعكس ظهور هذه المصطلحات تحولاً عميقاً في آليات الصراع اللغوي والسياسي داخل الفضاء الرقمي، ارتبط بعدة مراحل وتكتيكات وظفها مستخدمو الإنترنت لتشكيل الرأي العام وتوجيهه، حيث انتقلت معارك السرديات من شاشات التلفزيون إلى منصات التواصل مع بداية العقد الماضي.
ابتكر النشطاء وسوماً تختزل الأحداث السياسية بصيغة مباشرة وواضحة أسهمت في كسر احتكار وسائل الإعلام التقليدية توجيه الجماهير، وتكثيف القضايا الجيوسياسية المعقدة في قوالب لغوية بسيطة ومألوفة؛ فأصبح المستخدم الفرد مصدراً للأخبار وموجهاً للنقاشات.
ركز تكتيك دمج المفاهيم السياسية في مواقف الحياة اليومية المعتادة على لفت انتباه شرائح مجتمعية تبتعد عادة عن النقاشات السياسية المعقدة.
وهذا ما حصل مع مصطلح حديث نسبياً يحول اسم إسرائيل المستعمَرةIsrael إلى مصطلح على هيئة فعل اسمي Israeling يصف سلوكيات فردية سلبية ومألوفة، لتسهيل فهم ممارسات الاستيطان والمصادرة. ونظراً لأن شركات التكنولوجيا تفرض قيوداً صارمة على تداول المحتوى السياسي؛ يبتكر النشطاء مفردات بديلة لتجاوز الحظر وتقليل الحجب السري للمنشورات. فتتشكل لغة مشفرة دائمة التطور، تتضمن تحريف الكلمات الأصلية، أو دمج الرموز، أو ابتكار مصطلحات دارجة جديدة تمرر الرسائل السياسية دون إثارة انتباه خوارزميات الرقابة الآلية.
يوظف الداعمون للقضية الفلسطينية اللغة لكشف تناقضات الرواية الصهيونية وإسقاطها على مواقف أخلاقية يومية. كما تهاجم المؤسسات الداعمة لإسرائيل هذه المصطلحات، وتصنفها ضمن خطابات الكراهية ومعاداة السامية، سعياً إلى إبطال تأثيرها وحذفها من المنصات الرقمية.
يغيب هذا المصطلح عن المعاجم اللغوية المؤسساتية المعتمدة، مثل قاموس أكسفورد أو ميريام ويبستر؛ إذ يعتمد إدراج المفردات فيها شيوع الكلمة واستقرار استخدامها مدة زمنية طويلة في المجالات النصية المكتوبة والمنطوقة. ويقتصر حضور مصطلح Israeling على القواميس الإلكترونية المفتوحة المعتمدة على إسهامات الجمهور، مثل قاموس أوربان Urban Dictionary*.
دوّن رواد الإنترنت هذا المصطلح في هذه المنصات؛ لتوثيق دلالته الرائجة في شبكات التواصل، ووصفه مصطلحاً دارجاً، دون إكسابه أي صفة لغوية مؤسساتية.
وقد ظهر مصطلح Israeling والتعبير المرتبط به Got Israeled في قاموس أوربان للمرة الأولى يوم 21 تشرين الأول 2023. ويتيح الموقع، منذ ذلك التاريخ، تتبع عشرات الإدخالات المتتابعة لتعريف الكلمة؛ لشرح سياقات توظيفها في المحادثات اليومية. واكب هذا الظهور اندلاع الحرب في غزة؛ لتشكيل أداة لغوية ناقدة للسياسات الإسرائيلية. ويعرض قاموس أوربان أمثلة توضيحية متنوعة لترسيخ دلالة المصطلح، ويصفه فعلاً يدل على الاستحواذ العدائي على ممتلكات الآخرين، وطرد المالك الأصلي منها. تتضمن معانيه: "طلب مشاركة شيء يخص شخصاً آخر، بغرض المطالبة به بالكامل، وإجبار المالك الأصلي على الخروج". و"أخذ شيء لا يخصك، وادعاء المظلومية عند المواجهة". ويتسع المعنى ليشمل الكذب، أو الغش، أو الاستيلاء غير العادل**.
يبرز هذا المثال محادثة شائعة لتوضيح هذا الاستخدام الدارج عبر الإنترنت: "طلب أحدهم مشاركة طاولتي في المقهى، ثم طلب مني المغادرة لحاجته إلى مساحة للاجتماع. لقد تأسرلت للتو" (Someone asked to share my table at a cafe and then told me to leave because they needed the space for a meeting. I just got israeled)***.
تعقيب
يشير العنوان إلى نوعين من "الأسرلة". وتبرز الحاجة إلى ضرورة التفريق بين الاستهلاك اللغوي الشعبي الساخر لمصطلح Israeling في الفضاء الرقمي، والحمولة المفاهيمية الرصينة في التحليل السياسي والسوسيولوجي لمصطلحIsraelization؛ إذ يمثل الأخير مقاربة سوسيولوجية وسياسية عميقة، ترتبط بمفهوم "بناء الأمة" أو "بوتقة الانصهار" في أدبيات التأسيس الإسرائيلية. ويحمل هذا المفهوم أبعاداً هندسية اجتماعية تسعى إلى صهر التناقضات، وصياغة هوية مدنية ترتبط بالكيان بوصفه جهازاً سياسياً وإدارياً.
في الواقع، تعمل ثلاث دوائر صهر في المستعمَرة الصهيونية في فلسطين بطريقة تكاملية***، وهي التهويد، والصهينة، والأسرلة؛ تحيل الأولى إلى البعد الديني والديموغرافي والمكاني، وتتعلق الثانية بتبني الإيديولوجيا الصهيونية والمشروع السياسي الاستيطاني. وتختص الأسرلة Israelization بالارتباط القانوني والمدني بمؤسسات الدولة، والخضوع لهيمنتها الثقافية والاقتصادية والسياسية. واستخدم هذا المفهوم لدراسة مسارين متوازيين: أولاً، تفكيك الهوية الثقافية لليهود الشرقيين (المزراحيم) وسلخهم عن جذورهم العربية المشرقية؛ لدمجهم في المنظومة الثقافية والسياسية التي أسستها النخبة الأشكنازية. ثانياً، محاولة طمس الهوية الوطنية للفلسطينيين الباقين في أراضيهم عام 1948، وصياغة هوية هجينة تحت مسمى "عرب إسرائيل"؛ لضمان ولائهم، أو تحييدهم سياسياً عبر ربط مصالحهم المعيشية واليومية بمؤسسات الدولة الإسرائيلية.
تبلور النقاش حول الأسرلة مقابل "الفلسطنة" في أبحاث علم الاجتماع السياسي خلال الثمانينيات والتسعينيات. أسهم العديد، منهم عزمي بشارة وباحثون آخرون، في بناء تأطير نقدي لهذا المفهوم وتفكيك بنيته؛ لتوضيح التناقض الجوهري بين يهودية الدولة وديمقراطيتها، واستحالة نجاح مساعي الأسرلة في استيعاب السكان الأصليين استيعاباً مدنياً متكافئاً.
الهوامش:
*انظر هنا: https://www.urbandictionary.com/define.php?term=Israeling
** يقارب هذا المعنى الدلالة التي أفرزتها ممارسات النظام السوري للفعل "عفّش" والاسم "تعفيش"؛ أي مصادرة التاريخ العام والخاص للسوريين ومن في حكمهم. والتعفيش من الجذر الثلاثي (ع ف ش). وعَفَشَ الشيء، على وزن ضَرَبَ، أي جمعه. يذكر الشيخ أحمد رضا في "قاموس رد العامي إلى الفصيح" أن العفْش عند العامة أخلاط المتاع، وقد عفّش إذ جمع أخلاطاً بلا ترتيب. ينصرف معنى "العَفْش" إلى ما يُجمع من الأشياء التي يحتاج إليها الإنسان، وأصاب المعنى تطوراً دلالياً فبات يشير أيضاً إلى ما يُدَّخرُ في البيوت من أثاث وأمتعة. أَهْمَلَ الجَوْهَرِيُّ معنى عفش كما يرد في تاج العروس، وقالَ ابنُ دُرَيْدٍ: عَفَشَهُ يَعْفِشُهُ مِنْ حَدِّ ضَرَب عَفْشاً: جَمَعَهُ. ويقولون هو من العفش النفش لرذال المتاع، وهؤلاء "عُفاشة" من الناس (بالضم) وهم من لا خير فيهم. عرفت العامة العفش بهذا المعنى قديماً، وذكره الخفاجي في شفاء الغليل فقال يقوله الناس للرُذْل الدَّنِسْ. وفي نَوَادِرِ الأَعْرَابِ للأصمعي: هؤلاءِ عُفَاشَةٌ من النّاسِ بالضّمِّ وهُمْ مَنْ لا خَيْرَ فِيهِمْ وكَذِلكَ نُخَاعَةٌ ولُفَاظَةٌ. والأَعْفَشُ: الأَعْمَشُ. وسَمَّوْا عُفَاشَةَ وقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً بصَعِيدِ مِصْرَ يُسَمَّى بذلِكَ. ويَقُولُونَ: هُوَ من العَفِش النَّفِش لرُذالِ المَتَاعِ (انتهى كلام الأصمعي). وفي لسان العرب عَفَشَه يَعْفِشُه عَفْشاً: جمعه. تطور المعنى في اللهجات العامية الشامية والمصرية فصار يُقصد بالصفة "عِفِشْ" (بكسر ثم كسر ثم سكون) الرجلَ الرذيل المُهمِل لأمره، ولعل فصيحه: عَفِش على زِنَةِ فَعِل التي هي مبالغة في اسم المفعول، كـ (عَسِر) بمعنى معسور.
*** أمثلة أخرى هنا: https://ipconflictmemes.quora.com/Israeling-is-a-verb وهنا: https://twitter.com/hashtag/israeling
**** لا ينبغي أن يغيب عن بالنا دائرة رابعة مهمة وهي العبرنةـ بوصفها الآلية التأسيسية، أو-لنقل ذلك بلغة أبسط-الشرط الذي يسبق الأسرلة، وتغذيها بآن معاً. ارتبطت منذ جيل "الرواد" الصهاينة بمفاهيم الإقصاء والحصر من خلال "العمل العبري" و"اللغة العبرية" و "تسمية" الأماكن والافراد بتسميات عبرية. وكان الهدف هو القضاء على التعددية اللغوية بين مجتمع المستوطنين الأوائل الأوروبيين. إلى جانب تفكيك هويات اليهود الشرقيين ومطالبتهم الانفصال عن العربية.
أنتجت العبرنة لاحقاً نموذج ثقافي معياري مرتبط بالنخبة الأشكنازية التي صاغت مؤسسات الدولة. وسردية مكانية-قومية جديدة ومحو الطبقات التاريخية السابقة للمكان. وتستكمل العبرنة مسألة الاندماج القانوني والمدني داخل مؤسسات الدولة، لأنها تعمل في مستوى أعمق، لغوي-رمزي، مما يجعلها شرطاً غير معلن لهذا الاندماج. لعل هذا ما يسبب حالة من التوتر الدائم لدى الفلسطينيين في الداخل بين استخدام العبرية بوصفها ضرورة عملية، ورفضها كوعاء هوية، ولا شك أنهم يملكون -كما أعتقد-أشكال مقاومة لغوية وغيرها يغيدون فيها توظيف اللغة ذاتها بدلالات مغايرة.
#محمود_الصباغ (هاشتاغ)
Mahmoud_Al_Sabbagh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟