أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (60)














المزيد.....

عن الطوفان وأشياء أخرى (60)


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 20:47
المحور: القضية الفلسطينية
    


-الهولوكوست وتحولات المعيار الأخلاقي بعد السابع من تشرين
تجاوز استدعاء الهولوكوست، في أعقاب السابع من تشرين الأول، مكانته بوصفه مأساة إنسانية كونية تُذكّر بحدود العنف وإمكاناته القصوى؛ ليندمج خطابه في صلب دعاية سياسية وظيفية، فتبدّل موقعه في اللغة، وتحول إلى أداة تضبط النقاش، وتعيد توزيع المواقع: من يتكلم من المركز، ومن يُدفع إلى الهامش، من يحتكر التعاطف، ومن يرمى إلى الحافة. وفي هذا التحول، تنزاح الذاكرة عن وظيفتها المفتوحة، لتغدو نصاً مغلقاً جرى تعيين معناه مسبقاً.
لم يعد الهولوكوست مرجعاً أخلاقياً عاماً، بل معياراً سلبياً لقياس الصراعات الأخرى. فكل مقاومة تُقارن به تنزلق إلى موقع الاتهام أو المبالغة أو اللاأخلاقية. كأن المقارنة تعمل كآلية صمت تفرض حدوداً غير مرئية على ما يمكن قوله أو التفكير فيه. ويُعاد تأطير الحدث ليؤدي وظيفة سياسية آنية تتمثل في إضعاف الحجّة الأخلاقية للمقاومة الفلسطينية، وإن طرحت ضمن أفق تحرري واضح.
يخلف هذا الاستخدام المكثف للذاكرة ارتدادات عكسية. فكلما جرى توظيف الهولوكوست بهذه الكثافة، برزت محاولات لفك ارتباطه بسردية "الدولة" الإسرائيلية. ويظهر فاعلون، من داخل التجربة اليهودية ذاتها، يعيدون قراءته خارج أفق التبرير السياسي، ويستعيدونه كتحذير أخلاقي. عند هذه النقطة، يجري إعادة تعريف الصراع على أنه مشروع استعماري استيطاني في مواجهة شعب واقع تحت هذا الاستعمار.
يتضح، ضمن هذا الإطار، استمرار مشروع الاستعمار الاستيطاني في فلسطين متجاوزاً إقامة الدولة، لكونه بنية إنتاج مستمر تعيد تشكيل ذاتها عبر التعليم، والقضاء، والأرشفة، والذاكرة الجمعية. وتتبدى "يهودية الدولة" في قلب هذه البنية، كجوهر إيديولوجي يمنح المشروع منطقه الداخلي، ويحوّل الإقصاء والمحو إلى ضرورة وإجراء قابل للتبرير.
صاغ جابوتنسكي مبكراً منطق "الجدار الحديدي"، فجعل من القوة شرطاً لفرض واقع لا يملك السكان الأصليون القدرة على كسره. بما ينتج واقعاً مغلقاً يعيد إنتاج نفسه، ويدفع الآخر إلى التآكل التدريجي، حتى يفقد شروط استعادة وجوده المادي*.
وعلى المستوى الوجودي، يتكشف توتر داخل المجتمع الإسرائيلي بين منظومة قيم أخلاقية مُعلنة، ومنظومة معرفية وعلمية تفتح الأسئلة المقلقة حول السرديات المؤسسة. ويدار هذا التوتر ليظهر على هيئة صورة قلق دائم إزاء التاريخ والآثار، كلما اقتربت من تفكيك الحكاية المقدسة التي قامت عليها الهُوية الصهيونية.
تأسست إسرائيل على فكرة العودة إلى "أرض الميعاد"، بوصفها استعادة لتاريخ مفقود، وحق في تقرير المصير. لكن هذا التأسيس، حين يصطدم بالواقع الفلسطيني، يتحول إلى سؤال مفتوح: من يملك الأرض؟ وكيف يمكن تعريف العلاقة مع الآخر الذي لم يختفِ؟
هنا يتبدل الصراع من سردية عودة إلى معضلة وجود. ويتكشف، في أحد مستوياته العميقة، كصراع على المعنى بقدر ما هو صراع على الأرض. فمن يملك سلطة تعريف المأساة، يملك توجيه التعاطف، ورسم الحدود بين الضحية والفاعل. والسابع من تشرين لم يُنشئ هذا المنطق، لكنه كشفه بحدّة، ودفعه إلى السطح حيث يمكن مساءلته وتفكيكه.
في هذا السياق، يمكن فهم المقاومة الفلسطينية كفعل يعيد إنتاج المعنى في مواجهة بنية تسعى إلى مصادرته. ويظهر العنف كأثر بنيوي لواقع استعماري يستحيل فصله عن شروطه. لذلك، لا تمتد المقاومة نفسها من هدف التحرر المادي، إلى استعادة الصوت، وإعادة كتابة الذات خارج اللغة التي فُرضت عليها.
تتحرك المقاومة على مستويين متداخلين: كسر القيد المادي، وتفكيك القيد الرمزي. لتواجه السيطرة على الأرض والذاكرة، وتتصدى لاحتكار تعريف الفعل ذاته: من "المقاوم"؟، ومن "العنيف"؟، ومن يملك حق التسمية!. هنا يصبح الفعل المقاوم إنتاجاً لخطاب مضاد، يفتح مساحة لظهور الفلسطيني كفاعل تاريخي، إلى جانب كونه موضوعاً داخل سردية الآخر.
يلتقي المساران عند هذه النقطة، أي الصراع على الأرض والصراع على المعنى. نكسر المقاومة حدود الكلام المفروضة عبر المواجهة المادية وإعادة تعريف الذات خارج القوالب الجاهزة. في مقابل توظيف الهولوكوست لضبط تلك الجدود
تدمج المقاومة، إذن، بين الفعل والكشف؛ لتفضح بنية الهيمنة بصورتها المتطرفة، والذات المستعمَرة حين تستعيد قدرتها على تسمية العالم من جديد.
.............
*يقوم منطق “الجدار الحديدي” عند جابوتنسكي على فرضية خضوع السكان الأصليين بالمشروع الصهيوني تحت ضغط تفوق عسكري وسياسي حاسم. ليصبح الوجود مشروطاً بإدامة ميزان قوة مختل، متخطياً إنتاج أي تسوية تاريخية.



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن الطوفان وأشياء أخرى (58)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (59)
- السيدة صاحبة النزل
- الحروب الأهلية القديمة والجديدة: مفارقة التصنيف والتحليل الم ...
- أمنية
- العنف والإرهاب: مقدمات
- التوظيف الرمزي للنص الديني في التشريع الإسرائيلي
- النافذة المسدودة
- بصدد الجملة الإعلامية (1): اللغة التي تسبق الصاروخ
- عسكرة التنوير وصناعة العدو -المعرفي-
- الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ومنطق الإبادة الجماعية في غزة: ...
- في انقلاب الوظيفة: من تفكيك الاستعمار إلى إدارة أزمته قراءة ...
- فلسطين في عيونهم قراءة في كتاب اختراع الأرض المقدسة: الحجيج ...
- التحليل النفسي وصناعة -اليهودي الجديد- قراءة تفكيكية في كتاب ...
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب
- عن الطوفان وأشياء اخرى (57)
- عن الطوفان واشياء أخرى (56)
- الإرهاب في الجليل: التواطؤ البريطاني-الصهيوني وفرق الليل الخ ...
- قرية إجزم الفلسطينية إبان حرب عام 1948: صياغة تاريخ أنثروبول ...
- بين وحشية النظام ووقاحة التبسيط الغربي: لماذا نرفض اختزال سو ...


المزيد.....




- إسبانيا: توجيه اتهامات بالفساد لزوجة رئيس الوزراء الإسباني ب ...
- لبنان وإسرائيل يعقدان مباحثات في واشنطن لأول مرة منذ عقود وس ...
- مؤرخ بريطاني: هناك رابح واحد من حرب ترمب
- استقالات وتهديد بالطرد لنواب أمريكيين بسبب فضائح أخلاقية وته ...
- إسرائيل تمحو الجغرافيا في الجنوب اللبناني لتغيير الديمغرافيا ...
- هل تتعاون شركة أبل مع إسرائيل ضد لبنان وتحذف قرى من خرائطها؟ ...
- مقال بفورين أفيرز: حل الأزمة الإيرانية بالحوافز لا بالضغوط
- غوتيريس يدعو واشنطن وطهران إلى استئناف المحادثات
- ترامب يهدد إيران برد فوري على أي تحرك بحري لكسر الطوق على مو ...
- واشنطن تشترط لإبرام -صفقة كبرى- مع إيران


المزيد.....

- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (60)