أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (64)















المزيد.....

عن الطوفان وأشياء أخرى (64)


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 04:52
المحور: القضية الفلسطينية
    


السلاح ليس أصل الحكاية... نعم، السلاح آخر ما في الحكاية
الأصل في القول إن وجود السلاح، في حالة المقاومة، ليس سبب الصراع. يغيب عن كثيرين، وربما عن قصد، أن الصراع ليس نتاج السلاح، فالعكس هو الصحيح. وهو، أي السلاح، ليس أصل المشكلة، وإنما أحد أعراضها.
كيف يرى "المثقف الليبرالي" المشهد؟
إنه يبدأ مشاهدة الفيلم، فيلم المقاومة، دون أن يضع في حسبانه المشاهد السابقة التي لم يصورها المخرج والتي يفترض أن المشاهد الفطن سيدركها دون وسيط (تمثل تلك المشاهد الابتدائية من "فيلم" المقاومة: الاحتلال، والاستيطان، واقتلاع السكان، والتهميش السياسي والمجتمعي... وما إلى ذلك. تلك هي الوقائع التي أوجدت المقاومة، ثم أوجدت سلاحها).
ومن هنا تكمن المشكلة في خطاب نزع السلاح. فهو يبدأ من النتيجة التي يريد الوصول إليها: "ينبغي التخلي عن العنف"، ثم يعيد بناء التاريخ كله ليجعل هذه النتيجة تبدو حتمية. لكنه لا يطرح السؤال الذي يسبقها: لماذا ظهر السلاح أصلاً؟ وما الظروف التي أنتجته؟ وما الذي سيحدث إذا اختفى بينما بقيت الأسباب التي أوجدته على حالها؟
ينطوي مثل هذا الخطاب على افتراض غير معلن، هو أن المشكلة تكمن في المقاومة أكثر مما تكمن في المشروع الاستعماري. لذلك يتخيل أن إزالة المقاومة ستفتح الطريق أمام تسوية سياسية عادلة، وافتراض أن الطرف الذي يحتكر القوة سيختار العدالة بعد أن يفقد الطرف الآخر قدرته على الاعتراض. وهذا -لعمري وعمر أبيك- من أشد حالات الخواء السياسي، أي التمسك بوهم العمل السياسي دون امتلاك أسباب القوة التي تجعله قابلاً للحياة. غير أن التجربة التاريخية تشير إلى العكس؛ فالاستعمار لا يفقد طبيعته التوسعية بمجرد أن تعيب أو تختفي أو تنتهي المقاومة، على العكس من ذلك يصبح أقل كلفة وأكثر قدرة على ترسيخ الوقائع التي فرضها بالقوة. وعندئذ لا يكون نزع السلاح مقدمةً للسلام، وإنما وسيلة لإدارة الهيمنة بكلفة أدنى.
ولهذا فإن مطالبة شعب مستعمَر بالتخلي عن السلاح قبل إنهاء الاستعمار تعني، عملياً، التخلي عن آخر وسائل الضغط التي يمتلكها في علاقة غير متكافئة، ثم دعوته إلى الثقة بحسن نية الطرف الأقوى، وافتراض أن من يحتكر القوة سيختار العدالة بعد أن يفقد الطرف الآخر قدرته على الاعتراض. وليس ذلك سوى صورة من الفراغ السياسي؛ إذ يجري التمسك بوهم العمل السياسي مع التخلي عن الأسباب التي تمنحه أي فاعلية.
لا يقدم التاريخ أمثلة كثيرة على استعمار انتهى لأن ضحاياه أثبتوا سلميتهم. فالاستعمار لا يتراجع عندما يقتنع بالعدالة، وإنما عندما تصبح كلفة استمراره أعلى من قدرته على الاحتمال. وهذه الكلفة لا تنتجها البيانات الأخلاقية وحدها، ولكن تصنعها مقاومة سياسية ومجتمعية تجعل استمرار الوضع القائم أكثر صعوبة من تغييره.
وهنا يظهر الخلل الأعمق في بعض الطروحات الليبرالية، كما تتجلى في كتابات عدد من مثقفيها حول القضية الفلسطينية. فهي تخلط بين رفض العنف بوصفه موقفاً أخلاقياً عاماً، وبين رفض حق الشعوب المستعمَرة في مقاومة الاستعمار. فالأول موقف فلسفي مشروع، ويمكن مناقشته والاختلاف حوله، أما الثاني فهو موقف سياسي يؤدي، شاء أصحابه أم أبوا، إلى تثبيت ميزان القوة القائم. فحين يُطلب من الفلسطيني التخلي عن السلاح، بينما تحتفظ إسرائيل بجيش من أكثر جيوش المنطقة تفوقاً، وتواصل الاستيطان، وتحظى بدعم القوى الكبرى، فإن ذلك لا ينهي العنف. إنه يكرس احتكاره بيد طرف واحد.
تزداد المشكلة عمقاً حين يجري تحويل سلاح المقاومة إلى مشكلة أخلاقية فتصبح السياسة مجالاً مستقلاً عن القوة. إذ تفترض هذه الرؤية أن النزاعات تُحل عبر العقلانية، والمفاوضات، وبناء المؤسسات، والاعتراف المتبادل، وكأن أطراف الصراع تدخل هذه العملية من مواقع متقاربة. غير أن هذا التصور يتجاهل الحقيقة المؤسسة للقضية الفلسطينية. فنحن لا نتحدث عن نزاع حدودي بين دولتين، ولا عن خلاف سياسي بين طرفين متكافئين، وإنما عن مشروع استعماري استيطاني من جهة، وشعب يخضع لهذا المشروع من جهة أخرى. وتحويل هذه العلاقة إلى خلاف سياسي عادي لا يؤدي إلا إلى حجب جوهرها التاريخي.
ولا حاجة إلى استدعاء تجارب بعيدة لإثبات ذلك. فالتجربة الفلسطينية نفسها تقدم مثالاً واضحاً. فمنذ اتفاق أوسلو، لم يؤد تراجع المقاومة إلى إنهاء الاحتلال، بل أفضى إلى احتلال سوبر ديلوكس ، أقل كلفة وأكثر رسوخاً، وإلى توسع استيطاني غير مسبوق، بينما تحولت السلطة الفلسطينية تدريجياً إلى جهاز بيروقراطي يدير شؤون السكان تحت سقف الاحتلال، من دون أن يمتلك القدرة على تغيير موازين القوة أو فرض أفق سياسي مختلف.
إن السياسة من دون قوة ليست دائماً سياسة حكيمة؛ وقد تكون، في ظروف معينة، اسماً آخر للاستسلام. فالحقوق لا تُنتزع دائماً لأن الأقوياء اقتنعوا بعدالتها، بل كثيراً ما تنال الشعوب حقوقها عندما يصبح إنكارها أكثر كلفة من الإقرار بها. ولهذا بقيت المقاومة، بكل تعقيداتها وأخطائها وحدودها، جزءً من تاريخ حركات التحرر الوطني، ليس لأنها الخيار المثالي، وإنما لأنها تظهر عندما تُغلق سائر الخيارات.
يبقى اعتراض آخر يتكرر في النقاش الدائر حول الحرب، ويتمثل في تفسير استمرار المقاومة بمغالطة "التكلفة المتراكمة، أو السابقة"*. ولا شك أن هذا المفهوم يساعد في فهم بعض آليات اتخاذ القرار، لكنه لا يصلح تفسيراً مكتملًا لسلوك أي طرف في الصراع.
فإذا نظرنا إلى موقف حماس منذ السابع من تشرين الأول 2023 من هذه الزاوية، لا نستطيع الجزم بأن مغالطة التكلفة وحدها تفسر قراراتها، لكنها قد تفسر جانباً من منطق الاستمرار. فبعد عملية "طوفان الأقصى" تبدلت البيئة الاستراتيجية جذرياً، ولحق بقطاع غزة دمار واسع ومتعمد، وخسرت الحركة جانباً كبيراً من بنيتها العسكرية وعدداً من أبرز قادتها، كما تكبد المجتمع الفلسطيني خسائر بشرية ومادية هائلة. وفي مثل هذه الظروف يصبح أي تنازل كبير مكلفاً سياسياً ورمزياً، لأنه قد يُفهم داخلياً على أنه إقرار بأن تلك التضحيات ذهبت سدى.
غير أن اختزال موقف الحركة في هذا العامل وحده يغفل حساباتها الاستراتيجية. فهي ترى أن مجرد بقائها، رغم حجم الضربات التي تلقتها، يمثل إخفاقاً لإسرائيل في تحقيق أحد أهدافها الرئيسة، وتدرك في الوقت ذاته أن التخلي عن السلاح أو القبول باستسلام كامل قد يعني نهاية وجودها السياسي والعسكري. ومن هذا المنطلق يصبح استمرار التفاوض والمقاومة، في تقديرها، أقل كلفة من الاستسلام، كما تراهن على أن مرور الوقت وتزايد الضغوط الدولية والإنسانية قد يغيران شروط التفاوض.
والمفارقة أن المنطق عينه يمكن أن ينسحب على إسرائيل أيضاً. فبعد ما تكبدته من خسائر، وما أنفقته من موارد، وما ربطته بالحرب من أهداف معلنة، يصبح التراجع قبل تحقيق تلك الأهداف أكثر صعوبة من الناحية النفسية والسياسية. ومن ثم، قد يكون الطرفان واقعين، بدرجات متفاوتة، تحت تأثير مغالطة التكلفة الغارقة، مع اختلاف الدوافع والحسابات والغايات لدى كل منهما.
...........
*ثمة مفهوم معروف في الاقتصاد وعلم النفس السلوكي يدعى Sunk Cost (يترجمه البعض الكلفة الغارقة، ولكن لم أجد أي معنى في هذه الترجمة)، ويعني الميل إلى الاستمرار في قرار أو مسار معين بسبب ما أُنفق عليه سابقاً من موارد أو تضحيات، حتى عندما تصبح حسابات الحاضر والمستقبل تشير إلى أن الاستمرار قد لا يكون الخيار الأفضل. ويستخدم في المجال السياسي لتفسير صعوبة التراجع عن خيارات كبرى بعد تحمّل خسائر كبيرة، إذ قد ينظر إلى التراجع كنوع من الإقرار بأن التضحيات السابقة لم تحقق أهدافها.



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية
- شتاء تورينو: المشهد الأخير
- قراءة في كتاب أنبياء مزيفون، مفهوم العبث في أعمال كامو وديست ...
- تأملات في اللاعنف
- حقيقة اكتشاف إيلات مزار لقصر الملك داود.
- علم الآثار تحت الحكم العسكري: الأثر والتراث أدوات سيادة استي ...
- السلام الإبراهيمي: لاهوت السردية الجيوسياسية
- كيف يعيد المشفى صياغة الإنسان الحديث؟ تأملات في الرعاية والض ...
- إيران في مرآة النماذج: من النقاش السياسي إلى إلغاء الموقف ال ...
- عن الطوفان وأشياء أخرى (63)
- الأفعى. قصة قصيرة
- عن الطوفان واشياء أخرى (62)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (61)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (60)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (58)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (59)
- السيدة صاحبة النزل
- الحروب الأهلية القديمة والجديدة: مفارقة التصنيف والتحليل الم ...
- أمنية
- العنف والإرهاب: مقدمات


المزيد.....




- وسط تصاعد التوتر مع بكين.. تايوان تجري أكبر مناوراتها العسكر ...
- جرحى بغارات إسرائيلية وقصف مدفعي يستهدفان بلدات عدة في جنوب ...
- علاء مبارك يشن هجوما حادا على إيران بعد حادث دمياط: -ليت بين ...
- الخارجية الروسية: كييف لا تتوانى عن استخدام أساليب الإرهابيي ...
- مصر.. الداخلية تكشف مفاجآت بعد فيديو -فتاة أوبر- المثير للجد ...
- ترامب: نبني مجمعا عسكريا ضخما يضم مرافق سرية تحت البيت الأبي ...
- مصادر: إيران تحذر دول الخليج من استهداف منشآتها النفطية حال ...
- لقطات مروعة توثق اغتيال مؤثر مكسيكي شهير أثناء بث مباشر على ...
- 15 سفينة بكلفة 275.. تعرّف على أسطول -دونالد ترمب- الحربي
- الحوثيون يعلنون -مهاجمة ناقلة نفط سعودية في خليج عدن-


المزيد.....

- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (64)