أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الصباغ - شتاء تورينو: المشهد الأخير














المزيد.....

شتاء تورينو: المشهد الأخير


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 16:17
المحور: الادب والفن
    


نسي الصباح كيف يكون صباحاً؛ فقد بدت تورينو تستيقظ على مهل تحت ضوء شاحب ينسل من سماء فقدت لونها. كانت النوافذ موصدة في وجه رطوبة الليل، والوجوه تمر مسرعة، والعربات تشق الطريق الحجري بصوت مكتوم، كأن المدينة تجر حملاً لا تدرك كنهه. خرج فريدريك من الفندق بمعطفه الداكن الذي يلف جسده النحيل، وبدأ ت أولى خطواته البطيئة تقيس مدى صموده أمام برد شهر كانون، متكئاً على عصاه كمن يحمل بقايا شيء انكسر. بدا وجهه -الذي ارتسمت عليه آثار سنوات من السهر والمرض والعزلة- كصفحة أنهكت بالكتابة ثم تركت طويلاً تحت المطر. أما عيناه الغائرتان بنظرة شاردة، فكانتا غارقتين في تعب لا يشبه النوم؛ تعب رجل لم يعد يميز بين الأفكار التي أنقذته وتلك التي أرهقته، وشاربه الكثيف يخفي ارتجاف شفتيه، فيما يهتز رأسه المثقل بأفكار لطالما سافرت إلى أماكن لم يعد منها كما كان. لقد أمضى حياته يطرق أبواب المعنى، يحطم الأصنام، ويشكك في المقدسات، ويقف وحيداً أمام صمت الكون؛ لكنه في ذلك الصباح لم يكن يحمل مطرقته، بل كان يحمل صمته، وعصاه، ومآربه الأخرى.
ظهر الحصان في آخر الشارع، ليس في نهايته تماماً، وإنما قبيل الانعطافة الأخيرة على مدّ بصره. كان واقفاً أمام العربة كظل أثقلته الحياة؛ رأسه منخفض، وعنقه مشدود، وجسده يرتجف تحت برد الصباح. لم يكن في مظهره شيء من البطولة أو القوة أو الجمال. مجرد كائن تعب من حمل ما وضع عليه. وفجأةً، ارتفع السوط، وفي اللحظة التي شق فيها الهواء بصوته، التفت فريديريك. لم يرَ الضربة. رأى المسافة التي قطعتها اليد قبل أن تهبط، كأنما تجسّد أمامه تاريخ كامل من القسوة في حركة واحدة؛ خشب العربة وهو يصطك، وأنفاس حيوان يجر حملاً يفوق طاقته، وصوت السوط وهو يهوي في الفراغ.
تقدم فريديريك بخطواتٍ متعثرة، لم يسمع السائق صوته، وربما لم يتكلم أصلاً، لكن كان في وجه الرجل ما جعل يد السائق تتوقف؛ شيء يشبه الخوف، أو الحيرة، أو صدمة رؤية ما لا يدركه العقل. اقترب فريديريك من الحصان الذي كان يتنفس بصعوبة، ويخرج البخار من منخريه في الهواء البارد كدخان روح متعبة. مدّ يده، فتردد الحصان؛ كانت رائحة فريديريك غريبة عليه؛ مزيج من معطف قديم، وكتب ظلت مفتوحة طوال الليل، وتبغ خفيف تسلل إلى ثيابه من ساعات طويلة قضاها وحيداً أمام الأوراق. كانت رائحة رجل عاش أكثر مما ينبغي داخل رأسه.
اتسعت عينا الحصان، شمّ الغريب بعمق، ثم تراجع قليلاً قبل أن يثبت في مكانه. كان هناك شيء في تلك اليد التي لم تطلب منه شيئاً؛ لا لجام ولا سوط ولا أمر. كانت مجرد يد ترتجف تلامس عنقه. هدأ الحصان تدريجياً، فاقترب منه فريديريك حتى صار وجهه عند عنقه، واستنشق رائحته؛ مزيج من العرق والجلد والتبن والغبار، ذلك العطر القديم للعمل والصبر. شعر بالخصلات الخشنة تحت خدّه، وبحرارة الجسد الذي ظل واقفاً رغم كل شيء.
ثم انبعث صهيل مجروح، صوت قصير ومنخفض وحزين، كأنه يخرج من مكان أعمق من الحنجرة؛ من قلب العالم نفسه. أغمض فريديريك عينيه، وللحظة تلاشت الشوارع والعربات والمارة وتورينو؛ لم يبقَ سوى رجل وحصان، كائنين حملا أكثر مما ينبغي.
في تلك اللحظة، لم يكن فريديريك يبحث عن "الإنسان الأعلى"، ولم يكن يريد تجاوز الطبيعة أو الانتصار على الضعف. كان الضعف ذاته ماثلاً أمامه، دافئاً، يتنفس، وله عينان واسعتان. احتضن الحصان، وحين التصق وجهه بعنقه، بدا وكأنه يعانق كل ما سقط ولم يجد من يرفعه.
بعد زمن، سيأتي من يروي الخبر ويقول: "هنا بدأ الجنون". لكن أحداً لن يعرف إن كان الجنون قد بدأ في تلك اللحظة، أم أن شيئاً آخر قد انتهى. ربما انتهى "المعلّم" وبقي الإنسان وحيداً في شارع بارد، يلفّ ذراعيه حول عنق حصان. سيقال أيضاً: كان إنساناً اكتشف، متأخراً، أن هناك آلاماً تُهزم بالاحتضان.



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في كتاب أنبياء مزيفون، مفهوم العبث في أعمال كامو وديست ...
- تأملات في اللاعنف
- حقيقة اكتشاف إيلات مزار لقصر الملك داود.
- علم الآثار تحت الحكم العسكري: الأثر والتراث أدوات سيادة استي ...
- السلام الإبراهيمي: لاهوت السردية الجيوسياسية
- كيف يعيد المشفى صياغة الإنسان الحديث؟ تأملات في الرعاية والض ...
- إيران في مرآة النماذج: من النقاش السياسي إلى إلغاء الموقف ال ...
- عن الطوفان وأشياء أخرى (63)
- الأفعى. قصة قصيرة
- عن الطوفان واشياء أخرى (62)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (61)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (60)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (58)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (59)
- السيدة صاحبة النزل
- الحروب الأهلية القديمة والجديدة: مفارقة التصنيف والتحليل الم ...
- أمنية
- العنف والإرهاب: مقدمات
- التوظيف الرمزي للنص الديني في التشريع الإسرائيلي
- النافذة المسدودة


المزيد.....




- -شرفات بيروت لو روت حكايتها-.. فنان لبناني يحوّل التفاصيل ال ...
- أنتوني هوبكينز: الممثل المخضرم يطلق أول ألبوم في مسيرته المو ...
- حجر رشيد وأمثاله.. كيف فتحت النصوص ثنائية اللغة أبواب الحضار ...
- تركيا.. حكم بسجن الفنانة توبا أولو
- ميخائيل لومونوسوف.. -دافنشي الروسي- الذي خرج من قرية نائية إ ...
- في ذكرى ميلاده الـ160.. معرض عن القديس سيرافيم الفيريتسي في ...
- لماذا اختار كريستوفر نولان الهند لعرض فيلم -الأوديسة-؟
- لاجئ سوري يقترب من تحقيق حلمه في البطولة الأشهر عالميا للفنو ...
- بميزانية بسيطة.. كيف أعاد فيلم -حليمة- السينما المغربية لمنص ...
- حق الأداء العلني: لماذا يعارضه منتجون ويطالب به فنانون في مص ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الصباغ - شتاء تورينو: المشهد الأخير