محمود الصباغ
كاتب ومترجم
(Mahmoud Al Sabbagh)
الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 01:04
المحور:
القضية الفلسطينية
يرتبط مصطلح "السلام الإبراهيمي" اليوم باتفاقيات التطبيع العربية الإسرائيلية، غير أن جذره الأول تشكل داخل حقل أقدم هو علم الآثار الكتابي.
ففي كتابه "أنهار في الصحراء" صاغ عالم الآثار والحاخام اليهودي الأمريكي نيلسون غلويك Nelson Glueck مصطلح Pax Abrahamitica لوصف نمط من الاستقرار خلال مسوحاته الأثرية في صحراء النقب وما جاورها، بهدف العثور على دليل مادي يدعم الحقبة التي تنسب في الأدبيات الكتابية إلى "عصر الآباء"(القرن 20 ق.م تقريباً حسب الكرونولوجيا الكتابية التقليدية) [1]. وقد استلهم التسمية من مفهوم "السلام الروماني"Pax Romana وهو العصر الذي فرضت فيه الإمبراطورية الرومانية، كقوة مركزية، استقراراً عسكرياً وسياسياً واسعاً.
تنطلق فرضية غلويك من ملاحظة ميدانية محددة لمواقع توطن قديمة تعود إلى عصر العمارنة أو العصر البرونزي الوسيط (الذي ربطه بعهد إبراهيم الكتابي)، لا تظهر فيها أسوار دفاعية كثيفة أو تحصينات بارزة. فاستنتج أن هذه البيئة الجهوية سمحت بحرية حركة البشر والتجارة عبر الصحراء دون الحاجة لوجود ثكنات عسكرية لحراسة القوافل، و ضمن مستويات منخفضة من الاحتكاك العسكري المباشر. غير أنه ذهب أبعد، حين بنى تصور رمزي بصبغة كتابية وروحية لجهة تأويل يربط نمط التوطن هذا بشخصية إبراهيم الكتابية كعلامة جامعة تتجاوز الانقسام الجغرافي والاجتماعي، وتمنح الفضاء الصحراوي معنى وحدوياً ممتداً.
لا ينفصل هذا الربط بين الملاحظة الأثرية والمرجعية الكتابية عن البنية الفكرية والدينية التي ينتمي إليها غلويك بوصفه حاخاماً يهودياً إلى جانب عمله الأكاديمي في علم الآثار، فارتبطت خبراته الميدانية وعمله الأكاديمي والديني بتوظيف المعرفة الجغرافية والأثرية في سياقات تتصل بفهم المنطقة وإدارتها سياسياً وأمنياً، بما يضع إنتاجه العلمي داخل فضاء يتداخل فيه البحث مع الاعتبارات الاستراتيجية[2] . وانعكس هذا التداخل بين المرجعية الدينية والممارسة الأثرية في طريقة قراءة النص الكتابي كإطار تفسيري للجغرافيا والتاريخ في آن واحد. ويتوسع هذا المنظور داخل علم الآثار الكتابي، حيث جرت (إعادة) ترتيب الجغرافيا القديمة عبر النصوص الدينية، وضبط الساعة التاريخية بما يسمح بمواءمة المكتشفات الأثرية مع السردية الكتابية.
في هذا الإطار أعاد غلويك صياغة التسلسل الزمني للمنطقة، فأرجأ الظهور النبطي إلى القرن الثالث ق.م، وهو ما أنتج فجوة زمنية واسعة بين القرنين التاسع والثالث ق.م استخدمت لتوسيع الحضور التاريخي لكيانات العهد القديم مثل مؤاب وأدوم داخل الجغرافيا القديمة، اعتماداً على قراءة نصية ظلت موضع جدل في تفسير الشواهد الأثرية، ومن بينها حجر ميشع.
وإذن ، تتدرج هذه المنهجية نحو إعادة تعريف العلاقة بين النص والمكان. فلا تظهر المكتشفات الأثرية هنا كطبقات مستقلة من الماضي، وإنما الأساس داخل إطار تفسيري مسبق يستمد مرجعيته من مرويات العهد القديم، لينقل النص من موقع المصدر بين مصادر متعددة إلى موقع الإطار الذي تعاد من خلاله قراءة الجغرافيا والتاريخ لتشكيل صورة جديدة للحضور التاريخي لشعوب المنطقة وتعقيداته.
تتسع هذه المقاربة خارج الحقل الأكاديمي لتدخل في تشكيل المخيال السياسي والثقافي حول الشرق. فالنموذج التفسيري الذي أنتجه علم الآثار الكتابي لم ينحصر في النقاشات المتخصصة، لكنه تسرب إلى تصور أوسع يرى الجغرافيا بعيون سرديات العهد القديم ، بما يمنح بعض القراءات التاريخية موقعاً مركزياً في فهم المنطقة مقابل تراجع قراءات أخرى أكثر تعدداً وتعقيداً.
وظف غلويك، وفق هذا النسق التحليلي، مفهوم "السلام الإبراهيمي" متخطياً التفسير اللاهوتي المحدود لتاريخ النقب. وربط مسوحاته الأثرية بالمخيال الديني الأمريكي، ليخلق تماهياً بين الولايات المتحدة بوصفها "إسرائيل الجديدة" والمشروع الصهيوني في فلسطين. فتحولت الصحراء في سرديته إلى فضاء لاختبار الإيمان وتأكيد السيطرة، وتقاطعت شخصية عالم الآثار مع صورة المستكشف الأمريكي الرائد الذي يطوع الطبيعة لخدمة نصه المقدس. وقد وفرت تنقيباته الغطاء "العلمي" لمركزة النص الكتابي وهيمنته على تاريخ المنطقة. فحول عبر مسوحاته الميدانية سردية الآباء من حيز المعتقد والأسطورة إلى حيز المادة والشرعية الجغرافية في تجسيد واضح لمعنى علم الآثار الاستعماري، تتجلى فيه آليات تطويع المكتشفات (في ظل غياب الدليل المادي) لصنع حضور إيديولوجي للسردية الكتابية الأساسية ( مرويات الآباء المؤسسيين والخروج والغزو) فعمل على مصادرة التاريخ المادي لسكان النقب وصهره في بوتقة زمنية لاهوتية بحتة، ليجعل من الصحراء مسرحاً جاهزاً لتأكيد النص الديني، ويمهد الطريق لاعتبار النقب امتداداً جغرافياً أصيلاً للمشروع الصهيوني لاحقاً. لقد أسس هذا المفهوم اللاهوتي المبكر لعملية تطهير زمني ومكاني معمقة يجري فيها عزل هُوية المكان الأصلية واستبدالها بهُوية مستمدة حصراً من النص الكتابي غي عملية تدوير مصطنعة لشرعية مفتعلة تبرر ترتيبات إقليمية جديدة وتتخذ من المشترك الديني مظلة لتمرير تحالفات أمنية وسياسية استراتيجية.
ضمن هذا الامتداد الرمزي يظهر التحول اللاحق لمفهوم "السلام الإبراهيمي" في صيغته السياسية المعاصرة. فـ"اتفاقيات إبراهيم" التي أُعلنت عام 2020 بين إسرائيل وكل من الإمارات العربية المتحدة والبحرين، ثم انضمت إليها لاحقاً دول مثل المغرب والسودان، تستدعي الاسم الإبراهيمي بوصفه إطاراً رمزياً جامعاً يُفترض أنه يتجاوز الانقسامات الدينية والتاريخية. ورغم عدم وجود اتصال مباشر بين هذه الاتفاقيات وأطروحة غلويك، فإن الرابط يكمن في البنية الرمزية ذاتها التي تمنح إبراهيم وظيفة فوق-تاريخية قابلة لإعادة التوظيف السياسي. فلم يعد مفهوم السلام محصوراً في وقف الحروب أو تسوية النزاعات، وإنما اتسع ليشمل إدارة المصالح الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية ضمن فضاء إقليمي مترابط. تتجسد هذه الصيغة في شبكات من الاستثمارات والتعاون التي تعيد تنظيم العلاقة بين الدول وفق منطق الاستقرار والمصلحة، مع إعادة إنتاج تصور عن فضاء مفتوح للحركة والتبادل تحت مظلة أمنية مشتركة، وتتقاطع هذه التحولات مع إعادة توظيف أوسع للرموز الدينية في صياغة التصورات الجيوسياسية للمنطقة، حيث تتحول المرجعيات الإبراهيمية إلى أداة لتأطير نظام إقليمي ناشئ تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل، ويقوم على تداخل الاقتصاد بالأمن والتكنولوجيا ضمن بنية واحدة[3].
لا يتوقف أثر أعمال غلويك عند حدود إنتاج معرفة أثرية عن النقب أو جنوب بلاد الشام، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بالعلاقة بين المعرفة والسلطة. فالمعطيات الميدانية لا تُقرأ بمعزل عن الأطر التفسيرية التي تُدرج داخلها، وهذه الأطر تتحرك بدورها داخل سياقات ثقافية وسياسية أوسع. بهذا المعنى يصبح علم الآثار جزءاً من عملية إنتاج تصور عن الماضي ينعكس على طريقة فهم الحاضر وإعادة تخيله.
يعد غلويك مثالاً ساطعاً مثل على التحولات العميقة في الفكر البروتستانتي الأمريكي، وتماهيه مع تطلعات المشروع الصهيوني عبر بوابة التنقيب الأثري. ومن هنا، يمثل تفكيك الأطروحات التي أرساها نيلسون غلويك يمثل خطوة أساسية لتعرية آليات علم الآثار الاستعماري وتوظيف المعطيات والبيانات لإعادة صياغة جغرافية المنطقة وتاريخها بما يطابق الرواية الكتابية. ويتجه النقد عموماً ناحية تعرية التشويه المتعمد للمدى الزمني والحضاري للشعوب الأصيلة. ويتجاوز الأثر التراكمي لعمل غلويك حدود الاستكشاف التاريخي البحت ليصل إلى صياغة وعي سياسي متكامل. مهدت نظرياته حول الممالك التوراتية الطريق المعبد أمام المشاريع الحديثة التي ترفع لواء "السلام الإبراهيمي". وما انفكت التصريحات السياسية لأطراف التطبيع الإبراهيمي تستدعي على نحو مبتذل تلك الجغرافيا الكتابية التي هندسها غلويك وأقرانه (أولبرايت, رايت، ديفر، وغيرهم) بغية فرض واقع يعيد تعريف الانتماءات الإقليمية قياساً على معايير تخدم المركزية الصهيونية الخالصة، وتنتزع المنطقة من سياقها التاريخي الطبيعي.
.........
[1]Glueck, N.(1959) Rivers in the Desert: A History of the Negev, Farrar, Straus and Cudahy.P76. Internet Archive - Rivers in the Desert
[2] حول تداخل النشاط الأثري مع السياقات الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط في تلك المرحلة، انظر: Neil Asher Silberman, Digging for God and Country, Knopf, 1982 و أيضاً Frederick E. Greenspahn (ed.), The Social World of Biblical Antiquity, Scholars Press, 1993.
[3] انظر على سبيل المثال https://mei.edu/backgrounder/abraham-accords/ وكذلك https://www.chathamhouse.org/2023/03/abraham-accords-and-israel-uae-normalization
#محمود_الصباغ (هاشتاغ)
Mahmoud_Al_Sabbagh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟