أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (66)















المزيد.....

عن الطوفان وأشياء أخرى (66)


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 22:11
المحور: القضية الفلسطينية
    


الكاتب الصحفي وحدود السلطة المعرفية
ثمة ظاهرة تستحق النقد في الكتابة العربية الراهنة، إذ تثير بعض الكتابات حول المقاومة الفلسطينية مسألة تتجاوز مضمون الموقف الذي تتبناه. فبين كتّابها مثقفون بدأوا تكوينهم السياسي والفكري في أوساط اليسار العربي، في زمن كانت فيها المقاومة الفلسطينية واللبنانية جزءً من المرجعية السياسية لذلك اليسار، ثم انتقلوا لاحقاً إلى مواقع ليبرالية أخذوا منها مسافة متزايدة من المقاومة، وأصبح بعضهم يتخذ موقفاً نقدياً من عملها العسكري واعتبار سلاحها بصورة خاصة أصل المشكلة وعن التخلي عنه باعتباره الطريق إلى الخلاص.
فإذا كان تغيّر الموقف السياسي أمر طبيعي في حياة المثقف، ولا توجد قيمة معرفية في ثبات الموقف لمجرد أنه قديم. (يقال على سبيل التأكيد مراجعة المواقف فضيلة حين تكون ثمرة مراجعة حقيقية للمعرفة). لكن المشكلة تبدأ في مكان آخر فمراجعة الموقف السياسي لا تتحول تلقائياً إلى مراجعة معرفية. فحين يتغير الموقف السياسي، ثم يجري استعراض هذا التغيير على أنه اكتشافاً معرفياً، وحين تتحول الصحافة من وسيلة للتعبير عن الرأي إلى منصة تمنح هذا الرأي سلطة لا توفرها أدواته، فهذا ما يستحق الفحص، وهنا تحديداً ينبغي التمييز بين صاحب المعرفة وصاحب الخطاب.
فالمقالة التي تنتقد سلاح المقاومة يمكن أن تكون مقالة سياسية مشروعة، حتى إذا كان صاحبها لا يمتلك تكويناً أكاديمياً في التاريخ أو العلوم السياسية. لكن الأمر يتغير عندما تنتقل المقالة من التعبير عن موقف إلى تقديم تفسير عام للظاهرة، أو إصدار أحكام تاريخية وسببية بشأنها. عند هذه النقطة يصبح من الضروري التمييز بين القدرة على الكتابة عن موضوع وبين امتلاك الأدوات التي تسمح بإنتاج معرفة حوله.
الصحافة مهنة لها أدواتها الخاصة. الصحفي يتعلم الوصول إلى المعلومات، والتحقق منها، واختيار المصادر، وإجراء المقابلات، وتركيب الوقائع، وصياغة المادة بما يجعلها قابلة للقراءة. وقد يبلغ الصحفي درجة عالية من الاحتراف في هذه المهارات. لكن هذه الكفاءة لا تنتقل تلقائياً إلى حقول معرفية أخرى. فإتقان إنتاج المادة الصحفية لا يكفي لإنتاج تفسير تاريخي أو اجتماعي أو سياسي لظاهرة معقدة.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين ثلاثة مستويات: المعلومات، والخطاب، والمعرفة.
المعلومة هي ما يمكن نقله وتوثيقه. والخطاب هو تنظيم هذه المعلومات داخل تفسير أو موقف. أما المعرفة فتتطلب، بالإضافة إلى المعلومات، طريقة محددة في إنتاج الاستنتاج والتحقق منه.
إذا قال كاتب إن شخصية سياسية أو جهة فلسطينية ترى أن المقاومة المسلحة ضرورية، فهذا نقل لموقف يمكن التحقق منه. أما إذا قال إن المقاومة المسلحة أضرت بالقضية الفلسطينية، أو أن سلاحها أدى إلى عزلة الفلسطينيين، أو أنه أفشل فرص التسوية، فقد انتقل إلى ادعاءات سببية وتاريخية تحتاج إلى مستوى آخر من الإثبات. والسؤال عندئذ لا يتعلق بقدرة الكاتب على التعبير عن رأيه، وإنما بكيفية وصوله إلى النتيجة.
ما المقصود بالمقاومة في هذا التحليل؟ هل يتحدث عن المقاومة بوصفها ظاهرة تاريخية، أم عن تنظيم محدد، أم عن شكل معين من أشكال العمل المسلح؟ وما المعيار المستخدم للحكم على نجاحها أو فشلها؟ وما الفترة التي يغطيها التحليل؟ وما الحالات المقارنة التي تسمح بإسناد الحكم؟ وكيف جرى التمييز بين آثار المقاومة وآثار الاحتلال والاستيطان والحصار واختلال ميزان القوة؟ وهل فُحصت التفسيرات البديلة للنتيجة؟
هذه ليست أسئلة أكاديمية زائدة عن الحاجة. إنها شروط لازمة عندما يتحول المقال من إبداء موقف إلى تفسير ظاهرة تاريخية. فعبارة مثل "المقاومة أضرت بالقضية الفلسطينية" تبدو في شكلها جملة بسيطة، لكنها تتضمن عدداً من الافتراضات: تحديد المقصود بالقضية، وتحديد أهدافها، ووضع معيار لقياس الضرر، وإثبات علاقة سببية بين المقاومة والنتيجة، واستبعاد العوامل الأخرى التي يمكن أن تفسر النتيجة نفسها. وإذا لم تُفحص هذه المستويات، تظل العبارة حكماً سياسياً، مهما كانت صياغتها محكمة. ومن هنا يمكن فهم الفرق بين صاحب الخطاب وصاحب المعرفة. فصاحب الخطاب يستطيع تقديم تفسير ويجادل لصالحه. أما صاحب المعرفة، بالمعنى المنهجي، فعليه توضيح الأساس الذي يسمح له بالانتقال من الوقائع إلى التفسير، ومن التفسير إلى الحكم.
ولا يعني ذلك أن الصحفي عاجز عن إنتاج معرفة. فالصحافة الاستقصائية، مثلاً، قد تكشف وقائع جديدة وتوفر مادة معرفية مهمة للباحثين والجمهور. لكن نوع المعرفة الذي تنتجه الصحافة يرتبط بطبيعة العمل الصحفي وأدواته. وعندما ينتقل الصحفي إلى أحكام تاريخية أو اجتماعية واسعة، عليه أن يضيف إلى أدواته الصحفية أدوات الحقل الذي يستند إليه في تلك الأحكام. ولكن المشكلة تظهر حين لا يحدث هذا الانتقال، بينما ترتفع درجة اليقين في الخطاب. وهذا يكتسب أهمية خاصة في حالة المثقفين الذين تغيرت مواقفهم من المقاومة.
فالسؤال المنهجي هنا ليس لماذا أصبح الكاتب ليبرالياً بعد أن كان يسارياً، ولا ما إذا كان موقفه القديم أو الجديد أكثر صواباً. السؤال هو: هل رافق التحول السياسي تحول في الجهاز المعرفي الذي يستند إليه؟
قد يكون الجواب نعم، وفي هذه الحالة ينبغي أن تظهر آثاره في الكتابة: مفاهيم جديدة، ومصادر مختلفة، ومناهج أخرى، وقراءة مختلفة للوقائع، وأدلة تفسر لماذا أصبح الاستنتاج الجديد أكثر قوة من السابق. أما إذا اقتصر التحول على تغيير المفردات السياسية، فقد لا نكون أمام تحول معرفي بالمعنى الدقيق. فاستبدال مفهوم "المقاومة" بمفهوم "العنف"، أو "التحرير" بمفهوم "السلام"، لا يحسم المسألة؛ لأن كل مفهوم منها يضع الظاهرة داخل إطار تحليلي مختلف، ويحدد منذ البداية ما الذي سيظهر في التحليل وما الذي سيبقى خارجه.
وهنا تبرز مسألة "نمط المعرفة". فالنظر إلى المقاومة بوصفها مشكلة أمنية يختلف عن النظر إليها بوصفها ظاهرة من ظواهر حركات التحرر الوطني، كما يختلف كلاهما عن دراستها باعتبارها ظاهرة اجتماعية أو سياسية.
الاختلاف ليس في المصطلحات فقط، وإنما في الأسئلة التي يطرحها الباحث وفي نوع الأدلة التي يعتبرها ذات صلة. ولهذا فإن نقد مقال عن المقاومة لا ينبغي أن يبدأ من الاتفاق أو الاختلاف مع موقف الكاتب. يمكن أن يبدأ من سؤال أكثر تحديداً: ما نوع الادعاء الذي يقدمه النص، وما الأدوات التي تبرره؟
إذا كان النص يقدم موقفاً سياسياً، فيمكن مناقشة الموقف سياسياً. أما إذا قدم نفسه بوصفه تفسيراً للتاريخ أو للمقاومة أو لأسباب نجاحها وفشلها، فينبغي أن يخضع لمعايير التفسير التاريخي والسياسي، وليس لمعيار جودة الصياغة الصحفية وحده.
هذه المسألة مهمة لأن الاحتراف الصحفي قد يخفي أحياناً الفارق بين جودة النص وجودة المعرفة التي يتضمنها. فالمقال المحكم قد يمنح القارئ انطباعاً بأن الاستنتاج موثق، بينما تكون العلاقة بين المعلومات والاستنتاج ضعيفة أو غير مفحوصة. ولا تكفي كثرة الأسماء والتواريخ والاقتباسات لإزالة هذه المشكلة؛ لأن السؤال يبقى متعلقاً بكيفية تنظيم الأدلة واستخدامها في إثبات النتيجة.
ومن هنا يمكن النظر إلى بعض التحولات الفكرية من اليسار إلى الليبرالية بطريقة أكثر دقة. ليس المطلوب محاكمة الكاتب على ماضيه، ولا اعتبار موقفه السابق حجة على موقفه الحالي. المطلوب فقط التمييز بين تغير الموقف وتغير المعرفة. فالمثقف قد يراجع موقفه من المقاومة لأسباب أخلاقية أو سياسية أو فكرية. وهذا شأن مشروع. لكنه حين يقدم هذا الموقف الجديد باعتباره نتيجة معرفية، يصبح مطالباً بتقديم الأساس الذي أنتجها.
والسؤال في النهاية بسيط: كيف عرفت؟
هذا السؤال لا يفرض على الكاتب أن يكون أكاديمياً، ولا يمنع الصحفي من الكتابة في السياسة، ولا يشترط الانتماء إلى مؤسسة بحثية. إنه يطلب فقط التمييز بين مستويات مختلفة من الكلام. ويمكن للكاتب أن يقول: "أنا أرى أن سلاح المقاومة لم يعد مفيداً". فهذه عبارة سياسية يمكن مناقشتها. لكن حين يقول: "التاريخ يثبت أن سلاح المقاومة أضر بالقضية الفلسطينية"، فقد أصبح أمام ادعاء معرفي يحتاج إلى تاريخ وأدلة ومنهج. والفرق بين العبارتين هو الفرق بين التعبير عن موقف والادعاء بإنتاج معرفة.
لهذا فإن النقد الأكثر فاعلية لهذه الكتابات لا يكمن في إنتاج موقف مضاد، وإنما في فحص بنيتها المعرفية: ما المفاهيم التي تستخدمها، وما نوع الأدلة التي تعتمد عليها، وكيف تنتقل من المعلومة إلى التفسير، ومن التفسير إلى الحكم.
عند هذه النقطة يمكن فصل أمرين يجري الخلط بينهما كثيراً: حق الكاتب في إبداء موقفه، والسلطة التي يمنحها لنفسه حين يقدم هذا الموقف بوصفه معرفة. فالأول لا يحتاج إلى أكثر من حق التعبير. أما الثاني فيحتاج إلى برهان.



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن الطوفان وأشياء أخرى (65)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (64)
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية
- شتاء تورينو: المشهد الأخير
- قراءة في كتاب أنبياء مزيفون، مفهوم العبث في أعمال كامو وديست ...
- تأملات في اللاعنف
- حقيقة اكتشاف إيلات مزار لقصر الملك داود.
- علم الآثار تحت الحكم العسكري: الأثر والتراث أدوات سيادة استي ...
- السلام الإبراهيمي: لاهوت السردية الجيوسياسية
- كيف يعيد المشفى صياغة الإنسان الحديث؟ تأملات في الرعاية والض ...
- إيران في مرآة النماذج: من النقاش السياسي إلى إلغاء الموقف ال ...
- عن الطوفان وأشياء أخرى (63)
- الأفعى. قصة قصيرة
- عن الطوفان واشياء أخرى (62)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (61)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (60)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (58)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (59)
- السيدة صاحبة النزل
- الحروب الأهلية القديمة والجديدة: مفارقة التصنيف والتحليل الم ...


المزيد.....




- ترامب: المفاوضات مع إيران جارية مثل لعبة الشطرنج
- سوريا.. ازدحام لدى إغلاق معبر إعزاز وسط مخاوف المواطنين على ...
- اليمن: هل يعود شبح الحرب من جديد مع تجدد المواجهات العسكرية؟ ...
- التصعيد الحوثي في اليمن ـ جبهة حرب جديدة للضغط لصالح إيران؟ ...
- مقترح تركي لحماية الملاحة بالبحر الأسود
- رئيس صربيا يتهم الاتحاد الأوروبي بشن -حرب هجينة- على روسيا
- حزب الله يتهم إسرائيل بتنفيذ عملية إبادة من نوع مختلف في جنو ...
- القبض على مصري خلال هروبه من الكويت بعد ارتكابه جرائم مروعة ...
- زاخاروفا: اليابان تهين نفسها بتجاهل من ألقى القنابل الذرية ع ...
- إيران تمضي بمشروع لحظر عبور سفن أمريكية وإسرائيلية مضيق هرمز ...


المزيد.....

- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (66)