|
|
أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة: كتاب قديم، وقارئ آخر، وذاكرة لا تزال تعمل
محمود الصباغ
كاتب ومترجم
(Mahmoud Al Sabbagh)
الحوار المتمدن-العدد: 8818 - 2026 / 9 / 4 - 04:48
المحور:
الارشيف الماركسي
هل تصدقون لو قلت لكم كلما رأيت الليدي ميريل ستريب أتذكر الهر فريدريك إنغلز بصورته الشهيرة ذات الملامح الغليظة على غلاف الكتاب الذي اقتنيته في زمن مضى؟ أعرف كيف ارتبط الاثنان في ذاكرتي، ولماذا ظلت صورة إنغلز تظهر كلما ظهرت ميريل ستريب، وهذا حصل مرات كثيرة، إلى درجة أنني صرت أتساءل إن كانت الذاكرة، بعد كل هذه السنوات، تحب أن تصل بين أشياء لا علاقة بينها. هناك كتب تقرأ مرة، ثم تبتعد مع السنوات، وكتب أخرى تبقى في مكان ما داخل الذاكرة، حتى لو لم نعد نتذكر تفاصيلها. نحن لا نقرأ الكتاب ذاته مرتين؛ فنحن نعيش مع النص الواحد زمنين أو أكثر، وكلما عدنا إليه بعد سنوات طويلة وجدنا أنفسنا أمام الكتاب ذاته وأمام قارئ آخر يسكننا. الكلمات المطبوعة لم تتغير، لكن الأسئلة التي نحملها إليها تتغير، وما كان يبدو فكرة غامضة أو بعيدة قد يجد، بعد عقود، مكانه داخل أسئلة لم تكن موجودة يومها. كان ذلك في أواخر السبعينيات، حين قرأت "أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة" أول مرة بالترجمة العربية الصادرة عن دار التقدم في موسكو (1975) التي عرفنا بها الكتاب، من ترجمة إلياس شاهين عن الألمانية مباشرة. وقد كان واحداً من تلك الكتب التي يدخل إليها القارئ الشاب وهو يعتقد أنه سيخرج منها وقد امتلك مفتاحاً لفهم العالم. وفي تلك السن، كانت الكتب تبدو أحياناً أكثر يقيناً مما هي عليه، وربما كان القارئ نفسه أكثر استعداداً لأن يصدق أن التاريخ يمكن أن يمسك من طرف واحد. وهذا التفصيل الصغير ليس بلا معنى لقارئ عاش مع الكتاب طويلاً. فالكلمات التي دخلت الذاكرة تصبح جزءً من الكتاب ذاته، وتبقى بعض من عباراته في صورتها الأولى، حتى عندما ظهرت ترجمات لاحقة بتوصيفات وتعابير مختلفة، فتبقى المصطلحات وبعض العبارات وطريقة إنغلز في بناء الجملة. لم تكن هناك آنذاك مقارنة بين ترجمة وأخرى، ولم تكن الحاجة قائمة إلى العودة إلى الأصل الألماني أو إلى ترجمة إنكليزية للتأكد من كلمة أو تركيب. كان الكتاب يصل كما هو، في لغة عربية دقيقة وصارمة، وكان القارئ يدخل عالمه من هذه اللغة. عدت إلى الكتاب في الثمانينيات، وقرأت ذات النسخة، في زمن أصبحت فيه كثير من مفردات الكتاب أقل غرابة داخل المجال السياسي والفكري. وكانت هناك عودة أخرى مع بداية القرن، قبل القراءة الحالية بعد ما يقارب نصف قرن على القراءة الأولى. صحيح كان الكتاب واحداً، ولكن [دائماً هناك ولكن] في كل مرة يبدو مختلفاً بعض الشيء ويفتح باباً مختلفاً، ربما لأن الذي يقرأه لم يعد الشخص نفسه، ولأن العالم الذي يقرأه فيه تغير بدوره. لا يتعلق الأمر بالمقارنة، وإنما بما استقر في الذاكرة واللغة. ربما لهذا السبب بدت لي هذه القراءة مختلفة عن سابقاتها. لم أعد أقرأ الكتاب بحثاً عن موقف أتبناه أو فكرة أحتاج إلى الدفاع عنها، ولم أعد أقرأه بالطريقة القديمة، حين تكون الأفكار الكبرى قادرة على أن تبدو أكثر تماسكاً مما هي عليه في الواقع. صرت أقرأ أيضاً ما بين السطور، وأرى ما لم أره في المرات السابقة، وأتوقف عند أشياء لم تكن تستوقفني من قبل، وأتجاوز أشياء كنت أظنها أكثر أهمية. بعض ما يقوله إنغلز بقي حياً في الذاكرة، وبعضه تبدل معناه، وبعضه الآخر صار يحتاج إلى مراجعة في ضوء ما عرفته العلوم الإنسانية خلال القرن ونصف القرن الأخير. من هنا جاءت هذه العودة. ليس كمحاولة لإعادة تقديم الكتاب للقارئ، فملخصه يمكن العثور عليه في مواضع كثيرة، ولا محاولة لإثبات أن إنغلز كان على حق في كل ما ذهب إليه. ما يهمني أكثر هو أن أرى ماذا يحدث حين يعود قارئ، بعد كل هذه السنوات، إلى الكتاب الذي قرأه في بواكير العمر. ماذا يرى فيه الآن؟ ماذا بقي منه؟ وأين تغيرت المسافة بين الفكرة وصاحبها؟ ربما يكون الكتاب في هذه الحالة وسيلة للنظر إلى نصف قرن من التفكير بقدر ما يكون موضوعاً للقراءة. فالذي يفتح الكتاب اليوم ليس ذلك الفتى الذي كان يبحث في صفحاته عن تفسير للعائلة والملكية والدولة، وإنما شخص يحمل معه قراءات وتجارب وأسئلة لم تكن موجودة يومها. وبين الاثنين مسافة طويلة بما يكفي لأن يصبح الكتاب ذاته شاهداً على تغير القارئ. ولهذا أحاول أن أقرأه مرة أخرى كما لو أنني في عمري اليوم أجلس إلى جانب محمود الشاب، والكتاب بينهما. ربما، لأن السؤال لم يعد ماذا قال إنغلز، وإنما ماذا بقي من الأسئلة التي طرحها وماذا تستطيع هذه الأسئلة أن تفعله بنا اليوم. ذلك أن الكتاب يبدأ من موضع يظل مربكاً حتى بعد أن نعرفه جيداً، أي، الدولة والعائلة والملكية الخاصة، وهي المؤسسات التي تبدو لنا وكأنها جزء من انتظام العالم، تظهر هنا بوصفها مؤسسات لها بداية. كانت هناك حياة اجتماعية قبل الدولة، وأشكال للقرابة قبل العائلة التي نعرفها، وأشكال للملكية قبل الملكية الخاصة. وحين تصبح هذه الأشياء موضوعاً للتاريخ، يتغير السؤال. من أين جاءت؟ وفي أي ظروف ظهرت؟ ما الذي تغير في المجتمع حتى أصبحت ضرورية؟ ولمن كانت الثروة التي ظهرت مع تغير وسائل الإنتاج؟ وكيف تحولت العلاقات الاجتماعية إلى مؤسسات مستقرة، ثم إلى سلطة تبدو كأنها قائمة فوق المجتمع؟ ألف إنغلز الكتاب بين آذار وأيار 1884، وصدرت طبعته الأولى في تشرين الأول من العام عينه، بعد وفاة ماركس بعام. وكان في أصل العمل شيء من الوفاء الفكري لصديقه أيضاً. فقد عثر إنغلز بين أوراق ماركس على ملخصات وملاحظات حول كتاب لويس هنري مورغان "المجتمع القديم" (1877)، كان إنغلز قد عرف بأهمية هذه المادة، ورأى فيها ما يستحق أن يستكمل. لذلك عاد إلى مورغان، وأضاف إلى ملاحظات ماركس أبحاثه الخاصة عن اليونان وروما والإيرلنديين القدماء والجرمان، وانتهى إلى كتاب مستقل في بنيته وحجته. فلم يكن الكتاب مجرد قراءة لمورغان، وإنما محاولة لبناء تفسير مادي لتحول المجتمعات البشرية، اعتماداً على مادة أنثروبولوجية وتاريخية واسعة، وعلى العمل الذي كان ماركس قد بدأه حولها ولم يتمكن من إكماله. يقول في مقدمة الكتاب، بمعنى واضح، إنه ينفذ وصية تركها ماركس. لكن النتيجة تتجاوز مجرد نشر ملاحظات صديق مات قبل إنجاز ما كان يفكر فيه. فالكتاب واحد من الأعمال التي حاول فيها إنغلز أن يضع الاقتصاد والمجتمع والعائلة والملكية والدولة في حركة تاريخية واحدة. كان مورغان أحد أبرز علماء الأنثروبولوجيا الأمريكيين في القرن التاسع عشر، وقد عاش طويلاً مع الإيروكوا، وتحديداً بين السينيكا، وتعمق في دراسة أنظمة القرابة عندهم. وكان لهذا أثر كبير في كتابه "المجتمع القديم". ومن خلال مورغان يدخل إلى كتاب إنغلز عالم مختلف عن عالم أوروبا الصناعية الذي كان يشكل الخلفية المباشرة للماركسية. يظهر المجتمع هنا قبل الدولة، وقبل الملكية الخاصة بالمعنى الذي عرفته المجتمعات الحديثة، وقبل الأسرة الأبوية التي تبدو للقارئ المعاصر شكلاً بديهياً للعائلة؛ فأسماء القرابة التي يستخدمها مجتمع ما لا تتطابق بالضرورة مع شكل الأسرة الذي يعرفه مجتمع آخر. فعند الإيروكوا، مثلاً، كان الرجل يعد أبناء أخيه أبناء له، في حين يحتل أبناء أخته موقعاً مختلفاً في شبكة القرابة، وكذلك كانت المرأة تميز بين أبناء أختها وأبناء أخيها بطريقة تكشف نظاماً مختلفاً للنسب والانتماء. لم تكن أسماء القرابة انعكاسا للعائلة الصغيرة التي نعرفها، وإنما كانت جزءً من نظام اجتماعي أوسع. ومن هنا جاءت أهمية التمييز الذي أقامه مورغان بين العائلة بوصفها مؤسسة تتغير، وبين نظام القرابة الذي يمكنه الاحتفاظ بآثار مراحل سابقة بعد تغير العلاقات التي أنتجته. يصل مورغان إلى فكرة مهمة فيرى العائلة "نشطة" وتتغير مع تطور المجتمع، بينما أنظمة القرابة "سلبية" وتبقى أحياناً بعد أن يكون الشكل الاجتماعي الذي أنتجها قد تغير. وفي هذه الفكرة رأى ماركس ما يتجاوز دراسة العائلة نفسها. فإذا كانت أنظمة القرابة تستطيع أن تحمل آثار مرحلة اجتماعية سابقة، فإن المؤسسات السياسية والقانونية والدينية والفلسفية يمكن أن تحتفظ بدورها بأشكال وأفكار ولدت في ظروف تغيرت منذ زمن. من ناحية أخرى، كان آشير رايت، المبشر البروتستانتي الذي عاش بين الإيروكوا وتعلم لغتهم ودوّن ملاحظات عن حياتهم الاجتماعية والعائلية، واحداً من المصادر التي استفاد منها مورغان. ربما تبدو هذه التفاصيل هامشية في ظاهرها، لكنها تذكرنا بأن جزءً من مادة الكتاب جاء من ملاحظات ميدانية عن مجتمعات حقيقية، وليس من محض تأمل نظري. تبدأ رحلة الكتاب في منطقة تبدو اليوم بعيدة جداً عن عالمنا، أي عصور ما قبل التاريخ. يعتمد مورغان، كما يتبناه إنغلز، تمييزاً بين التوحش والبربرية والحضارة، مع تقسيم المرحلتين الأوليين إلى درجات مختلفة، ويربط كل مرحلة بتطور وسائل الإنتاج ومصادر الغذاء. وقد صاغ مورغان الفكرة على أساس صلة التحولات الكبرى في تاريخ البشر، بدرجات متفاوتة، بتوسع مصادر العيش وتغير وسائل الحصول عليها. وكان يرى أن التحولات الكبرى في حياة الإنسان ترتبط بتطور وسائل إنتاج الغذاء والأدوات والتقنيات، وبما يسميه قدرة الإنسان على السيطرة على الطبيعة. حيث تصادف جميع العهود الكبرى في التقدم البشري، بهذا القدر أو ذاك، عهود توسع مصادر العيش، على حد قوله. علماً أن مثل هذا التصور التطوري الخطي لم يعد مقبولاً في الأنثروبولوجيا المعاصرة بصورته التي صاغها مورغان، إذ لم يعد فهم المجتمعات البشرية يستند على حتمية مرورها جميعاً في سلم "تطوري" واحد يبدأ من نقطة وينتهي بأخرى. لكن ما يبقى لافتاً في طريقة إنغلز هو محاولته ربط أشكال التنظيم الاجتماعي بالشروط المادية التي يعيش الناس في ظلها. ويصبح من الأفضل الحذر عند استخدام كلمات مثل فقر" البيئة أو "غناها" اليوم، لكن الفكرة الأساسية تظل قائمة لجهة ما هو متاح لمجتمع دون غيره وأثره في مساره التاريخي. فإذا ما ضربنا صفحاً عن جدول مورغان كما هو، نكون أمام السؤال الذي يحاول الكتاب طرحه: كيف تتغير أشكال المجتمع عندما تتغير الطريقة التي يحصل بها الناس على غذائهم، وعندما تظهر وسائل جديدة للإنتاج، وتتراكم الثروة، ويتغير توزيعها؟ (إنما التاريخ البشري في الحقيقة هو تاريخ البحث عن الطعام). فالاختلاف بين المجتمعات، في هذه القراءة، لا يعود إلى تفوق جماعة بشرية على أخرى، وإنما إلى تفاوت الموارد والشروط البيئية والتقنيات المتاحة. كانت القارات القديمة تحتوي على عدد كبير من الحيوانات والنباتات القابلة للتدجين، في حين اعتمدت مجتمعات أمريكية على موارد مختلفة، مثل اللاما والذرة. وفي وادي المسيسيبي، ارتبطت زراعة الذرة والقرع والشمام بنشوء قرى ومساكن خشبية وتنظيمات اجتماعية أكثر استقراراً، بينما تطورت في مناطق أخرى، مثل الجنوب الغربي لأمريكا الشمالية وأجزاء من أمريكا الوسطى والبيرو، أشكال من الزراعة المروية والمساكن المبنية من الطوب اللبن (الأدوبي) والحجر، وظهرت تربية الديك الرومي واللاما وأشكال من التعدين وصناعة المعادن، مع غياب صناعة الحديد. وحين وصل الغزاة الإسبان كانت هذه المجتمعات قد قطعت أشواطاً مختلفة في تطورها، ثم انقطع هذا المسار بفعل الغزو والاستعمار. يقودنا هذا إلى العائلة. ففي التصور الذي بناه مورغان وتبناه إنغلز، لم تكن العائلة مؤسسة ثابتة خرجت إلى الوجود في صورتها الحالية ثم بقيت كما هي. يمر الكتاب عبر أشكال متعددة: عائلة قرابة الدم، ثم عائلة الشراكة أو العائلة البونالوانية، ثم العائلة الثنائية، ثم العائلة الأبوية، وصولاً إلى الزواج الأحادي المرتبط بمرحلة الحضارة. قد تبدو هذه المراحل اليوم جزءً من أنثروبولوجيا القرن التاسع عشر أكثر مما هي وصف نهائي لتاريخ البشرية، وهذا صحيح. لا نحتاج اليوم إلى التعامل مع هذا التسلسل كما لو كان وصفاً نهائيا لتاريخ العائلة. فقد تغيرت الأنثروبولوجيا كثيراً منذ مورغان وإنغلز، وأصبح واضحاً أن تاريخ المجتمعات البشرية أكثر تنوعاً وتعقيداً من أن يوضع كله في خط واحد. لكن ما بقي يستوقفنا في الكتاب هو المحاولة ذاتها، أي، النظر إلى العائلة بوصفها مؤسسة لها تاريخ، والسؤال عن العلاقة بين شكل القرابة والزواج وبين الملكية والإرث والعمل والسلطة. ما يهم في قراءة إنغلز هو الطريقة التي يستخدم بها تغير الأسرة لفهم تغير المجتمع. ففي عائلة القرابة، كما يصورها الكتاب، كانت علاقات الزواج الجماعي أكثر اتساعاً، ثم أخذت تتقلص مع ظهور محظورات الزواج بين الإخوة والأخوات. وفي العائلة البونالوانية استمر بعض أشكال الزواج الجماعي مع اتساع دائرة المحظورات. أما العائلة الثنائية فتعني اقتراناً أضيق بين رجل وامرأة، لكنه ظل قابلاً للانفصال، وكانت صلة الأطفال بالأم تحتل مكانة أساسية. وفي هذه المرحلة لا ينبغي افتراض غموض الأبوة بالضرورة؛ لأن المسألة عند إنغلز ومورغان تتعلق ببنية النسب والملكية والانتماء أكثر مما تتعلق بمجرد معرفة الأب البيولوجي. وكلما تغيرت هذه العلاقات تغير معها معنى السلطة داخل الأسرة. تكشف ملاحظات مورغان عن الإيروكوا، كما ينقلها عن آشير رايت، عن وضع لا يمكن وصفه ببساطة بأنه "حكم النساء"، لكن النساء كن يتمتعن بمكانة قوية داخل الجماعة والأسرة. كانت المخازن مشتركة، وكانت المرأة قادرة، في بعض الظروف، على طرد الزوج الكسول أو الذي يسيء التصرف. وكان النسب ينتقل عبر خط الأم. وهذه الملاحظة مهمة لأنها تفتح الطريق أمام السؤال الذي سيشغل إنغلز لاحقا: ماذا يحدث لهذا التنظيم عندما تبدأ الثروة في التراكم خارج الجماعة المشتركة؟ عند هذه النقطة يبدأ شيء آخر في التغيير ويدخل الاقتصاد إلى قلب تاريخ العائلة. فمع تدجين الحيوانات وظهور القطعان، ثم تطور الأدوات المعدنية واتساع الإنتاج وظهور الفوائض والسلع والعبيد، أخذت الثروة تتركز في أيدي بعض الأسر، وخصوصا رؤساء العائلات. فلم تعد الأدوات والقطعان والثروات الجديدة ملكاً للجماعة بالمعنى القديم نفسه. وبدأت تظهر مشكلة لم تكن موجودة بالصورة ذاتها في مجتمع يقوم على الملكية المشتركة: لمن تنتقل هذه الثروة؟ هنا تظهر مسألة حق الأم ( Mutterrecht)، والمقصود به في السياق الذي قرأ فيه ماركس وإنغلز مورغان ليس حكم النساء للمجتمع، ولا ما نسميه اليوم النسوية أو تحرر المرأة، وإنما نظام للانتساب والقرابة والإرث عبر خط الأم. فإذا كان النسب يحسب من جهة الأم، فإن أفراد العشيرة الذين يرثون ثروة الرجل عند موته قد يكونون أقاربه من جهة الأم، لا أبناءه المباشرين. في نظام النسب إلى الأم كان الرجل يمتلك أدوات العمل ووسائل إنتاج الغذاء التي تقع تحت تصرفه. لكنه لا يستطيع ببساطة توريث ثروته لأبنائه وفق القواعد العشائرية القائمة، لأن الانتماء العشائري يمر من جهة الأم. ومع تراكم الثروة لدى الرجال، أصبحت هذه القواعد تتعارض على نحو متزايد مع مصالحهم الاقتصادية. ومن هنا يفسر إنغلز التحول إلى حق الأب، وإلى النسب الأبوي، وتغير معنى الأبوة ذاته داخل النظام الاجتماعي بوصفه جزءً من التحول الأكبر في الملكية والإرث. ولعل هذا التفسير هو ما دفعه إلى إطلاق عبارته الشهيرة عن "الهزيمة التاريخية العالمية لجنس النساء" التي تبدو ربما أقوى من كثير من تفاصيل الكتاب السابقة وقد بقيت في الذاكرة لأنها تختصر عنده انتقالاً تاريخياً كاملاً، أي الثروة التي تراكمت في يد الرجل تعيد تشكيل النسب والعائلة، والعائلة الجديدة تعيد بدورها تثبيت موقع الرجل داخل النظام الاجتماعي ربما تكون عبارة إنغلز تلك أقوى من أن تمر اليوم من دون مراجعة. فالأنثروبولوجيا ودراسات التاريخ الاجتماعي اللاحقة لم تقبل ببساطة العلاقة الخطية التي أقامها إنغلز بين الملكية الخاصة وإخضاع النساء، كما أن مفهوم "النظام الأمومي" ذاته يحتاج إلى قدر كبير من الحذر حين يستخدم لوصف مجتمعات مختلفة. لكن أهمية الفكرة في الكتاب وعند إنغلز أنها تربط وضع المرأة بعلاقات الملكية والإرث، بدلاً من تفسيره باعتباره نتيجة طبيعية لفروق بيولوجية أو أخلاقية بين الجنسين. ومع ذلك يبقى السؤال قائماً. ماذا يحدث عندما يتحول ما كان علاقة اجتماعية إلى علاقة سلطة، وعندما يصبح انتقال الثروة بين الأجيال جزءً من تنظيم الأسرة؟ في العائلة الأبوية التي يصفها إنغلز، تصبح سلطة الأب مرتبطة بالزوجة والأبناء والعبيد، وتظهر الأسرة بوصفها وحدة صغيرة تحمل في داخلها علاقات السلطة التي ستظهر بأشكال أوسع في المجتمع. ولعل هذا ما يجعل ملاحظة ماركس مهمة، في سياق الكتاب، حين رأى في الأسرة الحديثة، منذ تلك المرحلة، جنيناً يحمل داخله علاقات العبودية والقنانة والتناقضات التي ستظهر لاحقاً على نطاق المجتمع كله. هنا، ومن دون قصد بالضرورة، تكتسب كلمة "الاقتصاد" معنى أقدم مما نستخدمه اليوم. فمصطلح oikonomia اليوناني كان يشير في الأصل إلى تدبير البيت وإدارة موارده والعلاقات التي يقوم عليها، وكان هذا التدبير يشمل في الفكر اليوناني، ومنه عند أرسطو، الزوجة والأبناء والعبيد. ومع اتساع معنى الاقتصاد في الفكر الحديث، انتقل المصطلح من إدارة البيت إلى تنظيم الإنتاج والتبادل والثروة على مستوى المجتمع. وكأن انتقال الكلمة يذكرنا بأن ما نعده اليوم مجالاً اقتصادياً منفصلاً عن الحياة الخاصة كان في بداياته متداخلاً معها. إن هزيمة جنس النساء جملة قاسية، لكنها تنتمي إلى الطريقة التي ينظر بها الكتاب إلى العائلة باعتبارها مؤسسة اقتصادية واجتماعية في الوقت ذاته. ثم يصل إنغلز إلى الزواج الأحادي، وهنا يصبح الموضوع أكثر حساسية، لأن الزواج الذي يبدو لنا اليوم شكلاً طبيعياً من أشكال العلاقة بين رجل وامرأة يقرأه إنغلز بوصفه نتيجة تاريخية لشروط معينة. ففي تصوره، يرتبط ظهوره بتراكم الثروة الخاصة والحاجة إلى ضمان انتقالها إلى الورثة، وبصعود سلطة الرجل داخل الأسرة. ولهذا يكتب أن "أول تقسيم للعمل كان بين الرجل والمرأة من أجل إنجاب الأطفال"، ثم يربط استمرار التفاوت بتقسيم العمل الاجتماعي وملكية وسائل الإنتاج. هنا ينبغي التوقف بعض الشيء، لأن إنغلز لا يقرأ الزواج الأحادي بوصفه انتصاراً للحب الفردي. ففي تصوره التاريخي، ارتبط ظهوره بمرحلة الملكية الخاصة وبالحاجة إلى ضمان انتقال الثروة إلى الأبناء الشرعيين. ومن هذه الزاوية تصبح سيطرة الرجل على المرأة جزءً من نظام الملكية والإرث. يقول إنغلز، في واحدة من أكثر عباراته سخرية وقسوة: "لقد تغلب الرجال على النساء، ولكن المغلوبات هن اللواتي تسامحن وأخذن على عاتقهن بسخاء وكرامة وضع الأكاليل على رؤوس المنتصرين!!". لا ينبغي فصل هذه العبارات عن البنية التي تحكم الكتاب. إذ يبحث إنغلز عن الصلة بين تقسيم العمل داخل العائلة وتقسيم العمل في المجتمع، وبين الثروة والملكية والنسب. وفي هذا السياق يصبح الزواج الأحادي شكلاً تاريخياً له شروطه، ويمكن أن يتغير حين تتغير هذه الشروط. ويصبح الزواج بذلك علاقة اقتصادية أيضاً، مهما حاول المجتمع إخفاء هذه الحقيقة وراء اللغة الأخلاقية أو العاطفية. سوف يزول عاجلاً أم آجلاً شكل الزواج بالشراء، ويقول إنغلز في سياق حديثه عن تحول الزواج، لكن آثاره تبقى ما دامت الثروة والميراث والمصلحة العائلية تحدد موقع الإنسان في مؤسسة يفترض أنها قائمة على الاختيار الشخصي. وحتى في المجتمعات التي أصبح فيها الحب الفردي قيمة معترفاً بها، ظلت الثروة والمكانة الاجتماعية والاعتبارات العائلية تؤثر في اختيار الشريك، ولا سيما في الطبقات المالكة. لا يكتفي إنغلز بالنظر إلى الزواج الأحادي من داخله، فهو يربطه بما يسميه "الهيتيرية"، أي العلاقات الجنسية التي توجد خارج إطار الزواج الأحادي، ثم يرى في البغاء الوجه الآخر لنظام الزواج الأحادي. فالمجتمع الذي يطالب المرأة بالاحتفاظ بعفتها داخل الزواج يستطيع في الوقت عينه إنتاج مجالاً اجتماعياً يسمح للرجل بعلاقات جنسية خارجه. بالنسبة إلى إنغلز، هذان الوجهان مرتبطان بشرط اجتماعي واحد، وإن اختلف شكلهما الظاهر. ولذلك تظهر صورة الزوج المخدوع والعشيقة والبغاء في المجتمع عينه الذي يجعل الزواج الأحادي مؤسسة للوراثة والملكية. ثم يذهب أبعد من ذلك. إذا كان الزواج الأحادي قد نشأ في ظل الملكية الخاصة والحاجة إلى الورثة، فماذا يحدث له عندما تزول هذه الشروط؟ هنا تظهر واحدة من أكثر الأفكار إثارة للاهتمام في الكتاب، حتى بالنسبة إلى قارئ اليوم. يتوقع إنغلز أن يؤدي تغير موقع المرأة الاقتصادي، ودخولها إلى العمل الاجتماعي، وزوال اعتماد الأسرة على الملكية الخاصة بوصفها أساساً للعلاقات، إلى تغير عميق في شكل الزواج. تصبح الأسرة المنزلية أقل عزلة في المجتمع الذي يتصوره بعد زوال الملكية الخاصة، ويمكن أن تصبح تربية الأطفال والأعمال المنزلية شأناً اجتماعياً. ويطرح السؤال الذي لم يفقد غرابته: إذا زال الأساس الاقتصادي الذي جعل الزواج الأحادي مؤسسة لانتقال الثروة، فهل يبقى الزواج الأحادي بالشكل ذاته؟ أي حين تفقد الملكية الخاصة مكانتها التي جعلت الزواج عقدا لضمان الإرث. هل يمكن أن تصبح العلاقة بين رجل وامرأة قائمة على الحب الفردي من دون أن تحمل معها الحاجة إلى ضمان الميراث والملكية؟ . وهل يصبح الزواج الأحادي، إذا بقي، أحادياً للرجال والنساء معاً مع دخول المرأة إلى العمل الاجتماعي وتغير موقعها الاقتصادي وتراجع السيطرة التي كان الرجل يمارسها من خلال امتلاكه وسائل الإنتاج. لا يقدم إنغلز جواباً نهائياً. وهذا من الجوانب التي تستحق الانتباه. فهو يعتقد أن الأسرة مرت بأشكال عديدة، وأن الشكل القائم في عصره هو الشكل الخامس، ولذلك فإن الأسرة ستواصل التغير مع تغير المجتمع. أما الشكل الذي ستتخذه في المستقبل فلا يمكن التنبؤ به بصورة دقيقة. وإذا كان الزواج الأحادي قد ظهر استجابة لشروط اجتماعية وتاريخية معينة، فلا يوجد سبب يجعل شكله الحالي نهاية ممكنة لتاريخ الأسرة. وتظهر عنده هنا فكرة الحب الجنسي الفردي. فحين لا يعود الزواج مرتبطاً بالثروة والإرث، يصبح الاختيار الشخصي أكثر قدرة على أن يكون أساس العلاقة. ويعتقد أن البغاء يمكن أن يختفي مع تغير النظام الاقتصادي، وأن الزواج الأحادي يمكن عندئذ أن يتحول إلى علاقة أحادية بالمعنى الحقيقي، تقوم على الاختيار المتبادل. قد يبدو هذا التوقع اليوم شديد التفاؤل، وقد تغيرت تصوراتنا عن الأسرة والجنس والعمل كثيراً منذ إنغلز. لكن ما يظل مهماً هو الطريقة التي يربط بها شكل العلاقة الخاصة بالبنية الاجتماعية التي تحيط بها. ولعل الغريب أن بعض أفكار إنغلز كانت تعود إليّ، على نحو غير متوقع، أثناء مشاهداتي المتكررة لفيلم "جسور مقاطعة ماديسون" لكلينت إيستوود وميريل ستريب. قصة الزوج المخدوع، والمرأة التي تجد نفسها أمام حب لم تكن تتوقعه، والعلاقة التي تقع خارج الزواج، كانت تستدعي في الذاكرة حديث إنغلز عن الزواج الأحادي والحب الفردي وما يسميه المجتمع البرجوازي علاقة الزواج. لم أكن أبحث في الفيلم عن إنغلز، ولم يكن الفيلم بحاجة إلى نظريته حتى يقول ما يريد قوله، لكن الحكاية كانت تضع أمام العين، بصورة إنسانية شديدة التعقيد، ذلك التوتر الذي يتحدث عنه إنغلز بين الحب بوصفه علاقة فردية وبين الزواج بوصفه مؤسسة اجتماعية تحمل تاريخا من الملكية والميراث والواجبات والمصالح. ما يجعل الفيلم أكثر إثارة في هذا السياق أن الزوج ليس شخصية شريرة ينبغي التخلص منها كي يصبح الحب الجديد مشروعاً، والمرأة ليست بطلة تتحرر ببساطة من قيد اجتماعي، والعشيق ليس تجسيداً مجرداً للحرية. هناك حياة كاملة قائمة قبل الحب، وأشخاص آخرون يدخلون في حسابه، وذاكرة ومسؤوليات لا تختفي لأن شعوراً جديداً ظهر. ولهذا بدت لي الحكاية، في كل مشاهدة، أقرب إلى السؤال الذي يطرحه إنغلز مما تبدو إلى جواب عليه: ماذا يحدث للحب الفردي عندما يصطدم بالمؤسسة الاجتماعية التي سبقت ظهوره، وهل يستطيع الشعور وحده أن يلغي التاريخ الذي يحمله الزواج؟ هنا بالذات يصبح إنغلز مثيراً للاهتمام. فهو يميز بين الحب الفردي الذي أخذ يكتسب مكانة متزايدة في المجتمع الحديث، وبين الشكل التاريخي للزواج الذي ظل مرتبطاً بالملكية والإرث والأسرة والمصلحة الاجتماعية. ومع تطور المجتمع البرجوازي، يصبح الحب شرطاً متخيلاً أو معلنا للزواج، لكن المؤسسة ذاتها لا تتحرر بالضرورة من تاريخها الاقتصادي والاجتماعي. الرجل والمرأة قد يلتقيان بوصفهما فردين، لكنهما لا يدخلان اللقاء وهما مجرد فردين؛ يأتي كل منهما محملاً بعائلة وزواج وأبناء وذاكرة والتزامات ومكان اجتماعي. هنا يصبح الحب، الذي يفترض أنه أكثر العلاقات خصوصية، واقعاً داخل شبكة اجتماعية أوسع منه. وربما لهذا بقيت الحكاية عالقة في الذاكرة إلى جانب إنغلز، فبعض الأفكار التي تبدو مجردة في صفحات الكتاب تجد طريقها، من دون ترتيب مسبق، إلى قصة حب نشاهدها على الشاشة. ومن هذه الزاوية يمكن فهم الزواج الذي كان في المجتمعات القديمة والوسيطة شأناً عائلياً واقتصادياً. كانت العائلة تختار، والثروة تحدد، والتحالفات الاجتماعية والسياسية تدخل في الحساب. وفي المجتمع البرجوازي يصبح الحب الفردي أكثر حضورا، لكن المال والمكانة والميراث لا تختفي من خلف العلاقة. ولهذا يمكن أن تتغير أشكال الزواج حين تتغير الحاجات الاجتماعية التي أنتجتها. ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بصورة العائلة المقبلة بدقة، كما لا يستطيع مورغان أن يعرف الشكل الذي سيأتي بعد الشكل الذي عرفه. ننتقل من العائلة إلى العشيرة، ومن العشيرة إلى الدولة. وهذا الانتقال هو الذي يمنح الكتاب اتساعه الحقيقي. وتصبح ملاحظات مورغان أكثر أهمية، لأنها تقدم نموذجاً لمجتمع لم تكن الدولة ولا الملكية الخاصة ولا العائلة الأبوية هي الإطار الذي ينظم حياته. فالفصول الخاصة بالإيروكوا واليونان وروما والكلت والجرمان ليست دراسات منفصلة، وإنما محاولات لمتابعة عملية واحدة: كيف أخذ التنظيم القائم على القرابة يتفكك عندما أصبحت الملكية والثروة والتجارة وتقسيم العمل أقوى من الروابط العشائرية؟ في المجتمع العشائري كانت الجماعة تنظم كثيراً من شؤونها من خلال روابط النسب، وكانت الأرض والموارد الأساسية خاضعة بدرجات مختلفة لتنظيم جماعي متشابك داخل الجماعة، فالأرض ليست سلعة خاصة بالمعنى الذي ستصبح عليه لاحقا، والإنتاج لا ينتج منذ البداية ذلك الفائض الذي يسمح بتراكم الثروة في يد أفراد محددين. لكن عندما توسع الإنتاج وظهرت الملكية الفردية وتراكمت الثروة وتطورت التجارة، أصبحت هذه البنية أقل قدرة على استيعاب المجتمع الجديد. لم تعد روابط الدم كافية لتنظيم مدينة أو مجتمع أصبح منقسماً إلى أغنياء وفقراء، ودائنين ومدينين، وأحرار وعبيد. وكلما تطورت الزراعة وتربية الحيوان والأدوات، ظهرت إمكانية إنتاج فائض. وكلما ظهر الفائض ظهرت إمكانية تراكمه. وكلما تراكمت الثروة ظهر السؤال عن ملكيتها وعن انتقالها وعن السلطة التي تحميها. فيبدأ الصراع بين التنظيم القديم والتنظيم الجديد. تقدم أثينا المثال الأكثر وضوحاً على ذلك. تطورت أدوات الإنتاج، وتقسمت الأرض وظهرت الملكية الخاصة، واتسعت تجارة الحبوب والخمر والزيت، وأخذت الإدارة المركزية تنقل بعض الوظائف من التنظيمات العشائرية إلى مؤسسات مشتركة. ومع اندماج القبائل في مجتمع سياسي واحد، بدأ تنظيم المدينة يقوم على الإقليم والمواطنة أكثر مما يقوم على القرابة. ظهرت طبقات وفئات اجتماعية مختلفة مثل النبلاء Eupatridae وأصحاب الأرض Geomoroi والحرفيين Demiourgoi، وتراكمت الثروة لدى النخب. ليظهر هذا الصراع بصورة أكثر وضوحاُ، فلم يعد الإنتاج محصوراً داخل الجماعات الصغيرة، كما ستدخل الأرض والحبوب والخمر والزيت في شبكة من التبادل التجاري وتظهر النقود والدين والربا وتصبح الثروة قابلة للتحرك بصورة لم تكن ممكنة في الاقتصاد العشائري القديم. عند هذه النقطة تصبح العشيرة عاجزة عن احتواء مجتمع تغيرت بنيته الاقتصادية. ويصبح ظهور الدولة جزءً من إعادة تنظيم المجتمع كله. إذ لم يعد التنظيم العشائري قادراً على مواجهة علاقات اقتصادية تقوم على الدين والملكية الخاصة والسوق. وفي هذا السياق أخذت الدولة الأثينية تتشكل كجهاز يتجاوز التنظيمات القديمة، ويملك سلطة عامة منفصلة عن الجماعات العشائرية. تتكرر في روما العملية بصورة مختلفة. فتتفكك العشيرة أمام الملكية الخاصة والانقسام الطبقي وتوسع الدولة، ويصبح الصراع بين الباتريسيين والعامة جزءً من عملية إعادة تنظيم المجتمع السياسي. وعند الكلت والجرمان يتابع إنغلز أثر التنظيم العشائري في ظروف مختلفة، ثم ينتقل إلى كيفية تشكل الدولة الجرمانية، حيث يتداخل انهيار البنية القديمة مع التحولات في الأرض والملكية والسلطة والحرب. لا تنتهي المسألة عند هذه الأمثلة. ففي الفصل التاسع، "البربرية والحضارة"، يعود إنغلز إلى الصورة العامة. لقد تابع في اليونان وروما والجرمان تفكك التنظيم العشائري، ويريد الآن أن يبحث في الشروط الاقتصادية العامة التي قادت إلى ذلك التفكك. هنا تتجمع عناصر الكتاب كلها: تقسيم العمل، نمو الإنتاج، الفائض، الملكية الخاصة، التجارة، النقود، انقسام المجتمع إلى طبقات، ثم الحاجة إلى سلطة عامة تتولى حماية النظام الجديد. وهنا نصل إلى الدولة. فأكثر ما يستحق إعادة القراءة في هذا الجزء أن إنغلز لا يبدأ من الدولة باعتبارها شيئاً قائماً فوق المجتمع، ثم يسأل ماذا تفعل. إنما هو يبدأ من المجتمع ذاته، ومن التناقضات التي تنشأ داخله. وحين يصل المجتمع إلى مرحلة لا تعود فيها تنظيماته القديمة قادرة على استيعاب الصراعات التي أنتجها تطوره، تظهر قوة عامة تنفصل عنه. ويقول (نسخة دار التقدم): "ليست الدولة بحال من الأحوال قوة مفروضة على المجتمع من خارج... الدولة هي نتاج المجتمع عند درجة معينة من تطوره؛ الدولة هي إفصاح عن واقع أن هذا المجتمع قد تورط في تناقض مع ذاته لا يمكنه حله، وأنه قد انقسم إلى متناقضات لا يمكنه الفكاك منها...". هذه الصياغة بالذات مهمة لأنها تجعل الدولة نتيجة لتاريخ اجتماعي معين. فهي لا تظهر لأن شخصاً قرر فجأة أن يحكم الآخرين، وإنما لأن المجتمع نفسه أصبح منقسماً إلى مصالح متعارضة، وأصبح يحتاج إلى قوة تستطيع إبقاء هذه المصالح المتعارضة داخل إطار واحد. لكن الدولة، حين تظهر، لا تبقى مجرد انعكاس محايد للمجتمع. إنها تنفصل عنه، وتظهر لديها مؤسسات وقوانين وجيش وشرطة وضرائب وإدارة، أي جهاز عام يقف فوق التنظيمات الاجتماعية القديمة. ومن يملك القوة الاقتصادية يستطيع، في النهاية، أن يؤثر في القوة السياسية ويستخدم الدولة لحماية النظام الذي يستفيد منه. لهذا يقرأ إنغلز أشكال الدولة المختلفة باعتبارها مرتبطة بأشكال مختلفة من الانقسام الاجتماعي: في الدولة القديمة كان التناقض بين الأحرار والعبيد، وفي الدولة الإقطاعية بين النبلاء والفلاحين والأقنان، وفي الدولة الحديثة بين رأس المال والعمل المأجور. لكنه لا يتعامل مع الدولة دائماً كآلة بسيطة تعمل وتتحرك بأمر طبقة واحدة في كل لحظة. فهناك حالات تستطيع فيها الدولة الحصول على قدر من الاستقلال النسبي، ويستشهد بالملكية المطلقة في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، والبونابرتية، والإمبراطورية الألمانية في عهد بسمارك. ففي هذه الحالات يستطيع جهاز الدولة أن يبدو كأنه يقف فوق الطبقات أو يوازن بينها. لكن هذا الاستقلال لا يلغي البنية الاجتماعية التي جعلت الدولة ممكنة. ما يبقى لافتاً في هذه الفكرة هو صورة الدولة التي تصبح أكثر تعقيداً من مجرد أداة في يد طرف واحد. فالقوة العامة تنفصل تدريجياً عن المجتمع الذي أنتجها وتتحول إلى جهاز له منطقه الخاص، وتكتسب لغة إدارية وقانونية، وتصبح لها قدرة على تنظيم الحياة اليومية وعلى ضبط الحركة والعمل والحقوق والواجبات. وينتقل الإنسان من علاقة مباشرة بجماعته المحلية إلى علاقة بمؤسسات واسعة لا يعرف أفرادها بعضهم بعضاً، ويصبح المواطن اسماً في سجل ورقماً في ملف، وتتحول القوانين إلى وسيلة لتنظيم الملكية والحقوق والواجبات، وفي الوقت ذاته إلى أدوات لضبط الأجساد والحركة والعمل. يمكن لقراءة إنغلز الانفتاح على أسئلة لم تكن موجودة في زمنه. لم يفسر فوكو، مثلاً، السلطة بذات طريقة الماركسية الكلاسيكية. فقد اهتم فوكو بالسلطة حين تعمل داخل المؤسسات والممارسات اليومية، في المدرسة والسجن والمستشفى والثكنة والأسرة، ودرس الانضباط والسلطة الحيوية وإدارة السكان والأجساد، ثم جعل من الجنسانية نقطة تقاطع بين أشكال مختلفة من ممارسة السلطة. تتيح هذه المقاربة رؤية جوانب من السلطة لا تظهر في التفسير الاقتصادي وحده . هذا لا يجعل فوكو بديلاً عن إنغلز، ولا إنغلز مقدمة لفوكو. الفرق بينهما مهم. إنغلز يسأل عن البنية الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل الدولة ممكنة وعن علاقتها بالملكية والطبقات، بينما يبحث فوكو في الطرق التي تنتشر بها السلطة داخل الممارسات والمؤسسات وفي كيفية إنتاج الأفراد بوصفهم موضوعات للمعرفة والضبط. ويمكن لغرامشي، من جهة أخرى، أن يضيف إلى هذا المشهد سؤال الهيمنة الثقافية وكيف تستطيع الطبقة المهيمنة أن تجعل مصالحها تبدو جزءً من النظام العام ذاته. وتنال قدر من القبول يتجاوز القوة المباشرة. ومن زاوية أخرى يمكن أن نستعيد، بحذر، مفهوم "الاستعمار الداخلي"، وهو مفهوم ظهر في العلوم الاجتماعية والسياسية في القرن العشرين، لتحليل أشكال الهيمنة داخل الدولة الواحدة بين مركز ومناطق أو جماعات تقع في موقع تابع. لا علاقة للمصطلح بجهاز إنغلز المفاهيمي ذاته، لكن استخدامه بوصفه أداة لاحقة يفتح سؤالاً قريباً من سؤاله عن الدولة المنفصلة عن المجتمع: ماذا يحدث عندما تصبح الدولة وسيلة لإعادة إنتاج علاقة مركز بهوامش، أو عندما يشعر جزء من السكان بأن الجهاز السياسي الذي يفترض أنه يمثلهم أصبح قوة مفروضة عليهم؟ هذه الأسئلة لا تنقض إنغلز، كما أنها لا تعني أن تفسيره يظل كافياً وحده. ربما تكمن قيمة الكتاب اليوم في سماحه بإعادة طرح هذه الأسئلة من نقطة قديمة، ثم اختبار حدودها في ضوء ما عرفناه لاحقاً. وهذا ينطبق على الأسرة أيضاً. فمن الصعب اليوم قبول كثير من تفاصيل التسلسل الذي بناه مورغان وإنغلز، أو التعامل مع أطوار "التوحش" و"البربرية" و"الحضارة" باعتبارها درجات عالمية يمر بها البشر بالطريقة عينها. كما أن العلاقة بين الملكية الخاصة ووضع المرأة أكثر تعقيداً مما افترضه إنغلز، وتاريخ المجتمعات البشرية لا يسير في خط واحد. لكن ذلك كله لا يلغي السؤال الذي بقي في الكتاب: لماذا تبدو بعض أشكال الأسرة والملكية والدولة طبيعية وثابتة، مع أنها، عند النظر في تاريخها، تظهر بوصفها نتائج لتحولات اجتماعية طويلة؟ في العائلة نرى كيف يمكن لعلاقة اجتماعية التحول إلى نظام للسلطة والإرث. وفي الملكية نرى كيف يتحول فائض الإنتاج إلى ثروة خاصة ثم إلى حق. وفي العشيرة نرى تنظيماً اجتماعياً كان ملائماً لشروط معينة ثم أخذ يتآكل عندما تغيرت تلك الشروط. وفي الدولة نرى القوة العامة تنفصل عن المجتمع وتكتسب جهازاً ومؤسسات وقوانين، ثم تصبح جزءً من النظام الذي نشأ من انقسام المجتمع ذاته. لهذا لا تبدو قيمة الكتاب اليوم في أنه قدم لنا وصفاً نهائياً لأصل العائلة أو الملكية أو الدولة. بل تكمن قيمته، ربما، في أنه حاول وضع هذه الأشياء داخل التاريخ، والسؤال عن اللحظة التي لم تكن فيها موجودة بالصورة التي نعرفها، وعن الشروط التي جعلتها تظهر، وعن احتمال أن تتغير عندما تتغير تلك الشروط. وما يبقى بعد نصف قرن من القراءة الأولى ليس بالضرورة كل ما قاله إنغلز، وإنما ذلك الشك الذي زرعه الكتاب في الأشياء التي تبدو ثابتة. العائلة التي تبدو أزلية، والملكية التي تبدو حقاً طبيعياً، والدولة التي تبدو وكأنها كانت موجودة دائماً، كلها تصبح في ضوء هذه القراءة أسئلة تاريخية. ربما كان هذا هو السبب الذي جعل العودة إلى الكتاب بعد هذه السنوات مختلفة عن القراءة الأولى. في قراءاتي الأولى بدا الكتاب كأنه يقدم مفتاحاً شاملاً للتاريخ. لكن بعد التقدم في العمر والتجربة والمعرفة يصبح أكثر إثارة حين نقرأه مع معرفة أكبر بحدوده. لم تعد الحاجة قائمة إلى أن نأخذ كل فرضية فيه كما هي حتى نستفيد منه. يمكن أن نختلف مع مورغان، وأن نراجع إنغلز، وأن نضيف فوكو وغرامشي وما جاءت به الأنثروبولوجيا اللاحقة، ثم نعود مع ذلك إلى السؤال الأساسي الذي لم يفقد قوته: كيف تتحول الأشياء التي يصنعها البشر معاً إلى مؤسسات تبدو لاحقاً وكأنها قائمة فوقهم وخارج قدرتهم على تغييرها؟ الترجمة التي قرأنا بها، وأسماء الفصول، ومصطلحات مثل عائلة القرابة وعائلة الشراكة والعائلة الثنائية والعائلة الأبوية، والعشيرة، وحق الأم، وحق الأب، والهيتيرية، والبربرية والحضارة، وحتى بعض العبارات القديمة التي قد تبدو اليوم غريبة، كلها تنتمي إلى ذلك الكتاب الذي دخل الذاكرة قبل عقود. وحين نستعيده الآن لا نستعيد أفكار إنغلز وحدها، وإنما نستعيد أيضاً اللغة التي عرفنا بها تلك الأفكار. لهذا لا تبدو الفروق بين ترجمة وأخرى مسألة تقنية محضة. الترجمة التي قرأ منها جيل كامل تصبح جزءً من ذاكرة الكتاب. وحين تقول ترجمة إلياس شاهين "الدولة هي إفصاح عن واقع" وتقول ترجمة أخرى "وهي اعتراف بأن هذا المجتمع قد وقع في تناقض مستعص مع نفسه"، فإن الفارق لا يتعلق بالكلمات وحدها؛ إنه يغير إيقاع الفكرة وطريقة اقتراب القارئ منها. بالنسبة إلى من عرف الكتاب أول مرة في ترجمة شاهين، تبقى تلك اللغة جزءً من إنغلز نفسه. ولهذا يصعب التعامل مع الكتاب بوصفه مجرد كتاب قديم في تاريخ الفكر. لقد رافق قراءة العالم في مرحلة معينة، ثم عاد في مرحلة أخرى ليطرح أسئلة مختلفة. وما يثيره اليوم قد لا يكون ما أثاره في السبعينيات، تماماً كما أن القارئ الذي عاد إليه ليس القارئ نفسه. لا يمكن معرفة إلى أين تمضي العائلة، ولا أي شكل ستأخذ الملكية الخاصة بعد التحولات التي شهدها العالم، ولا كيف ستتغير الدولة في زمن تتداخل فيه السلطة السياسية مع رأس المال والتكنولوجيا والبيانات وإدارة السكان. لكن يمكن الاحتفاظ بالسؤال الذي يتركه إنغلز مفتوحاً: كيف تتحول الترتيبات التي صنعها البشر في لحظة تاريخية إلى مؤسسات تبدو كأنها جزء من طبيعة الأشياء؟ ربما تكون هذه هي الفكرة التي بقيت أكثر من غيرها بعد كل هذه السنوات: أن ما له تاريخ يمكن أن يتغير، وأن ما نراه اليوم ضروريا لم يكن موجوداً دائماً، وأن المؤسسات التي تبدو لنا ثابتة يمكن أن تدخل مرة أخرى في حركة التاريخ. في السابعة عشرة، كان الكتاب يبدو كأنه يتحدث عن ماضٍ بعيد. بعد عقود، صار الماضي ذاته طريقة للنظر إلى الحاضر. لا أعرف ماذا كان سيقول ابن السابعة عشرة لو جلس الآن أمام هذا الكتاب إلى جوار ابن الرابعة والستين. ربما كان سيختلف معه في أشياء كثيرة، وربما كان سيستغرب بعض اعتراضاته على ما كان يراه آنذاك واضحاً. وربما كان سيكتشف، على نحو ما، أن كثيراً مما ظنه أفكاراً اكتشفها بنفسه كان قد جاءه من كتب كهذا الكتاب، ثم بقي يعمل في داخله سنوات طويلة من دون أن ينتبه إلى ذلك. لهذا لم تكن هذه العودة محاولة لاستعادة ما كنت عليه، ولا لتصحيح ما كنت أفكر فيه ذات يفاعة. كان يكفيني فتح الكتاب مرة أخرى، ورؤية ماذا بقي بين صفحاته من ذلك القارئ القديم، وماذا أضافت إليه السنوات. في النهاية، ربما لا يعود السؤال: ماذا قال إنغلز عن أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة؟ وإنما ماذا فعل هذا الكتاب بقارئ قرأه في عمر الشباب، ثم عاد إليه بعد ما يقارب نصف قرن؟ وربما لهذا بقي الكتاب في الذاكرة كل هذه السنوات لأنه فتح السؤال (هو لم يغلقه أصلاً) في مكان يصعب بعده العودة إلى النظر إلى المجتمع كما لو أن أشكاله الحالية كانت قدره الوحيد. ................. إشارات وإحالات هذه هوامش استرشادية ساعدت في قراءة الكتاب اليوم، وفي تتبع بعض الأسماء والمفاهيم التي اتصلت به مباشرة أو فتحت عليها القراءة اللاحقة. [1] لويس هنري مورغان (1818–1881): عالم أنثروبولوجيا أمريكي، ويعد كتابه "المجتمع القديم" (Ancient Society, 1877) المصدر الأهم الذي استند إليه إنغلز في بناء كتابه، إلى جانب ملاحظات ماركس ومواد أخرى. عاش مورغان بين الإيروكوا ودرس نظام القرابة عندهم، وكان لعمله أثر أساسي في تصور إنغلز لتطور أشكال العائلة والعشيرة والمجتمع. [2] آشير رايت (Asher Wright, 1803–1875): مبشر بروتستانتي أمريكي عاش بين الإيروكوا، وتعلم لغتهم ودوّن ملاحظات عن حياتهم الاجتماعية والعائلية. اعتمد مورغان على عدد من هذه المواد في دراساته عن القرابة والعائلة. [3] العائلة البونالوانية (Punaluan Family): مصطلح استخدمه مورغان لوصف مرحلة من تطور أشكال القرابة والزواج، ارتبطت بتراجع الزواج بين الإخوة والأخوات مع استمرار بعض أشكال الزواج الجماعي. [4] "حق الأم" المقصود به في الإطار الذي قرأ فيه ماركس وإنغلز مورغان هو نظام للانتساب والقرابة والإرث عبر خط الأم، وليس حكم النساء للمجتمع، ولا مفهوماً سابقاً للنسوية بمعناها الحديث. يربط إنغلز الانتقال من حق الأم إلى حق الأب بتغير شروط الملكية والإرث، وبالرغبة في نقل الثروة التي تراكمت لدى الرجال إلى أبنائهم. وقد استخدم مورغان ومن جاء بعده المصطلح في سياق دراسة النسب والقرابة، بينما ارتبطت به عند بعض الباحثين، ومنهم باخوفن، استنتاجات أوسع عن "حكم النساء" لا ينبغي الخلط بينها وبين معنى النسب الأمومي نفسه. [5] "الهزيمة التاريخية العالمية لجنس النساء": عبارة إنغلز لوصف الانتقال من حق الأم إلى حق الأب وربطه بتغير نظام الملكية والإرث. وقد خضعت العلاقة التي يقيمها إنغلز بين الملكية الخاصة وإخضاع النساء لمراجعات واسعة في الأنثروبولوجيا ودراسات التاريخ الاجتماعي اللاحقة. [6] الاستعمار الداخلي (Internal Colonialism) مفهوم تطور في العلوم الاجتماعية والسياسية خلال القرن العشرين، واستخدم لتحليل علاقات الهيمنة والاستغلال داخل الدولة الواحدة بين المركز وفئات أو مناطق تقع في موقع تابع. استخدام المفهوم هنا قراءة معاصرة توسع سؤال إنغلز عن انفصال الدولة عن المجتمع، ولا يعني أن المصطلح كان جزءً من جهازه المفاهيمي. [7] تختلف مقاربة ميشيل فوكو للسلطة عن التصور الماركسي الكلاسيكي. درس فوكو انتشار السلطة في المؤسسات والممارسات اليومية، ومفهومي الانضباط والسلطة الحيوية، وعلاقة الدولة بإدارة السكان والأجساد، كما تناول الجنسانية بوصفها مجالا تتقاطع فيه المعرفة والسلطة وتنظيم السلوك. انظر: ميشيل فوكو، «تاريخ الجنسانية، إرادة المعرفة»، ترجمة جورج أبي صالح، مراجعة مطاع صفدي، دار التنوير، بيروت. [8] The Bridges of Madison County (1995) فيلم من إخراج كلينت إيستوود وبطولته مع ميريل ستريب، مقتبس عن رواية روبرت جيمس والر. يستدعي الفيلم، في سياق هذه المقالة، التوتر بين الحب الفردي والزواج بوصفه مؤسسة اجتماعية تحمل تاريخا من الواجبات والمصالح والروابط العائلية، من دون أن يقدم حلاً نهائياً لهذا التوتر. [9] دخلت كلمة adobe الإسبانية إلى الإنكليزية ولغات أخرى، ويرجع أصلها إلى العربية الأندلسية، ويربطها اللغويون بكلمة «الطوب»؛ وكانت تدل على الطوب المصنوع من الطين والمجفف بالشمس. ومن هنا جاء استعمال adobe في وصف الأبنية المشيدة بالطوب اللبن في مناطق من أمريكا الشمالية. [10] يعود مصطلح "الاقتصاد" إلى اليونانية oikonomia، المؤلفة من oikos بمعنى البيت أو المنزل، وnomos بمعنى التدبير أو القاعدة. وكان "تدبير المنزل" عند أرسطو يشمل إدارة موارد البيت والعلاقات التي يقوم عليها، بما فيها الزوجة والأبناء والعبيد. وقد اتسع معنى المصطلح في الفكر الحديث تدريجيا حتى صار يشير إلى تنظيم الإنتاج والتبادل والثروة على مستوى المجتمع.
#محمود_الصباغ (هاشتاغ)
Mahmoud_Al_Sabbagh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
عن الطوفان وأشياء أخرى (69)
-
عن الطوفان وأشياء أخرى (68)
-
التحرر من الاستعمار أم التحرر من صورته؟
-
إسرائيل وحرب الإبادة في غزة داخل إجابات الذكاء الاصطناعي
-
عن الطوفان وأشياء أخرى (67)
-
البحر بيضحك ليه
-
ديمقراطية الأسياد: من المشروع الصهيوني إلى دولة -الشعب- اليه
...
-
أخلاق الهيمنة وصنع الآخر:خفايا -تاجر البندقية-
-
عن الطوفان وأشياء أخرى (66)
-
عن الطوفان وأشياء أخرى (65)
-
عن الطوفان وأشياء أخرى (64)
-
لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية
-
شتاء تورينو: المشهد الأخير
-
قراءة في كتاب أنبياء مزيفون، مفهوم العبث في أعمال كامو وديست
...
-
تأملات في اللاعنف
-
حقيقة اكتشاف إيلات مزار لقصر الملك داود.
-
علم الآثار تحت الحكم العسكري: الأثر والتراث أدوات سيادة استي
...
-
السلام الإبراهيمي: لاهوت السردية الجيوسياسية
-
كيف يعيد المشفى صياغة الإنسان الحديث؟ تأملات في الرعاية والض
...
-
إيران في مرآة النماذج: من النقاش السياسي إلى إلغاء الموقف ال
...
المزيد.....
-
Slander and Impunity: the World Central Kitchen Killings in
...
-
Former Enemies, a Common Adversary
-
Sustainability in Germany in 2026
-
How Workers Struggle in America’s Dead-end Economy
-
The Freedom Bus and Ms. Baker
-
Control Failure
-
ذكرى تأسيس الأممية: إخفاقات الستالينية تؤكد صحة نقد تروتسكي
...
-
جهاز الأمن الفيدرالي الروسي يكشف تفاصيل حول إعدام مواطنين سو
...
-
أزمة المياه تتفاقم في تونس وسط نقص الإمدادات والاحتجاجات الش
...
-
آلاف المتظاهرين في سبتة يحتجون على تعامل الحكومة الإسبانية م
...
المزيد.....
-
كراسات شيوعية:مشاكل الحزب العالمي للثورة وإعادة بناء الأممية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نص محاضرة(نحوإعادة النظرفي مكانةتروتسكي في تاريخ القرن العشر
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المهم هو تغييره .. مقدمة إلي الفلسفة الماركسية - جون مولينو
/ جون مولينو
-
مقالات موضوعية في الفلسفة الماركسية
/ عائد ماجد
-
كراسات شيوعية(الأممية الرابعة والموقف من الحرب ) ليون تروتسك
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الحزب الماركسي والنضال التحرري والديمقراطي الطبقي واهمية عنص
...
/ غازي الصوراني
-
حول أهمية المادية المكافحة
/ فلاديمير لينين
-
مراجعة كتاب (الحزب دائما على حق-تأليف إيدان بيتي) القصة غير
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
مايكل هارينجتون حول الماركسية والديمقراطية (مترجم الي العربي
...
/ أحمد الجوهري
-
وثائق من الارشيف الشيوعى الأممى - الحركة الشيوعية في بلجيكا-
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|