أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (68)















المزيد.....

عن الطوفان وأشياء أخرى (68)


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 14:54
المحور: القضية الفلسطينية
    


بين المتاح والممكن
كلما دق الكوز بالجرة واختل ميزان القوة اختلالاً شديداً لصالح الطرف الآخر تعود مسألة جدوى المقاومة إلى الواجهة.
ولكن من يطرح سؤال الجدوى بهذه الطريقة، ليس هدفه البح عن إجابة، وإنما عن نتيجة يعتبرها بديهية: ماذا تستطيع المقاومة فعله أمام قوة عسكرية تتفوق عليها في السلاح والقدرة التدميرية والموارد والإمكانات. وهذه النتيجة تفترض مسبقاً أن ميزان القوة القائم يمثل نقطة البداية ونقطة النهاية في آن واحد، ثم يطلب من المقاومة إثبات جدواها ضمن الحدود التي رسمها هذا الميزان دون تمييز بين المتاح والممكن. متغافلاً-قصداً, وربما عن غير قصد- أن المتاح هو ما تسمح به موازين القوة في لحظة معينة بوصفه مجالاً يبدو مفتوحاً أمام الفاعل السياسي إذا ما أخذنا شروط اللحظة كما هي، أي لحظة من يملك السلاح الأكثر فتكاً والقدرة الأكبر على الحركة وامتلاك الغطاء السياسي والسيطرة على الأرض والحدود والموارد. وعلى نحو أوسع يكون الممكن؛ فهو يتضمن جميع شروط المتاح القائمة إلى جانب ما يمكن أن ينشأ عن تغيرها.
هذه المسافة الصغيرة بين المفهومين تحمل، في الحقيقة، معنى كبيراً للمقاومة. فإذا تطابق الممكن مع المتاح، تصبح المقاومة فعلاً عبثياً بحكم التعريف. لأن الطرف الأضعف لن يستطيع تحقيق ما يستطيعه الطرف الأقوى، وكل محاولة لتجاوز هذا الواقع ستبدو مغامرة أو وهماً أو انفعالاً لا يأخذ "الواقع" في الحسبان. لكن هذا الاستنتاج لا يثبت عبث المقاومة بقدر ما يكشف عن افتراض مضمر يرى بأن وظيفتها العمل داخل ميزان القوة القائم، وليس تغييره.
ولكن؛ إذا كان المتاح هو ما يسمح به ميزان القوة الآن، فكيف يمكن أن يتغير هذا المتاح. في العادة، لا يحدث ذلك من داخل المتاح وحده. فالفعل الذي يلتزم منذ بدايته بكل ما يسمح به ميزان القوة لا يملك، في الغالب، وسيلة لتغيير هذا الميزان (وبالتالي الواقع). لأن مثل هذا التغيير يحتاج في لحظة ما إلى فعل يتجاوز حدوده القائمة، وإلا ظل الواقع يعيد إنتاج ذاته.
وهذه ليست سمة تخص المقاومة وحدها. فالتاريخ السياسي كله تقريباً مليء بأفعال بدأت من موقع لم يكن يمنح أصحابها ما يكفي لتحقيق أهدافهم، ثم أسهمت، عبر تراكمها، في تغيير شروط الفعل السياسي ذاته.
ثمة الكثير مما قد يصبح ممكناً في لحظة تالية كانت، في مرحلة سابقة، خارج حدود المتاح. وعليه، لا ينبغي قياس المقاومة فقط بالسؤال عن مقدار ما تستطيع أن تنتزعه في مواجهة مباشرة مع خصم أقوى. إذ لا تعمل المقاومة، دائماً، بمنطق الحسم العسكري، وقد تكون وظيفتها في أحيان كثيرة مختلفة؛ من قبيل منع تثبيت الأمر الواقع وإبقاء الصراع مفتوحاً ورفع كلفة السيطرة وتعطيل بعض أهداف الخصم، أو-و استنزاف قدرته على تحويل التفوق العسكري إلى مكسب سياسي نهائي، أو إنتاج ظروف جديدة تدخل معها خيارات لم تكن موجودة من قبل إلى المجال السياسي.
وجميع هذه الخيارات-الاحتمالات لمعنى جدوى المقاومة مرتبطة بالزمن وبالحتمية، والأهم من ذلك بالجهد البشري. فالميزان الذي يبدو ثابتاً في لحظة ما قد لا يكون ثابتاً في التاريخ بسبب من تغير القوى وتعاقب الأجيال وتبدل الموارد والتحالفات والأفكار التي تدخل وتخرج من المجال السياسي. لذا من الخطأ المنهجي قياس المقاومة وفق اللحظة وحدها، لأننا نكون بذلك نحكم على فعل طويل المدى بأدوات زمن قصير. لكن هذا لايعني أن الزمن يعمل لمصلحة المقاومة على نحو تلقائي.
نعلم- بحكم التجربة- أن ليس في التاريخ ما يضمن مثل هذا، فيمكن استنزاف المقاومة وحتى فشلها وارتكابها أخطاء استراتيجية تجعل حاضنتها تدفع أثمان هائلة، ويمكن لخصمها التكيف مع أدواتها فيغير استراتيجيته تبعاً لذلك. وإذن لا ينبغي تحويل فكرة "تغيير ميزان القوة" إلى عقيدة تبريرية تسمح بتجاهل النتائج. غير أن العكس صحيح أيضاً. فارتفاع الكلفة لا يثبت وحده انعدام الجدوى، كما أن عدم تحقيق النصر العسكري لا يعني بالضرورة أن الفعل المقاوم لم ينتج أثراً سياسياً. فالجدوى ليست مرادفاً للنصر، كما أن الهزيمة في معركة لا تعني بالضرورة خسارة الصراع كله.
تكمن المشكلة في استخدام مفهوم الجدوى أحياناً وكأنه يحتمل نتيجة واحدة: إما أن تنتصر المقاومة عسكرياً، وإما أنها لم تكن مجدية. وهذا معيار يصعب الدفاع عنه إذا طبقناه على التاريخ السياسي. فالحركات السياسية لا تعمل دائماً من أجل نتيجة فورية، ولا تقاس آثارها كلها بما يحدث في نهاية معركة واحدة. قد تغير المقاومة حسابات الخصم، وقد تغير موقع القضية في محلياً ودولياً، وقد تعيد إنتاج الفاعل السياسي الذي كان يراد له أن يختفي، وقد تمنع تحويل الهزيمة المؤقتة إلى تسوية نهائية.
فإذا كانت السياسة مجرد إدارة للمتاح، فإن وظيفة الفاعل السياسي تنحصر في اختيار أفضل الخيارات التي يسمح بها الواقع القائم. أما إذا كانت السياسة تتضمن القدرة على تغيير الواقع، فإن إدارة المتاح تصبح جزءً صغيراً من العمل السياسي وليس حدوده النهائية. وتكون المقاومة، في هذا المعنى، أكثر من مجرد رفض للواقع، وإلا أصبحت فعلاً احتجاجياً بلا أفق.
المقاومة، كما درسنا وتعلمنا، محاولة تحويل الواقع إلى شيء آخر. وفي الحقيقة هذا ما يميزها بوصفها موقفاً أخلاقياً، عن اعتبارها استراتيجية سياسية. لأنه يكفي، في الموقف الأخلاقي، أن تقول "لا". أما في موضع الاستراتيجية السياسية، المطلوب التفكر فيما يمكن لهذه الـ "لا" أن تفعله بالواقع، هل تؤدي إلى منع ما كان سيحدث؟ أو ترفع كلفة استمرار الوضع القائم. هل تخلق مجالاً للتفاوض لم يكن موجوداً، أو تعيد تشكيل الحسابات؟ أم تفتح زمناً جديداً وتجعل ما كان يبدو مستحيلاً قابلاً للنقاش. مثل هذه النتائج ستنقل المقاومة إلى خانة الفعل التاريخي لتتجاوز ما يمكن أن يكون، بمنطق فيزياء نيوتن، مجرد رد فعل على القوة
لا يكفي أن نسأل: ماذا استطاعت المقاومة أن تحقق ضمن ميزان القوة القائم. ونقف. علينا المتابعة بجرأة بالقول ماذا فعلت المقاومة بهذا الميزان. هل دفعته نحو وضع مختلف ولو ببطء وبأثمان باهظة، أم أبقته كما هو. مثل هذا يجعل النقد أكثر جدية. فحين يكون الهدف تغيير شروط الصراع، تصبح الاستراتيجية والتنظيم والقدرة على الاحتمال وحماية المجتمع ودقة الحساب عناصر حاسمة في تقويمها. وكلما ارتفعت كلفة المقاومة، ازدادت الحاجة إلى مساءلة قراراتها لكن دون إلغاء.
ليست كل مقاومة ناجحة، ولا كل تجاوز للمتاح يقود إلى ممكن جديد. لكن الحكم على المقاومة ينبغي أن يظل مفتوحاً على جميع الاحتمالات، فالسياسة التي لا ترى إلا المتاح تتحول إلى إدارة للواقع. أما تلك التي ترى فيه لحظة تاريخية قابلة للتغيير، فهي تفتح مجالاً للممكن نفهم منه جدوى المقاومة في معناها الأوسع أي رفضها تحويل فارق القوة القائم إلى قدر سياسي نهائي.
إذا كان المتاح هو ما يفرضه الواقع الآن، فالسؤال الذي يظل مفتوحاً : من الذي يقرر أن هذا الواقع سيبقى كما هو؟
هنا تبدأ السياسة.
الرابط:طائرات ورقية يطلقها أطفال غزة تتحول إلى ملف أمني في إسرائيل
https://www.instagram.com/reel/DcbBel8D8Mc/



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التحرر من الاستعمار أم التحرر من صورته؟
- إسرائيل وحرب الإبادة في غزة داخل إجابات الذكاء الاصطناعي
- عن الطوفان وأشياء أخرى (67)
- البحر بيضحك ليه
- ديمقراطية الأسياد: من المشروع الصهيوني إلى دولة -الشعب- اليه ...
- أخلاق الهيمنة وصنع الآخر:خفايا -تاجر البندقية-
- عن الطوفان وأشياء أخرى (66)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (65)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (64)
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية
- شتاء تورينو: المشهد الأخير
- قراءة في كتاب أنبياء مزيفون، مفهوم العبث في أعمال كامو وديست ...
- تأملات في اللاعنف
- حقيقة اكتشاف إيلات مزار لقصر الملك داود.
- علم الآثار تحت الحكم العسكري: الأثر والتراث أدوات سيادة استي ...
- السلام الإبراهيمي: لاهوت السردية الجيوسياسية
- كيف يعيد المشفى صياغة الإنسان الحديث؟ تأملات في الرعاية والض ...
- إيران في مرآة النماذج: من النقاش السياسي إلى إلغاء الموقف ال ...
- عن الطوفان وأشياء أخرى (63)
- الأفعى. قصة قصيرة


المزيد.....




- فيديو منسوب لـ-هجوم حوثي ضد ناقلة نفط سعودية-.. ما حقيقته؟
- نتنياهو يصعّد ضد تركيا في سوريا.. مناورة أمنية أم انتخابية؟ ...
- خطب جلل: ركب البحر لينتشل جثامين مهاجرين ليتفاجأ بجثة أخيه! ...
- البوندسليغا في ثوب جديد.. بين بريق الأمس وتحديات اليوم!
- رئيسة فريق التحقيق في لوكربي: تأجيل المحاكمة سيخيب آمال عائل ...
- هل تدخل مصر عالم النووي العائم؟.. -روساتوم- تكشف مفاجأة
- الخارجية الروسية: موسكو لن تتوسل إلى الغرب من أجل التعاون في ...
- روسيا تبني لمصر مركزا للعلاج بالنووي
- بعد سلفه كوتشاريان.. الرئيس الأرميني السابق سركسيان يواجه ته ...
- دراسة: معدلات المواليد في العالم انخفضت إلى ما دون مستويات ا ...


المزيد.....

- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (68)