أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (70)















المزيد.....

عن الطوفان وأشياء أخرى (70)


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8855 - 2026 / 10 / 11 - 04:51
المحور: القضية الفلسطينية
    


الوعي الزائف في مقولة "وداعاً للسلاح"
ثمة أفكار تبدو في لحظة معينة شديدة العقلانية، وربما شديدة الحكمة أيضاً، لأنها تنسجم تماماً مع ميزان القوة القائم مثل طلب التخلي عن السلاح بوصفه مرحلة انتهت، والمطلوب الآن إعادة تعريف النضال وفق معطيات الواقعية السياسية.
من الأسلم -ابتداءً- التأكيد على ضرورة مراجعة المقاومة تجربتها ومناقشة نتائجها، والسؤال عن أخطائها وكلفتها وحدودها. إذ ليس ثمة وسيلة سياسية أو عسكرية فوق النقد. لكن شيئاً آخر يحدث حين ينتقل النقاش من نقد تجربة بعينها إلى نزع الشرعية عن المقاومة المسلحة، وكأن إخفاق بعض الخيارات يكفي لإثبات أن الفكرة نفسها أصبحت من الماضي.
فالقول بعدم تحقيق الكفاح المسلح لأهدافه لا يعني أنه كان بلا أثر، كما أن عدم الوصول إلى التحرير لا يحوّل الاحتلال إلى وضع طبيعي ينبغي التكيف معه. ثمة فرق كبير بين السؤال عن جدوى وسيلة معينة في ظرف معين، وبين السؤال عن حق شعب واقع تحت الاحتلال في المقاومة. فالأول سؤال سياسي مفتوح على المراجعة، أما الثاني فيتعلق بطبيعة الصراع ذاته.
ولعل أكثر ما يلفت في خطاب "وداعاً للسلاح" تعامله مع اختلال ميزان القوى كما لو كان حقيقة سياسية نهائية، وليس نتيجة تاريخية قابلة للتغير. فحين تكون إسرائيل قوة عسكرية كبرى، مدعومة بشبكة واسعة من التحالفات الدولية، وحين يمتلك الفلسطينيون إمكانات أقل بكثير، يصبح من السهل القول إن مقاومتهم "المسلحة" عبث، وتقتضي الحكمة الانصراف إلى ما هو سياسة وتفاوض وقانون دولي.
غير أن من يجعل ميزان القوة أساساً وحيداً للحكم على المقاومة يوشك أن يحول هذه القوة إلى معيار للحق. فإذا كان الأقوى يملك السلاح والتكنولوجيا والتحالفات، فما الذي يبقى للضعيف كي يفعله؟ هل عليه التخلي عن المقاومة لأن خصمه أقوى؟ وهل ينبغي ممارسة مقولة الحق حين يمتلك صاحبه قوة تضمن نجاحه فقط؟
لو صح هذا المنطق، لما تحرر شعب من استعمار لم يكن أضعف منه عسكرياً في البداية.
لا يزول الاستعمار بطلب الرحمة منه، ولا بمجرد إقناعه بأن وجوده غير أخلاقي. يحتاج الأمر إلى قوة مضادة، وإلى قدرة لدى الطرف المستعمَرعلى رفض موقعه المفروض عليه. وقد تتخذ هذه القوة أشكالاً مختلفة، سياسية وشعبية وثقافية وقانونية وإعلامية، وربما تدخل في ظروف معينة في مواجهة مسلحة. لكن القاسم المشترك بينها هو استعادة القدرة على الفعل بعد سعي الاحتلال تحويل الإنسان إلى موضوع لقراراته.
لهذا أرى- وقد أكون مخطئاً- أن الكفاح المسلح ليس إلا أداة تقنية توضع على الطاولة إلى جانب أدوات أخرى ثم يجري اختيار الأفضل منها وفق جدول حسابي. وهو، في سياق الاحتلال، أحد التعبيرات عن إرادة جماعية ترفض تحول القهر إلى قدر.
وهذا لا يعفيه من النقد، ولا يحوله إلى قيمة أخلاقية مستقلة عن نتائجه، لكنه يمنع اختزاله في سؤال تقني من نوع: كم عملية نجحت؟ وكم جندياً قُتل؟ وكم أرضاً تحررت؟
ثمة نتائج أخرى لا تظهر في هذا الحساب الضيق. فالمقاومة، بأشكالها المختلفة، أبقت فلسطين حاضرة في الوعي السياسي العالمي، وحافظت على فكرة أن ما يحدث ليس نزاعاً بين دولتين متساويتين في الميزان على حدود متنازع عليها، وإنما صراع يرتبط بالاحتلال والاقتلاع والسيطرة والحرمان من الحقوق. كما ساهمت في إنتاج وعي وطني فلسطيني، وفي نقل القضية من جيل إلى آخر، وفي منع تحويل الهزيمة إلى حالة نفسية دائمة.
قد تخسر المقاومة معركة،وهذا لا يعني نهايتها بالضرورة. وقد تفشل استراتيجية، وهذا لا يعني أيضاً سقوط حق الشعب الذي لجأ إليها.
وهنا تحديداً يقع خطاب "فشل الكفاح المسلح" في مشكلة تاريخية. فهو ينتقي من التجربة ما يؤيد النتيجة التي يريد الوصول إليها، ثم يتعامل مع بقية التاريخ كأنه غير موجود. فيستشهد بإخفاقات الانتفاضات، وبالكلفة البشرية الهائلة، وبالنتائج السياسية المحدودة، ثم يُقال: ماذا حققت المقاومة؟
ونعم... من حق الجميع سؤال المقاومة ماذا حققت، لكن الجواب هنا لا يقتصر على من يقاوم بالسلاح فقط، فالجميع.. كل الجميع، عليهم الإجابة على هذا السؤال. ويتبعه أسئلة أخرى ليست اقل إلحاحاً، من قبيل: ماذا حققت المفاوضات؟ ماذا حقق الاعتراف المتبادل؟ ماذا حققت اتفاقات أوسلو؟ ماذا حققت السلطة الفلسطينية التي نشأت في ظل الاحتلال؟ ماذا حققت عقود من التعويل على المجتمع الدولي؟
ليس المقصود أن هذه الخيارات لم تحقق شيئاً على الإطلاق، ولا أن السياسة والدبلوماسية بلا قيمة. المقصود أن معيار النجاح الذي يُستخدم ضد المقاومة ينبغي أن يستخدم أيضاً عند تقويم البدائل. فإذا كان غياب الدولة المستقلة دليلاً على فشل المقاومة، فغيابها ينبغي أن يكون سؤالاً على خيارات التفاوض أيضاً.
أما أن يُسمح للسياسة بكل إخفاقاتها التاريخية، ثم تُحاكم المقاومة المسلحة على كل إخفاق يقع في مسارها، فذلك ليس نقداً متوازناً. والأهم من ذلك أن المقاومة لم تظهر أصلاً في غياب الاحتلال. ولا يمكن فصلها عن سياق القتل والاعتقال والحصار وهدم البيوت ومصادرة الأرض والتهجير والاستيطان. وحين يُقال للفلسطيني عليه التخلي عن سلاحه كي يبدأ الطريق إلى السلام، يجري أحياناً قلب العلاقة بين السبب والنتيجة: فيصبح رد فعل الواقع هو المشكلة، بينما يختفي الواقع الذي أنتجه، وكأن المطلوب من الإنسان الواقع تحت السيطرة إثبات أنه جدير بالسلام عبر تخليه عن القدرة على مقاومة السيطرة.
في هذه الحالة يتخذ خطاب "وداعاً للسلاح" بعداً نفسياً أيضاً. فهو لا يكتفي بإعادة تقويم الوسيلة، وإنما يمكن أن يزرع في الوعي الجمعي فكرة خطأ المقاومة، وما ترتب عليها من خسائر هو دليل على وهم سابق، وأفضل ما نستطيع فعله الآن هو قبول شروط الواقع والتعايش معه.
ولكن هذا كلام فارغ.
لأن هذا الطرح لا يمثل -بأي حال- مراجعة تاريخية بريئة. بقدر ما هو إعادة تفسير للهزيمة.
ونعلم أن الهزيمة العسكرية شيء، وتحويل الهزيمة إلى وعي دائم شيء آخر. فحين يقتنع شعب بقوة عدوه إلى درجة تجعل كل مقاومة عبثاً، ينتقل ميزان القوة من المجال العسكري إلى المجال النفسي. وهنا لا يعود الاحتلال بحاجة إلى إقناع الناس بشرعيته؛ يكفي إقناعهم باستحالة مقاومته (جرب قاومنا ، وانظر كيف ستموت أنت وعائلتك وكل من وما يخصك)، وهذا هو أحد أخطر وجوه الوعي الزائف: أن يرى الإنسان نفسه من موقع عدوه، وأن يصف حدود الممكن وفقاً للقوة التي يواجهها، ليس وفقاً للهدف الذي يريد الوصول إليه.
لا يعني ذلك أن كل من ينتقد الكفاح المسلح واقع بالضرورة في هذا الوعي. هناك كثير ( فلسطينيون وعرب وأجانب) ينتقدون العمل المسلح انطلاقاً من اعتبارات أخلاقية أو سياسية قد يكونوا محقين فيها، كما هناك من يرى أن تجارب معينة أثبتت حدود هذه الوسيلة. وهذا نقاش مشروع، بل ضروري. ولكن تكمن المشكلة في تحويله إلى رأي سياسي؛ ثم إلى حقيقة تاريخية نهائية، ويصبح التعامل مع التخلي عن المقاومة المسلحة كأنه شرط مسبق لأي عقل سياسي.
المقاومة، يا سادة، ليست ديناً، ولا ينبغي لها أن تكون. ولا أن تتحول إلى عقيدة مغلقة. لكنها في ذات الوقت ليست خطأً ينبغي لصاحبه الشعور بالخجل لـ"ممارسته" أو لأن ميزان القوة كان ضده.
يوجد فرق واضح بين نقد المقاومة وبين تجريد شعب من حق المقاومة.
سيختفي هذا الفرق عندما تُختزل القضية في ثنائية بسيطة: السلاح أو السلام.
ونعلم أيضاً أن السلام العادل لا يولد من فراغ، وإنما يحتاج إلى ميزان قوى يسمح له بأن يكون سلاماً لا استسلاماً.
لهذا يبدو الفصل بين المقاومة والعمل السياسي فصلاً مصطنعاً. فالسياسة تحتاج إلى المقاومة بقدر ما تحتاج المقاومة إلى السياسة لأن كليهما يعمل في مجال مختلف من الصراع. الأولى تفتح المجال للتفاوض وبناء العلاقات والمؤسسات والحصول على الاعتراف والدعم، والثانية، بأشكالها المختلفة، تمنح المجتمع قدرة على الضغط ورفض الإملاءات.
وعلى هذا، تتحول السياسة التي تتحرك بلا قوة إلى إدارة للعجز، والمقاومة التي تتحرك بلا رؤية سياسية قد تتحول إلى فعل مغلق على ذاته. وأي نضال تحرري يحتاج إلى الجمع بين القدرة على المقاومة والقدرة على تحويل نتائجها إلى تغيير سياسي.
المشكلة الأعمق عند من يدعون إلى مقولة "وداعاً للسلاح" أنهم يتعاملون مع التاريخ الفلسطيني وكأنه بدأ من لحظة اختيار الفلسطينيين للمقاومة، متغافلين -سهواً أم عمداً- عن لحظة، أو لحظات، الاحتلال والاقتلاع والسيطرة.
فما الذي تغيّر في الواقع الذي أنتج المقاومة حتى أصبح التخلي عنها حلاً؟



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ومع ذلك نحبها: كيف ظلت السويد حليفة لإسرائيل رغم الإبادة؟
- هندسة التواطؤ: كيف ساعدت الهند إسرائيل على ارتكاب إبادة جماع ...
- صناعة أرباح خيالية: كيف يتربح الغرب من المذابح في غزة واليمن
- بنيامين موزر و:-معاداة الصهيونية-، حين تصبح الحيوات تاريخاً
- نتنياهو: خطاب العرش الأخير
- وردة بأي اسم آخر.. أمبرتو إيكو والترجمة حين تغادر الأدب
- الصورة التي سبقت صاحبها: صناعة الإقناع
- أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة: كتاب قديم، وقارئ آخر، و ...
- عن الطوفان وأشياء أخرى (69)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (68)
- التحرر من الاستعمار أم التحرر من صورته؟
- إسرائيل وحرب الإبادة في غزة داخل إجابات الذكاء الاصطناعي
- عن الطوفان وأشياء أخرى (67)
- البحر بيضحك ليه
- ديمقراطية الأسياد: من المشروع الصهيوني إلى دولة -الشعب- اليه ...
- أخلاق الهيمنة وصنع الآخر:خفايا -تاجر البندقية-
- عن الطوفان وأشياء أخرى (66)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (65)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (64)
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية


المزيد.....




- مستوطنون إسرائيليون يهاجمون دبلوماسيين أوروبيين في الضفة الغ ...
- سوريا.. ألغام النظام السابق تقتل وتجرح جنديين بمنطقة التنف ب ...
- السيسي: سننفذ أي إجراء لحماية السعودية
- موقع: أوكرانيا فشلت باعتراض أي صواريخ باليستية أو جوية روسية ...
- الشيباني: قرار إسرائيل ضم الجولان السوري المحتل حبر على ورق ...
- زيلينسكي: القيود على -ستارلينك- لا تزال تعيق عمليات الجيش ال ...
- تهديد زيلينسكي لأوروبا يثير التهكم والسخرية في بولندا
- الحوثيون: إسقاط طائرة أباتشي تابعة للجيش السعودي قبالة منطقة ...
- إذا حاول الديمقراطيون عزله مجددًا.. ترامب يلوّح بفتح ملفات ض ...
- -السلطات لا تصغي إلينا-.. غضب الشباب الفرنسي يتصاعد في باريس ...


المزيد.....

- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (70)