|
|
وردة بأي اسم آخر.. أمبرتو إيكو والترجمة حين تغادر الأدب
محمود الصباغ
كاتب ومترجم
(Mahmoud Al Sabbagh)
الحوار المتمدن-العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 04:52
المحور:
الادب والفن
عندما قرأت مقالة أمبرتو إيكو عن الترجمة(1)، لم أجدني أفكر كثيراً في الأمثلة الأدبية التي يوردها، رغم أنها الجزء الأكثر إغراءً في نصه. فقد ذهبت في تأملي نحو المترجم الذي يقف أمام جملة لا يعرف ماذا يفعل بها، ثم يبدأ في البحث عما هو أبعد من الكلمات، مثل السياق ونية الكاتب والإيقاع الذي جاءت فيه الجملة، وذلك الشيء الذي يمكن للترجمة التضحية به من دون أن تخسر النص كله. أفكر في ذلك لأنني عشت شيئاً قريباً من هذه الورطة، وإن في كتب لا تنتمي إلى الأدب. يكتب إيكو من موقع مميز. فهو مؤلف ومترجم في أن معاً، وعمل مع مترجمين نقلوا كتبه إلى لغات عديدة، وكان في بعض الحالات قادراً على مناقشة المترجم في اختياراته والعودة معه إلى الجملة الأصلية. لذلك تبدو الترجمة عنده نوعاً من المساومة الطويلة بين لغتين ونصين، وأحياناً بين شخصين يعرف كل منهما ما يريد من الآخر. وما كان يربط كل هذا ليس العثور على كلمة تعادل كلمة، وإنما تحديد ما الذي ينبغي الحفاظ عليه عندما يستحيل الحفاظ على كل شيء. وتظهر هذه النقطة في تمييزه بين ترجمة تتجه إلى الأصل، وأخرى تتجه إلى القارئ في اللغة الجديدة. ففي الحالة الأولى يحاول المترجم جعل القارئ يلمس غرابة النص الأصلي وطريقته في بناء المعنى، وفي الثانية يراعي ما يستطيع القارئ الجديد فهمه وتلقيه. في الواقع، لا يضع إيكو بين الخيارين حداً نظرياً نهائياً؛ فالترجمة عنده تتحرك بينهما بحسب طبيعة النص والمقام (2). ويبدو هذا واضحاً حين يتحدث عن عنوان روايته "اسم الوردة". فالاسم يمكنه الانتقال إلى لغات أخرى، لكن ما يحيط به من إحالات وألعاب لغوية وتاريخ ثقافي لا ينتقل بذات الطريقة. ويتضح هذا في هذه الرواية وفي روايته الأخرى التي تحمل عنوان "بندول فوكو"، حيث توجد كلمات وعبارات وإشارات تاريخية ولاهوتية وفلسفية ولغوية تعمل داخل نسيج الرواية. وعلى المترجم التعامل معها بوصفها وحدات معجمية منفصلة قد ينقل الكلمات كلها ويترك شيئاً مهماً من النص وراءه(3). يورد إيكو مثالاً من رواية "الحرب والسلام". يبدأ تولستوي روايته بحوار طويل بالفرنسية بين شخصيات روسية. والمشكلة هنا ليست في معنى الكلام وحده؛ فالحوار يتناول، في جزء منه، أموراً اجتماعية عابرة. لكن الفرنسية تؤدي وظيفة داخل الرواية؛ إنها لغة الطبقة الأرستقراطية، لغة المسافة عن الحياة الروسية، ولغة التظاهر والتميّز. فإذا تُرجمت الرواية إلى الفرنسية، اختفى هذا الأثر، لأن الفرنسية لم تعد لغة أجنبية داخل النص (4). يدرك إيكو هذا لأنه يكتب نصاً يعرف من داخله كيف صيغ. ولذلك تصبح بعض ملاحظاته عن الترجمة أقرب إلى اعترافات كاتب اكتشف، من خلال مترجميه، أشياء لم يكن يراها في نصه باللغة الأصلية. لأن المترجم، في هذه الحالة، قارئ قاسٍ لا يستطيع مواصلة القراءة حين يصادف شيئاً ملتبساً، لأن عليه تقرير ماذا يفعل به بلغة أخرى. ربما يستطيع القارئ العادي تجاوز جملة غامضة فيضعها على عاتق الكاتب. لكن المترجم لا يستطيع دائماً فعل ذلك. بيد أن إيكو يذهب أبعد من هذه الملاحظة حين يقترح أن عجز المترجم عن فهم عبارة ما قد يكون دليلاً على أن الكاتب نفسه لم يفكر فيها بوضوح كافٍ. تبدو هذه الفكرة مغرية، لكنها تحتاج إلى حذر. فقد يكون النص غامضاً فعلاً، وقد يكون الكاتب ترك شيئاً غير محسوم، لكن المترجم قد يواجه أيضاً اختلافاً في الخلفية الثقافية أو في الاصطلاح العلمي أو في طريقة بناء المفهوم بين اللغتين. فما يبدو غموضاً في النص قد يكون أحياناً غموضاً في المسافة التي تفصل المترجم عن العالم الذي أنتج النص (5). وتظهر هذه المسافة على نحو واضح تماماً في الترجمة غير أدبية. ولكي يكون للكلام صداه، سأتحدث عن تجربتي المتواضعة؛ فقد عملت على ترجمة بضعة كتب (عدد أربعة) تقع في منطقة متشابكة بين التاريخ والآثار والسياسة والفكر، وهي "فلسطين في الفضاء الصهيوني" و البحث عن إسرءيل"، و"الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا"، و"علم الآثار السياسي"، إلى جانب عدد من المقالات والدراسات التي تنتمي، في معظمها، لذات الحقل . لم تكن هذه ترجمات أدبية، ولم تكن المشكلة فيها متعلقة بإيقاع الجملة، أو الجرس الموسيقي للجملة، أو بصوت شخصية روائية، أو بلعبة لغوية يمكن تعويضها بصورة أخرى. ثمة هناك مصطلحات ومفاهيم وأسماء مواقع وأحداث وفرضيات تاريخية، وكل كلمة قد تحمل معها تاريخاً من الاستعمال. ويمكنني القول، من خلال تجربتي هذه أن المترجم يصبح أقرب إلى من ينقّب في النص. فكلمة واحدة قد تبدو عادية في لغة الكاتب، ثم يتضح أنها جزء من جهاز كامل من المفاهيم. "الأركيولوجيا" ليست مجرد علم يبحث عن بقايا الماضي. حين تدخل في علاقة مع الصهيونية، ومع إنتاج تاريخ إسرءيل، ومع الكتاب المقدس، ومع أسماء المواقع، إذ تتحول المصطلحات الأثرية إلى جزء من نزاع على الماضي. فالاسم الذي يطلق على موقع أو منطقة قد يبدو محايداً في القاموس، لكنه لا يبقى كذلك حين يوضع داخل تاريخ التوطن القديم والاستيطان الحديث وتغيير الأسماء وإعادة تركيب الجغرافيا. من هذا المدخل وجدتني متورطاً في ما يدعوه إيكو "التفاوض" [اقرأها النقاش أيضاً فالترجمة والمغزى يسمحان بذلك]. حين يصبح هذا التفاوض شيئاً آخر. فالمترجم لا يتفاوض فقط بين كلمتين، وإنما بين عالمين من استعمال الكلمات. وقد يجد نفسه مضطراً للرجوع إلى أكثر من مصدر حتى يتأكد من أن المصطلح الذي اختاره لا ينقل معنى لغوياً صحيحاً ولكنه يشوّه في الوقت ذاته المعنى التاريخي أو السياسي. وهذا أحد الفروق التي تكشفها تجربتي عن أمثلة إيكو الأدبية. ففي الرواية يمكن للمترجم أحياناً أن يخسر لعبة لغوية ويستعيد أثرها بطريقة أخرى. أما في كتاب يتناول الأركيولوجيا الصهيونية، فإن تغيير مصطلح واحد قد يغير موقع الكاتب من النقاش-التفاوض كله. ليس لأن هناك قاموساً مقدساً يجب على المترجم طاعته، وإنما لأن المصطلحات بحد ذاتها جزء من الموضوع الذي تتم ترجمته. أما في "البحث عن إسرءيل" تصبح المسألة أكثر وضوحاً. فإسرءيل هنا ليست اسماً جغرافياً بسيطاً يمكن نقله من لغة إلى أخرى، لأن الاسم يقف داخل طبقات من التاريخ والكتاب المقدس والبحث الأثري والسياسة الحديثة. حين يكون موضوع الكتاب هو البحث عن إسرءيل[ والقصد من كتابتها بهذه الطريقة أن المعنى ينصرف إلى الكيان السياسي القديم]، فإن فعل "البحث" ذاته يحتاج إلى انتباه: من الذي يبحث؟ وعن ماذا؟ وبأي أدوات؟ وما الذي يفترض وجوده قبل أن يبدأ البحث؟ . والمترجم الذي لا ينتبه إلى هذه الطبقات يستطيع أن يقدم نصاً سليماً نحوياً، واضحاً للقارئ، وربما أكثر سلاسة من الأصل، لكنه قد يمرر معه افتراضات لم تكن في النص أو يطمس توتراً كان موجوداً فيه. في مثل هذه الحالات تصبح قراءة المترجم جزءً من العمل المعرفي الذي يسبق الترجمة. في "الأركيولوجيا بين العلم والإيديولوجيا" و"علم الآثار السياسي" تتغير طبيعة المشكلة مرة أخرى. الآثار تبدو للوهلة الأولى مادة صلبة: حجر، قبر، طبقة أرضية، أداة، بقايا بناء. لكن ما يُستخرج من الأرض لا يأتي إلى القارئ من دون لغة. هناك من يسمي الموقع، ومن يؤرخه، ومن يربطه بنص قديم، ومن يقرر أي اكتشاف يصبح دليلاً وأي اكتشاف يبقى هامشياً. المترجم يدخل إلى هذه السلسلة في مرحلة متأخرة، لكنه لا يدخلها فارغ اليدين. عليه أن يفهم اللغة التي صيغ بها هذا البناء المعرفي حتى يستطيع نقله. وفي "فلسطين في الفضاء الصهيوني" تتضاعف المشكلة لأن الجغرافيا تدخل في الترجمة. أسماء المدن والقرى والمناطق ليست مجرد علامات على الخريطة. هناك أسماء عربية وأسماء عبرية وأسماء كتابية وأسماء استعمارية أو إدارية، وكل اختيار يمكن أن يستدعي تاريخاً مختلفاً للمكان. ترجمة الاسم تبدو قراراً صغيراً، لكنها قد تحمل خلفها تصوراً كاملاً عن المكان ومن يملك حق تسميته. فضلاً عن أن الكتاب بحد ذاته ليس نتاج مؤلف واحد، بل هو جمع لعدة مقالات المشترك بينها سبل تحويل فضاء فلسطين إلى فضاء صهيوني. وإذن على المترجم هنا أن يعدل أسلوبه تبعاً للكاتب، علماً أيضاً أن الترجمة لمواد الكتاب كانت عبر لغة وسيطة. يورد إيكو أمثلة من لغات وثقافات بعيدة عن بعضها ليبين أن الترجمة لا تعني استبدال الكلمات. ويتوقف عند عبارة لاتينية في "اسم الوردة"، موضحاً أن القارئ في بعض اللغات قد يتلقى اللاتينية بوصفها علامة على الدين والقرون الوسطى والثقافة الكنسية، بينما لا يؤدي نقلها إلى لغة أخرى الأثر عينه. لذلك قد يختار المترجم لغة كنسية قديمة أو تركيباً تاريخياً قريباً، ليس لأن العبارة الأصلية تعني ذلك حرفياً، وإنما لأن المطلوب الحفاظ على موقعها داخل النص (6). ومثل هذا النوع من الاختيار مألوف في الكتب التي ترجمتها، وإن اختلفت مادته. فالاسم الأثري أو المصطلح الكتابي أو التعبير المرتبط بتاريخ التوطن قد يحتاج إلى أن يبقى غريباً بعض الشيء، كي لا يبدو وكأنه نشأ في العربية من دون تاريخ. أحياناً تكون السلاسة الزائدة نوعاً من محو المسافة التي ينبغي للقارئ الشعور بها. يصل إيكو في نهاية مقاله إلى العبارة الشهيرة: "المترجم خائن". تلك العبارة التي كثر اللغط حولها من كثرة تداولها، حتى أصبحت أشبه بحكمة جاهزة، لكنها تفقد شيئاً من معناها إذا تحولت إلى ذريعة لكل ابتعاد عن الأصل. ليست كل خيانة ترجمة جيدة، كما أن كل أمانة حرفية ليست ترجمة أمينة. فأحياناً تكون الكلمة الأقرب إلى الأصل هي الأبعد عن معناه. وأحياناً يكون الابتعاد عن تركيب الجملة ضرورياً كي يبقى معناها حاضراً. لكن هذا لا يمنح المترجم حرية مطلقة. هناك فرق بين أن يضحي بشيء لأنه لا يمكن نقله، وأن يضيّع شيئاً لأنه لم يره. يشبه إيكو الترجمة بالمساومة في بازار شرقي؛ يطلب البائع مئة، ويعرض المشتري عشرة، وبعد جدال طويل يتفقان على خمسين. المجاز لا يعني اعتباطية الترجمة، وإنما تعامل المترجم مع خسائر ومكاسب لا يمكن ضبطها بمعيار واحد. قد يحافظ على المعنى ويخسر الإيقاع، أو يحافظ على غرابة المصطلح ويخاطر بإرباك القارئ، أو يختار التعبير المتداول في العربية فيفقد شيئاً من خصوصية الأصل(7). لكن هناك شيئاً آخر لا تمنحه عبارة "المترجم خائن" حقه. المترجم قد يخون النص، لكنه قد يخون أيضاً اللغة التي ينقل إليها النص. في ترجماتي كان السؤال في أحيان كثيرة متعلقاً بالعربية أكثر من اللغة التي أنقل عنها، بمعنى؛ كيف يمكن نقل مفهوم تشكل في بيئة معرفية وسياسية أخرى إلى العربية من دون أن يبدو وكأنه وُلد فيها؟ كيف تبقى الغرابة التي يحملها المفهوم حين تكون هذه الغرابة جزءً من الموضوع؟ هنا لا يعود المترجم مجرد وسيط بين لغتين. لأنه يصبح مسؤولاً عن المسافة بينهما، فعليه ألا يخفيها تماماً ولا يجعلها حاجزاً يستحيل عبوره. يستحضر إيكو تصور فالتر بنيامين عن "اللغة الخالصة"، لكنه يتعامل معه بحذر وسخرية فيرفض فكرة أن هناك معنى صافياً يقيم فوق اللغات ويمكن للمترجم أن يستخرجه وينقله "بأمانة". فهو لا يرى، في ممارسته، وجود لغة عليا مستقلة عن اللغات يمكن نقل المعنى منها كما هو. ولو كانت الترجمة مجرد استخراج لهذا المعنى الخالص، لأمكن أن تتولى الحواسيب ترجمة شكسبير. لكن النص لا يعيش خارج لغته، كما أن المعنى لا يظهر منفصلاً عن الطريقة التي صيغ بها. وقد واجهت شخصياً هذه الفكرة ؛ فكلما اقتربت من المصطلح بدا لي أنه يحمل وراءه مصطلحاً آخر، ووراء الاسم الجغرافي تاريخاً من التسمية، ووراء العبارة العلمية موقفاً من معنى العلم ذاته. إذ لم تعد المسألة: ماذا تعني هذه الكلمة في اللغة التي جاء منها الكتاب؟ وإنما: ماذا تفعل هذه الكلمة داخل هذا الكتاب، وماذا ستفعل حين تدخل العربية؟ وهذه النقطة تضع حدوداً أيضاً لفكرة إيكو عن أن المترجم إذا لم يفهم الكاتب فقد يكون الكاتب نفسه غير واضح. أحياناً يكون الكاتب غير واضح فعلاً. لكن المترجم قد يكون أمام نص واضح داخل جهاز معرفي لا يعرفه القارئ العربي بالقدر ذاته. في هذه الحالة لا تكفي محاولة فهم الكاتب؛ ينبغي فهم العالم الذي يجعل عبارته مفهومة. ربما هذا هو الجزء الذي لا تظهره الأمثلة الأدبية في نص إيكو بالقدر الكافي. يمكن للمشكلة أن تكون في الأدب في استعارة أو إيقاع أو لعبة أصوات. أما في النصوص غير الأدبية مثل التي اشتغلت عليها كان يمكن للمشكلة أن تظهر في كلمة تبدو علمية تماماً، لكنها تحمل تاريخاً سياسياً كاملاً. والفرق بين الحالتين كبير، مع أن المبدأ الذي يحكمهما واحد: لا يمكن ترجمة الكلمات قبل معرفة ما تفعله. يذهب إيكو حديثه عن جيمس جويس، وخصوصاً فصل إلى مثال أكثر تطرفاً. فالنص الإيطالي لم يكن مجرد نقل للنص الإنكليزي، بل اقترب من إعادة كتابته، حتى إن قراءة الصيغة الإيطالية قد تساعد، في رأي بعض النقاد، على فهم الأصل الإنكليزي. هنا تتحول الترجمة إلى عمل إبداعي مستقل، لكن هذا الاحتمال لا يصلح كقاعدة عامة لكل نص. فهو مرتبط بطبيعة النص الأدبي التجريبي، ولا يمكن نقله آلياً إلى الترجمة العلمية أو التاريخية. في المواضيع المعرفية والسياسية التي عملت عليها، لا يمكن الذهاب بعيداً في إعادة الكتابة. هناك حدود تفرضها الوقائع والمصطلحات والأسماء والإحالات. ومع ذلك لا يمكن الاكتفاء بالنقل الحرفي أيضاً. فالنص الذي يتحدث عن الآثار بوصفها مجالاً للصراع السياسي لا يجوز أن يفقد، في العربية، هذا التوتر بسبب اختيار لغوي مريح. والنص الذي يناقش فلسطين داخل الفضاء الصهيوني لا يحتمل أن تتحول أسماء الأمكنة فيه إلى تفاصيل محايدة. لهذا لا أستطيع قراءة إيكو كصاحب وصفة للترجمة. ما يعنيني في نصه هو الورشة التي يتركها مفتوحة للمترجم الذي عليه أن يقرأ ويشك ويراجع ويجرب ويضطر أحياناً إلى التخلي عن احتمال لصالح آخر. ثم يأتي قارئ آخر ليفعل الشيء ذاته مع الترجمة. تجربتي المتواضعة في الترجمة جعلتني أقل اطمئناناً إلى الكلام السهل عن الأمانة والخيانة. لم تكن هذه ترجمات أدبية، ومع ذلك وجدت أن المأزق واحد في جوهره، فلا توجد كلمة بريئة تماماً حين تكون جزءً من نص يصف العالم أو يعيد بناءه. وقد تكون الكلمة الأكثر شيوعاً أقل أمانة من كلمة تبدو غريبة، وقد تكون الجملة السلسة أكثر تضليلاً من جملة تتعثر قليلاً لأنها تحتفظ بشيء من مقاومة الأصل. لا أعرف إن كنت قد نجحت دائماً في ذلك. فبعض الاختيارات لا تبدو نهائية حتى بعد أن يغادر الكتاب يدي، وبعض العبارات لا أطمئن إليها إلا بعد مسافة من الزمن. لكنني أعرف أن المترجم لا يملك أن يختبئ طويلاً خلف عبارة "الخيانة"؛ فهي قد تفسر ضرورة الابتعاد عن الأصل، لكنها لا تبرر عدم الانتباه إليه. ثمة فرق بين أن تغيّر لأن اللغة تفرض عليك تغييراً، وأن تغيّر لأنك لم تبذل ما يكفي من الجهد كي تفهم. ربما هذه هي الترجمة بالنسبة إليّ: عمل لا يكتمل تماماً، لكنه يكشف، مع كل كتاب، مقدار ما لم نكن نعرفه عن اللغة التي نترجم منها، وعن اللغة التي نترجم إليها، وعن العالم الذي يقف بينهما. والكتاب، بعد أن ينتهي، لا يغلق المسألة. يترك وراءه مصطلحاً كان يمكن اختياره على نحو آخر واسماً لم يُحسم تماماً وجملة تظل قابلة للمراجعة حتى بعد أن تصل إلى القارئ. ............ 1. نشرت مقالة أمبرتو إيكو بعنوان "A Rose by Any Other Name" في الملحق الأسبوعي لصحيفة الغارديان (Guardian Weekly) في 16 كانون الثاني 1994، وبما أنها مادة أرشيفية قديمة نوعاً ما، فلا توفرها الصحيفة برابط رقمي مفتوح ومباشر على موقعها الإلكتروني الحالي، ويمكن قراءتها على الرابط التالي https://www.encyclopedia.com/arts/educational-magazines/name-rose كما يمكن العثور على أطروحة المقالة كاملة ومناقشة خلفياتها التاريخية عبر منصات التوثيق المتخصصة مثل History Today أو قراءة كواليس تأليفها وترجمتها عبر مراجعات الرواية الموثقة في منصة Goodreads. 2. يقصد إيكو بالترجمة الموجهة إلى الأصل أن يحافظ المترجم، قدر الإمكان، على غرابة النص وطريقته في إنتاج المعنى. أما الترجمة الموجهة إلى اللغة الهدف فتسعى إلى جعل النص قابلاً للتلقي في الثقافة الجديدة. لا يقدّم إيكو أحد الاتجاهين باعتباره صالحاً دائماً، لأن الاختيار يتوقف على نوع النص ووظيفته. 3. لا ينفصل المنجز الروائي لأمبرتو إيكو عن إرثه السيميائي والنظري؛ إذ تشكّل روايتاه "بندول فوكو" (النسخة العربية من ترجمة أماني فوزي حبشي 2011) و"اسم الوردة" (النسخة العربية من ترجمة أحمد الصمعي 2013) حقول تجارب تطبيقية بامتياز لطروحاته اللسانية حول فعل القراءة والترجمة. ففي كتابه النقدي "أن نقول الشيء نفسه تقريباً"(النسخة العربية من ترجمة أحمد الصمعي 2012) ، يفكك إيكو عملية الترجمة مخرجاً إياها من دائرة النقل اللفظي الآلي إلى فضاء "التفاوض الثقافي" Negotiation . و هذا التفاوض لا يجري بين لغتين فحسب، بل بين عالمين وثقافتين وتاريخين؛ حيث يتعين على المترجم التضحية ببعض الخصائص اللغوية السطحية في سبيل إنقاذ "الأثر المرجعي والجمالي" للنص الأصلي. ويتجلى هذا التلازم المعرفي بوضوح عند تتبع استراتيجيات المترجمين؛ إذ خاض الدكتور أحمد الصمعي في ترجمته لرواية "اسم الوردة" تحدياً تأويلياً تفاوضياً مع نص يضج بالاتصالات البينية، والنصوص اللاتينية، والمصطلحات الفلسفية القروسطية، مطبقاً بوعيٍ -منهجي ولساني- المبادئ التي صاغها إيكو نفسه في كتابه النقدي "أن نقول الشيء نفسه تقريباً" . وفي السياق ذاته، واجهت الدكتورة أماني فوزي حبشي في "بندول فوكو" نصاً يمثل متاهة من الإحالات "الهرمسية" و"التاريخية" المعقدة، فكانت الترجمة المباشرة عن الإيطالية بمثابة إعادة بناء مخلصة لـ "ألعاب العقل" و"مستويات التأويل" التي يراهن عليها إيكو. 4. مثال "الحرب والسلام" ليس بحثاً عن مرادف للفرنسية، وإنما عن وظيفة الفرنسية داخل الرواية. لذلك يقترح إيكو ، على سبيل المفارقة، نقل الحوار إلى الإنكليزية في الترجمة الفرنسية، حتى يشعر القارئ الفرنسي بأن الشخصيات تتحدث بلغة أجنبية ويستعيد شيئاً من الإحساس الذي كان لدى القارئ الروسي. لعل ما يرد إيكو قوله، أن الأمانة قد تقتضي أحياناً الابتعاد عن الكلمات. لكنه يوضح أيضاً أن الابتعاد ليس حيلة مفتوحة أمام المترجم. لا بد من معرفة ما الذي تؤديه الكلمة أو اللغة داخل النص قبل البحث عن بديل لها. فالترجمة لا تتعامل مع الكلمات وحدها، وإنما مع الوظائف التي تؤديها الكلمات. 5. يربط إيكو أحياناً صعوبة الترجمة باحتمال وجود غموض في تفكير المؤلف. لكن هذا الاحتمال لا ينبغي تعميمه على النصوص العلمية والتاريخية(النصوص غير الأدبية عموماً)، حيث قد تكون المشكلة ناتجة عن اختلاف الاصطلاحات أو الخلفيات المعرفية. 6. يوضح إيكو أن اللاتينية لا تؤدي الأثر الثقافي نفسه في جميع اللغات. فقد تكون علامة مألوفة على الكنيسة والعصور الوسطى عند قارئ، بينما تحتاج إلى بديل تاريخي أو كنسي عند قارئ آخر. 7. صورة البازار عند إيكو تعني أن الترجمة تقوم على مقايضات، يقتضي الحفاظ على المعنى التضحية بالإيقاع أحياناً، والحفاظ على الغرابة قد يقتضي التضحية بالسلاسة، والعكس صحيح.
#محمود_الصباغ (هاشتاغ)
Mahmoud_Al_Sabbagh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الصورة التي سبقت صاحبها: صناعة الإقناع
-
أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة: كتاب قديم، وقارئ آخر، و
...
-
عن الطوفان وأشياء أخرى (69)
-
عن الطوفان وأشياء أخرى (68)
-
التحرر من الاستعمار أم التحرر من صورته؟
-
إسرائيل وحرب الإبادة في غزة داخل إجابات الذكاء الاصطناعي
-
عن الطوفان وأشياء أخرى (67)
-
البحر بيضحك ليه
-
ديمقراطية الأسياد: من المشروع الصهيوني إلى دولة -الشعب- اليه
...
-
أخلاق الهيمنة وصنع الآخر:خفايا -تاجر البندقية-
-
عن الطوفان وأشياء أخرى (66)
-
عن الطوفان وأشياء أخرى (65)
-
عن الطوفان وأشياء أخرى (64)
-
لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية
-
شتاء تورينو: المشهد الأخير
-
قراءة في كتاب أنبياء مزيفون، مفهوم العبث في أعمال كامو وديست
...
-
تأملات في اللاعنف
-
حقيقة اكتشاف إيلات مزار لقصر الملك داود.
-
علم الآثار تحت الحكم العسكري: الأثر والتراث أدوات سيادة استي
...
-
السلام الإبراهيمي: لاهوت السردية الجيوسياسية
المزيد.....
-
ألف سينمائي إسرائيلي يتضامنون مع مخرجي فيلم نازا الموثق لمجا
...
-
الفنان المصري محمد رمضان يعلن استعداده للغناء مجانا في فلسطي
...
-
روسيا تفتح أبوابها للعالم.. برنامج حافل لضيوف المهرجان الدول
...
-
مهرجان -أكسينوف-فست- في قازان يجمع الأدب والموسيقى والسينما
...
-
أبعد من التسريب.. كيف حمل فيلم -نازا- قرائن الإبادة للعدل ال
...
-
الممثل الروسي يورا بوريسوف يشارك في بطولة -أرينا-.. أول تجرب
...
-
على عتبة دمشق.. أصالة تلم شمل السوريين في ألبوم من 14 أغنية.
...
-
عصر الترجمة الذكية.. مطالب في الصين بتقليص تدريس الإنجليزية
...
-
اللغة العربية وتحدّيات التكنولوجيا
-
أثر الثقافة في التربية: بين الحزم والعقاب.. كيف ندير الصف؟
المزيد.....
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
المزيد.....
|