أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (71)















المزيد.....

عن الطوفان وأشياء أخرى (71)


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 04:50
المحور: القضية الفلسطينية
    


عن الفرق بين الحجر والرصاص
بالإشارة إلى مادة سابقة هنا تناقش الكفاح المسلح وجدوى المقاومة المسلحة، لا بد من الانتباه حين نقول إن الانتفاضة الأولى حققت أهدافها لأنها كانت انتفاضة حجارة، حيث اول ما يتبادر إلى الذهن في هذه الحالة السؤال التذكيري التالي: ماذا كانت أهدافها تحديداً؟
هل أنهت الاحتلال؟ هل أوقفت الاستيطان؟ هل حققت حق تقرير المصير؟ أم أن إنجازها الأساسي تمثل في إعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام الدولي، وإحداث أزمة سياسية داخل إسرائيل، ودفع منظمة التحرير إلى مفاوضات أوسلو؟
لأن هذه نتائج مختلفة لا يجوز الخلط بينها وبين تحقيق أهداف التحرر الوطني. أما الانتفاضة الثانية، فلا أعتقد أن اختزالها في أنها بدأت مسلحة وانتهت بالدمار يكفي لتفسير ما حدث. فقد اندلعت في سياق تعثر مسار أوسلو، واستمرار الاحتلال والاستيطان، وانسداد أفق التسوية. ولا يعني هذا أن كل خياراتها كانت صائبة، أو أن نتائجها كانت إيجابية، وإنما يعني أن الحكم عليها يحتاج إلى تحليل أوسع من ربط مصيرها بالسلاح وحده.
أكدنا في المنشور السابق إن الكفاح المسلح ليس دين أو عبادة، وقد ميز المنشور بوضوح بين حق الشعب في مقاومة الاحتلال وبين تقويم الوسائل التي يختارها، ونتائجها، وتكاليفها. ومن حق أي فلسطيني مناقشة جدوى الكفاح المسلح، وانتقاد قرارات من يمارسه، لكن الانتقال من ذلك إلى إعلان انتهاء زمنه وصلاحيته يحتاج إلى حجة تاريخية وسياسية، دون الاكتفاء باستحضار الخسائر.
نتفق جميعاً في أن ميزان القوى مختل اختلالاً هائلاً، وأن الخسائر البشرية لا يجوز التعامل معها باستخفاف. لكن هل يكفي هذا وحده للحكم بأن شكلاً من أشكال النضال أصبح بلا جدوى؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما البديل القادر على تغيير هذا الميزان، لا مجرد التكيف معه؟ وهل أثبتت المسارات السياسية والدبلوماسية، طوال العقود الماضية، أنها قادرة وحدها على إنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الفلسطينية؟
الأصل في القول من الناحية النظرية، ضرورة التمييز بين "الانتفاضة" و"الثورة"، لأن الخلط بين المفهومين يؤدي إلى خلل في تحديد أهداف كل منهما ومعايير تقويم نتائجهما. فالانتفاضة، في الغالب، انفجار عفوي وشعبي واسع، ذات أفق وزمن محدودين، في وجه واقع سياسي أو اجتماعي مرفوض، وقد تنشأ من دون برنامج متكامل أو قيادة موحدة، ثم تتطور مطالبها وأشكالها التنظيمية في سياق المواجهة. أما الثورة فتتجاوز حدود الاحتجاج والرفض إلى عملية تغيير أعمق تستهدف بنية السلطة والعلاقات التي يقوم عليها النظام القائم، وتحتاج، لكي تحقق أهدافها، إلى هذا القدر ، أو ذاك من التنظيم والرؤية السياسية والقدرة على تحويل التعبئة الشعبية إلى قوة تاريخية قادرة على إحداث تغيير مستدام. ولا يعني هذا أن الانتفاضة تظل عفوية بالضرورة، أو أن الثورة تبدأ دائماً ببرنامج مكتمل، وإنما يتعلق الفارق بطبيعة العملية التاريخية ومدى قدرتها على الانتقال من الاعتراض على الواقع إلى تغييره.
ينشأ الخلل النظري الأكبر حين تُقاس نتائج الانتفاضة بمعايير الثورة، فيُطلب منها إنجاز ما يتجاوز طبيعتها وشروطها، أو تُنسب إليها نتائج مشروع التحرر الوطني بأكمله. فالانتفاضة قد تنجح في توسيع المشاركة الشعبية، وإحداث أزمة سياسية لدى السلطة القائمة، وتغيير الوعي العام، وفرض القضية التي تحملها على جدول الأعمال السياسي، من دون النجاح في تحقيق الهدف النهائي المتمثل في إسقاط النظام (هل نستذكر انتفاضة الشعب السوري هنا؟) أو إنهاء الاحتلال أو إنجاز الاستقلال (والأمثلة هنا كثيرة قديماً وحديثاً).
لا يجعل الإخفاق في بعض الأهداف الموضوعية والذاتية وصيرورتها، من الانتفاضة فاشلة بالضرورة، مثلما لا يجعل منها تحقيق بعض هذه المكاسب ثورة مكتملة الأهداف. وإذن، ينبغي التمييز بين حصيلة الانتفاضة المباشرة، والتحولات التي أحدثتها في موازين القوى والوعي السياسي، والنتيجة النهائية لمسار التحرر الذي قد تكون الانتفاضة إحدى مراحله.
ومن هذا المنطلق، لا يصح -باعتقادي-تقويم الانتفاضة الفلسطينية الأولى انطلاقاً من ثنائية الحجارة والسلاح، ولا من افتراض أنها حققت أهدافها (هل من بينها التحرر الوطني؟) لمجرد أنها أحدثت آثاراً سياسية مهمة داخل إسرائيل وعلى المستوى الدولي.
نعم... لقد وسّعت المشاركة الشعبية، وأعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام الدولي، ودفعت إلى تحولات في المشهد السياسي، لكنها لم تنهِ الاحتلال ولم تحقق الاستقلال. كما أن هذه النتائج لم تكن ثمرة الحجارة وحدها، وإنما ارتبطت بالإضرابات والعصيان المدني والمقاطعة والتنظيم الشعبي، وبالظروف السياسية المحيطة بالانتفاضة. وبالمثل، لا يمكن تفسير حصيلة الانتفاضة الثانية بالقول إنها بدأت مسلحة وانتهت بالدمار؛ فذلك يختزل مساراً تاريخياً معقداً في عامل واحد، ويتجاهل سياق اندلاعها، وتعثر مسار أوسلو، واستمرار الاحتلال والاستيطان، والقرارات السياسية التي أثرت في تطورها.
ليس السؤال المنهجي الصحيح أي الانتفاضتين كانت أفضل، ولا أي شكل من أشكال المواجهة يضمن النجاح في ذاته، وإنما ما الأهداف التي أمكن لكل انتفاضة تحقيقها في ظروفها التاريخية، وما حدودها، وما التحولات التي أحدثتها، ولماذا تعذر تحويل تلك التحولات إلى إنجازات دائمة على طريق التحرر الوطني. فوسيلة النضال لا تُقوّم بمعزل عن سياقها، و ينبغي ألا نحاكم الانتفاضة (الأولى أو الثانية) كما لو كانت ثورة مكتملة، كما لا يستقيم اتخاذ إخفاق مشروع التحرر في بلوغ غايته النهائية دليلاً تلقائياً على فشل كل مرحلة من مراحله أو بطلان كل شكل من أشكال النضال التي شهدتها.
بهذا المعنى، لا تكمن المشكلة في الاعتراف بمكاسب الانتفاضة الأولى أو بالكلفة البشرية والسياسية الباهظة للانتفاضة الثانية، وإنما في تحويل الموازنة بينهما إلى حكم مسبق على الحجارة أو السلاح. فالتاريخ لا يقدم دليلاً على أن وسيلة بعينها تضمن النجاح بصرف النظر عن الظروف، ولا على أن اختلال ميزان القوى يجعل كل مواجهة محكومة بالفشل. ما ينبغي فحصه هو العلاقة بين شكل النضال وأهدافه، وبين قدرته على تعبئة المجتمع وتغيير موازين القوى، وبين الشروط السياسية والتنظيمية اللازمة لتحويل المكاسب المرحلية إلى تحول تاريخي أوسع.
والفارق هنا جوهري: قد تنجح الانتفاضة في زعزعة الواقع القائم من دون أن تمتلك وحدها أدوات تغييره نهائياً؛ أما تحويل هذا الاختلال إلى مسار تحرري ناجز، فيتطلب عملاً سياسياً وتنظيمياً يتجاوز لحظة الانتفاضة، ويستثمر ما أنتجته من طاقة شعبية وتغيرات في الوعي وموازين القوى. ومن ثم، فإن الحكم على الانتفاضة ينبغي أن يحدد ما أنجزته وما عجزت عنه، لا أن يحمّلها وحدها مسؤولية ما لم ينجزه مشروع التحرر الوطني بأكمله.



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن الطوفان وأشياء أخرى (70)
- ومع ذلك نحبها: كيف ظلت السويد حليفة لإسرائيل رغم الإبادة؟
- هندسة التواطؤ: كيف ساعدت الهند إسرائيل على ارتكاب إبادة جماع ...
- صناعة أرباح خيالية: كيف يتربح الغرب من المذابح في غزة واليمن
- بنيامين موزر و:-معاداة الصهيونية-، حين تصبح الحيوات تاريخاً
- نتنياهو: خطاب العرش الأخير
- وردة بأي اسم آخر.. أمبرتو إيكو والترجمة حين تغادر الأدب
- الصورة التي سبقت صاحبها: صناعة الإقناع
- أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة: كتاب قديم، وقارئ آخر، و ...
- عن الطوفان وأشياء أخرى (69)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (68)
- التحرر من الاستعمار أم التحرر من صورته؟
- إسرائيل وحرب الإبادة في غزة داخل إجابات الذكاء الاصطناعي
- عن الطوفان وأشياء أخرى (67)
- البحر بيضحك ليه
- ديمقراطية الأسياد: من المشروع الصهيوني إلى دولة -الشعب- اليه ...
- أخلاق الهيمنة وصنع الآخر:خفايا -تاجر البندقية-
- عن الطوفان وأشياء أخرى (66)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (65)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (64)


المزيد.....




- من الاختطاف إلى ساحات القتال، كيف أصبح شباب ميانمار سلعة في ...
- سول تعلن إطلاق كوريا الشمالية عدة صواريخ بالستية باتجاه بحر ...
- اتفاق ترامب مع روسيا بشأن الديزل يثير اعتراضات جمهورية وديمق ...
- القمع يكشف حدود إستراتيجية مودي للبقاء في السلطة ويهز صورة ا ...
- -محيط ترمب-.. الرئيس الأمريكي يقترح إعادة تسمية الأطلسي واله ...
- هجمات جديدة على مطارات سعودية بعد مقتل 13 شخصا في قصف الرياض ...
- الخارجية الليبية تستنكر استهداف المطارات ومنشآت الطاقة في ال ...
- الدفاع المدني السعودي يعلن زوال الخطر عن أبها بعد إطلاق إنذا ...
- بريطانيا تنصح مواطنيها بتجنب السفر إلى جدة والدمام ومعظم مطا ...
- السعودية: وفاة مقيم باكستاني وإصابة 11 إثر الهجوم على مطار ا ...


المزيد.....

- الآثار الإقتصادية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والضفة الغ ... / سمير أبومدللة
- إتفاقية أوسلو، مسار التسوية ومخطط تفكيك مرتكزات المشروع الوط ... / فهد سليمان
- في الطريق إلى الكنيست 26 المشهد السياسي – الحزبي في ال 48 / محمد السهلي
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية / محمود الصباغ
- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - عن الطوفان وأشياء أخرى (71)