أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - ايوب حميد - الدعاوى الكيدية في القانون العراقي /متى يتحول حق التقاضي إلى وسيلة للإضرار بالآخرين؟














المزيد.....

الدعاوى الكيدية في القانون العراقي /متى يتحول حق التقاضي إلى وسيلة للإضرار بالآخرين؟


ايوب حميد
المحامي العراقي

([email protected])


الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 00:32
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


ليست كل دعوى تردها المحكمة دعوى كيدية. فخسارة القضية قد تكون نتيجة ضعف الدليل أو اختلاف تفسير القانون أو تعذر إثبات حق قائم. أما التعسف في استعمال حق التقاضي فيبدأ حين تصبح الدعوى وسيلة لتحقيق غرض غير مشروع أو للإضرار بالخصم بدلا من المطالبة بحق جدي. وبين الحالتين مسافة لا يصح اختصارها بحكم قضائي انتهى إلى رد الدعوى.

في المحاكم العراقية قد يواجه شخص مطالبة بدين سبق أن سدده. وقد تدخل شركة في نزاع مع شريك سابق يكرر إقامة الدعاوى عليها أو يطلب اتخاذ إجراءات تحفظية تمس نشاطها. وقد تتفرع خصومة بين الورثة بشأن عقار إلى قضايا متعاقبة تستنزف أموالهم وعلاقاتهم. ومع ذلك لا يكفي تكرار الدعاوى ولا جسامة آثارها للحكم بأنها كيدية. فالسؤال الحاسم ليس كم دعوى أقيمت وإنما لماذا أقيمت وما الذي كان يعلمه صاحبها عن حقيقة حقه.

المادة 19 ثالثا من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 كفلت حق التقاضي للجميع. وهذه الحماية تفقد معناها إذا صار من يخسر دعواه مهددا تلقائيا بدعوى تعويض جديدة. فكثير من الحقوق يصعب إثباتها وقد يلجأ صاحبها إلى القضاء وهو يعتقد بسلامة موقفه ثم يتبين أن الأدلة لا تسعفه. ولا يجوز أن تتحول نتيجة الخصومة إلى قرينة على سوء النية.

لكن الحماية الدستورية لا تعني أن استعمال إجراءات التقاضي مباح مهما كان الغرض منها. فالمادة السادسة من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 تقرر أن استعمال الحق استعمالا جائزا لا يرتب الضمان عن الضرر الناشئ عنه. أما المادة السابعة فتوجب الضمان عند استعمال الحق استعمالا غير جائز ومن صوره أن يكون القصد الوحيد الإضرار بالغير أو أن تكون المصلحة قليلة الأهمية بصورة لا تتناسب مطلقا مع الضرر أو أن تكون المصلحة المقصودة غير مشروعة.

وهنا تظهر مشكلة التطبيق. فمن السهل وصف دعوى خاسرة بأنها كيدية بعد صدور الحكم فيها. لكن الأصعب هو إثبات أن صاحبها تجاوز حدود حق التقاضي. فالدائن الذي يطالب بمبلغ خمسين مليون دينار دون أن يقدم دليلا كافيا ليس بالضرورة متعسفا. أما إذا كانت لديه مخالصة ثابتة تفيد استلام المبلغ ثم أعاد المطالبة به بقصد الضغط على المدين للتنازل عن حق آخر فإن هذه الواقعة تستحق فحصا مختلفا. الفرق بين المثالين ليس في نتيجة الحكم وإنما في الدليل على الغرض غير المشروع.

وتتضح المسألة في المنازعات التجارية أمام محاكم البداءة في بغداد وبقية المحافظات. فقد تؤدي دعوى مطالبة مالية أو طلب حجز احتياطي إلى اضطراب التزامات شركة وتأخر بعض معاملاتها. ومع ذلك لا يصح اعتبار كل أثر اقتصادي ضار دليلا على التعسف لأن القانون يجيز للدائن استعمال الوسائل القضائية والتحفظية عند توافر شروطها. إنما يثار بحث المسؤولية عندما يثبت أن الإجراء استعمل على خلاف غايته المشروعة وأن الضرر نتج عن هذا الاستعمال.

والأمر ذاته ينطبق على النزاعات العقارية. فقد يقيم أحد الورثة دعوى إزالة شيوع ثم تتفرع عنها منازعات أخرى بشأن الحصص أو التعويض أو صحة التصرفات. لا تكمن الكيدية في كثرة الملفات بل في الوقائع التي تكشف ما إذا كانت المطالبات تستند إلى مصالح قانونية جدية أو تستخدم لتعطيل الانتفاع بالعقار دون غرض مشروع.

وتشترط المادة السادسة من قانون المرافعات المدنية العراقي رقم 83 لسنة 1969 المعدل أن تكون المصلحة في الدعوى معلومة وحالة وممكنة ومحققة مع قبول المصلحة المحتملة في الحالات التي يحددها القانون. غير أن توافر المصلحة عند إقامة الدعوى لا يعني ثبوت الحق الموضوعي ولا يكفي انتفاء أحد شروط قبول الدعوى وحده لإثبات قصد الإضرار.

كما أوجبت المادة الخامسة من قانون الإثبات العراقي رقم 107 لسنة 1979 المعدل على المتخاصمين ومن ينوب عنهم الالتزام بأحكام القانون وبمبدأ حسن النية في تقديم الأدلة وصيانة القضاء من العبث والإساءة. والأهم أن المادة 25 من القانون نفسه أجازت للمتضرر من الإنكار الكيدي للسند العادي المطالبة بالتعويض في الدعوى ذاتها أو بدعوى مستقلة. وهو مثال واضح على أن إساءة استعمال وسائل الدفاع لا تقل خطورة من إساءة استعمال حق الادعاء.

ومع ذلك فإن المطالبة بالتعويض عن الدعوى الكيدية ليست امتدادا آليا للحكم بردها. فلا بد من إثبات أساس المسؤولية والضرر والعلاقة السببية بينه وبين الاستعمال غير المشروع لحق التقاضي. وقد تكون المراسلات السابقة أو المخالصات أو الإقرارات أو المستندات التي تكشف علم المدعي بعدم صحة مطالبته عناصر مهمة في هذا الإثبات. أما مجرد الخلاف الشخصي أو العداوة التجارية فلا ينهض وحده دليلا على الكيدية.

ومن الضروري كذلك الفصل بين المصاريف القضائية وأتعاب المحاماة التي تخضع لأحكامها القانونية وبين التعويض المدني عن ضرر مستقل. فدفع مبالغ للدفاع عن النفس لا يعني بالضرورة استحقاق تعويض إضافي. كما أن الادعاء بخسارة تجارية نتيجة الخصومة يحتاج إلى إثبات فعلي لا إلى تقديرات مرسلة.

أرى أن المشكلة الأعمق تكمن في سهولة استعمال وصف الدعوى الكيدية كسلاح مضاد. فقد يخسر شخص دعوى لأنه لم يحتفظ بمستند أو لأنه أساء تقدير مركزه القانوني فيصبح مهددا باتهام جديد بأنه أساء استعمال القضاء. وإذا جرى التوسع في ذلك فسوف ينشأ نوع آخر من الضغط القضائي قد يدفع أصحاب الحقوق إلى السكوت أو قبول تسويات مجحفة.

وفي المقابل فإن تجاهل التعسف المثبت يفتح الباب أمام تحويل الخصومة إلى وسيلة إنهاك مالي واجتماعي. ولهذا فإن المعيار الذي ينبغي التمسك به هو فحص سلوك الخصم والأدلة المحيطة به لا الاكتفاء بمنطوق الحكم السابق أو عدد القضايا بين الطرفين.

حق التقاضي ضمانة للمتقاضي حسن النية وليس حصانة لمن يتخذ من المحاكم أداة للإضرار. والعدالة لا تتحقق بإدانة كل من يخسر قضية ولا بترك من يثبت تعسفه بلا مساءلة. إنها تتحقق حين يبقى باب القضاء مفتوحا للمطالبة الجدية بالحقوق وتبقى المسؤولية قائمة على من يحوله إلى وسيلة ضغط خارج حدود القانون.



#ايوب_حميد (هاشتاغ)       [email protected]#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الغبن الفاحش واستغلال الحاجة في القانون العراقي بين حرية الت ...
- بيع العقار خارج التسجيل العقاري في العراق/ الثمن المدفوع لا ...
- التشهير الإلكتروني في العراق بين حرية التعبير والتعويض عن ال ...
- الشركات في العراق لا تبدأ من السوق بل من التأسيس الصحيح
- ضريبة الاستقطاع المباشر في العراق حين تتحول الرواتب الى ازمة ...
- الاعتماد المستندي وقلق السوق العراقي
- عندما يتحول التلكؤ في المشروع إلى نزاع قانوني وغرامات تأخيري ...
- بطلان بيع اسهم الشركة في العراق واسترداد الثمن دون فائدة قان ...
- الدين يطارد الكفيل
- كيف تنقل ملكية عقار في بغداد الصدمة التي لا يكتشفها كثيرون ا ...
- إزالة الشيوع متى تكون الحل القانوني الأفضل؟
- الخداع النفسي في جرائم الاحتيال ماذا قال القضاء العراقي عن ا ...
- دين ب 20 الف وكلفة استرداده تتجاوز 200 ضعف!
- المشورة القانونية للمشاريع الاستثمارية في العراق
- بودكاست جلسة علنية… حين يخرج القانون من المجلدات إلى الكامير ...
- العلامة التجارية في العراق أسباب الرفض وكيفية تجنب السقوط في ...
- الصك بدون رصيد في القانون العراقي جريمة تمس الثقة العامة
- الاحتيال الالكتروني...عمليات النصب بالعملات الرقمية
- العنوان المسؤولية التضامنية من يتحمل واجب حماية العامل
- حين يضيع المواطن بين التشويش والصمت


المزيد.....




- مصر تعلن موقفها من ترشيح الإماراتية لانا نسيبة لقيادة الأمم ...
- القضاء الكويتي يقضي بإعدام ثلاثة متهمين في قضية التخابر واست ...
- الكويت تحكم بالإعدام على 3 متهمين بـ-التخابر مع إيران وحزب ا ...
- اتحاد موظفي الأونروا بغزة يعلن العصيان الإداري احتجاجاً على ...
- الاحتلال يحرق خيام النازحين ويوسع نطاق التهجير القسري في غزة ...
- من الهجوم إلى اعتقال الجناة.. تسلسل زمني لأحداث كنيسة الكرك ...
- مصر والإمارات تناقشان ترشيح أول سيدة عربية لمنصب سكرتير عام ...
- نيبينزيا: على الأمم المتحدة إضافة أوكرانيا إلى قائمة الدول ا ...
- قوات الاحتلال تصعد عدوانها على الخليل وتستهدف طواقم الإغاثة ...
- سويلم يتراس جلسة رفيعة المستوى حول الاستعدادات النهائية لمؤت ...


المزيد.....

- كتب في فلسفة القانون / مؤلفون مختلفون ومتعددون
- أخطاء المشرع اليمني / رائد الجحافي
- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - ايوب حميد - الدعاوى الكيدية في القانون العراقي /متى يتحول حق التقاضي إلى وسيلة للإضرار بالآخرين؟