أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - ايوب حميد - الخداع النفسي في جرائم الاحتيال ماذا قال القضاء العراقي عن التنويم المغناطيسي؟














المزيد.....

الخداع النفسي في جرائم الاحتيال ماذا قال القضاء العراقي عن التنويم المغناطيسي؟


ايوب حميد
المحامي العراقي

([email protected])


الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 20:13
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


قرار قضائي عراقي يوسّع مفهوم الخداع ويكشف خطورة الإيحاء في جرائم الاحتيال

لم تعد جرائم الاحتيال في العراق تتخذ دائماً شكلها التقليدي المعروف؛ ذلك الشكل الذي يقوم على الكذب المباشر أو تزوير الوثائق أو الوعود الزائفة الظاهرة للعيان. فبعض أساليب الاحتيال الحديثة باتت تستهدف الإنسان من الداخل، عبر التأثير النفسي والإيحاء، لتدفع الضحية إلى تسليم المال بإرادتها الظاهرية، وهي تظن أنها تتصرف على نحو طبيعي.

ومن بين أكثر الوقائع القضائية إثارة للانتباه، قرار صادر عن محكمة استئناف بابل/الهيئة التمييزية، يثبت أن التنويم المغناطيسي لم يعد مجرد موضوع يُطرح بوصفه “ظاهرة نفسية” أو “قصة شعبية”، بل تحول ـ بحسب ما جاء في القرار ـ إلى وسيلة احتيالية استُخدمت للاستيلاء على أموال ومصوغات ذهبية.

أولاً: واقعة الجريمة… حين يصبح “العقل” أداة السلب

تتمحور القضية حول مجنى عليها تم خداعها من قبل المتهم، بعد أن أوهمها بوجود عملية تداول أو تبديل عملة ذات قيمة عالية، وبحسب ما ثبت للمحكمة فإن الخداع لم يكن مجرد إقناع عادي أو كلام منمق، بل تضمن استخدام التنويم المغناطيسي كوسيلة للتأثير المباشر على المجنى عليها.

والخطر في هذا النوع من الجرائم أنه لا يعتمد على الإكراه المادي، ولا يشترط وجود تهديد أو عنف أو سلاح. بل تكمن خطورته في أنه يُنتج “رضا ظاهرياً” لدى الضحية، ناتجاً عن حالة نفسية تجعلها أكثر قابلية لتلقي الإيحاء، وأكثر استعداداً للتصرف وفق ما يريده الجاني دون مقاومة داخلية كافية.

ثانياً: موقف محكمة الجنح… إدانة وعقوبة مشددة

أصدرت محكمة جنح القاسم حكمها بإدانة المتهم وفرضت عليه الحبس الشديد لمدة ثلاث سنوات وفق أحكام المادة (456/1/1) من قانون العقوبات العراقي، مع احتساب مدة توقيفه.

ولم يكن الحكم مجرد قرار شكلي، بل جاء مبنياً على قناعة المحكمة بتوافر أركان جريمة الاحتيال، وثبوت الاستيلاء على المال والمخشلات الذهبية نتيجة الخداع الذي مارسه المتهم بحق المجنى عليها.

ثالثاً: الطعن التمييزي… والمحكمة تؤكد سلامة الإدانة

قام وكيل المتهم بالطعن بالحكم أمام محكمة استئناف بابل بصفتها التمييزية، أملاً بإلغاء الإدانة أو تخفيف العقوبة. إلا أن المحكمة التمييزية تعاملت مع الطعن على أساسين:
1. من الناحية الشكلية: قررت أن الطعن مقدم ضمن المدة القانونية.
2. من الناحية الموضوعية: وجدت أن الحكم البدائي صحيح وموافق للقانون.

وقد أكدت المحكمة أن الأدلة في الدعوى متساندة ومتماسكة وأنها تُنتج قناعة قضائية مطمئنة بصحة الإدانة.

رابعاً: الأدلة… لماذا اعتبرت المحكمة الواقعة “احتيالاً ثابتاً”؟

استند القرار إلى مجموعة من الأدلة ذات الطابع العملي والواقعي، ولم يكتف بأقوال طرف واحد، ومن ذلك:
• أقوال المشتكية بوصفها المجنى عليها.
• محضر ضبط العملة (العملة البيلاروسية موضوع القضية).
• كتاب صادر من البنك المركزي العراقي يبيّن حقيقة العملة بعد فحصها.
• اعتراف المتهم بأنه قام بالاحتيال بالتنويم المغناطيسي وتسلم المال والمصوغات.

وهنا تبرز أهمية القرار؛ إذ إن اعتراف المتهم ـ مقروناً بوجود أدلة مادية وفنية ـ يجعل الواقعة خارجة عن دائرة “الاحتمال” أو “الوهم”، وداخلة في نطاق الجريمة التي ثبتت أركانها ووسيلتها ونتيجتها.

خامساً: التنويم المغناطيسي… بين العلم والاستغلال الإجرامي

من الناحية العلمية، لا يُعد التنويم المغناطيسي “سحراً” كما يعتقد البعض، بل هو حالة نفسية قد تجعل الإنسان أكثر قابلية لتلقي الإيحاء، وأقل ميلاً للمقاومة النقدية المعتادة، خاصة إذا كانت هناك عوامل مساعدة مثل الثقة العالية لدى الطرف الآخر، أو أساليب تواصل نفسية منظمة، أو ظرف نفسي لدى الضحية.

غير أن الإشكال لا يتمثل في التنويم ذاته بصفته ممارسة علاجية في بعض السياقات، وإنما في تحويله إلى أداة للجريمة عندما يُستخدم لإضعاف مقاومة الضحية ودفعها لتسليم أموالها وممتلكاتها دون إدراك كامل للحقيقة.

سادساً: الدلالة القانونية… توسع مفهوم “الخداع” في جرائم الاحتيال

تكمن أهمية هذا القرار في أنه يبعث برسالة قضائية واضحة مفادها:
أن “الخداع” في جريمة الاحتيال لا يقتصر على الكذب اللفظي أو الوسائل التقليدية، بل يمكن أن يتحقق عبر أساليب نفسية تؤدي ذات النتيجة القانونية، وهي تسليم المال نتيجة التغرير والإيهام.

وبذلك فإن القضاء العراقي ـ من خلال هذا القرار ـ يضع إطاراً عملياً لمواجهة الجرائم التي تتطور أدواتها دون أن يتغير جوهرها: الاستيلاء على مال الغير بغير حق عبر وسائل خداع مؤثرة.

سابعاً: الدلالة الاجتماعية… الضحية ليست “ساذجة”

في الكثير من قضايا الاحتيال، تُواجه الضحية أحياناً بنوع من اللوم الاجتماعي: “كيف صدّقت؟”، “لماذا سلّمت؟”، “كيف انخدعت؟”.
لكن الوقائع التي تقوم على التأثير النفسي والإيحاء تفرض وعياً مختلفاً: فالمسألة لا تتعلق بالسذاجة وحدها، بل قد تكون مرتبطة بآليات نفسية معقدة يستغلها الجاني بمهارة.

ولهذا فإن تثبيت هذا النوع من الجرائم قضائياً يساهم في رفع الحرج عن الضحايا، ويعزز مبدأ أن العدالة لا تقف عند شكل الفعل، بل تبحث في جوهره وأثره ووسيلته.

الخاتمة: حين يسرقك البعض وأنت لا تشعر

إن هذا القرار لا يمثل واقعة عابرة، بل يمثل “جرس إنذار” قانونياً ومجتمعياً:
فليس كل من يسرق المال يحتاج إلى قوة أو سلاح… بعضهم قد يسرقه عبر اختراق الإرادة بإيحاء نفسي.

ومن هنا تتأكد أهمية تطوير الوعي العام، والتعامل مع الاحتيال كجريمة قد ترتدي أشكالاً جديدة، بينما يبقى القانون ـ والقضاء ـ قادراً على مواجهتها متى ما توفرت الأدلة وتساندت القرائن وثبتت الحقيقة.



#ايوب_حميد (هاشتاغ)       [email protected]#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دين ب 20 الف وكلفة استرداده تتجاوز 200 ضعف!
- المشورة القانونية للمشاريع الاستثمارية في العراق
- بودكاست جلسة علنية… حين يخرج القانون من المجلدات إلى الكامير ...
- العلامة التجارية في العراق أسباب الرفض وكيفية تجنب السقوط في ...
- الصك بدون رصيد في القانون العراقي جريمة تمس الثقة العامة
- الاحتيال الالكتروني...عمليات النصب بالعملات الرقمية
- العنوان المسؤولية التضامنية من يتحمل واجب حماية العامل
- حين يضيع المواطن بين التشويش والصمت
- إلغاء اتفاقية خط أنابيب النفط بين العراق وتركيا… تحول قانوني ...


المزيد.....




- يونيسف: استشهاد 100 طفل بغزة منذ سريان وقف إطلاق النار
- التعاون الإسلامي: اقتحام إسرائيل مقر الأونروا بالقدس تصعيد خ ...
- الأونروا تفند مزاعم إسرائيل بامتلاك عقار يضم مجمعا للوكالة ب ...
- مظاهرات غاضبة في أمريكا: آلاف ينددون بـ-وحشية- سياسات ترامب ...
- الإعدام والمؤبد بحق قاتل عضو مجلس محافظة بغداد صفاء المشهدان ...
- -مجلس السلام- برعاية ترامب .. إعلان حرب على الأمم المتحدة؟
- الأونروا: وجود إسرائيل بالقدس الشرقية غير قانوني ويجب أن ينت ...
- تأجيل رحلة إعادة المهاجرين العراقيين من ليبيا بسبب سوء الأحو ...
- هدم الأونروا بالقدس.. هكذا يغتال الاحتلال -الشاهد الحي- على ...
- اعتقال قادة اعمال الشغب والعناصر الارهابية في محافظة همدان غ ...


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - ايوب حميد - الخداع النفسي في جرائم الاحتيال ماذا قال القضاء العراقي عن التنويم المغناطيسي؟