أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - ايوب حميد - الغبن الفاحش واستغلال الحاجة في القانون العراقي بين حرية التعاقد وحماية الطرف الضعيف















المزيد.....

الغبن الفاحش واستغلال الحاجة في القانون العراقي بين حرية التعاقد وحماية الطرف الضعيف


ايوب حميد
المحامي العراقي

([email protected])


الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 00:32
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


الغبن الفاحش في القانون العراقي لا يؤدي إلى بطلان العقد لمجرد وجود تفاوت كبير بين قيمة المال والثمن المتفق عليه لكن الأمر يختلف عندما يقترن الغبن بالتغرير أو يكون نتيجة استغلال حاجة أحد المتعاقدين أو ضعفه وفق الشروط التي حددها القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 وهنا يبرز السؤال عن الحدود التي يجوز عندها تدخل القضاء لحماية المتعاقد دون المساس باستقرار العقود.

قد يضطر شخص إلى بيع عقار أو معدات تجارية بثمن يقل كثيرا عن قيمتها الحقيقية بسبب حاجته العاجلة إلى المال وقد يعرف المشتري حقيقة هذا الظرف فيستغله للحصول على صفقة لم يكن يستطيع إبرامها بالشروط نفسها في الظروف المعتادة لكن انخفاض الثمن وحده لا يكفي للحكم بأن العقد غير مشروع.

فالسوق يقوم بطبيعته على تفاوت الأسعار واختلاف القدرة على التفاوض وقد يختار صاحب المال بيعه بثمن منخفض للحصول على سيولة عاجلة أو التخلص من التزامات لا يستطيع تحملها وليس من وظيفة القضاء إعادة النظر في كل صفقة لم تحقق لصاحبها الربح الذي كان يتوقعه.

غير أن حرية التعاقد لا تعني أن الطرف الأقوى اقتصاديا يستطيع استغلال ضعف الآخر دون حدود فهناك فرق بين المساومة المشروعة وبين تحويل الضائقة المالية أو قلة الخبرة إلى وسيلة لفرض التزامات مجحفة.

وقد قررت المادة 124 من القانون المدني العراقي أن مجرد الغبن لا يمنع نفاذ العقد ما لم يصحبه تغرير واستثنت حالات الغبن الفاحش عندما يكون المغبون محجورا أو يتعلق الأمر بمال الدولة أو الوقف حيث قرر المشرع البطلان كما منع الطعن بالغبن في العقود التي تتم بطريق المزايدة العلنية.

وهذا التنظيم يعكس حرص المشرع على استقرار المعاملات لأن السماح بإعادة فتح العقود كلما تغيرت الأسعار أو شعر أحد المتعاقدين بأنه خسر في الصفقة سيجعل التعاملات الاقتصادية معرضة لمنازعات مستمرة.

لكن المادة 121 عالجت حالة مختلفة عندما يجتمع التغرير مع الغبن الفاحش وقررت أن العقد يكون موقوفا على إجازة المتعاقد المغبون فالمشكلة هنا لا تتعلق باختلال القيمة وحده وإنما بالسلوك الذي أدى إلى تضليل أحد الأطراف ودفعه إلى التعاقد بناء على تصور غير صحيح.

وقد يقدم أحد المتعاقدين معلومات مضللة عن طبيعة المال أو قيمته أو حالته القانونية بقصد التأثير في قرار الطرف الآخر لكن مجرد المبالغة المعتادة في وصف المبيع لا تعني بالضرورة قيام التغرير لأن الأمر يتطلب التحقق من الوقائع ومدى تأثير السلوك في إبرام العقد.

أما المادة 122 فقد ميزت بين التغرير الصادر من المتعاقد نفسه والتغرير الصادر من شخص ثالث واشترطت في الحالة الثانية علم المتعاقد الآخر بالتغرير أو سهولة علمه به عند التعاقد وهو تمييز مهم لحماية الطرف الذي لم يشارك في التضليل ولم يكن يستطيع اكتشافه بسهولة.

كما تناولت المادة 123 حالات يستحق فيها المتعاقد المغرور التعويض مع بقاء العقد نافذا وهو ما يؤكد أن القانون لم يجعل إنهاء العلاقة التعاقدية النتيجة الوحيدة لكل صورة من صور التغرير.

لكن المشكلة الاجتماعية الأكثر حساسية لا تظهر دائما في المعلومات الكاذبة فقد يعرف الإنسان القيمة الحقيقية لماله ويعرف أيضا أن الثمن المعروض عليه مجحف ومع ذلك يقبل البيع لأنه يواجه أزمة مالية لا يستطيع تأجيل معالجتها.

وهنا تظهر أهمية المادة 125 من القانون المدني العراقي التي أجازت لمن استغلت حاجته أو طيشه أو هواه أو عدم خبرته أو ضعف إدراكه ولحقه بسبب ذلك غبن فاحش أن يطلب خلال سنة من وقت العقد رفع الغبن إلى الحد المعقول كما أجازت له طلب نقض التصرف خلال المدة نفسها إذا كان تبرعا.

وتكشف هذه المادة أن المشرع لم يحصر الحماية في حالات الخداع المباشر وإنما اعترف بإمكان وقوع استغلال حتى عندما يكون المتعاقد مدركا أن المقابل الذي يحصل عليه لا يتناسب مع قيمة ما يقدمه.

ولنفترض أن صاحب مشروع في بغداد اضطر إلى بيع معدات تبلغ قيمتها مائة مليون دينار مقابل أربعين مليونا بسبب دين مستحق الأداء فإذا اختار البيع للحصول على المال بصورة عاجلة دون أن يستغل المشتري ظروفه فلا يكفي انخفاض الثمن وحده لتطبيق المادة 125 أما إذا ثبت أن المشتري استغل حاجته بصورة أدت إلى غبن فاحش فإن المسألة تستوجب تقييما قضائيا مختلفا.

والفرق بين الحالتين لا يحدده مقدار الثمن وحده وإنما طبيعة التفاوض والظروف المحيطة بالعقد والسلوك الذي اتخذه الطرف المستفيد لأن القانون لا يمنع تحقيق الربح لكنه يتدخل عندما تتحقق شروط الاستغلال التي حددها.

ومن الناحية العملية فإن إثبات استغلال الحاجة أكثر تعقيدا من إثبات تفاوت الأسعار فقد يستطيع الخبير تحديد القيمة التقريبية للعقار أو المعدات وقت التعاقد لكن تقرير الخبرة لا يثبت وحده أن الطرف الآخر استغل ضعف المتعاقد.

ولهذا فإن المراسلات السابقة على العقد وطبيعة العلاقة بين الطرفين والظروف المالية التي صاحبت التفاوض قد تكون ذات أهمية في إثبات الاستغلال مع ضرورة التمييز بين مجرد العلم بالحاجة وبين استعمال هذه الحاجة لفرض غبن فاحش.

كما لا يجوز قياس الغبن اعتمادا على الأرباح التي حققها المشتري بعد إبرام العقد فقد ترتفع قيمة العقار بسبب تغيرات السوق أو تتحسن ظروف النشاط التجاري بصورة لم تكن متوقعة وليس كل ربح لاحق دليلا على وجود استغلال عند التعاقد.

وتبرز هذه الإشكالية في المنازعات المدنية والتجارية أمام محاكم البداءة في بغداد وبقية المحافظات العراقية عندما يطالب أحد المتعاقدين بتعديل عقد بيع أو تسوية مالية بحجة أنه تعرض إلى غبن فاحش نتيجة استغلال حاجته.

ومن الأخطاء التي تستحق الانتباه الاعتقاد بأن ثبوت الاستغلال وفقا للمادة 125 يؤدي تلقائيا إلى بطلان العقد فالنص أجاز في عقود المعاوضة طلب رفع الغبن إلى الحد المعقول بينما قرر حكما مختلفا بالنسبة إلى التبرعات وهو ما يعكس رغبة المشرع في معالجة الاختلال دون التضحية بالعلاقة التعاقدية في جميع الحالات.

وفي تقديري فإن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في نقص النصوص القانونية وإنما في صعوبة التمييز بين التفاوت الطبيعي في القوة الاقتصادية وبين الاستغلال الذي يستوجب الحماية فليس كل متعاقد ضعيف ماليا ضحية استغلال وليس كل متعاقد قوي اقتصاديا مستغلا لمجرد أنه حصل على شروط أفضل.

لكن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تتحول إلى تبرير لاعتبار كل عقد موقع تعبيرا عن إرادة حرة بصورة مطلقة لأن التوقيع يثبت صدور التصرف لكنه لا ينفي بالضرورة وجود ظروف استغلال أثرت في تكوينه وفق الحالات التي اعترف بها القانون.

إن حماية الطرف الضعيف لا تعني إلغاء حرية التعاقد أو فرض مساواة حسابية بين الأرباح وإنما تعني منع استعمال الحاجة أو قلة الخبرة أو ضعف الإدراك لتحقيق غبن فاحش عندما تثبت الشروط القانونية لذلك.

والنتيجة أن الغبن الفاحش واستغلال الحاجة في القانون العراقي لا يصلحان ذريعة للتراجع عن كل عقد غير مربح كما لا يجوز تجاهلهما لمجرد أن المتعاقد وقع بإرادته فالعدالة التعاقدية لا تقاس بالثمن وحده وإنما بسلامة الوسائل والظروف التي أدت إلى الاتفاق.

وقد يكون العقد صحيحا رغم حصول أحد الطرفين على منفعة اقتصادية كبيرة وقد يكون مجحفا بصورة تستوجب تدخل القضاء رغم وجود توقيع صحيح عليه وبين الحالتين تكمن وظيفة القانون في حماية حرية التعاقد دون السماح بتحويل الحاجة الإنسانية إلى مصدر للاستغلال.



#ايوب_حميد (هاشتاغ)       [email protected]#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيع العقار خارج التسجيل العقاري في العراق/ الثمن المدفوع لا ...
- التشهير الإلكتروني في العراق بين حرية التعبير والتعويض عن ال ...
- الشركات في العراق لا تبدأ من السوق بل من التأسيس الصحيح
- ضريبة الاستقطاع المباشر في العراق حين تتحول الرواتب الى ازمة ...
- الاعتماد المستندي وقلق السوق العراقي
- عندما يتحول التلكؤ في المشروع إلى نزاع قانوني وغرامات تأخيري ...
- بطلان بيع اسهم الشركة في العراق واسترداد الثمن دون فائدة قان ...
- الدين يطارد الكفيل
- كيف تنقل ملكية عقار في بغداد الصدمة التي لا يكتشفها كثيرون ا ...
- إزالة الشيوع متى تكون الحل القانوني الأفضل؟
- الخداع النفسي في جرائم الاحتيال ماذا قال القضاء العراقي عن ا ...
- دين ب 20 الف وكلفة استرداده تتجاوز 200 ضعف!
- المشورة القانونية للمشاريع الاستثمارية في العراق
- بودكاست جلسة علنية… حين يخرج القانون من المجلدات إلى الكامير ...
- العلامة التجارية في العراق أسباب الرفض وكيفية تجنب السقوط في ...
- الصك بدون رصيد في القانون العراقي جريمة تمس الثقة العامة
- الاحتيال الالكتروني...عمليات النصب بالعملات الرقمية
- العنوان المسؤولية التضامنية من يتحمل واجب حماية العامل
- حين يضيع المواطن بين التشويش والصمت
- إلغاء اتفاقية خط أنابيب النفط بين العراق وتركيا… تحول قانوني ...


المزيد.....




- مصر تعلن موقفها من ترشيح الإماراتية لانا نسيبة لقيادة الأمم ...
- القضاء الكويتي يقضي بإعدام ثلاثة متهمين في قضية التخابر واست ...
- الكويت تحكم بالإعدام على 3 متهمين بـ-التخابر مع إيران وحزب ا ...
- اتحاد موظفي الأونروا بغزة يعلن العصيان الإداري احتجاجاً على ...
- الاحتلال يحرق خيام النازحين ويوسع نطاق التهجير القسري في غزة ...
- من الهجوم إلى اعتقال الجناة.. تسلسل زمني لأحداث كنيسة الكرك ...
- مصر والإمارات تناقشان ترشيح أول سيدة عربية لمنصب سكرتير عام ...
- نيبينزيا: على الأمم المتحدة إضافة أوكرانيا إلى قائمة الدول ا ...
- قوات الاحتلال تصعد عدوانها على الخليل وتستهدف طواقم الإغاثة ...
- سويلم يتراس جلسة رفيعة المستوى حول الاستعدادات النهائية لمؤت ...


المزيد.....

- كتب في فلسفة القانون / مؤلفون مختلفون ومتعددون
- أخطاء المشرع اليمني / رائد الجحافي
- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - ايوب حميد - الغبن الفاحش واستغلال الحاجة في القانون العراقي بين حرية التعاقد وحماية الطرف الضعيف