أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - ايوب حميد - الاعتماد المستندي وقلق السوق العراقي















المزيد.....

الاعتماد المستندي وقلق السوق العراقي


ايوب حميد
المحامي العراقي

([email protected])


الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 20:53
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


هناك أخطاء تجارية تبدأ صغيرة في الأوراق، ثم تنتهي كبيرة في المحاكم. والاعتماد المستندي واحد من أكثر الأمثلة وضوحا على ذلك في العراق. فهو في نظر كثيرين عنوان للثقة، وفي نظر بعض المصارف إجراء روتيني، وفي نظر بعض الشركات مجرد وسيلة دفع مؤجلة، لكن الحقيقة القانونية أعمق من هذا كله. لأن الاعتماد المستندي لا يعيش في المنطقة المريحة بين البنك والتاجر، بل يقف في منطقة حساسة تتقاطع فيها النصوص التجارية مع المخاطر العملية ومع حسابات السوق. وحين يختل هذا التوازن لا تتعطل معاملة مصرفية فقط، بل قد تتوقف صفقة استيراد، ويتجمد مبلغ كبير، وتدخل الشركة في نزاع لم تكن تتوقعه يوم وقعت طلب فتح الاعتماد.

والمدخل السليم إلى هذا الموضوع ليس الشرح ولا الانطباع، بل النص التشريعي نفسه. فقانون التجارة العراقي رقم 30 لسنة 1984 رسم الإطار القانوني للاعتماد المستندي في المواد 273 إلى 280. المادة 273 عرّفته بوصفه عقدا يلتزم فيه المصرف بفتح اعتماد لصالح المستفيد بناء على طلب الآمر، بضمان مستندات تمثل بضاعة منقولة أو معدة للنقل، ثم قررت في الفقرة الثانية استقلال هذا العقد عن العقد الذي فتح بسببه. وبعدها ألزمت المادة 274 المصرف بتنفيذ شروط الوفاء أو القبول أو الخصم ما دامت المستندات مطابقة لشروط الاعتماد، وبيّنت المواد 275 إلى 277 الفارق بين الاعتماد القابل للإلغاء والاعتماد البات غير القابل للإلغاء، ثم أوجبت المادة 279 على المصرف التحقق من مطابقة المستندات وإشعار الآمر بأسباب الرفض، بينما حصرت المادة 280 نطاق مسؤوليته حين قررت أنه لا يسأل إذا كانت المستندات مطابقة في ظاهرها، وأنه لا يتحمل التزاما يتعلق بالبضاعة ذاتها. هذه النصوص لا تشرح فقط ماهية الاعتماد المستندي، بل تحدد من البداية أين يقف المصرف، وأين يبدأ حق العميل، وأين تنشأ الخصومة.

ومن يقرأ هذه المواد بهدوء يكتشف أن المشرع العراقي أراد أن يجعل الاعتماد المستندي أداة انضباط لا أداة مجاملة. فالبنك لا يتابع البضاعة بوصفها الواقعي، ولا يتحول إلى خبير في جودة السلعة، ولا يدخل تلقائيا في أصل النزاع بين البائع والمشتري. وظيفته تدور حول المستندات وحدود المطابقة وشروط الاعتماد. وهذا يعني أن الخطر الحقيقي في كثير من الملفات لا يكون في وصول البضاعة أو تأخرها فقط، بل في صياغة الاعتماد نفسه، وفي نوع المستندات المطلوبة، وفي المدد، وفي طريقة الإشعار، وفي سبب الرفض، وفي قدرة كل طرف على إثبات أن ما جرى كان داخل حدود القانون أو خارجها. هنا تتحول الورقة البنكية من أداة تنظيم إلى بؤرة نزاع.

ولهذا لا أرى أن الاعتماد المستندي في السوق العراقي مجرد وسيلة دفع، بل أراه آلية لتوزيع المخاطر. من يفهم النصوص يحول هذه الآلية إلى حماية، ومن يدخلها بعقلية الثقة العامة قد يجد نفسه أمام ملف مصرفي وقضائي معقد. فالشركة التي تراجع شروط الاعتماد قبل فتحه ليست كالشركة التي تنشغل بالعقد الأصلي وحده. والمستورد الذي يدقق في المستندات والمهل ليس كمن يظن أن البنك سيكمل عنه كل ما يلزم. وفي الواقع العملي كثيرا ما تكون المشكلة في العراق ليست في ضعف الحق، بل في ضعف الإدارة القانونية للحق منذ اللحظة الأولى.

ولم يكن القضاء العراقي بعيدا عن هذا الفهم. ففي القرار المرقم 859/اعتماد مصرفي/2010 بتاريخ 21/9/2010 قررت محكمة التمييز الاتحادية أن المصرف لا يسأل متى كانت مستندات الشحن مطابقة في ظاهرها للتعليمات الصادرة من الآمر بفتح الاعتماد. قيمة هذا الاتجاه أنه لا يمنح المصرف حصانة مطلقة، ولا يفتح الباب لتحميله كل اضطراب يقع في الصفقة، بل يعيد المسألة إلى معيارها القانوني الدقيق: ظاهر المستندات وشروط الاعتماد. فإذا كان البنك قد تحرك داخل هذا الإطار بقي في مركز قانوني سليم، أما إذا خرج عنه أو عطّل الأثر القانوني للاعتماد بلا سبب معتبر، فإن المساءلة تبقى قائمة.

ومن هذه الزاوية تحديدا تكتسب الإشارة إلى القرار التمييزي المرقم 130/الهيئة الاستئنافية منقول/2022 المؤرخ 3/8/2022 أهميتها. فالدلالة الأهم في هذا النوع من الأحكام أن القضاء لا يتعامل مع الاعتماد المستندي كمنطقة محصنة لمجرد أنها مصرفية أو فنية، بل ينظر إلى مصير المبلغ، وسبب بقائه معلقا، ومدى قيام مسوغ قانوني أو فني يبرر موقف المصرف أو ينقضه. وهذا المعنى ينسجم تماما مع الفلسفة التي تبناها قانون التجارة: استقلال الاعتماد عن العقد الأصلي لا يعني انفلاته من الرقابة القضائية، بل يعني فقط أن لكل علاقة قانونية حدودها وأدواتها وأثرها.

وليس هذا وحده ما يكشف خصوصية الاعتماد المستندي. فالهيئة الموسعة المدنية في محكمة التمييز الاتحادية قررت في الحكم رقم 55/الهيئة الموسعة المدنية/2020 بتاريخ 16/3/2020 أن الفوائد الاتفاقية المترتبة على أصل مبلغ الاعتماد المستندي لا يجوز الحكم عنها مرة أخرى بالفوائد القانونية، وبيّنت أن هذا الملف لا يقاس ببساطة على الحساب الجاري أو على الديون العادية. هذه المعالجة مهمة لأنها تقول بوضوح إن الاعتماد المستندي في القضاء العراقي ليس اسما مصرفيا فقط، بل مركز قانوني خاص له بنيته وأحكامه وآثاره، ويجب فهمه في ضوء قانون التجارة والقانون المدني معا.

ومن التطبيقات القضائية المفيدة أيضا ما ظهر في قرار لمحكمة التمييز الاتحادية بتاريخ 21/1/2020، إذ أوضحت المحكمة أن الاتفاق على دفع مبلغ العقد عن طريق اعتماد مستندي يعني أن استلام المبلغ يجب أن يتم من خلال المصرف فاتح الاعتماد، لا بالمطالبة المباشرة خارج الآلية التي ارتضاها العقد. وهذه إشارة عملية مهمة للغاية، لأنها تذكرنا بأن الاعتماد المستندي ليس مجرد غطاء مالي يعلو العقد، بل هو جزء من بنية التنفيذ ذاتها، وأي خصومة تتجاهل هذه الحقيقة قد تخطئ في توجيه الدعوى من أصلها.

وبالاستناد إلى خبرتي كمحامٍ في القضايا التجارية والمدنية وقضايا البداءة وملفات الشركات والضرائب والاستثمار والعقارات والديون في بغداد، يتبيّن أن معالجة هذه القضايا تتطلب فهماً معمّقاً للتشريعات العراقية واعتماد استراتيجيات عملية قادرة على تحقيق أفضل النتائج وحماية مصالح الأفراد والشركات. ومن هذا المنطلق أجد أن أخطر ما في الاعتماد المستندي ليس تعقيده الفني، بل الثقة الزائدة به. لأن كثيرا من المتعاملين يظنون أن فتحه يطرد الخطر من الصفقة، بينما الواقع أن الخطر قد ينتقل فقط من ساحة العقد إلى ساحة المستندات، ومن خلاف البضاعة إلى خلاف المطابقة، ومن التفاوض التجاري إلى التدقيق القضائي.

لهذا فإن الحديث عن الاعتماد المستندي في العراق يجب أن يخرج من اللغة المصرفية الباردة إلى اللغة القانونية الصريحة. فالمسألة ليست متى يفتح البنك الاعتماد فقط، بل متى يلتزم، ومتى يرفض، ومتى يكون رفضه مشروعا، ومتى يصبح تعليق المبلغ عبئا قانونيا، ومتى تكون الشركة قد حصنت موقفها بالمستند لا بالتوقع. هنا فقط نفهم أن الاعتماد المستندي ليس شهادة حسن نية بين الأطراف، بل اختبار حقيقي للدقة، وللإدارة القانونية، ولقدرة السوق العراقي على احترام النص قبل الوقوع في النزاع



#ايوب_حميد (هاشتاغ)       [email protected]#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يتحول التلكؤ في المشروع إلى نزاع قانوني وغرامات تأخيري ...
- بطلان بيع اسهم الشركة في العراق واسترداد الثمن دون فائدة قان ...
- الدين يطارد الكفيل
- كيف تنقل ملكية عقار في بغداد الصدمة التي لا يكتشفها كثيرون ا ...
- إزالة الشيوع متى تكون الحل القانوني الأفضل؟
- الخداع النفسي في جرائم الاحتيال ماذا قال القضاء العراقي عن ا ...
- دين ب 20 الف وكلفة استرداده تتجاوز 200 ضعف!
- المشورة القانونية للمشاريع الاستثمارية في العراق
- بودكاست جلسة علنية… حين يخرج القانون من المجلدات إلى الكامير ...
- العلامة التجارية في العراق أسباب الرفض وكيفية تجنب السقوط في ...
- الصك بدون رصيد في القانون العراقي جريمة تمس الثقة العامة
- الاحتيال الالكتروني...عمليات النصب بالعملات الرقمية
- العنوان المسؤولية التضامنية من يتحمل واجب حماية العامل
- حين يضيع المواطن بين التشويش والصمت
- إلغاء اتفاقية خط أنابيب النفط بين العراق وتركيا… تحول قانوني ...


المزيد.....




- شاهد.. ازدحام خانق بين الأنقاض مع بدء عودة النازحين إلى جنوب ...
- في خطابه الأممي: ترامب يحمل على الأمم المتحدة وأوروبا وروسيا ...
- أزمة مالية في الأمم المتحدة ـ عندما تصبح الإغاثة بحاجة إلى إ ...
- أزمة مالية في الأمم المتحدة ـ عندم تصبح الإغاثة بحاجة إلى إغ ...
- حراك دولي واسع في بريطانيا وأمريكا تضامناً مع الأسرى وإحياءً ...
- فلسطين: تقرير الأمم المتحدة بشأن نساء غزة يشكل وثيقة دولية م ...
- تظاهرات حاشدة في كندا رفضاً لسياسات كيان العدو الإسرائيلي ت ...
- وقفة تضامنية للمطالبة بالإفراج عن الصحفيين المعتقلين في إسرا ...
- أكثر من 23 ألف حالة اعتقال في الضفة والقدس منذ بدء حرب الإبا ...
- أمريكا.. اعتقال المغني -d4vd- للاشتباه في ارتكابه جريمة قتل ...


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - ايوب حميد - الاعتماد المستندي وقلق السوق العراقي