ايوب حميد
المحامي العراقي
([email protected])
الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 00:57
المحور:
دراسات وابحاث قانونية
لم يعد الاعتداء على سمعة الإنسان يحتاج إلى صحيفة واسعة الانتشار أو وسيلة إعلامية مؤثرة فقد أصبح منشور واحد على مواقع التواصل الاجتماعي قادرا على إثارة الشكوك حول نزاهة شخص أو الإضرار بمكانته المهنية والاجتماعية وربما التأثير في مصدر رزقه خلال ساعات قليلة لكن الخطورة الحقيقية لا تكمن في سهولة النشر وحدها وإنما في صعوبة التمييز أحيانا بين النقد المشروع الذي يحميه القانون والتشهير الذي يرتب المسؤولية القانونية على صاحبه.
لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي طبيعة الاعتداء على السمعة بصورة لم تكن مألوفة عند تشريع القواعد التقليدية للمسؤولية المدنية فالكلام الذي كان يتداوله عدد محدود من الأشخاص أصبح متاحا لجمهور واسع وقد يستمر انتشاره حتى بعد حذف المنشور الأصلي بل قد تتحول عبارة مقتطعة من نقاش شخصي إلى اتهام متداول يتعامل معه الآخرون بوصفه حقيقة ثابتة دون أن يعرفوا ظروف نشره أو يسمعوا موقف الشخص الذي تناولته تلك العبارة.
ومع ذلك فإن القانون العراقي لا يعتبر كل منشور ينتقد شخصا أو مؤسسة اعتداء يستوجب التعويض فحرية التعبير تفقد قيمتها إذا أصبحت مشروطة برضا الأشخاص الذين يتناولهم النقد كما أن حماية السمعة لا تعني منح الإنسان حق منع الآخرين من مناقشة تصرفاته ولا سيما عندما يتعلق الأمر بأداء وظيفة عامة أو ممارسة نشاط تجاري يرتبط بمصالح الجمهور.
وقد وضع القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 أساسا واضحا لحماية السمعة والاعتبار عندما نصت المادة 205 على شمول التعويض للضرر الأدبي واعتبرت الاعتداء على حرية الإنسان أو عرضه أو شرفه أو سمعته أو مركزه الاجتماعي أو اعتباره المالي من الأفعال التي قد تنشئ المسؤولية عن التعويض وهذا النص لا يشترط أن يقع الاعتداء في مكان مادي معين ولذلك يمكن تطبيق أحكامه على الأفعال المرتكبة عبر الوسائل الإلكترونية متى تحققت شروط المسؤولية المدنية.
غير أن الاستناد إلى المادة 205 لا يكفي وحده لكسب دعوى التعويض لأن المحكمة لا تنظر إلى مجرد شعور المدعي بالإساءة وإنما تبحث في طبيعة الفعل ومدى عدم مشروعيته والضرر الناتج عنه وعلاقة السببية بينهما فقد يتعرض شخص لانتقاد حاد يثير استياءه دون أن يكون ذلك الانتقاد مخالفا للقانون وقد تتضمن عبارة قصيرة اتهاما خطيرا يترك أثرا بالغا في سمعة صاحبها ومركزه الاجتماعي.
وهنا تظهر أهمية المادة 38 من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 التي كفلت حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل وحرية الصحافة والإعلام والنشر بما لا يخل بالنظام العام والآداب وهذه الحماية الدستورية لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد حق في التعبير عن الآراء المقبولة وإنما تشمل بطبيعتها الحق في الاختلاف والاعتراض وانتقاد الممارسات التي يرى الأفراد أنها تستحق النقاش والمساءلة.
ومن غير المنطقي أن يطالب المواطن بحقه في مراقبة أداء المؤسسات ثم يصبح مهددا بالتعويض كلما انتقد خدمة عامة أو كشف خللا في إدارة مرفق معين كما لا يصح أن يمنع المستهلك من الحديث عن تجربته مع شركة أو مؤسسة تجارية لمجرد أن صاحب النشاط يخشى تأثير الانتقاد في سمعته فالثقة التجارية لا تحمى بإسكات المتعاملين وإنما بحسن الأداء والقدرة على مواجهة النقد والرد عليه.
لكن المسألة تختلف عندما ينتقل الكلام من تقييم الأداء إلى إسناد وقائع محددة تمس الشرف أو النزاهة أو الأمانة المالية فهناك فرق قانوني بين أن يصف شخص خدمات شركة بأنها سيئة وبين أن يتهم مديرها باختلاس الأموال كما أن انتقاد قرار إداري لا يساوي اتهام الموظف الذي أصدره بتلقي الرشوة والفرق بين الحالتين لا يتعلق بقسوة العبارة وحدها وإنما بطبيعة الواقعة المنسوبة إلى الشخص وما يمكن أن يترتب عليها من آثار قانونية واجتماعية.
وقد ميز قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 بين القذف والسب في المادتين 433 و434 حيث يقوم القذف على إسناد واقعة معينة إلى الغير بإحدى طرق العلانية من شأنها لو صحت أن توجب عقابه أو احتقاره عند أهل وطنه بينما يتعلق السب بما يخدش الشرف أو الاعتبار أو يجرح الشعور ولو لم يتضمن إسناد واقعة معينة وهذا التمييز يكتسب أهمية خاصة عند بحث المنشورات الإلكترونية لأن التكييف القانوني لا يتوقف على الألفاظ المستخدمة وحدها وإنما يمتد إلى مضمون الكلام وطريقة نشره والظروف المحيطة به.
ولا يكفي في هذا المجال القول إن صاحب المنشور كان يمارس حقه في التعبير عن الرأي لأن الرأي شيء والاتهام بارتكاب واقعة محددة شيء آخر كما أن الاستناد إلى وجود خلاف سابق لا يمنح أي طرف حرية نشر اتهامات غير مسندة ضد الطرف المقابل وحتى مسألة إثبات صحة الوقائع المنشورة لها أحكامها القانونية ولا يصح التعامل معها باعتبارها دفاعا مطلقا يبيح كل صور النشر بصرف النظر عن طبيعة الاتهام وصفة الشخص المعني والظروف التي حددها القانون.
وتظهر هذه الإشكالية بوضوح في المنازعات التجارية والمالية التي انتقل جزء منها إلى مواقع التواصل الاجتماعي فقد يختلف شريكان بشأن إدارة شركة أو يتنازع دائن ومدين حول مبلغ مالي أو يفشل أحد المتعاقدين في تنفيذ التزاماته فيلجأ الطرف الآخر إلى نشر تفاصيل النزاع مصحوبة باتهامات تمس الأمانة والنزاهة بهدف ممارسة الضغط الاجتماعي عليه ودفعه إلى دفع المال أو التنازل عن موقفه القانوني.
وفي مثل هذه الحالات ينبغي التمييز بين الحق في المطالبة والوسيلة المستخدمة للحصول عليه فالدائن الذي يملك مستندا يثبت دينه يستطيع المطالبة بحقه أمام الجهات المختصة لكنه لا يكتسب لمجرد وجود الدين حق وصف المدين بالمحتال كما أن الشريك الذي يعترض على تصرفات المدير المفوض يستطيع الاعتراض والمطالبة بالمحاسبة دون أن تصبح الاتهامات العلنية بارتكاب الجرائم بديلا عن الإثبات والإجراءات القانونية.
وفي المقابل لا يجوز اعتبار مجرد الحديث عن نزاع تجاري اعتداء على السمعة فقد تكون هناك وقائع موثقة تستحق المناقشة العلنية أو ممارسات تمس حقوق المستهلكين والمتعاملين ويقتضي تقييم النشر في هذه الحالات النظر إلى مضمونه وسياقه والأساس الذي يستند إليه ومدى ارتباطه بمصلحة مشروعة دون التسليم بأن كل نقد تجاري يمثل تشهيرا أو أن كل اتهام منشور يدخل تلقائيا في نطاق حرية التعبير.
ومن الأخطاء الشائعة في مناقشة هذه القضايا الخلط بين المسؤولية الجزائية والمسؤولية المدنية فوجود شكوى عن القذف أو السب لا يعني بالضرورة ثبوت الحق في التعويض بالمبلغ الذي يطالب به المتضرر كما أن بحث التعويض يخضع لشروطه القانونية وقد عالجت المادة 206 من القانون المدني العراقي العلاقة بين التعويض المدني والعقوبة الجزائية وأكدت أن التعويض لا يمنع توقيع العقوبة عند توافر شروطها مع بقاء تقدير المسؤولية المدنية محكوما بالقواعد القانونية المقررة لها.
لكن الجانب الأكثر تعقيدا في دعاوى التشهير الإلكتروني لا يتعلق دائما بتفسير النصوص القانونية وإنما بإثبات الواقعة نفسها فقد يقدم المدعي صورة لمنشور يحمل اسم المدعى عليه ويعتبرها دليلا كافيا على صدوره منه بينما قد يكون الحساب منتحلا أو تكون الصورة معدلة أو يكون الكلام منقولا من صفحة أخرى أو مقتطعا من حديث أطول يغير سياقه المعنى الذي استند إليه المدعي في دعواه.
وقد قررت المادة السابعة من قانون الإثبات العراقي رقم 107 لسنة 1979 أن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر وهو مبدأ يفرض على من يطالب بالتعويض تقديم ما يؤيد ادعاءه بشأن صدور الفعل ونسبته إلى المدعى عليه والضرر الذي نتج عنه ولا يكفي في ذلك مجرد تداول الصورة بين المستخدمين أو وجود اسم الشخص على حساب إلكتروني ما لم تتوافر الأدلة والقرائن التي تسمح للمحكمة بتكوين قناعتها وفقا للقانون.
ومن المهم في هذا السياق الالتفات إلى المادة 104 من قانون الإثبات التي أجازت للقاضي الاستفادة من وسائل التقدم العلمي في استنباط القرائن القضائية وهو نص يوفر أساسا للاستعانة بالوسائل التقنية عند بحث الأدلة الرقمية والتحقق من الوقائع المرتبطة بها دون أن يعني ذلك منح الصور الإلكترونية حجية مطلقة أو إعفاء الخصوم من إثبات ادعاءاتهم.
وقد يتطلب النزاع التحقق من مصدر المنشور وتاريخ نشره والحساب الذي صدر عنه ومدى ارتباطه بالشخص المنسوب إليه كما قد تكون هناك رسائل أو تعليقات سابقة أو قرائن فنية تساعد على تحديد حقيقة ما جرى ولذلك فإن الاحتفاظ بالرابط الأصلي والمحتوى الكامل والبيانات المرتبطة بالنشر قد يكون أكثر فائدة من الاكتفاء بصورة متداولة لا يعرف مصدرها أو تاريخ التقاطها.
وتزداد صعوبة تحديد المسؤولية عندما يعيد الآخرون نشر المنشور الأصلي أو يضيفون إليه اتهامات جديدة فقد يقتصر دور أحدهم على مشاركة المحتوى بينما يتولى شخص آخر صياغة عبارات مسيئة من عنده أو نشر معلومات لم تكن موجودة في المنشور الأول ولا يصح في هذه الحالة افتراض أن جميع المشاركين يتحملون المسؤولية ذاتها دون بحث الفعل المنسوب إلى كل شخص وطبيعة مساهمته في الضرر.
أما تقدير التعويض عن الضرر الأدبي فيثير مسألة لا تقل أهمية عن إثبات التشهير نفسه إذ يعتقد البعض أن ثبوت الإساءة يكفي للحكم بمبلغ كبير دون حاجة إلى بيان طبيعة الضرر الذي أصاب المتضرر بينما الأصل أن التعويض ليس عقوبة مالية تفرض لمجرد استنكار العبارة المنشورة وإنما وسيلة قانونية لجبر الضرر الذي ترتبت عليه المسؤولية.
وقد نصت المادة 207 من القانون المدني العراقي على تقدير التعويض بقدر ما لحق المتضرر من ضرر وما فاته من كسب متى كان ذلك نتيجة طبيعية للعمل غير المشروع وهو ما يقتضي عند تطبيق أحكام التعويض النظر إلى الآثار الفعلية للمنشور والظروف التي أحاطت به دون وضع مبلغ ثابت لكل حالة من حالات الاعتداء على السمعة.
فقد يتعرض صاحب مهنة إلى اتهامات تمس أمانته أمام زبائنه أو يتضرر صاحب مشروع من حملة تتضمن وقائع غير صحيحة تؤثر في تعاملاته التجارية وقد يتعرض شخص آخر لإساءة محدودة الانتشار لا تترك الآثار ذاتها وهنا لا تكون المقارنة بين عدد الكلمات المسيئة أو قسوة التعبير وحدها وإنما بين طبيعة الضرر ومداه وما يمكن إثباته من آثاره المباشرة.
ولا ينبغي الخلط بين الضرر الأدبي والخسارة المالية رغم إمكان اجتماعهما في واقعة واحدة فالاعتداء على السمعة قد يصيب المكانة الاجتماعية والمهنية للإنسان حتى دون إثبات خسارة مالية محددة أما المطالبة بأضرار مادية تتعلق بفقدان عقود أو زبائن أو فرص تجارية فتحتاج إلى بيان أساسها وعلاقتها بالفعل الضار ولا يكفي افتراض أن كل تراجع في النشاط التجاري كان نتيجة للمنشور محل الدعوى.
وقد أجازت المادة 209 من القانون المدني للمحكمة تحديد طريقة التعويض تبعا للظروف كما أجازت في الحالات التي تنطبق عليها أحكامها وبناء على طلب المتضرر الحكم بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه أو أداء أمر معين على سبيل التعويض وهذه الإمكانية تكتسب أهمية في الاعتداءات التي لا يكفي فيها التعويض النقدي وحده لمعالجة آثار الفعل غير المشروع مع بقاء اختيار وسيلة التعويض خاضعا لشروط القانون وتقدير المحكمة.
ومن وجهة نظري فإن الخطر لا يكمن في الاعتداء على السمعة وحده وإنما في احتمال إساءة استعمال دعاوى التعويض نفسها فقد يلجأ شخص يتمتع بنفوذ اقتصادي أو اجتماعي إلى إقامة دعاوى ضد من ينتقد أداءه بهدف دفع الآخرين إلى الصمت خشية الدخول في خصومات قضائية طويلة ومكلفة وعندئذ تتحول وسيلة حماية الحق إلى أداة ضغط قد تؤثر في ممارسة حرية التعبير.
وهذا الاحتمال لا يبرر التساهل مع التشهير أو التقليل من خطورة الاتهامات غير المثبتة فالإنسان قد يقضي سنوات في بناء سمعته المهنية ثم يجد نفسه أمام اتهام ينتشر بين آلاف الأشخاص خلال ساعات ولا يستطيع الرد عليه بالسرعة ذاتها وقد يبقى أثر الاتهام قائما في أذهان البعض حتى بعد ظهور ما ينفيه.
والمشكلة أن المجتمع الرقمي أصبح يمنح الاتهام أحيانا قوة الحكم القضائي قبل أن تبدأ أي إجراءات قانونية فقد يتعامل الجمهور مع منشور مجهول المصدر باعتباره دليلا قاطعا ويشارك آخرون في إدانة الشخص دون معرفة الوقائع أو الاطلاع على دفاعه ثم ينتقل الاهتمام إلى قضية أخرى بينما يبقى المتضرر وحده في مواجهة ما لحق بسمعته من آثار.
ومع ذلك فإن الحل لا يكون بإخضاع كل كلمة ناقدة للمساءلة القضائية لأن المجتمع يحتاج إلى مساحة يستطيع فيها الناس كشف الأخطاء ومناقشة التجاوزات وانتقاد المؤسسات وأصحاب الأنشطة الاقتصادية كما يحتاج في الوقت نفسه إلى قواعد تمنع تحويل مواقع التواصل الاجتماعي إلى وسيلة لتصفية الخصومات والانتقام الشخصي وتشويه السمعة دون دليل.
إن التحدي الحقيقي أمام تطبيق قواعد المسؤولية المدنية في العراق يتمثل في القدرة على حماية هذين الحقين معا فلا تصبح السمعة الشخصية حاجزا يمنع النقد المشروع ولا تتحول حرية التعبير إلى غطاء لنشر الاتهامات والاعتداء على كرامة الآخرين فالقانون لا يقاس بقدرته على معاقبة الكلام المزعج وإنما بقدرته على التمييز بين التعبير الذي يستحق الحماية والفعل الذي يستوجب المسؤولية.
ولعل أخطر ما يمكن أن نصل إليه هو أن يخشى الإنسان قول الحقيقة حتى لا يواجه دعوى تعويض أو أن يتجرأ على اتهام الآخرين لأنه يعتقد أن مواقع التواصل الاجتماعي تمنحه حرية مطلقة في النشر وكلا الأمرين يضعف الثقة بالقانون ويجعل الحقوق عرضة للتجاوز.
فالسمعة ليست امتيازا يعفي صاحبها من النقد وحرية التعبير ليست رخصة مفتوحة للإساءة والتعويض ليس وسيلة لإسكات الخصوم وإنما حق ينشأ عندما يثبت الاعتداء غير المشروع والضرر وعلاقة السببية بينهما وفي هذه الحدود وحدها يمكن للقانون العراقي أن يحمي كرامة الإنسان دون أن يصادر حق المجتمع في النقد والمساءلة.
#ايوب_حميد (هاشتاغ)
[email protected]#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟