ايوب حميد
المحامي العراقي
([email protected])
الحوار المتمدن-العدد: 8868 - 2026 / 10 / 24 - 00:57
المحور:
دراسات وابحاث قانونية
قد يدفع المواطن ثمن منزل بالكامل ويسكنه سنوات طويلة ويحتفظ بعقد بيع موقع من البائع وشهود على الاتفاق ثم يكتشف عند نشوء النزاع أنه لا يملك العقار قانونا وهذه المفارقة ليست نتيجة نقص في الأدلة وحده بل ترتبط بطبيعة النظام القانوني العراقي الذي يجعل التسجيل الرسمي شرطا لانعقاد التصرف الناقل للملكية العقارية وليس مجرد إجراء إداري يأتي بعد البيع.
ففي القانون العراقي لا يكفي دفع الثمن أو تسلم العقار أو توقيع عقد البيع خارج دائرة التسجيل العقاري لاكتساب الملكية وقد قررت المادة 1126 من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 أن العقد الناقل لملكية العقار لا ينعقد إلا بمراعاة الطريقة المقررة قانونا وجاءت المادة الثالثة من قانون التسجيل العقاري رقم 43 لسنة 1971 لتؤكد أن التصرف العقاري لا ينعقد إلا بالتسجيل في دائرة التسجيل العقاري المختصة وهذه القاعدة تمثل الأساس الذي تقوم عليه حماية الملكية العقارية واستقرار المعاملات المتعلقة بها.
لكن وضوح النص القانوني لا يعني بالضرورة وضوح آثاره لدى المتعاملين في السوق العقارية فقد ينظر المشتري إلى العقد الخارجي باعتباره ضمانة كافية لحقوقه خصوصا إذا تسلم العقار ودفع الثمن أمام شهود وقد يعتقد أن التسجيل الرسمي ليس سوى خطوة لاحقة يمكن إتمامها في أي وقت غير أن الفرق بين الاتفاق على البيع وانتقال الملكية فرق جوهري لأن القانون لا يرتب على الاتفاق غير المسجل جميع الآثار التي يرتبها على البيع المستوفي لشروطه الشكلية.
وتزداد خطورة المسألة عندما يتصرف المشتري في العقار على أساس أنه أصبح مالكه فقد ينفق مبالغ على ترميمه أو إعادة بنائه أو تأجيره وربما يعتمد عليه بوصفه الأصل المالي الأهم لأسرته لكن هذه التصرفات لا تعالج بذاتها مشكلة عدم انتقال الملكية وإن كانت لبعضها آثار قانونية أخرى تتحدد بحسب طبيعة الواقعة والنص الواجب التطبيق.
ولا يمكن اختزال المشكلة في جهل المواطنين بالقانون فالتعاملات العقارية تتأثر أيضا بتعقيد الإجراءات والقيود المفروضة على بعض العقارات والمشكلات المتعلقة بالسجلات أو الملكية الشائعة أو عدم استكمال المعاملات السابقة وقد يلجأ بعض المتعاملين إلى العقود الخارجية لتجاوز تأخير إداري أو لتثبيت اتفاق عاجل قبل إتمام التسجيل ومع ذلك فإن وجود صعوبة عملية لا يحول التصرف غير المستوفي للشكل القانوني إلى بيع ناقل للملكية.
ومن المهم التمييز بين عدم انعقاد البيع العقاري غير المسجل وبين المسؤولية التي قد تنشأ عن الإخلال بالتعهد بنقل الملكية فالمادة 1127 من القانون المدني العراقي لم تترك المتضرر من النكول دون حماية وإنما قررت أن الإخلال بالتعهد بنقل ملكية العقار يرتب الالتزام بالتعويض سواء تضمن التعهد شرطا خاصا بالتعويض أم خلا منه.
وهذا الحكم يكشف أن المشرع ميز بين الأثر العيني للتصرف والأثر المالي المترتب على الإخلال بالتعهد فعدم انتقال الملكية لا يعني بالضرورة سقوط كل مطالبة تنشأ بين الطرفين وقد يظل للمتضرر حق في استرداد ما دفعه أو المطالبة بالتعويض وفقا للأساس القانوني الذي تنطبق شروطه على النزاع.
غير أن التنظيم القانوني لهذه المسألة لا يقف عند حدود المادتين 1126 و1127 فقد صدر قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 1198 لسنة 1977 لمعالجة بعض آثار النكول عن التعهد بنقل ملكية العقار وهو من التشريعات الخاصة التي ينبغي مراعاة أحكامها وتعديلاتها عند تحديد الحقوق الناشئة عن التعهدات العقارية.
وقد أتاح هذا التشريع في الحالات التي حددها المطالبة بالتعويض عن النكول ووضع حدا أدنى له يرتبط بالفرق بين قيمة العقار المحددة في التعهد وقيمته عند النكول دون الإخلال بالتعويض عن الأضرار الأخرى وفق النص كما أجاز للمتعهد له في ظروف معينة تتعلق بسكن العقار أو إحداث أبنية أو منشآت أو مغروسات فيه دون معارضة تحريرية من المتعهد المطالبة بتملكه وفقا للشروط المقررة قانونا.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين القاعدة العامة والاستثناء التشريعي فالأصل أن البيع الخارجي لا ينقل الملكية لكن وجود تنظيم خاص لبعض حالات النكول لا يجوز تجاهله عند تحديد حقوق المشتري وفي الوقت نفسه لا يصح تفسير الاستثناء على أنه اعتراف عام بصحة جميع البيوع العقارية الخارجية أو أن مجرد السكن في العقار يمنح المشتري ملكيته تلقائيا.
فالحماية التي قررها التشريع الخاص ترتبط بشروط يجب التحقق منها ولا تتحقق آثارها لمجرد الادعاء بتوافرها كما أن تحديد القانون الواجب التطبيق يتطلب النظر في صفة البائع وملكيته للعقار وطبيعة التعهد والوقائع التي أعقبته ومدى انطباق الشروط القانونية التي تجيز المطالبة بالتعويض أو التمليك.
ولا ينبغي الخلط بين عدم انعقاد البيع العقاري خارج دائرة التسجيل العقاري وبين انعدام كل أثر قانوني للاتفاق الذي جرى بين الطرفين فالعقد الخارجي لا ينقل الملكية لكنه قد يصلح لإثبات التعهد أو دفع الثمن أو بعض الوقائع التي تستند إليها المطالبات القانونية الأخرى وفقا لطبيعة النزاع والأدلة المقدمة فيه.
ولا تعني هذه القاعدة أن البائع يتمتع بحرية مطلقة في الاحتفاظ بالأموال التي تسلمها بعد النكول عن التسجيل فعدم انعقاد البيع لا يمنح أحد الطرفين حق الاحتفاظ بما حصل عليه دون أساس قانوني وإنما ينبغي تحديد الطلب القضائي المناسب وما إذا كانت الواقعة تستوجب إعادة الحال أو التعويض أو تطبيق حكم خاص يجيز المطالبة بالتمليك.
وتظهر المشكلة بصورة أكثر تعقيدا عندما تتغير أسعار العقارات خلال المدة الفاصلة بين توقيع التعهد ونشوء النزاع فقد يدفع المشتري ثمن عقار ثم ترتفع قيمته بصورة كبيرة فيجد أن استرداد المبلغ الذي دفعه لا يمكنه من شراء عقار مماثل وفي المقابل قد يواجه البائع مطالبة مالية كبيرة نتيجة إخلاله بالتعهد رغم أن العقار لم تنتقل ملكيته أصلا.
ولهذا فإن تقدير التعويض لا ينبغي أن ينفصل عن النص القانوني الواجب التطبيق فليس كل ارتفاع في سعر العقار سببا مستقلا لاستحقاق فرق القيمة كما أن إعادة الثمن وحدها لا تكون بالضرورة كافية في جميع الحالات وتبقى طبيعة التعهد وشروط التشريع الخاص والأدلة المتعلقة بالضرر عناصر مؤثرة في تحديد النتيجة.
ومن الناحية الاجتماعية لا يمكن تجاهل أن العقار في العراق يتجاوز كونه أصلا قابلا للبيع والشراء فهو بالنسبة إلى كثير من الأسر يمثل الاستقرار السكني والادخار طويل الأمد والضمان المالي للمستقبل ولذلك فإن النزاع على ملكية منزل قد يتحول من خلاف تعاقدي إلى أزمة تمس حياة أسرة كاملة.
لكن هذه الاعتبارات لا تبرر إضعاف نظام التسجيل العقاري فالسماح بانتقال الملكية بمجرد العقود الخارجية قد يفتح الباب أمام تضارب التصرفات وازدواج المطالبات وصعوبة تحديد المالك الحقيقي وقد يصبح الشخص معرضا لشراء عقار من غير مالكه أو شراء العقار نفسه بعد التصرف فيه إلى شخص آخر.
وتكمن أهمية السجل العقاري في أنه يوفر مرجعا رسميا للحقوق العينية ويحدد أصحابها والقيود المتعلقة بها وقد منحت المادة العاشرة من قانون التسجيل العقاري للسجلات التي حددتها حجية قانونية في إثبات الملكية والحقوق العينية الأخرى وهذه الحجية لا تخدم المالك وحده بل تحمي أيضا المشتري والدائن والمتعاملين مع العقار.
ومن ثم فإن الدعوة إلى حماية المشترين بموجب العقود الخارجية لا ينبغي أن تتحول إلى دعوة لإلغاء الشكلية القانونية فالمطلوب هو تقليل الظروف التي تدفع المتعاملين إلى تجاوز التسجيل الرسمي وتحسين إجراءات التحقق من الملكية والقيود وتيسير إتمام التصرفات العقارية دون الإخلال بالضمانات التي وضعها المشرع.
كما أن مسؤولية التوعية القانونية لا ينبغي أن تقع على المواطن وحده فالسوق العقارية تحتاج إلى وضوح أكبر بشأن المخاطر المرتبطة بالعقود غير المسجلة خصوصا عندما تكون المبالغ المدفوعة كبيرة أو يكون العقار محل التصرف مرتبطا بمنازعات أو قيود قانونية.
ويظل من الضروري أيضا عدم المبالغة في حماية أحد طرفي التعهد على حساب الآخر فالمشتري الذي دفع الثمن يستحق الحماية من النكول غير المشروع لكن البائع يستحق بدوره ألا تفرض عليه آثار لم يقررها القانون أو تعويضات لا تتوافر شروطها والعدالة في هذه المنازعات لا تتحقق بمجرد الانحياز إلى الطرف الذي يبدو أكثر تضررا بل بتحديد المركز القانوني لكل طرف على أساس النصوص والوقائع المثبتة.
إن المشكلة الأساسية في بيع العقار خارج التسجيل الرسمي ليست غياب التشريع بل استمرار الفجوة بين ما يعتقد المتعاملون أنهم أنجزوه وما يعترف القانون بآثاره فالعقد الخارجي قد يوثق اتفاقا حقيقيا وقد يثبت دفع مبلغ كبير وقد يشكل أساسا لمطالبات قانونية معينة لكنه لا يكتسب بمجرد ذلك قوة التسجيل الناقل للملكية.
ولهذا فإن أخطر ما في المعاملة العقارية غير المكتملة ليس احتمال أن ينكر أحد الطرفين الاتفاق بل أن يكون الاتفاق ثابتا بينهما ومع ذلك لا يحقق الأثر القانوني الذي قصده المشتري.
فالملكية العقارية في العراق لا تنشأ من الثقة وحدها ولا من دفع الثمن أو تسلم المفاتيح إنها مركز قانوني لا يكتمل إلا بالطريق الذي رسمه القانون مع بقاء الحماية الخاصة للحقوق والمطالبات التي تنشأ عن الإخلال بالتعهد وفقا لشروطها.
والفارق بين امتلاك عقد وامتلاك عقار قد يبدو مسألة شكلية عند توقيع الاتفاق لكنه يصبح جوهر النزاع عندما يختلف الطرفان وحينها يكتشف المشتري أن دفع الثمن لا يكفي لصناعة الملكية وأن الورقة التي يعتقد أنها تحمي منزله قد لا تمنحه الحق في تملكه وإنما تمنحه حق المطالبة بما يقرره القانون من آثار مالية أو حماية خاصة بحسب ظروف النزاع.
#ايوب_حميد (هاشتاغ)
[email protected]#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟