|
|
الأنا الشعرية الناعمة والمفترسة
نورالدين حنيف
شاعر و روائي و ناقد و فنان تشكيلي
(Noureddine Hanif)
الحوار المتمدن-العدد: 8867 - 2026 / 10 / 23 - 13:44
المحور:
الادب والفن
تمهيد : سنرجئ مقولة الافتراس الناعم إلى حينها ريثما يستدعيها السياق، و نقول: إن قراءتنا الموضوعاتية لديوان (تراتيل على حافة البوح) للشاعرة حورية خرباش تدخل في ثلاثة أنساق ثقافية : 1 - نسق ثقافي مغربي يعانق تحولات الحداثة الشعرية من موقع الإسهام الفني الناضج و المسؤول . 2 - نسق انخراط الشاعرة في هذه الحساسية الشعرية الحداثية حيث تُدلي بدلوها الشعري و ببصمتها الخاصة. 3 - نسق نون النسوة الذي لا يميزها عن الكتابة الذكورية، فهذا لا يشكل همّاً من همومنا النقدية و إنما نقصد أنّ كتابتها الشعرية تحمل مشروعا فنيا في سياق هيمنة ذكورية أنصفها التاريخ فوق التصور، و ما ديوان (تراتيل) إلا صرخة في وجه هذا التاريخ لانتزاع الحق أو بعض الحق من هذه الهيمنة الموهومة. و لتوضيح ذلك نستطرد عبر السؤال التالي: لِمَ يؤرّخ الدارسون مثلا لظهور الرواية في الحقل الأدبي العربي تأسيساً برواية (زينب) للكاتب المصري حسين هيكل التي صدرت عام 1914 في حين أن باكورة الظهور الروائي العربي تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر مع عائشة التيمورية في روايتها الموسومة بـ (نتاج الأحوال في الأقوال و الأفعال، عام 1885 – مصر) ومع أليس بطرس البستاني برواية (صائبة، عام 1891 – لبنان) و مع عفيفة آظن برواية (فابيولا، عام 1895 – سوريا)...؟ و الحديث في هذا يطول و لا حاجة لنا بالمزيد، فيكفينا فيه هذا الاستشهاد المعبّر، لأن المقام هنا مقام قصيدة النثر، لا مقام جدل أو جدال حول أسبقية دون أخرى.
* المقاربة : 1 – عتبة العنوان : اختارت حورية خرباش لديوانها عنوان (تراتيل على حافة البوح). والتراتيل جمع ترتيلة، و رَتِلَ الكلامُ تناسق و انتظم. و رتّلَ يُرتّل جوّد وتأنّق في تلاوة القرآن. و الترتيلة هي الأنشودة مرتّلة في صلاة المسيحيين. و الحافة هي الناحية و الجانب و الهاوية. و هي أيضا الحاجة . و البوح من باح يبوح أي ظهر. و باح فلان بالسر أظهره . 1 و إذا ما قارنّا هذا العنوان بقرينه في ديوانها السابق (ترانيم على بياض الروح) يتبدى لنا جليا حرص الشاعرة (حورية خرباش) على العوم في هذه التيمة بوعي فني قائم على تصور جمالي للوجود . و الترانيم اسم جمع لترنيمة واحدة. و رَنِمَ رجّعَ الصوت و تغنّى به وطرب. يفيدنا ذلك أن الشاعرة لا تكتفي بصوغ القصيدة في مكافحة البياض للانتصار على تسطّحه فحسب، و إنما تتجاوز ذلك إلى بناء نسق دلالي يخرج بالمعنى من الطرح العائم و المشترك إلى عملية جمالية تبني الأغنية بدل القصيدة. و المتأمل للديوان يصدمه ذلكم التراكم المعجمي والدلالي للمقولات التالية في ترددها البائن :
التيمة حجم التردد في الديوان التراتيل 3 مرات الترانيم مرة واحدة الأغنية 6 مرات الشدو مرتان الابتهال مرتان الوتَر مرة واحدة اللحن مرة واحدة الانشودة مرة واحدة القصيدة 12 مرة المجموع 29 تردّداً
و انطلاقا من هذا التردد لنفس التيمة بصيغ مختلفة متجانسة في الدلالة، يحقّ لنا التأويل بعدما غادرت الشاعرة حلبة الإنتاج مع رولان بارت، ونقول: إن الديوان في جله هو أغنية تُحيل على حواء لا في ميراث الخطيئة، و لكن في فلسفة الأنثى عندما تبني رؤيتها داخل تشكيل لغوي حيوي و ضاغط بنعومة حريرية تؤمن بمقولة التجاوز و التخطي. قالت الشاعرة في هذا السياق : و نحّيتُ تفّاحتك المُحرّمة من موائدي - 2 و في الكلام النّاعم رفض لميراث التفاحة المرتبط بإدانة المرأة. و فيه كان التاريخ يحرص حرصاً تمثُّلياً مغلوطا على إلصاق الفعل بها. مع العلم أن الوحيَ حسم في المسألة منذ قرون طويلة مسطراً الحقيقة الربّانية المنصفة في إعجاز جمالي و دلالي خارق. ( فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ) 3. فانظر معي أيها القارئ إلى علامة التثنية(أكلا – لهما – سوءاتهما – طفقا – يخصفان – عليهما) المتكررة بقوة في هذ السياق القراني، و انظر أيضا إلى الختم الربّاني وكيف تمّ إسناد الغواية. و الديوان أغنية كبيرة تكمل أغنية الديوان الأول (ترانيم). أغنية مقطّعة يتنامى فيها البعد الدرامي و المتخيل داخل شِعريةٍ حداثية تتغيّى القول المختلف في أزمنة قصيدة النثر التي تغتال إشراقها - أحياناً - ثقافة الشبه . و الديوان أغنية واحدة بدليل أن كل القصائد – باستثناءٍ ضعيف – هي في الأصل محاورة بين الأنا و الأنت. بين الذات و الآخر. قالت الشاعرة : سأرحل و بيدي أغنية يشدو بها عبق الدوالي لأجلك ... الديوان، ص 10 و قالت أيضا : يا لرجع الصدى في مسمعي و مرايا السراب في غربتي و لفيف من أغاني الصباح على أعتابك الواهية ... الديوان، ص 54 و هي محاورة بؤرية تركز على الدوال بأعلى ما يمكن من طاقة التركيز والتكثيف. ذلك أن حجم الديوان صغير في صفحات لا تربو على الثمانين، وفي قصائد لا تتجاوز العشرين، و هي مركّزة تفر من قبضة القصيدة الشاملة (التي يُعبَّرُ عنها بالقصيدة الطويلة). و هذا مبحث مهم في إشكاليات قصيدة النثر المتعددة و التي تطرح أكثر من سؤال حول الحجم و البياض وهندسة الفضاء الورقي، مما يدعو إلى القول إن القصيدة المركزة في عرف الشاعرة (ح خ) هي كينونة أكثر منها إجراء مساحةٍ قابلةٍ للتسويد 4. و في إجراءٍ منهجي تقابلي نقول إن التراتيل تتجانس مع (الترانيم) وتتشعبان في نفس الآن. محدثةً بذلك نسقا متكاملاً من فنّ القول، تُسطّره ذائقة الشاعرة في مستووين : •مستوى التوازي التركيبي حيث صِيغَ العنوانان داخل مركب اسمي بمبتدأ محذوف (هذه تراتيل... – هذه ترانيم ...). ثم قرنت المتكلمة العنوانين معا بشبه جملة (على حافة البوح – على بياض الروح). •مستوى الدفقة الموسيقية الأخيرة في عنوان الديوان الأول (الروح) وعنوان الديوان الثاني (البوح). تخرج الشاعرة من التجربة الأولى وكأنها تجترح بياض الروح و تخترق صمتها و تدلف من هناك إلى ورطة لذيذة في ديوان (تراتيل على حافة البوح). إن الخروج من البياض معناه تكسير الصمت وهو الترجمة الدلالية للرغبة في البوح، أي في القول و الهمس والصراخ داخل دوائر الإبداع طبعا. و لكن هذا البوح تقدمه لنا الشاعرة (ح خ) مبطّناً في مقولة الخطر بقرينة لفظية هي (الحافة). و التراتيل باعتبارها أنشودة كبيرة فهي لا تتم على الركح بل تتمّ على صفيح فضاء مختلف موسوم بالسقوط الممكن في أي لحظة. إنه فضاء الحافة. ومن عميق المفارقة أن يتمّ الإنشاد و الغناء و البوح و كل أشكال القول على شَفا هذه الحافة . و الخلاصة: إن الشاعرة في زمن الكتابة الذكورية تمارس نوعا من الخرق لناموس هذه الكتابة. و هو خرق يهدد كينونتها أولاً بأول، و هي لا تبالي، من منطلق حقّها في تأويل ذاتها كما تشاء . 2 – الأنا الحاضرة بقوة : اعتمدنا في هذا التأويل على عملية رصد دقيق لمقولات الأنا و الأنت في تجربة احصائية أفضت إلى ما يلي : أقانيم الحضور حجم التردد في الديوان حضور الأنا 296 ترددا حضور الأنت 339 ترددا و المعول عليه هنا هو تتبع المقولتيْن في التركيب أولا، و هو المفضي إلى الدلالة لاحقا في مقاربة الضمائر و ما جرى مجراها من وحدات لسانية . مثال الأنا - أشعلتُ أصابعي مثال الأنت - ماذا لو أنك، وحدك، تنير خريطة حلم ... و الملاحظ أنه على تفوق التراكم المعجمي لــ (أنت) فإن هذا الأخير لا يتجلى إلا عبر جسور الــ (أنا). قالت الشاعرة في مثال لا حصري : لا تحجب عنّي نورك أنت أنا أنت و في مثال آخر هو غيضٍ من فيض : ماذا لو أنك وحدك تحضن عمري (أنت أنت أنت أنا) هذه بعض البنيات السطحية الحاملة للدلالات العميقة في هذا الخطاب الشعري في قصيدة النثر الحداثية. و فيه تأخذنا الشاعرة (ح خ) عبر (أناها) القابضة على محورية الصوغ الشعري من حيث كونها تدير تجربة الحبّ بمعناه الواسع داخل نسق شعري عضوي يروم تلبية رغبتين: الأولى ترتبط بتحقيق الوجود و الثانية ترتبط بالتعبير عن الرؤية الخاصة لهذا الوجود. وهما رغبتان تتداخلان بشدة إلى درجة التلازم، و يبقى الفصل بينهما مجرد إجراء تفكيكي لخدمة المقاربة في توجّهاتها التأويلية . إن حقيقة الوجود المتعلقة بالذات - الأنثى هي أمر رهين برؤية الشاعرة للوجود في أفق شاعري يمتطي ثنائية الذات و الآخر لتعلن عن فلسفتها في مجال الحب. و هي فلسفة تتجاوز العلاقة المبتسرة بين الرجل و المرأة إلى تكريس فعل نبيل و عميق هو : 3 – الاتصال الإنساني : قالت الشاعرة : غادرْ إن شئت ستبقى دوني وحيدا تغوص بوحدتك و تصل لآخر الشوط أقصى ما في مداك مثقلا بغبار الأرصفة و ضياع الطرقات... الديوان، ص 61 تهدم الشاعرة بهذا الوصل الإنساني نقيضه الموسوم بالانفصال الذي تقدمه لنا في سياق الرفض لليل والظلام و تداعياتهما، حيث يبرز شعاع (الأنت) قوي الفعل و مضيئاً لأنشودة الصمت و محوّلاً دلالة الغياب إلى حضور جميل. تبرز الذات المتكلمة هنا واعية بتدرج كينونتها في الانبناء، عبر أطيافٍ شعرية ننظّمها وفق التتابع التالي :
- حضور الشك = كفرتُ بيقيني * ص 16 - حضور التخطي = نحّيتُ تفاحتك * ص 14 - حضور الانتظارية = القصيدة * ص 27 - حضور الاشتعال = تلهب كفي * ص 29 - حضور الضياع = و ضاع خطوي * ص 31 - حضور الألم = أنقش على جدران ألمي * ص 33 - الحضور المازوشي = أقضم أصابعي * ص 37 - حضور القوة = أنا أميرتك * ص 43 - حضور الخوف = أخاف أن أحتمي بظل صخرة * ص 47
ترتبط تجليات حضور الذات هنا بسياق الأنثى في الواقع و في المتخيل. وفيه تمارس الشاعرة كينونتها بامتياز وجودي داخل لعبة الخفاء و التجلي. طرفها الأول يبين عن أحوال الضعف و الثاني يؤكد حالة القوة. من هنا إذن تأويلنا للعنوان في تعالقاته مع سياقات المتون الشعرية كاملة. ذلك أن مفردة (تراتيل) في قلب حروفها تقودنا إلى تخريجة صورية غريبة وهي (رتيلاء) و هي تحيلنا على أنثى العنكبوت. و المسكوت عنه هنا هو أن الأنا تجد معاناتها نابعة من تاريخ وجودها، و من ثمّة تسكنها باستمرارٍ رغبةٌ قوية في تحقيق الوجود و الخلاص5. و في هذا تشترك المبدعات الشاعرات العربيات مع اختلاف في خصوصية الرؤية التي تتعدد من خلاص عبر التمرد و الرفض و التجاوز أو عبر التماهي و الاستبطان أو عبر الحلم و السياحة الجمالية أو عبر القطيعة أو المداهنة و ما شابه... وأما شاعرتنا (ح خ) فقد اختارت الخلاص عبر آلية الحب و تكريس الاتصال الإنساني داخل لعبة الافتراس الناعم لكل شوائب الرجولة الخارجة عن سمت الوجود الإنساني و الاتصال . 4 – الآخر، الحاضر - الغائب : اعتمدنا في ذلك على رصد العلامات اللغوية التي تسندها الشاعرة للآخر المُعَبَّرِ عنه بـ (أنت). فوجدنا الحصيلة التالية: (وجود غامض – متعالٍ – مجنون – يحب العزلة و الخلوة و الوحدة – متقلب – حاملُ أسرار – مبتهل – مشرق – منير – واصل – مهاجر – لمّاح – ذكي – ملهم – أمين – غاوٍ – غائب – حاضر – طيف – حاضن – جوال – جوّاب – قوي – جارف – متمنع – بعيد – وحيد – متفرد – مشتعل – شارد – مرغوب – سلطان – غني – واعد – عميق – معاند – رحب – شديد الجفاء – ناسٍ – معطّر – معذِّب – متجاهل – فاتن – ساديٌّ – عصيّ – مدلل – رافض – مترنم...) و نكاد نجزم بأن الإيجاب في هذه المسندات هو المهيمن مقارنةً من مسندات السلب و التنقيص. و هذا معطىً معجمي مقصود يخدم رؤية الشاعرة لثنائية الرجل و المرأة و يتساوق كذلك مع لعبة الافتراس الناعم . لا تقبض الذات أو الأنا على الآخر في وضعية السهل و المستجيب والبديهي و المسالم و الدوني و الرخيص. إنها تروم القبض عليه في عليائه و سموقه و قوته لتثبت الذات قوّتها و تفوّقها و علويتها . فلا معنى للصراع مع ضعيف أو مع رخيص. المعنى يجد ذاته في مقاومة المتميز والقوي . و لعلّها صورة تبنيها الشاعرة لتأكيد قيمِ الذات القوية عبر النقيض الأقوى. و في مثال الشاعر عنترة بن شداد شهادة على المشترك المعنوي عبر الزمان حيث كان لا يثبت قوته إلا في هزيمة الغريم المدجج الذي تفر منه أشد الفرسان بأسا: و مدجّجٍ كره الكماةُ نزالهُ --- لا ممعنٍ هرباً و لا مستسلمِ فشككتُ بالرمح الأصمّ ثيابَهُ --- ليس الكريم على القنا بِمحرّمِ 6. هكذا يشتغل مخيال الشاعرة (ح خ)، فهي تتحين فرصة القبض على مفهوم الرجل متلبسا بخصائص القوة، يقاوم، لا ضعيفا في مفهوم الأنوثة، بل قويا في تجديد مفهوم هذه الأنوثة أو بعبارة أدق نقول: تصحيح تمثل الرجل المغلوط لمفهوم الأنوثة . 5 – الحضور الإشراقي : لا نقول الحضور الصوفي أو الحضور العرفاني لأن التراكم المعجمي في هذه الحقول لا يخدم افتراضنا و حتى توجه الرؤية لدى الشاعرة (ح خ) لا يسير في هذا الاتجاه. و لكن بعضاً من هذا يتمسرح على سطوح المعجم والتركيب و بالتالي يلحّ علينا في استقطاب الدلالات هناك فيما نسميه الإشراق. لأنه أقرب إلى تمثلات الشاعرة و أقرب إلى تأويلاتنا المشروطة. و اعتمدنا في ذلك أيضا على رصد إحصائيٍّ دقيق لمفردة (النور) و تداعياتها و مرفقاتها سواء أسندت للأنا أو للآخر (أنت) . و قد وردت في الديوان على إيقاع متكرر بائنٍ: 44 تردّداً . قالت الشاعرة : لطالما لبست بردة المريدين كي ألزم خلوة محرابك و نذرتُ كياني هدية لشيطان آثامك و حفظتُ عن ظهر القلب كل أسرارك لا و لا حتى ملائكة السماء درتْ بما أخفتْه أفلك أبراجك... الديوان، ص 15 و قالت أيضا : لا تحجب عني نورك فلا أحد لي غيرك من يفقه بلاغة الوصال أو يفهم لمح الشوق في طيّ الكلام... الديوان، ص 19 و قالت أيضا : و تتركني عند المنتهى وحدي تغزل عيناي اشتعالَ الرؤى لبساً لغواياتك... الديوان، ص 21 يعجّ الديوان بمثل هذه الصياغات (اشتعال الرؤى – خوالج الروح – مقام العزلة – رحاب الهديل – أشعة الأنوار – تراتيل على كل الطرق – جوال الفيافي – يبتلّ مضجعي...) مما يشي بنوعية إضافية في مجال الكتابة النسوية عند الشاعرة (ح خ) و هي تلقي بظلال هذا البعد الإشراقي على بعض العتمات الوجودية لأغراض رؤيوية و فنية نذكر منها : - تأكيد الندية - تأكيد التفوق - استلهام التراث - جمالية الاستلهام - الخوض في مخيال الإشراق و تتمظهرهذه النزعة في تضخم الإحساس بالأنثوية باعتبارها نزعة وجودية تصوغها جمالية متفردة في الصوغ. تنتقل من البناء الجمالي لعالم الشاعرة المكتظ بالذاتية المنتصرة عبر قوة الآخر في أساليب شعرية تتبنّى السهل الممتنع و الانزياحات الرقيقة، إلى البناء الدلالي الموغل في كشف اللاوعي الذي يبحث منذ بداية الديوان عن صيغة لتأكيد مصداقية البوح الموشك أن يكون على الحافة بما تطرحه من إمكان السقوط، و هو السقوط الممنوع مادامت الشاعرة تسعى إلى البوح داخل شرط النبوة التي تحميها من كل انزلاق. و ينسجم مع هذا التخريج قرارُ الذات المتكلمة في أن تلبس البردة في حضرة الشعر لفظاً و دلالةً في سياق النبوة 7. و ما الآخر المحشور في السياق الشعري إلا ذلكم المعادل الموضوعي للآخر-الرمز. و قد وردت مفردة البردة في سياق استدعاء و استجلاب الاعتراف بالأنثى داخل مقولة التاريخ . 6 – سيمياء الجسد في التراتيل : يتبدى الجسد في ديوان (ترتيل على حافة البوح) امتداداً لرؤية الشاعرة الوجودية و الفنية لعلاقة الرجل بالمرأة. و هي تقدمه لنا حضوراً نوعيا يتكلم بكثير من الترميز و الدلالة و الأبعاد. و حسبنا من ذلك تتبع حضور تيمة الجسد في الديوان عبر أمثلة تعزيزية لا حصرية: - (أشعلتُ أصابعي... ص 14): هناك تلميح شاعري لجسد التضحية و القربان، بقرينة لفظية دالّة هي مفردة (الموائد). أنظر القصيدة. - ( لبستُ بردة المريدين... ص 15): الجسد هنا سديمٌ عرفانيّ وروحانيّ متجاوز للباس و الترف و الخيلاء. و قرينة القربان تأخذ بعداً آخر أكثر جرأةً في التعبير الشعري المنزاح عبر طقس النذر (نذرت كياني هدية لشيطان أناملك) - (أنا النافذة كالريح... ص 16): حضور الجسد في صورته الشعرية الشفافة و غير المغلقة. و القرينة اللاحقة تحكي قرار الذات و هي تفتح من أنفاسها أبواباً مُشرعة، في توجّهٍ فلسفي يؤمن بالانفتاح أكثر من أي نسق آخر. - (كلّ لمسةٍ سلام... ص 18): المقولة هنا تتجاوز الحد البهيمي والغريزي في استحضار لحظات الجسد، و اللمس متعلق بقيمة السلام نقيضاً للحرب لا السلام المتعلق بالتحية حيث التماس بين يدين هما في آخر المطاف جسدان. الشاعرة تفرّ بالعبارة الشعرية إلى عالم القيم حيث الجمال و الحق و الخير، و من ذلك، قيمُ السلام بين هذين الأقنومين اللذين شغلا الناس و الثقافة و العالم. و في هذا السياق تفتح الشاعرة أفقاً آخر عجيباً و عامراً هو أفق الاتصال الإنساني. - (علّ قبلة منك على جبيني تحتفي بصبوة الأغاني... ص 23): احتشامٌ واضحٌ في صوغِ مقولة الجسد داخل فعل الشهوة. و قرينةُ الجبينِ تفيد ذلك، و تجعل القبلة فعلاً مفرغاً من كل حسٍّ غرائزيّ ممكن. القبلة هنا متعالية، يردّدها (هدير البحر) و تحمل في آخر المطاف غضبا من الذاتِ ضد الأنت. إنها قبلة الموقف. - (لنستحمّ معاً بأشعّة أنوارك... ص 24): الاستحمام يستدعي الجسد، و الأنوار قرينة تمنع الجسدانية و تقرّبنا عرفانية مفارقة. - (...) و الأمثلة في سياق هذه الجسدانية المتأرجحة بين الشهوانية الماكرة و العرفانية الأمكر، كثيرةٌ و متعددة، و نظنّها قائمة بذاتها في محور دلالي يشكل مقاربة نقدية مستقلة. و حسبنا من هذا أنْ أشرنا و أوّلنا، و للقارئ كل التأويل في مخرجات هذا المحور. - خاتمة: تتجاوز الشاعرة (حورية خرباش) ذلكم الخطاب السوداوي القاتم و القائم على رفض الآخر رفضاً مجانياً في جموحِ الأنثى البانية موقفها على رد الفعل من أجل فكرة الانعتاق... إنها لا تدين الآخر في شخص الرجل، بقدر ما تدين بنعومةٍ شعريةٍ الموقفَ التاريخيَّ الذي صاغ الرجل مهيمناً فيما قد أقصى الأنثى و أغمطها بعض حقّها المشروع... و الشاعرة في عمق رؤيتها الفكرية و الفنية تسعى إلى مد جسور الوصل و الوصال و التواصل و الاتصال بمقولات مقروءة في ثنائية كبيرة هي الذات و الكون، و هي التي تتلاشى داخلها ثنائيةٌ أصغر هي المتعلقة بالمرأة و الرجل. الشاعرة في آخر المطاف تمارس تمرّدها الناعم، لا من باب المواجهة الرافضة للآخر كنسق ثقافي تعسّف على وجودها، و إنما هي تتمرد عليه بهسيس الكلمة و سلام المفردة و رقيق العبارة و مكر الانزياح داخل رؤية شعرية كليانية تحشر الآخر في لعبتها الفنية و الوجودية... هكذا تأسر الآخر في جوهر التوحيد بين الأقنوميْنِ لا في عزلة الأقنوم. *** إحالات: 1 - أنظر ابن منظور - لسان العرب – دار المعارف – باب الباء و باب الحاء و باب الراء 2 - الديوان: حورية خرباش، تراتيل على حافة البوح، مطبعة وراقة بلال، 2020، الطبعة الأولى، ص 14 3 - سورة طه الآية 121 4 - لمزيدٍ من الاطلاع على مصطلح القصيدة المركزة، يرجع إلى: مجدي وهبة و كامل المهندس: معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب مكتبة لبنان، 1979م 5 - ذكر موقع «لايف ساينس» العلمي الأميركي أن الباحثين بجامعة «هامبورغ» الألمانية وجدوا أن أنثى العنكبوت تأكل الذكر بعد التزاوج للحصول على مزيد من المنافع الغذائية وإنجاب عناكب أكثر صحة. 6 – خليل الخوري (تحقيق)- ديوان عنترة- مطبعة الآداب- بيروت- ط 1893- ص 82 7 - في حديث خاص مع الشاعرة ألقتْ في مسمعي اعترافاً جميلا يخص رغبتها القوية في رؤية النبي صلى الله عليه و سلم في منامها . أنظر: سلسلة الحوارات مع المبدعين: ضيفة حلقة الأسبوع الشاعرة حورية خرباش 23 - 05 – 2022 إعداد وتقديم: رضوان بن شيكار
#نورالدين_حنيف (هاشتاغ)
Noureddine_Hanif#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
شاعرٌ يخترمُ مفهوم الزمن
-
التشاكل الصوتي نسق النون نموذجا
-
قِراءة في قصيدة
-
سؤال التلقي والتأويل
-
كِتابةُ الْمناقِب
-
همسُ النّسائم
-
فوضى الحواس
-
(اولاد الكريان)
-
أنساقُ الإشراق
-
ترْبِيبُ الكلام في سِفْرِ الْغرام
-
الشجرةُ في سيمياء النّون
-
شاعِرٌ يَكْرَهُ الْأقْنِعَة
-
زنبقةٌ سوداء (قصّة قصيرة)
-
في الكتابة الانهزامية
-
سِتُّ ملاحظاتٍ في منظُومةِ الخطّ العربيّ
-
ظُلْمُ النّصّ
-
تَجوعُ الثقافةُ ولا تَأكلُ بثدييْهَا
-
رمزية الشاهين
-
ترانيمُ الصّدى
-
تقاسمُ الحِكمة
المزيد.....
-
فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل
...
-
“الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال
...
-
جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول
...
-
-فستان ينسجم مع لون عينيها-.. مريم أوزرلي تتألق بتصميم عربي
...
-
بائعة حلويات.. نانسي عجرم بالدانتيل الجريء وأحمر الشفاه الأح
...
-
بالفيديو.. فنان استعراضي يحول توقيع ميسي إلى وشم مدى الحياة
...
-
شقيقة ماثيو بيري تكشف الجانب المؤلم وراء زفاف تشاندلر ومونيك
...
-
بين الرواية الأمنية واتهامات العائلة.. غموض يكتنف وفاة شاب ب
...
-
بوتين يشيد بفيلم -ولادة الإمبراطورية- عن سيرة الإمبراطور بطر
...
-
بوتين: المسرح الروسي يحظى بمكانة خاصة وثقة الجمهور
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|