أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نورالدين حنيف - ترانيمُ الصّدى















المزيد.....

ترانيمُ الصّدى


نورالدين حنيف

الحوار المتمدن-العدد: 8850 - 2026 / 10 / 6 - 13:04
المحور: الادب والفن
    


• تمهيد:
"ترانيمُ الصدى" ديوانُ شعرٍ للمبدع المغربي "منصور الفلاحي" صدر عن وراقة "بلال" سنة 2024. فيهِ يهمسُ الشاعرُ لأذن الوعيِ الذاتي والإنساني خطابًا جماليًّا و يدعوهُ إلى معانقة فنِّ القيمة قبل اندحارِها و هزيمتها في مجالَيِ الإبداع و الوجود. ينتقل فيه الشاعر من إدانَة الآخر في تخلّيه عن عشق الجمال إلى التفاؤل بالآخر في هذا العشق، يلومُ في غير عتاب و يُشرِّح في غير إيلام، و ينتقد في غير تجريح. يمسك بالقضية داخل ترنيمة من ترانيمه الهادفة و يقدّمها أغنيةً جريئةً في الكشف والعراء.
• همسُ الترانيم:
ينتقل الشاعرُ بالمتلقي في جوقةٍ عارِمة من الترانيم، مدركاً بأن الصراخَ في وجه المخاطَبِ لم يعدْ يجدي نفعاً ، و أن الجمهور حالياً يحتاج إلى همس الترنيمة أكثر من حاجته إلى قرعِ الطبول بالنصيحة المفضوحة والفاضحة، أو بالتعننيف و الزعيق و الخطاب المباشر. و هنا مكمن الجمال في اختيار الشاعر اثنتيْنِ و خمسين ترنيمة يشنّفُ بها مسامع من له قلب و ألقى السمع و هو شفيف الروح و جميل الوجدان.
فمن ترنيمة العتاب للأحباب في رقّة، إلى ترنيمة التفاؤلِ بالغد، إلى ترنيمة النوستالجيا القابعة في التاريخ الشخصيّ للذات، إلى ترنيمة الحنين للأهل و الأصدقاء، إلى ترنيمة التغني بالطبيعة في تجلّيها المفعم و الإيجابي، إلى ترنيمة الوطن و الزمن و البحث عن النقاء في صيرورة الإنسان بعيدا عن أزمنة التعفن و العفن إلى ترانيم أخرى تتعدد بتعدد آفاق الرؤيا الشعرية لدى شاعرٍ في حجم الفاضل منصور فلاحي. و هي رؤية تتبنّى شمولية الطّرح لقضايا الإنسان في عميق التعبير الشعري المكتوي بلظى الجرح الفردي في تغنّي الشاعر بنار العشق إلى الجرح الجمعي ، و فيه همس الشاعر في أذن الزمان بقبح الجائحة و غلوائها وأثرها العبثي في صميم الأنام ...
و في هذا المسار الفنّيّ، يعجّلُ الشاعر بقرار الترانيم، في إعادةِ صوغِ الإنسان من حالات التخلّي عن عشق الجمال إلى حالات معانقة الجمال. والمدخل لاقتراف هذا الإبداع هو الترنيمة لا غير. ففيها أودعَ الشاعر أسْرارَ الحب و المحبّة و العناق الأبدي للإنسان في تجلّيهِ العام، لا في تناقضاته الهدّامة. و كأنّ الترانيم رسائل محلّقة في سماء القيم تُعلّمنا كيف نكون و مع من نكون وإلى أين ينبغي أن نصير في كينونتنا الإنسانية الممتازة.
• مكر الانزياح:
يصوغ الشاعر منصور عباراته الشعرية داخل قوالب مموسقة أخّاذة، يسعِفُها توظيفٌ ذكيٌّ لمجال الانزياح، في أفق تثوير العبارة والتركيب وإخراجهما من سطحية البداهة إلى عمق الإدهاش. فتكون البلاغة في الديوان خادمةً للمعنى و لفائض المعنى، و يكون الانزياحُ سيّد الموقف وهو يجترحُ الجمال في جلالِ المقامات الفنية والوجودية لهذه الكينونة المتأرجحة تأرجحاً سديمياً بين الذات المتكلمة و الذات المخاطبة.
ينفر الشاعر من التبسيط البلاغي الذي تبدو فيه العبارة سهلة المأخذ وقريبة المنال. و بالعكس من ذلك فالشاعر يرفع الانزياح لا إلى مقام الغموض و إنما إلى مقام المكر الأدبي الذي يحترم ذكاء المتلقي. فقوله مثلا ( قولوا لهم صُبحًا كنا فَأَمْسَيْنا...) إشارة ذكية إلى حالة الغياب دون التصريح بمفرداتها البائنة بينونة كبرى. ذاك أن الشاعر يؤمن بجمالية الصوغ الشعري، و قبل إيمانه بهذا فهو يؤمن بجمالية التلقي التي لا تقف عند حدود إمتاع المستقبِل ببلاغة الرسالة، و إنما يتجاوزها إلى احترام ذكائه في مكرٍ أدبي يترك للمتلقي هامشا من الاجتهاد في اجتناء المعنى والدلالة. من هنا انزياح المقول من حالة التشبيه التقليدية المضمرة في تخريج العبارة كالتالي ( نحن نشبه الصبح في الحضور و نشبه المساء في الغياب ) إلى تخريجٍ ذكيٍّ يختزل الكلام في لمحِ الإشارة بدل امتداد العبارة.
ومن مكر الانزياح عبر التجاوز لبلاغات التقليد إلى مكر الانزياح عبر امتطاء صهوة المسافة بين طرفي الصورة البيانية... فلننظر إلى قول الشاعر:
وتلك الأحلام طواها الزمـن
مجهضة بلا سَترٍ بلا كفَن
يصنع الشاعر في وعيٍ فنّي مسافة توتّر – على حدّ تعبير الناقد كمال أبوديب – بين مقولة الأحلام او بين مقولة الطي. فهذه الأخيرة تستدعي مفعولاً متشيئِّاً قابلاً لفعل الطيّ، فكيف تُطوى الأحلامُ، بل كيف يمارس الزمن هذا الفعل المادّيّ و الحسّي على غيرِ ممكنٍ يتّسمُ بالتجريد والزئبقية؟ فالأحلام المصنوعة من خيال، و الطيُّ فعل حسّيٌّ، فكيف يلتقيان؟ من هنا عبقرية الشعر حين يفتح المجال أمام اللاممكنات لتتحول إلى ممكنات لأن سياق الورود يتغير. فقولنا بالطيّ الواقع على الأحلام مستحيل في عالم الحقيقة، و هو ممكن جدّاً في عالم الخيال، و الشعر هو الباب الواسع لاستقبال العبارة في جنوحها المحلّق كيفما كان التحليق ومهما شطّ بعيداً في سماوات الهيولى.
و قِسْ على ذلك مسافةَ التوتّر بين الأحلام و الإجهاض. أي بين المجرّد والحسّي. و هذا المبحث الانزياحي الجميل متواترٌ في الديوان و فيه تتفجر شاعرية الشاعر و تنبثق قويةً و حاملة لممكنات الإدهاش الجماليّ.
و من مسافة التوتّر في تشكيل الانزياح ينتقل الشاعر منصور إلى خلق أنساق الانسجام في تركيب الانزياح، بحيث يحرص على استثمار الحقول الدلالية في تناغم مكوناتها. و الأمثلة كثيرة في الديوان و غزيرة نمثل لها بقوله:
وكل أحرفي سكارى
وقوافي ثملة حيارى!
و لا شك أن مقولة السكر و مقولة الثمالة تنسجمان أشدّ الانسجام وتحكيان معاً نسق هذا الانزياح الذاهب في البيان مذاهب التناغم اللطيف والمستميل لذائقة المتلقي كي يتفاعل أشدّ التفاعل مع الصورة في ذكاء تركيبها، وبهاءِ ترابطها و متين انشدادها بعضاً لبعض في علاقة بنيوية حريرية الصوغ... أنظر كيف خلق الشاعر انزياحيْنِ في واحد داخل بؤرة التناغم :
- تناغم مقولة السكر و الثمالة
- تناغم مقولة الحروف و القوافي
• الختم:
كانت هذه ورقة تعريفية تقدّم الديوان في عجالة لا تتغيّى مقاربة المتون في مستويات بنائها ، بقدر ما هي تقديمٌ يقرّب المتلقي من محاريبه . و حسبي في ذلك أنني قرأت ( ترانيم الصدى ) فوجدتُني أترنّم و أغني مع الشاعر منصور همّه الذاتي و همّه الجمعي في قصائد ارتأت أن تتقدم إلى القارئ في عباءات خضراء مموسقة تُخلِص لنسغ الرويِّ و القافية في تجانسهما ووحدتهما في كل قصيدة على حدة دون استثناء أو إغفال... ناهيك عن الإيقاعات الداخلية التي تتناسل من طبيعة التوازيات الرنّانة و التكرارات الوظيفية و الجناسات العميقة و الطباقات الفاضحة ، و غيرها مما يضفي على كل المتون الشعرية طابع الشاعرية المتقدّمة و الراقية و المصوغة في أطباق بيانية أقلّ ما يقال في حقّها أنها متون تُعانق الشعر القوي في تشكيله الممتنع على القبض إلا في حالة تسلّح القارئ بنصيبٍ من المباضع النقدية القادرة على فك شفرات المقول الشعري الـ ( الفلاحي ) و هي الشفرات التي تتلبّسُ بلبوس السهل الممتنع.



#نورالدين_حنيف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تقاسمُ الحِكمة
- الجسد يُنتج القيمة
- اِهْمِسْ كيْ أسْمَعَك
- اِهْمِسْ كيْ أسْمًعَك
- اِسْتِعارَةٌ مَائِيّة
- تأويلُ الجسدِ في فنّ الأيكيدو
- وِصايَة
- في الكذب السياسي
- كِتابةُ التشيّؤ
- شاعِرٌ قُدّتْ أنامِلُهُ منْ بَهْجَة
- كِتابةُ الْعَراء
- بين المحْوِ والنّسْيان
- بين الحق و الجمال
- الجسد العلماني
- مقدمة في قصيدة النثر
- شاعريةُ الجسد
- سيكولوجية الذاكرة الانتخابية
- الوهمُ عندما يكونُ صديقًا
- كِتابةُ الْموت
- كتابة الموت


المزيد.....




- -الموجة التاسعة- تستعيد بريقها بعد ترميم شامل في المتحف الرو ...
- وزير الثقافةوالسياحة: معركة استعادة الدولة لن تتوقف حتى تحري ...
- أكتوبر في الذاكرة الموسيقية: كيف صاغ الإبداع المصري عبور اله ...
- الشتات الفلسطيني.. كيف تحول الألم إلى مصدر للثقافة والمقاومة ...
- هوليوود تنقلب على عمالقة التكنولوجيا في موجة من الأفلام
- في مرادخاني.. كابل القديمة تروي حكايتها من جديد
- تكريم الأديبة أ. د. سناء الشّعلان في منتدى الفريق الإبداعيّ ...
- فيلم -Toy Story 5- مدبلجًا إلى اللهجة السعودية لأول مرة
- من غزة إلى اليمن.. حكايات عربية عن الحرب والبقاء في مهرجان ل ...
- مهرجان -أرابيسك-: ملتقى الموسيقى العربية في فرنسا


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نورالدين حنيف - ترانيمُ الصّدى