أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نورالدين حنيف - كِتابةُ التشيّؤ














المزيد.....

كِتابةُ التشيّؤ


نورالدين حنيف

الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 14:55
المحور: الادب والفن
    


كثيرٌ من كِتاباتِ الكاتبينَ والكاتِباتِ والكَتَبَةِ والكُتّابِ تعومُ في تركيمِ المفرداتِ و العباراتِ خارجَ الطّلاوة و الخيال. سواءٌ تعلّق الأمر بالشعر أو النثر، بالمُعْربِ أو بالعاميّ و الزجليّ... و يظنّونَ أنهم يبدعون في جنس أدبيٍّ لا يكونُ إلا بالخيال. فيسقطون في محابر التشيُّؤ و هم يغرفون من معينِ اللغة ألفاظها المعزولة عن ظلالِها. فيقدّمونَ نصوصاً ميّتة حنّطَتْها الرغبةُ في الظهور و الانتشار و الشهرة، و قضتْ على عمق الانتماء إلى هذا الجنس الأدبيّ أو ذاك. يمدُّ في غيِّهم نقادٌ هم أقْربُ إلى دكاكينِ الصّيْرَفيِّ منهم إلى النقدِ الكريمِ في تجرّدِه الأكرم.
و الطّامّةُ تستفحلُ كلما طبّل لهؤلاءِ المُطبّلون و صفّق لهم المصفقون في منابرَ عامرةٍ بكلِّ شيءٍ إلا الإبداع. يحذوهمُ في ذلك المسارِ المعطوبِ شغفٌ أكثر عطباً في الظهور بمظاهر المنافحين و الذّائدين عنِ الثقافة و المثقّفين، فيما الثقافةُ منهم بريئةٌ مثل ذئبٍ نزحَ من قصّةِ يوسف عليه السلام.
و التشيّؤُ أنواع، و أبغضُهُ إلى الإبداعِ تشيّؤٌ يستدعي الكلامَ باسمْ الفنّ، فيما هو تركيمٌ قاصرٌ لأجساد اللغة بدون هوية. و هويةُ لغةِ المبدعِ التي تميزه عن غيره و تحطّهُ في قمم الإنجاز الأدبي هي الخيال. فلا كتابةَ لكَ إن لم يكن لديكَ خيالٌ يسبح بالقارئِ في عوالِمَ إدهاشيةٍ غيرِ العوالمِ التي يعيشُ فيها. القارئُ يعرفُ أن البيضة من الدجاجة، فلا حاجةَ له بتذكيركَ إياهُ في كتابتك بهذه المعلومة. القارئ يتنظر منك أن تُزوْبِع مقولة الواقعِ في قبضتِكَ الأديبة كي تشعّ في قبضتِهِ المتلقية. القارئُ سينبهرُ إذا أسندْتَ البيضةَ إلى الدّيكِ ، لأنه سيحترمكَ ما دمْتَ قد عانقْتَ فكرةَ الخيالِ و دعوتَهُ إلى تقاسمِ هذا الخيالِ بغضّ النظر عن صوابِ أو خطأ المقولة، لأن مقاييس التقييم هنا خرجتْ من قبضة المنطق الّذي يؤمن بمقولتي السبب و النتيجة إلى مقولات أخرى لا تقبل التسييجَ أو المعيارية التي تقبعُ في أذهاننا المبنية منذ القدم.

التشيّؤُ في مجالِ الإبداع، يقصّ أجنِحَة الكاتب، فيحرمُ ذاتَه من نعمةِ التحليق، و بالتالي يحكمُ على إنجازهِ بالحومِ السفليّ القريب من الأرض، و من الواقعِ الّذي لو خيّرتَ القارئ فيه بين التصوير و التخييل لاختار الأخير، لأنه مقتنعٌ شديد القناعةِ أنّ الآلةَ الفوتغرافية تمتلك قدرةً خارِقَة على نقل الواقع كما هو بدون أجنحة. القارئُ لا يرغب في تكرار المشهد الذي تقدمه أنت خالياً من مسحةِ الخيال، في أطباق لغوية ناشفة من الطلاوة. و نحن لا نستيقظُ صباحاً كي نتكرر و نعيدَ في غير نهاية نسخة الأمس، و كلٌّ منّا يرغب في يومٍ جديدٍ يعانق فيهِ تحوّلاً كيفما كان نوعه، و تغيّراً مهما كان حجمه، فلا حاجةَ لنا بك أيها الكاتب لتكرر فينا نفس المشهد، و نفس النسخة و نفسَ العالم و أنت تشيِّؤُنا بإنجازك اللغوي الباهت في المزيدِ من الشبَهِ و التكرار و الرّتابة، بنسختكَ المسطَّحة و الخاوية من كل وثوب أو اندفاع.
يقتل التشيُّؤُ الخيال و التخيّل و التخييل، و يفتك بالانطلاق و التجنيح و التسيّبِ الباني، و يحوّلنا في كتابات هؤلاء المدّعين أدباً إلى كائناتٍ بليدة تتمثّلُ الأشياءَ كما هي في الواقع، فتحرمنا من أبسط حقوق التلقي وهي الاستمتاعُ بالاحتمال. و تعوقُ دخولنا في أزمنة الإبداع و عوالمه الغريبة و المدهشة. تمنعنا من توسيع إدراكاتنا و و تمثّلاتنا و استيهاماتنا، و تطلب منّا أن نلوكَ مثلَها و نجترّ مثلَها و نهضمَ مثلَها، في غيرِ استلْذاذٍ أو لذّة، و في غيرِ إعْمالٍ مستقلٍّ و حرٍّ لفكرنا و لعمقِنا و لشخصيتِنا الرافضة لعمليات الاستنساخ.
هي كتابةُ التشيُّؤِ خطيرةٌ و شديدةُ الخطر، لأنها تتلبّسُ بلبوسِ البسيط و السهل الممتنع، فيما هذا الأخير براءٌ منها. و هي في دوغمائيتها المُغْرِضَة تتدثّرُ بهذا الشعار، فيما هو فلسفةٌ عميقةٌ عند أهلها الذين يعقلون مقولة ( السهل الممتنع ) عقلاُ إيجابياً و متناسلاً و ولّاداً... و يفهمون منه و فيه أن اللغة السهلة في انسرابها لا تعني التنازل عن حقّها في التخييل. و السهولة هنا مشروطة بالتمنع، و التمنع لا يتأتّى في المباشر و التقريري، بقدر ما يتأتّى في المتخيل و المُجنّح. التّمنّع مرحلة قصوى في الإبداع، و منظوق الكلمة يرقى بالسهل من قبضة الخطاب اليومي الذي يجترّ ذاتَه داخل البداهة الرتيبة، إلى آفاقِ التعبير المحلّق و البعيد الذي ينقلنا من حالاتِ الشبه إلى حالاتِ التنوع و التعدد و الاختلاف و العجيب و العجائبي و الغريب و الغرائبي و ما شئنا من سماوات التحليق في منظومةٍ كُتِبَ عليها أن تكون إبداعاً لا أن تكونَ اجترارا و تقليدا للواقع.
أيّها الكَتَبَةُ القابعونَ في سراديب البداهةِ و الشبه، لا تُشيِّؤونا في عجزكم اللغوي عن مطاولة سماوات الخيال و التخيّل و التخييل. اذْهبوا بنا بعيداً إلى هناك، حيث الفضاءاتُ الممكنة و اللاممكنة، و حيث نجتني معكم قطافاً يليق بصعودنا، أو اتْركونا في حالِنا نبحث عمّنْ ينقُلُنا إلى الدهشاتِ الغابرة. فالواقعُ قد أثقلَ صدورَنا بسطحيتِهِ المقيتة، فلا تزيدونا تسطُّحاً و تشابهاً وتكرارا... و جزاكم اللهُ عن الإبداع خير الجزاء.



#نورالدين_حنيف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شاعِرٌ قُدّتْ أنامِلُهُ منْ بَهْجَة
- كِتابةُ الْعَراء
- بين المحْوِ والنّسْيان
- بين الحق و الجمال
- الجسد العلماني
- مقدمة في قصيدة النثر
- شاعريةُ الجسد
- سيكولوجية الذاكرة الانتخابية
- الوهمُ عندما يكونُ صديقًا
- كِتابةُ الْموت
- كتابة الموت
- السياسة لا تقبل الفراغ
- الشيطانُ كائنٌ وسيم - قصّة


المزيد.....




- كيف حوّلت فنانة سورية عمارة دمشق القديمة إلى أزياء رقمية؟
- خبيرة روسية تسلط الضوء على جهود صون التراث الثقافي غير الماد ...
- استمرار ترميم أكثر من 500 موقع تراثي في موسكو ضمن أكبر برنام ...
- تايلور سويفت تتربع على عرش جوائز -إم تي في- برقم قياسي جديد ...
- -صفوف الغيتو-.. دورات اللغة تتحول إلى فخ لرسوب أبناء المهاجر ...
- -سويوزمولتفيلم- الروسية تواصل تسويق رسومها المتحركة عالميا و ...
- نجمة هوليوود مونيت مازور تواجه 3 لصوص ملثمين في منزلها الفاخ ...
- تربية نينوى تصقل مواهب المعلمين الأدبية بورشة تخصصية في الشع ...
- الفن يمنح أطفال غزة وشبابها مساحة لاستعادة ذواتهم وسط دمار ا ...
- بعد 4 سنوات من طعنه.. الكاتب سلمان رشدي يكشف في فيلم وثائقي ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نورالدين حنيف - كِتابةُ التشيّؤ