أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نورالدين حنيف - الوهمُ عندما يكونُ صديقًا














المزيد.....

الوهمُ عندما يكونُ صديقًا


نورالدين حنيف

الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 15:49
المحور: قضايا ثقافية
    


دلّتْ مفردة الوهم في لسان العرب على خطرات القلب، من (توهم الشيء: تخيله وتمثله، كان في الوجود أو لم يكن، وتوهمت الشيء وتفرسته وتوسمته وتبينته بمعنى واحد) ومن ثمّةَ دلّتْ الكلمة على كلّ تصوّر مشوّه للواقع الموضوعي، أو كلّ اعتقاد مغلوطٍ ينحرف فيه التفكير عن الموضوع.

لحدّ الآن تتبدى لنا الصورةُ قدحيةً، تضع الوهم في قفص الإدانة التي تشجب كل رؤيةٍ تبنّت الوهم أداةً للإدراك. إلّا أن الأمر ليس كذلك دائما، لأن الوهم في تحديدٍ آخر هو آليةٌ تصويريةٌ مرنةٌ تمتلك القدرة على حمايتنا من الفراغ. وبالتالي فالوهم لعبة تُنسينا الواقع بصرامته المعهودة، وتستغرقنا في بناء واقع آخر نستعذبه ونستلذه ونعيشه أحيانا بكل قوانا الممكنة. والغريب في الأمر أن المفردة في اللغة اللاتينية تأتي من أصل (illusorius)، ومنها نسلتْ كلمة (illudere) المرتبطة باللعب.

أحيانا كثيرة نكتب الوهم، لا في تجلياته الكاذبة المقابلة للواقع الموضوعي، ولكن في تجلياته الكاذبة المؤسسة على المخيال المجنّح، كلعبة نُهرِّب عبْرَها كل الضغط المثقِل لإنسانيتنا، وفي هذا التهريب نروم أن نثبت لأنفسنا ولغيرنا أنّ سؤال الوهم ليس دائما سؤالَ الهامش الملغي من ثقافاتنا العالمة، بحكم توجّهه العائم والمتنصل من علامات الصرامة وشروطها. فقد يكون الوهم/ اللعبةُ، سؤالاً فلسفيا أو على الأقل سؤالاً مبطناً بشيءٍ من الفلسفة ما دام يقوم على عنصر الخديعة والمواربة في مفهومها المشاكس والمستفز للبداهة الصامتة، والقابعة فينا أركيولوجيا، تحفر فينا قوانينها المسطّحَة حفراً دؤوبا لا يكلّ ولا يملّ من تقديمنا على موائد الواقع أطباقاً نمطية تشبه إلى حدّ كبير أطباق الهامبرغر في تركيبها البائن.

والخديعة التي تقوم عليها لعبة الوهم لا نستحضرها في معناها البسيط المرتبط بالمخاتلة، ولكن نستحضرها في بعدها الفاتك بالرتابة والشبه والتكرار والتسليم العادي بالحقيقة. الوهم يفتح لنا آفاقا مشرعة الأبواب على إمكان معارضة ما هو بادٍ لنا تسليما وتقليدا ووراثة أنه الحق والحقيقة. الوهم يعطينا، على الأقل، فرصة غير مسبوقة لإعادة بناء النمطي الرتيب بناء جديدا، يُفلسِف رؤيتنا للماحول، أو على الأقل يلاعبها ويداعبها في صرامتها الجادّة وفي جدّها الصارم، ويعطيها أبعاداً وجودية غير تلك التي تقيسها الأقانيم الأربعة.

نكتب الوهم لا هروبا مجانيا، من سطوة الواقع وسلطانه، ولكن نكتب الوهم تهريبا لأحلامنا من أن يئدها تغوّل هذا الواقع.

نكتب الوهم لا في قشرته السطحية التي ترتبط بتمثلات الدهماء للوهم باعتباره ضدّاً للحقيقة، وباعتباره عيشاً رخيصاً في السراب… نكتب الوهم باعتباره طريقة جديدة وخاصّة وذاتية بامتياز، في تمثل الموجودات خارج المساطر التي أوجدتها وقنّنت لها المسير داخل معاييرها.

نكتب الوهم باسم الإبداع، فكل موهومٍ يُعتبر خلقاً جديدا، وخرقاً لنواميس الظاهرة في تجلياتها الطبيعية والعلمية المسيّجة بالرؤية الدقيقة لكل عناصر هذه الظاهرة ولكل تفاصيلها الممكنة. تتحول الظاهرة الموضوعية في عرف كاتب الوهم إلى ظواهر متناسلة خارج شرط الحقيقة، أي داخل شرط الخيال. أنظر مثلا كيف تعامل الشعراء مع سقوط التفّاحة وكيف أوّلها إسحق نيوتن، تجد لأسئلةِ الوهم أجوبة كافية شافية.

لا نستطيع أن نستغني عن الوهم في عملية الكتابة إذا كان شكلا من أشكال الفن، لأننا نحتاج إلى إشراطاته وإملاءاته من أجل الاستمرار في الكتابة/ الوجود. من هنا نفهم طبيعة استقبال نيتشه لمقولة الوهم باعتبارهِ معارفَ أنتجها الإنسان انسياباً مع رغبته اللاشعورية في البقاء، أو باعتباره شكلاً من أشكالِ الفن التي تحول دون موتنا: (لقد اخترعنا الفن كي لا نموت من الحقيقة – نيتشه).
***



#نورالدين_حنيف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كِتابةُ الْموت
- كتابة الموت
- السياسة لا تقبل الفراغ
- الشيطانُ كائنٌ وسيم - قصّة


المزيد.....




- -بوسة حمرا-.. نانسي عجرم في لقطة عفوية مع زوجها فادي الهاشم ...
- أزمة النفط.. هاجس ترامب بإيران وأوكرانيا
- الاتحاد الأوروبي - كندا: تصفيق حار لمارك كارني في البرلمان ا ...
- السودان.. ارتفاع حصيلة انهيار منجم ذهب في غرب كردفان إلى 82 ...
- بعد تصريحات كاتس.. الرئيس المصري يؤكد لمحمود عباس رفض تهجير ...
- مستقبل المسيّرات بعد حرب إيران.. هل تنهي خسائر -ريبر- عصر ال ...
- إجراءات أمنية استثنائية تواكب زيارة نتنياهو إلى نيويورك.. وم ...
- بعد حظر -ستارلينك- .. هل يصبح -راسفيت- سلاح روسيا الفضائي؟
- 25 عاما خلف القضبان.. محكمة تقضي بسجن رئيس كوسوفو السابق هاش ...
- -ممنوع الجلوس-.. فيديو لبكاء فتاة عاملة يثير جدلا واسعا وتدخ ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نورالدين حنيف - الوهمُ عندما يكونُ صديقًا