نورالدين حنيف
شاعر و روائي و ناقد و فنان تشكيلي
(Noureddine Hanif)
الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 12:02
المحور:
الادب والفن
- تمهيد:
وجدتُ في هذه الزجلية المحلّقة شيئاً غريباً غرابةَ إدهاشٍ في عالم الشعر الباني أنساقَهُ داخلَ الإبداعِ اللّهجيّ باللسان اللّهْجِي. و يتعلّقُ الأمر بقصيدة الزجال المسفيوي (يوسف أسكور) النازح من جِدّة و جودةِ الكلام، الحامل لرسائل فنية إلى أهل الكلام، أنِ اقترِفوا الجمال في محاريب الجلالِ و لا تُهينوا الحرف العاميَّ بالزَّجِّ بهِ في لغطِ الكلام.
و الأمرُ هنا بائنٌ أن الزجال يوسف يدركُ عمقَ أن يكونَ المرءُ زجّالاً، كما يدركُ عقْمَ أن يتحاملَ المرءُ على الزجلِ في وهمِ تسطير جملتينِ أو ثلاثة تعيش سرابَ الشعرِ فيما الشعرُ منها براء...
القصيدةُ الزجلية اختارتْ لذاتِها عنواناً حاملاً للاعتراف الإبداعي و الوجودي في جملة قويّة الرنين ( أنا لي خنتْ لغْرامْ).
- مشاكسةُ العتبة:
و عادةً ما يكون فعل الخيانة مُسنداً إلى كائن بشرِيّ تتم خيانته أو تصدر منه الخيانة، لكن صياغة العنوان هنا انزاحتْ إلى تركيب عامر بالدلالة. (خنتْ لغرام) حيث وقع الفعل على مجرّدٍ هو الغرام. و المسألة أكبر من تصوّرنا المُعتقلِ داخل البداهَة التي ترى في الخيانة فعلاً مذموما و قبيحا و مرفوضاً من جهة الدين و القانون و القيم... و ربّ قائل إن العبارةَ ( خنتْ لغرام) عبارة عادية و مستهلكة، أقول: إنها عبارة انزياحية غائرة في فنِّ الدلالة. فالخيانة المسندة إلى مخونٍ بشريّ قابلة أن تتحول إلى صلحٍ عبر تجاوزِ المخون زلّةَ الخائن، و لكن العبارة هنا ألحّتْ على إلصاق الفعل بالغرام. فأنتَ إن تمّتْ خيانتُك فلك أن تُعاقب أو تغفر. و لكن الشاعر الزجال يوسف ألقى بالأمر بين يدي الغرام الذي لا يغفر، و لا يتجاوز، لا لأنه بعيدٌ عن قيمِ الغفران و التغاضي و التجاوز و طيّ صفحة الماضي، و لكنْ لأنه كائنٌ مجرّدٌ يدخل في إطار القيمة، والقيمةُ تسجِّلُ الفعل في خاناتِ الذّاكرة و خاناتِ الزمان، و من ثمّة فلا قِبلَ لنا بمحو ما تمّ فعلهُ و اقترافهُ في حق الإنسان و في حقّ القيمة. الأمر أكبرُ من سلوكٍ يمسّ طرفاً صدق في ظنّه و آخر خانَ الظن، الأمر تجريدي يلقي بظلاله الوارفة على كينونة تدركُ كم هو جليلٌ هذا الغرام، و كم هو صفيقٌ ظلمُ هذا الغرام.
- اشتغالُ الفضاء:
الزجل عالمٌ من الإبداعِ لا يقترفه إلا متمكّنٌ من المعنى و من فائضِ المعنى، و متمكنٌ من مغازلة اللهجةِ في تحليقها بعيداً عن لغة الخطاب اليومي. و القصيدة هنا حمّالةُ أوجه، و من محمولاتها البديعة أن الشاعر الزجال يوسف لعب لعبة الفضاءات في تمرّدها عن المألوف. فقوله ( سدْ الخوفْ) استعارة تستحضرُ مكوّنَ البابِ في غيرِ ذكرٍ للباب. و هذا من مشوِّقات البناء اللهجي العامر بالجمال. فالخوفُ في منظور و من منظور الزجال يوسف باب مفتوح على مصراعيْهِ، لا ينغلق أبداً إلا بقرارٍ شجاع. لأن الخوف ظاهرةٌ نفسيةٌ ولّادة، تستدعي الخوف المنتاسلَ في انثيالٍ مستمر إذا ما وجدتْ خائفاً ضعيفاً جدّا. و الخوف هنا في سياق الزجلية أمرٌ عميقٌ لأسباب: منها أن المخاطب بإغلاق باب الخوف هو العشقُ لا المعشوق، و في هذا التركيب نزوعٌ بديعٌ نحو رفض المتشيِّئِ في رسم دلالات الخطاب الزجلي اللهجي المسافرِ في غرابة الجمال.و هنا يحدثُ انسجامُ الفضاء (الباب) مع المخاطب ( العشق) مع الظاهرة (الخوف)... فتنتفي في العبارة أبعادُها المتشيِّئة لتحلّ محلّها الأبعادُ المجرّدة القابضة على فائضِ المعنى. فنكون أمام التأويل التالي:
لا وجود للخوف إذا حلّ العشق
و الدليلُ على افتراضنا هذا هو انسيابُ الكلام في السطر الثاني الذي يعضد البعد الفضائي في قول الشاعر (شْراجمْ السمعْ فِيَّ)... فالبابُ يستدعي النوافذ و هما يستدعيانِ معاً الفضاءَ المُختزلَ تعسُّفاً في تصورنا داخل غرفة أو ما شابه ذلك. لكنّ الأمر أبعد من هذا الاختزال، و أبعد من تسييجٍ بديهيٍّ للمعنى في إطار ضيق. و بالتالي فالذاتُ هي الفضاءُ لا الفضاء في مفهوم الحيّز و المكان. و هكذا الزجلُ عندما يلقي بظلالهِ الجمالية على الأجسادِ و يحولُها إلى فائضِ المعنى و إلى أبعد من فائضه. فالأصل في الكلام هو الكنايةُ لا العبارةُ المفضوحةُ في تلابيت المعنى.
- لعبة الأزمنة:
تشيرُ الزجلية فيما تشيرُ، إلى وجود الآخر مجسَّداً في الأنثى (رَبِّيتكْ في قفز الخاطر ابْنِيَةْ - وهَمْ فراقك مازال فيَّ حاتل) متعيِّنَةٍ في مفردتيْ (ابنية و كاف المخاطبة في كلمة فْراقك). و هذا مدخلٌ دلاليٌّ يتحول من المكان (قفْزْ) إلى الزمان (مازالْ).و هذه إشارة قوية الحضور الإبداعي من الزجال يوسف، الذي يداعبُ فكرة الزمان في تشعّبِها الجميل الماضِي في تشعبه إلى نحوٍ منسجم أشدّ الانسجام، في اتّجاهِ التصريح بالمقولة في عموميتها الأبعادية (بعتك لحر الزمان بالنِيَّةْ) حيث تقرر الذات تفويضَ أمر هذه الأنثى إلى سلطان الزمان، طلباً للإنصاف و العدل.
و في هذه المحطة الدلالية و في غيرها لا تهمّنا تيمات الحكي الزجلي بقدر ما تهمّنا طريقة صوغ الزجال يوسف لهذه التيمات. فالزمان هنا لا يحضر كبعد فيزيائي قابل للتحيز داخل فعل التحقيب، إنه انزياحٌ نفسيٌّ يتدرّجُ من حالة عائمة (مازالْ) إلى حالةٍ مقولية (الزمان) إلى حالةٍ جزئية (الليل) إلى حالة الديمومة الواخزة (ليّامْ)... هذه الأخيرة صرّح فيها الشاعرُ و بطريقة سيميائية قاهرة عن أوج الاعتمال الضارب في نفسه مضرب الأثر الباقي بقاءً وجوديا يكادُ يتاخم الأزل، و عبارة الوشم أشدّ تدليلاً و برهنة. قال الشاعر (ديك ليام الواشمة فيها شوفتنا - مازال كتزورني في كل حلمة).
- في الصوغ الزجلي:
اختار الزجالُ يوسف أسكور الإبداعَ على صهوةِ اللهجة المحليّة، على اعتبار أنها صهوةٌ قادرة على استيعاب الذاتِ و الموضوعِ في تجلّياتهما المفارِقة. و هي اللهجةُ الماتِحَةُ أصولَها من قلبِ (المرڭد العبْدي) في توجّهٍ إرْساليٍّ لا يُغرِقُ في المحليةِ و لا يجرى خلفَ المفرداتِ الغابرة في ترابِ الحزام الجغرافي الضيق. إنه شاعر يدركُ بعمقٍ رسالة الزجل، لهذا وجدناهُ ينتقي من اللهجةِ ما يتسمُ ببعض الشمولية في الخطاب، حيثُ يكادُ الوجديُّ و الحسّاني و ابن الشاوية و أهل الشمال و الجنوب التفاعلَ مع منطوق الزجلية التي تمثل الشجرة و هي تُخفي غابة زجله قاطبةً...
من هنا عبقرية الزجل حين يُطوّعُ اللغةَ لا حين يأسرُ ذاتَه في اللغة. و مثال صاحبنا يوسف ينطق واضحاً ببعض رسالات الزجل في توجّهٍ يوسّع من رقعة التفاعل و الانتشار.
و ربّ قائلٍ إن الزجال هنا يبسّطُ البناء اللهجي، و يُخشَى عليهِ من السقوط في الابتذال. نقول: إن الصوغَ هنا أبعد ما يكون عن السهل المتناول و الذي يُبيحُ ذاتَه للقارئِ في مجانية خاوية. الزجالُ يوسف من الشعراء القلائل الذين يمتلكون القدرة على بناء القصيدة داخل السهل الممتنع، امتناعاً طافحاً بالشاعرية أو بالشِّعرية، أي عامراً بأدبية النص و أيضا باستيطيقا النص. من هنا نسلتْ انزياحات القصيدة الزجلية هادئةً و عميقةً و ناطقةً خارج البداهة و الرتابة و المألوف.
و الأمثلة وافرة هنا بحيث لا يخلو سطرٌ زجليٌّ من انزياحٍ ذكي يمكر بأذنِ المتلقي في احترامٍ جليٍّ لأبعاد العبارة و دلالاتها الماسكة بالمعنى و فائض المعنى على حدٍّ سواء.
خذ مثلاً قوله: سد الخوف – شْراجم السمع – قفز الخاطر – الهمّْ الحاتلْ – بعْتكْ – خنجر الشمتة... و لو تتبعنا هذه الانزياحات لوصلنا إلى حقيقةٍ أدبية هي أن الزجليةَ في كلّها و جلّها انزياحٌ كبير، حمّالٌ لكثير من الجمال:
- قفز الخاطر: انزياحٌ دالٌّ على ضيق الخاطر عبر اختيار فضاء استيعابٍ هو (القفز-القفص) الذي لا يتسع لطائر في حجم قبضة اليد. و الشاعر هنا قد حوّل الفونيتيك الثاوي في صوت الصاد إلى فونيتيك الزايْ، في اختيارٍ ذكي للعلامة الصوتية القابعة في الوجدان الشعبي المغربي و هي التي تعبّر بشكل قويّ و واضح عن المعنى أكثر من الصاد، و تمارس تأثيرها المناسب الزجلي على المتلقي.
- خنجر الشمتة: و تبدو في العبارة آثارُ الطعنة من خلال ربط المسند (الخنجر) إلى المسند إليه (الشمتة) في توجّهٍ انزياحي بياني يستفيد من مسافةِ التوتّر الحاصلة بين محسوس هو (الخنجر) و مجرد هو (الشمتة) حيث يلتقيان في برزخ التصور الفنيّ للشاعر. فالزجالُ يوسف ردمَ المسافة بين المسند و المسند إليه في وعيٍ فنيّ يقتضي المضيَّ بالقارئ و المتلقي إلى أبعد حدود الإحساس بحالة الغبن أو (الشمتة) فاختار هذا الانزياح الماكر بآذاننا و هو يهدم المسافة الماهياتية بين مختلفين و يلقي بهما في إطارِ تجانسٍ أدبي موسوم بالبناء الزجلي الجميل. فكانت العبارة أشدّ تعبيراً عن إحساسنا ب(الشمتة).
- وخيالك يمشطها بريق الكلمة: يُظهرهذا الانزياحُ كم هو ماكرٌ هذا الزجالُ يوسف بذائقتِنا مكراً أدبياً مشروعاً يمضي بالإدهاش الصوغيّ الزجليّ أيما مذهب. فمفردة (خيالك) تعوّضُ مفردة (وجودك) وهنا لعبةُ الاستبدال الدلالي على محور الاختيار في استنطاقٍ سيميائي غير مقصود من الشاعر و مقصود من جهتنا داخل الحق الأدبيّ في التأويل. فحضور المعشوقة جسداً هو أمر مألوف في التعبير الشعري، و لكن حضورها خيالاً فأمرٌ طريفٌ لا من باب الاستعمال المشترك الذي طبخه الشعراء طبخاً، و لكن من باب قوة الخيال في ممارسة الضغط على الذات المتكلمة. و الخيال هنا حاضر في الفعل و في القوة (يمشطها) و الهاء تعود على الحلمة أو الأحلام في السطر الزجلي السابق. و بماذا يمشط الخيال أحلامَ الذات؟ إنه يمشطها بمادة زئبقية التجلي في المعنى. و إذا طرح الزجال يوسف العبارة في مفردة (بريق) المكونة من حرف جر هو (ب) و اسم مجرور هو (ريق) أي الرضاب و اللعاب النازح من ثغر المعشوقة، فلنا نحن القراء تأويلات أخرى في مضمار الانزياح المتعدد، بدلالتيْن أو أكثر، منها دلالة اللفظة على البرق في جهة التصغير (بْرَيّقْ) فيكون المعنى أو فائضه دالاًّ على لمعان الكلمة من ثغر المعشوقة. و منها دلالة اللفظة على الإناء في حالة التصغير (إبريق – بْريّقْ) فيكون المعنى أن ثغر الحبيبة سائلٌ بإدهاش الكلمات مثل إبريق حليب...
و لو تتبعنا تراكم هذه الانزياحات في جماليتها الدالّة لما أسعفنا مقام هذه الصفحات، و حسبنا من ذلك التمثيلُ لبلاغة الزجلية المسافرة في الجمال، لا حصر مظاهره المتعددة و المتنوعة.
و مما يضفي هالاتِ الجمالِ على القصيدة انسيابُها داخل إطار صوتيٍّ مُمَوسقٍ مثيرٍ و أخّاذ. و من مظاهر هذا المستوى الصوتي نذكر وحدة الأروية في مثال: (باطل – حاتل – قاتل) و مثال (ابنيّة – النيّة) و مثال (دْموعْ – رْجوعْ – الطّوعْ) ... مما يضفي على الزجلية إيقاعاً آسراً لأذن المتلقي أسراً جليلاً يستدعي فيه تشنيفاً، و فوق التشنيف إدراكاً للمقصود في المعنى و الدلالة.
- ختمٌ:
الشاعر الزجال يوسف أسكور أكبر من أن نختزل إبداعه في عبور قِرائيٍّ يقارب جانباً من عالمه الإبداعيّ، و قد نكون جانبْنا صواباً في إغفالِنا بغير قصدٍ جزءاً مما يمكن أن يكونَ أساساً في القصيدة، و شفيعُنا في هذا و ذاك أننا ناوشْنا الزجلية و شاكسناها في انتظار قراءة أخرى أشدّ إحاطة بعالمٍ هيولانيٍّ و جميلٍ في حجم إبداع هذا الزجال المختلف.
***
المتن الزجلي:
انا لي خنت لغرام - للزجال "يوسف أسكور"
...
سد الخوف ياعشقي
شراجم السمع فيَّ
وخلا السكات يشهد باطل
رَبِّيتكْ في قفز الخاطر ابْنِيَةْ
وهَمْ فراقك مازال فيَّ حاتل
بعتك لحر الزمان بالنِيَّةْ
وخنجر الشمتة سَمُّو كان قاتل
ياعمري
ياعمري
قلة عقلي دَوْبَتْ عنايتي
في تالي الليل ادموع
تهت في ادبال دروبو
ونسيت طريق الرجوع
عشقت لهبال وحروفو
عاندني ما اعطاني الطوع
ياعمري
ديك ليام الواشمة فيها شوفتنا
مازال كتزورني في كل حلمة
انا نگول غير زغبة من لحلام
وخيالك يمشطها بريق الكلمة
ضفيرة وطوالت لحد لحزام
ؤ مقص لفياق من جناب مضمة ..
قطعها واقطع انعاسي .
خلاني وحدي نقاسي
نبكي ونگول
انا لي خنت لغرام
انا لي خنت لغرام
#نورالدين_حنيف (هاشتاغ)
Noureddine_Hanif#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟