أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نورالدين حنيف - التشاكل الصوتي نسق النون نموذجا















المزيد.....


التشاكل الصوتي نسق النون نموذجا


نورالدين حنيف
شاعر و روائي و ناقد و فنان تشكيلي

(Noureddine Hanif)


الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 14:02
المحور: الادب والفن
    


تمهيد :
لا نعتبر ديوان (قطاف خارج الموسم)* للشاعرة المغربية (زهراء الأزهر) إضمامةً من القصائد الهاربة من أتون الوجدان إلى آفاق التوثيق و النشر و السياحة الثقافية، بقدر ما نعتبره مشروعا فنياً تقترف فيه الشاعرة أعلاهُ فنّ الجمال داخل منظومة إبداعية تعجّ بالإشكالية، هي منظومةُ قصيدةِ النثر. تقترف الشاعرةُ هذا الفنّ برؤية خاصّة تتدرج عبر ثلاثيتها الإبداعية في إصداراتها: (رعشةُ يراع - في ظل كلماتك فقط - قطاف خارج الموسم.) و البقية تأتي.
و هذا التدرج لا يراكم الدواوين في خزانة الشاعرة من أجل تحقيق كمٍّ نرجسي في رفوف المكتبة المغربية الكبيرة بقدر ما ينبني في مفكّرتها كسيرورة دينامية و كصيرورة متحوّلة. الأولى تفيد الحركية في بوصلة الشاعرة الملتطقة باستمرار إمكاناتِ الإدهاش الإبداعي، كي تبعد مشروعها الفني عن آفة السكون و الستاتيكية. و الثانية تفيد الرغبة العارمة في التحول داخل الحساسية الشعرية الفردية و الجمعية في نفس الآن، و التي تراقبها الشاعرة كوليد تخشى عليه من الشبه و التكرار، وذلك في أفق واعد تصنع فيه الشاعرة قدر إدهاشها الممكن واللاممكن.
قد قلنا الممكن إشارة إلى إمكان القبض على الشاعرة (زز) داخل كماشات القراء ثم النقاد. و قلنا اللاممكن إشارة إلى شِعرها الآخر والقابع في سيمياء التأويل حيث يصبح المتلقي جزءاً من هذا المشروع و هو يُغْني النواة - الأصل بمزيد من الإنتاج الأدبي في سياق (القطاف) عبر رؤىً غيرية متعددة.
• المقاربة :
أ – قراءة في الإهداء :
كتبت الشاعرة (ز ز) في مطلع ديوانها ما يلي:
(كلمة لابد منها: إني حرمت الصمت على نفسي و جعلته بين أسطري محرّما) * - الديوان ص 3 .
ترفض الشاعرة مقولة الصمت و تشجبها و تدينها على اعتبار الصمت حالةَ ظلم أكثر منه حالة موقف. و هي ترسل هذا البيان في إهدائها على ناصية الديوان إعلاناً واضحا ترغب فيه عن التسمية الرتيبة (إهداء) وتحوله إلى (كلمة لابدّ منها). و كأن الأمر يتعلق بحالة نفسية مضغوطة لا تجد الشاعرة بدّاً من إخراجا و الصدح بها .
و في هذه الكلمة الهامسة تناصٌّ مع الحديث القدسي " يا عبادي، إني حرَّمتُ الظلمَ على نفسي وجعلتُه بينكم محرَّمًا... " 1*.
و الشاعرة لا تقدم بهذا التدبيج ديواناً صامتا ً و مغلقا على ذاته. بل هي تقدم نقيض الصمت الذي نعتبرُه في هذا السياق تاريخا من الاختفاء والتواري خلف شتّى أنواع السلطة الضاغطة على صوت الأنثى عبر التاريخ. من هنا جاءت فكرة تحريرالأسطر الدالة مجازياً في جزئيتها على الكل، أي على الشعر. في أفق الإرهاص عبر ناصية الإهداء للخروج من حالة الخوف و السكون و الظل إلى حالات الأمان والحركية و الحضور و الفعل، و ذلك عبر ناصية الإهداء .
و في عمق التأويل نقول: إن الشاعرة في هذا التناص مارستْ مكرا مشروعاً إذ امتطت صهوةَ الكينونة المتسامقة في شخص الذاتِ باعتبارها كائناً متعالياً و متحكماً في نواصي إبداعه. و هذه صورة مستفزّة للتراث في شخص الفرزدق الذي كان يركن تحت سلطان أسطره، و كان يجد صعوبة في النظم إلى درجة أن خلع ضرس من أضراسه أهون عليه من قول بيت واحد. و هذا التعالي مشروعٌ أيضا ونلمسه في قناعة الشاعرة بامتلاكها لقرارت أسطرها، أو على الأقل هي تمنع هذه الأسطر أن تركن إلى الصمت، بله و أكبر من ذلك، فهي تحرّم على أسطرها ذلكم الصمت. إن من يمارس هذه القدرة على التوجيه لحروفه لا يمكن أن يكون متواجداً في صفوف حروفه، هو أكبر من حروفه و إلّا لما أمكنه أن يصدر قراره بالمنع و بالتحريم.
ب – مفهوم التشاكل :
لابد من الإشارة أولا إلى أن مفهوم التشاكل هنا هو مفهوم إجرائيٌّ قبل أن يكون شرطاً منهجيا. التشاكل مفهوم سيميائي غربي التنظير، و لو أن العرب تحدّثوا عنه في مضان اشتغالهم النقدي القديم. و هو اصطلاح يقوم في الأصل على جذر يوناني من كلمتين
isos - و تعني متشابه و متماثل
topos - بمعنى المكان
و قد استعمله الناقد و الباحث الفرنسي " غريماس " في مجال السرد مقترضا إياه من حقل العلوم الفيزيائية و الكيميائية 2*. و هو أول من أدرج مفهوم التشاكل ضمن التحليل السيميائي للسرد، و بعد ذلك أصبح هذا المفهوم الإجرائي مرتكزا جوهريا في الكتابات النقدية تنظيرا وتظهيرا .
و يراه "غريماس" مجموعة متراكمة من المقومات و المقولات المعنوية التي تجعل قراءة الحكاية قراءة متشاكلة أي منسجمة . 3*
و يراه "راستي" تكراراً لوحدة لغوية مهما كانت. و إذا كان غريماس قد حصر التشاكل في المضمون فإن راستيي وسّع في دائرة المفهوم ليسري التشاكل على المضمون و الشكل معا .
و يراه "محمد كمفتاح" تنميةً لنواة معنوية سلبا أو إيجاباً بإركامٍ قسري أو اختياري لعناصر صوتية و معجمية و تركيبية و معنوية و تداولية ضماناً لانسجام الرسالة .4*
و الخلاصة أن التشاكل يتعلق بوجود خصائص و مقومات دلالية وسيميائية مشتركة تجعل النص متسقاً و منسجما و مفهوما على مستوى المعنى. أي أن هناك قواسمَ مشتركةً و مختلفةً تجعل نصا مفهوما ومنسجما قابلا لقراءته و تحليله. من هنا حديثنا عن التشاكل بالتمتثل والتشاكل بالاختلاف و التباين. هناك نص آخر يعتمد على اللاتشاكل باعتباره بنية مفككة قائمة على الاختلاف.
التشاكل في عمق المفهوم استمرارٌ لقاعدة سُلّمية للمقومات السياقية التي تمكّن من تحقيق تغيرات على مستوى التمظهر في اتجاه بنائي ظاهره هدم للتشاكل و باطنه بناء و تأكيد له .
و لنستوعب ذلك نأخذ مثالا استئناسياً من ديوان الشاعرة (زز) . قالت في قصيدة (أنا و البحر) ص 107 :
و ها أنا قد أتيتُ إليك
تشدّ أذني عتبات ندائك
...
ثم قالت في نفس السياق :
جئتُ حيث أنت
جئتَني حيث أقفُ برذاذ مائك – الديوان، ص 107
و غرضنا هنا ينصبّ على تغيّر الوحَدَتَيْن اللسْنِيتيْن (أتيت و جئت)
و يعني ذلك أن التشاكل من زاوية أجرأته كأداة تحليلية يمكننا من ضبط استبدال المفردات و المقولات معجميا و سياقيا داخل النص أو داخل الخطاب، و التي باختلاف سماتها المتماثلة أو المتباينة تسهم في توليد الدلالة و تشكيل معاني النص، و تسعف الباحث كذلك في تصيّد الدلالات التي يحوم حولها النص.
هذه العملية و لو أنها تبدو دقيقة في اشتراطاتها المنهجية القائمة على استثمار البعد اللغوي في تداوليته، إلا أنها تمكّن القارئ أو المتلقي من ضبط ما يلي :
• البحث عن الانسجام الخطابي
• صحة المقروئية
• خلق وحدة النص الممكنة
أولاً : التشاكل الصوتي
في البدء، وجب الاحتراز من الانزلاق وراء تأويل الأصوات العربية وتأويل تكرارها في إطار ما يسمى برمزية الأصوات. ونعني بالرمزية الصوتية العلاقة بين الصوت والمعنى، وهي قضية لغوية قديمة أسالت حبراً كثيرا: فهناك من يقرّ بوجود علاقة بين الصوت و دلالته عليه وهناك من ينكر هذه العلاقة. و مع ذلك نحتفظ بالرأي المعتدل الذي يعترف للأصوات بقيمتها التعبيرية المشروطة بما يمليه سياق الحال والمقال. فكلنا نحفظ قوله تعالى (لقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ۘ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) 5*. كما نحفظ قول الشاعر المتنبي :
فَقَلقَلتُ بِالهَمِّ الَّذي قَلقَلَ الحَشا --- قَلاقِلَ عيسٍ كُلُّهُنَّ قَلاقِلُ 6*
ندرك في المثالين و بوضوح تكرار صوت القاف في سياقين مختلفين: الأول يرتبط بغضب الله عز و جلّ، و الثاني يتعلق بحزن الشاعر. و في كلا المثالين تبدو الدلالات قويةً من خلال تكرار وحدة صوتية معيّنة. ولا نظن مختلفا واحدا يعترض هنا على العلاقة بين الصوت و رمزيته التعبيرية.
و في سياق تحليلنا للإجراء السيميائي الموسوم بالتشاكل ركزنا على الصوتي منه فقط نظرا لتراكمه الواضح في الديوان. و بدأنا بعملية إحصاء لبنيات حروف الرويّ و هو الحرف الذي تنبني عليه القصيدة، وبه تسمّى و إليه تُنسب. كأن نقول لامية الشنفرى و سينية البحتري وهكذا دواليك .
أحصينا الديوان في إحدى و سبعين قصيدة خضعت أو أخضعتها الشاعرة لبنية تشاكلية صوتية مدهشة كالتالي .
الروي حجم التردد
روي النون 11 قصيدة
الراي 8
الهاء 8
القاف 6
اللام 4
الباء 4
السين 3
العين 3
الكاف 3
الطاء 1
الياء 1
و ما تبقى من القصائد مثّل تشاكلا في سياق صوتي آخر لم تلتزم فيه الشاعرة بوحدة الروي و إنما تركت ذائقتها تنسج المخيال في نسق صوتي تشاكلي يعتمد على تعدد الأروية. و نمثل لذلك بقصيدة (أخلصت و ما أحببت) فقد تناوب في دفقتها الموسيقية الأخيرة كل من روي القاف والدال و النون. و قصيدة (كلمات مروية) و فيها احتشم روي النون نسبيا في إلحاحٍ محتشمٍ بحضورٍ لم يتجاوز ثلاثة تردّدات. ثم لاحظنا في هذا المبحث ملاحظتين:
الأولى: اعتمدت الشاعرة على الروي الساكن في أغلب قصائدها، ونشزَ من ذلك عشر قصائد جاءت أرويتها متحركة أو مشبعة. و العدد 10 من 71 قصيدة يعدّ نشازا و لا يبني قاعدة. و تأكدنا من حضور هذا السكون المهيمن بالتأويل الإعرابي و من مواقع المفردات داخل التركيب النحوي.
و السؤال هنا هو: لِمَ اختارت الشاعرة الرهان على ظاهرة السكون في الروي؟ و لمَ اختارت أن تكون الدفقة الموسيقية الأخيرة من كل سطر شعري ثانٍ ساكنة؟ إما بحرف رويّ و إما باقترانه بهاء السكت. أترك السؤال مفتوحا للإجابة عنه في غضون القادم من المقاربة .
الثانية: داخل هذه الهيمنة لوحدة الروي و حضور النشاز المكسر لهذه الوحدة يتبدى لنا اختيار الشاعرة التي تريد أن تجتهد في قصيدة النثر على مستوى الموسيقى أو الإيقاع، وعياً منها بأن قصيدة النثر بؤرة فنية لاستقبال كثير من الأسئلة الطارحة ذاتها باستمرار مادامت الرؤية النقدية العربية لم تتفق بعد على برّ ترسو فيه سفن البحث في إشكالية التجنيس.
و لقد اخترنا النسق الصوتي لحرف النون نظرا لتوفر شرط التراكم. وهو الشرط الأساس الذي يبني عليه كلٌّ من غريماس و محمد مفتاح مفهوم التشاكل. ثم أردفنا الإحصاء الأول إلى إحصاء آخر خرجنا فيه و منه بالتشاكلات النونية التالية :
القصيدة النون صوتاً ذاتيا النون تنويناً الروي
ظلت و تظل 37 مرة 6 مرات نون ساكنة
مرآة الروح 34 مرة 10 مرات نون + هاء السكت
قصيدتي السنوية 33 9 نون ساكنة
أخيّتاه 35 14 نون ساكنة
شمس النهار 14 4 نون مشبعة
تهاليل 25 6 نون ساكنة
على جناح فراشة 35 16 نون ساكنة
الرهان 32 9 نون ساكنة
أشواق 23 4 نون ساكنة
سمراء 26 14 نون ساكنة
أخلصت 30 9 نون مشبعة
و قد اعتمدنا الحرف مدخلا سيميائيا لقراءة ظاهرة التشاكل الصوتي في هذا الديوان، لا من باب البذخ القرائي أو من باب الترف الثقافي، و لكن لأن الكلمة هي الوحدة المعجمية المكونة للغة، و الكلمة مادتُها الأساسية هي الوحدات الصوتية المتفاعلة لتشكيل كيان اللغة المنطوقة. إن الصوت يمثل المظهر الأول للحدث اللغوي ثم الحدث الشعري إذا ما قفز المبدع من البداهة إلى الخيال.
لكن العلاقة بين الصوت و المعنى ثم بين الصوت و الدلالة علاقة شائكة و معقدة و لا ينبغي لنا أن نقول إن صوت الصاد مثلا في القصيدة الفلانية يدل على القوة، و أن صوت الميم في أخرى يدل على الحزن، إلا إذا اشترطنا منهجية التراكم المشفوعة بالقراائن اللفظية و الحالية. وفي سياق الديوان (قطاف خارج الموسم) وجدنا حرف النون صوتاً مهيمناً على مستوى:
- الحضور كوجود فونيمي ذاتي باعتباره وحدة صوتية متميزة عن غيرها
- الحضور كصوت ناتج عن التنوين
- الحضور في كل القصائد بتراكم اختياري أو لا اختياري
- الحضور كصوت مميّز في الصواتة العربية لدعم المعنى والدلالة
و الذي لا يختلف فيه الدارسون المتخصصون في الأصوات هو أن حرف النون صوت مختلف عن الاصوات العربية الأخرى، نظرا لميزته الإيحائية التعبيرية على مستوى الدلالة؟
و النون هو الحرف الخامس و العشرون في الترتيب الهجائي، و الرابع عشر في ترتيب الأبجدية العربية. قال فيه ابن جنّي (النون حرف مجهورٌ أغنّ، يكون أصلا و بدلا و زائدا ) 7 *
ننتقل الآن إلى رصد ملامح التشاكل الصوتي لنسق النون في بعض القصائد، تمثيلا لا حصرا، و تأكيدا لهيمنة هذا النسق داخل رؤية الشاعرة الفنية و الوجودية.
* المثال الأول: قصيدة (ظلت و تظل)
التوحيد بين أقنومي الوجود :
هيمن حضور نسق النون فيما يربو على 43 تردداً، يحكي في مقام القصيدة قفزا شعريا على مقولة التوتّر بين الرجل و المرأة إلى مرتبة تؤمن فيها الشاعرة بمقولة الوصل.
قالت: (مدّ لي جسراً إليك – الديوان، ص 30)
كما أن صياغة حرف النون داخل القصيدة يخدم هذا التخريجة عبر إضافة النون إلى مفردات الأمان و الحنين و رماد السنين و موقع اليمين... وهذا الحضور الكمي يتجاوز الوظيفة التعبيرية كقيمة صوتية معزولة إلى قيمة دلالية تشي برغبة الذات المتكلمة في الهدم و البناء: هدم ميراث التوتر بين الرجل و المرأة و بناء علاقة جديدة تقوم على التكامل بدل التنافر، و التقارب بدل المسافة .
هكذا تسيرقصيدة (ظلّتْ و تظلّ) و يسير معها الديوانُ في اتجاه بناء عالمٍ جمالي تقوم فيه الدلالة على على تنغيم أقنومي الوجود وتوحيدهما. وفيها تقفز الشاعرة برؤيتها الشعرية المختلفة على مقولة التوتّر بين الرجل والمرأة. و هي المقولة التي قهرها الشعراء طبخاً إما من زاوية الموضوع الضاغط، و إما من زاوية الموضة في التناول من أجل ارتداء عباءة الاختلاف. و أما شاعرتنا فاختارت التناغم بين الطرفين، لا ضعفاً و لا استجداءً للساحة الذكورية، و إنما قناعة فلسفية تعترف بوحدة الكينونة لا بتفرّقها و شتاتها و تنافرها.
*المثال الثاني: قصيدة (مرآة الروح)
يثيرنا في هذا النسق ذلكم التشاكل التركيبي بين النداء و الاستفهام الاستنكاري و الأمر الخارج عن معناه البلاغي إلى دلالة الالتماس داخل نسق النون، الذي تردد 43 مرة.
قالت الشاعرة:
أيها المريدون ماذا تريدون؟
أنصتوا لنبضةٍ عارمةٍ مرنة.- الديوان، ص 40
يخيّم على المقطع الصغير صوت النون و هو يتردد ستّ مرات، بين نسق صوتيٍّ ذاتيٍّ (ثلاث مرات) و نسق التنوين (ثلاث مرات). مما يشي بحضوره القويّ داخل تركيب لا يتجاوز ثمانِ مفرادت. أفعمتْها الشاعرة بهالة النون المعبّرة و الذاهبة فنيّاً مذاهِبَ الإدهاش في التلقي الجمالي. وبين إرادةِ المخاطب المبنية داخل سيمياء الشك و بين يقينِ النبض العارم و المرن، تتأتّى للقارئِ إمكاناتُ تأويل الكلامِ في عدّةِ اتّجاهات، منها مساءلة المخاطب الغافل عن حقيقة الأشياء المعزولة في وهمه عن إمكان النبض الماثِلِ في ذهن الشاعرة باعتباره أساساً في الوجود... النبضُ هو الوجود.
*المثال الثالث: قصيدة (قصيدتي السنويّة)
تردد فيها نسق النون الصوتي 42 مرة.
و الأمثلة هنا وافرة نذكر منها قول الشاعرة:
يا موسم القحط أدبِرْ
دعنا نعانق الحنين
فقوافلنا ظمأى
افتح بابً للمتعبين
...
فجسد المدينة متعب
و وجهها شاحبٌ حزين – الديوان، ص 52
النون حاضرة و بانية لنسق الدلالة الداعية إلى الوصل بدل القطيعة. سواء تعلق الأمر بالإنسان (المتعبون) أو تعلق الأمر بالمكان (المدينة)...
*المثال الرابع: قصيدة ( أُخيّتاه)
و فيها حضر صوت النون بمعدل 49 مرة، و هو رقم مثيرٌ و فاتح لأكثر من سؤال خاصة إذا علمنا أن القصيدة لا تتجاوز 22 سطرا شعريا. بمعنى أنها قصيدة مركزة يبدو فيها النون مخيِّما على الترددات الصوتية للقول الشعري. و مما زاد في قوة دلالاتها النونية أن الموضوعة فيها تُقارِب رثاءً عامرا بالحزن.
النون هنا قالب صوتي استطاع باقتدارٍ شعريٍّ أن يحتضن حالة الفقد وحالة الصبر:
قد يجفّ الدمع من عيني و ليس
يخفّ لواعج القلب الحزين
يا صاحبة القلب الحنون فداك نفسي
فدمعي يسيل بجرح سخين
و حسبنا من هذا الفيضِ غيضٌ من التمثيل و الاستشها. و ما على الراغب في معاينة هيمنة هذا النسق إلا قراءة الديوان و استخلاص معانيه في هذا الاتجاه الذي لا أظنه عبورا أبدعته الصدفة، بقدر ما هو حضورٌ أبدعته ذائقة شاعرة تمكر بالكلمة مكراً جميلا و تبعث فيها من روحها أشكال النغم الناطق بشتى الدلالات.
خاتمة:
مارستِ الشاعرة رؤيتها الفنية في بناءٍ شعريّ متكامل و أتحفتْنا بعمل متناغم هو الديوان (قطاف خارج الموسم). دبّجتْ فيه موقفها الفني من الوجود و من عناصر هذا الوجود، و من طبيعة الإبداع و حدّدت موقفها من مجموع قضايا راهنة فيها مرونة و تحدٍّ للمألوف بشكل حوّلت فيه ديوانها من سيماء الشبه و التكرار إلى شكل من أشكال الفرادة و هي تصوغُ رهانها الشعري داخل ثقافة الاختلاف. و ضعتْ فيه أشواقها وآلامها و آمالها و حنينها و حتى معانقاتها الخارجة من شرنقات الذات إلى الموضوع في شخص القضية الفلسطينة. إنها في آخر المطاف شاعرة تكلمتْ من مساحة جرحٍ نقيّ لم يغرقها في سوداوية معتمة بقدر ما فتح لها و أمامها بواباتِ الإشراق الشعري الموصوف في نسق النون.
نلفت النظر إلى أن قراءة الدلالات داخل نسق النون وحده بمعزل عن باقي مكونات الخطاب الشعري هي قراءة قاصرة عن تمثل الديوان باعتباره وجوداً فنيّاً يحتاج إلى إحاطة شاملة كي نستنطق أبعاده في غير ليٍّ لأعناق التأويل. إن تظافر المكونات القولية في فن القصيد هو ما يبعث في الديوان حياةً جديدة يبنيها القارئُ خارج دوائر الشاعرة في لحظات إبداعها و الذي لا يمكن أن يحاصرنا في سيمياء رؤيتها الفنية فقط. وتبقى التخريجات الدلالية النازحة من بطن صوت النون قاصرة حتى يزكّيها القارئ الباعث في الديوان و في القراءة النقدية معاً شكلاً من أشكال حياةِ التأويل الممكن. ذلك أن استخلاصنا للدلالة في هذا المقام هو استخلاص يعيش في وضعٍ تأجيليٍّ ريثما ينضاف إليه استخلاص آخر و آخر و ثالث و هلمّ جرّا...
***
إحالات:
*الديوان: زهراء الأزهر، قطاف خارج الموسم، مطابع الرباط نت 2022، الطبعة الأولى
1 - الحديث عن أبي ذر الغفاري ، و رواه مسلم
2 - توجد مركبات ذات صيغ جزئية واحدة ، و لكنها تختلف في التركيب أو في توزيع الذرات . و هذا الاختلاف جعل المركبات الكيميائية توصف بالمتشاكلة . فالتشاكل في التصنيف الكيميائي يطلق على الوحدة و التوازن و التجانس و التناظر و التشابه و التماثل ، و يعني أيضا الانتماء إلى حقل أو مجال أو مكان معين .
3 - محمد مفتاح ، تحليل الخطاب الشعري ، المركز الثقافي العربي ، 1986 ص 20
4 - محمد مفتاح- تحليل الخطاب الشعري- ط1- مدار التنوير للطباعة و النشر- بيروت 1985- ص 52
5 - سورة آل عمران ، الآية 181
6 – ديوان المتنبي- تحقيق عبدالرحمن المصطاوي - دار المعرفة- بيروت - ط 1983 ص 34
7 - أبو الفتح عثمان ابن جني الموصلي ، سر صناعة الاعراب ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط 1 ، 2000 ، ص 2 - 107



#نورالدين_حنيف (هاشتاغ)       Noureddine_Hanif#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قِراءة في قصيدة
- سؤال التلقي والتأويل
- كِتابةُ الْمناقِب
- همسُ النّسائم
- فوضى الحواس
- (اولاد الكريان)
- أنساقُ الإشراق
- ترْبِيبُ الكلام في سِفْرِ الْغرام
- الشجرةُ في سيمياء النّون
- شاعِرٌ يَكْرَهُ الْأقْنِعَة
- زنبقةٌ سوداء (قصّة قصيرة)
- في الكتابة الانهزامية
- سِتُّ ملاحظاتٍ في منظُومةِ الخطّ العربيّ
- ظُلْمُ النّصّ
- تَجوعُ الثقافةُ ولا تَأكلُ بثدييْهَا
- رمزية الشاهين
- ترانيمُ الصّدى
- تقاسمُ الحِكمة
- الجسد يُنتج القيمة
- اِهْمِسْ كيْ أسْمَعَك


المزيد.....




- من لحظة وصوله إلى البروفات.. تفاعل لافت مع عودة فضل شاكر
- ليوبيموفا: تزايد الاهتمام بالتعليم العالي الثاني المجاني في ...
- لماذا عارض قدامى محاربي عام 1812 رواية تولستوي -الحرب والسلا ...
- سبوتيفاي تستبعد 50 مليون مقطع من التوصيات بسبب المحتوى المزع ...
- نجوم «10 أشياء أكرهها فيك» يجتمعون لتكريم هيث ليديجر على الم ...
- دانييل فيليستوفيتش.. طفل روسي يقلد مايكل جاكسون ويحصد 15 ملي ...
- كازاخستان.. العثور على نقوش صخرية وُصفت في يوميات الرحالة ال ...
- حفل -النسر الذهبي- السينمائي في 29 يناير وقائمة أولية تضم 35 ...
- فتحة جريئة وتطريزات لامعة.. دوا ليبا تستحضر أجواء الأوبرا عل ...
- نجوم «10 أشياء أكرهها فيك» يجتمعون لتكريم هيث ليديجر على الم ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نورالدين حنيف - التشاكل الصوتي نسق النون نموذجا