|
|
(اولاد الكريان)
نورالدين حنيف
شاعر و روائي و ناقد و فنان تشكيلي
(Noureddine Hanif)
الحوار المتمدن-العدد: 8860 - 2026 / 10 / 16 - 11:55
المحور:
الادب والفن
تمهيد: تتألف رواية (اولاد الكريان) للمؤلّف المغربي "محمد صوف" من أربع و أربعين حكاية تتفاوت في الحجم. منها الشاملة و منها المركزة، تفادياً لاستعمال مقولات الطول و القصر باعتبارهما مقياسا كمّيّاً لا يفي بأغراض التحليل و المقاربة و التأويل، وباعتبار هذا المعيار قد أصبح متجاوزا في مجال النقد. و قد سمّينا هذه الأجزاء أو الفصول حكاياتٍ لأن السارد أسند للقوى الفاعلة مهمة الحكي عن ذواتها و عن غيرها، في تشاكلٍ فنّي يؤرجح عمليات الحكي داخل زوايا نظر متعددة و مختلفة، تضع المتلقي في استشكال التلقي الجمالي الذكي الذي يربأُ بالرواية أن تُسلِم ذاتها في مجانية رخيصة لخطية الحكي الباهت. الحكاياتُ في منظور قراءتنا هي دوائر إنسانية تتشعب أقدارها و قضاياها ومصائرها ومبدؤها و منتهاها لتنسجم في بؤرة من البؤر الدلالية العميقة أو العقيمة، انسجامَ تسريد لا انسجام موضوع. فكلٌّ يجري في فلكه و لكنه يتاخم أفلاك غيره في غير ذوبان و في غير امّحاء. من هذه الدوائر ينبع معين ثرٌّ لأشكالِ الإنسان داخل الرواية. و هنا لا نتحدث عن الشخصيات أو الشخوص أو القوى الفاعلة. فهذه آليات تنتمي لفن التخطيب الروائي التي تفتح مغاليق البناء السردي للقارئ. أما همّنا فهو تتبع تشكّلات الإنسان في رواية (اولاد الكريان) داخل منظور وجود هذا الإنسان في علاقته بذاته و بالآخر، و في علاقته بالقضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية و النفسية، و في علاقته بالهوية أيضا... إننا نشتغل في هذا السياق على تجليات الإنسان في ضعفه الوجودي الموسوم بالتمزق والتشظي و التيه و الضياع و الحيرة، دون أن ننفي عن الرواية تغنّيها بإنسان الإرادة و القوة الكامنة في تشكّلات المقاومة، سواء لدى الرجل أم المرأة، مثلَ الحضور القوي للغريب ولمينة الحريزية استشهادا لا حصرا... مقْوَلَةُ الإنسان: 1 – الإنسان الضعيف: يمثّله في الرواية، العطار الطاهر والد البتول. و هو بدوره يمثل شريحة اجتماعية واسعة في واقع الرواية و في واقعنا نحن. وأراني لا أجانب صواباً إذا أقحمتُ هذا النوع في خانةِ الهارب إلى ركن الاستسلام خشية أن يطاله شيءٌ من الأذى. و أراني أيضاً أجده في المقولة العربية العاجزة التي ترفع عقيرتها بشعار (كم حاجة قضيناها بتركها). والتّركُ هنا ليس موقفا مؤسسا على قناعة أو توطينٍ للذات بقدر ما هو سلوك غير مسؤول يركن للدعة و الاسترخاء و الهروب و الاستسلام، في غير حضور و في غير قرار... الإنسان في هذه النمطية مصنوع من مادة الخوف المجاني. ( و كان خوفه من البوليس خرافيا. كان داخل سوق راسو بشكل مبالغ فيه، تخيفه كلمة سياسة وكلمة مقاومة. هاجسه الأول أن يأكل رغيفه دون عناء – الرواية ص 11). و لا أدل على ذلك من أن السارد قد ضاق بهذه الشريحة ذرعا فقال مشمئزّا (داخل سوق راسو بشكل مبالغ فيه). بمعنى أن هناك حدّا مقبولا للخوف قد يلتمس فيه الشارد للمعني بالأمر بعض العذر، زيادةً و إيغالاً في تصوير هذه الشريحة تصويراً واخزا مُدينا و شاجبا. لا يمثل الطاهر نفسه، في تضييقٍ لأفق الرواية و في تعقيمٍ لانسرابها داخل نسغِ الكتابة الفنية الناقدة و المنتقدة، بقدر ما يمثّل شريحة اجتماعية سادت قديماً و تسود حاضراً و تعيش في الظل البارد الموبوء برطوبة الوجود؟ تصور الرواية الإنسانَ في هذا المقامِ ضعيفا، و خائفا، و عاجزاً أيضا عن صناعة القرارات و الحلول لذاته و لذويه. و لا أدلّ على ذلك من عجزالطاهر عن استيعاب مشكلة ابنته البتول لولا أن تدخّل الغريب و صنع بدله قرارا غيرياً ينقده و ماءَ وجهه. ليست مفرداتُ الضعف و الخوف و العجز صفات ملتصقة بفردٍ نكرة في الرواية و في المجتمع، إنها مقولات وجودية تكاد تطال الجميع بما فيهم البتول و والدتها و التباع و ولد اغضيفة و علال و عبدالقادر و مسعود وغيرهم. و هي مقولاتٌ وجودية تأخذ أحجاما مختلفة باختلاف طبيعة الإنسان الموصوف في الرواية. و تتفاقم مفرداتها في شخص الطاهر الذي رسمته الرواية في صورتيْن: صورة الطاهرالممثّل للحالة العابرة و صورة الطاهر الكينونة. و هذه الكينونة تخرج من شرنقة المفرد إلى صيغة الجمع لتدين نمطية بشرية اختارت الظل البارد الموبوء برطوبة الوجود عوض المواجهة، على حساب وجودها و وجود المقاومة و التاريخ، و إن كانت المقومة والتاريخ لا يحتاجان إلى مثل هذا الإنسان. الخلاصة إذن، أن الرواية هنا لا تسجّل في مرآتية عقيمة ضعف الإنسان الذي تنتشله من خبايا الواقع و تلقي به في ردهات الخطاب الروائي. إنها تخييل ماكر يقبض على المعنى، و منه معنى الضعف البشري، في أتون الإدانة و الشجب الصامتيْن. - اولاد الكريان، رواية لا تسجّل - اولاد الكريان، رواية لا تمارس أدوار الفوتوغرافيا - اولاد الكريان، رواية لا تنسخ الواقع بسلبية فنية عقيمة - إنها رواية تعيد إنتاج الشكل الإنساني-البشري الضعيف في قالب تخييلي يتجاوز التوصيف و الإخبار و الحكي إلى إفعام الخطاب بأكثر من سؤال. وبالتالي فهي تفتح للمتلقي شهية المساءلة بعيداً جدّاً عن هدفية الإمتاع والمؤانسة. 2 – الإنسان-الضحية: و يتعلق الأمر باستخلاص صور الضحية من خلال البتول، الطفلة ذات الأربعة عشر ربيعاً أو خريفاً إن شئنا حقّ التعبير. و هي تمثّل الإنسان الهش الذي: - تعرّض للاغتصاب - ديسَ على إنسانيته - اختزله المجتمع في بؤرة الجسد الجميل - اختزله المجتمع في بؤرة اللذة فقط - حرمه المجتمع من حقه في التعلم و التعليم - رمى به المجتمع في صيرورة لا يريدها و لا تشبهه - المجتمع يصنع قراراته بدله - فرض عليه المجتمع وضعاً عائليا بإكراه - حرمه من الإحساس بعاطفة الأمومة - حرمه من ممارسة الأمومة - جعله يعاني مأساة الفقد المبكر في فلذة كبده - ... والرواية في هذا المقام لم تقْسُ على الإنسان الضحية بقدر ما فضحت من خلاله شراسة الآخر و جبروته الجاهل و أنانيته المقيته و دونيته المرضية وعقمه الغريب في إنتاج أو تبني القيم الإنسانية. تأويل الإنسان- الضحية ليس بالأمر الهيّن في سياق رواية ذكورية بامتياز. إن كلّ ما قيل عن هذا النمط هو تحصيل حاصل، و هو تحويل تراكم الخطاب الروائي في متنه إلى متنٍ آخر يمارس عمليات التصنيف فقط. وهذا ليس مطلوباً في مقاربتنا التي تتغيّى تأويلاً أكبر و أكثر. من هنا السؤال: - هل كن في وعي السارد طرح مسألة الجندر؟ - هل يمارس السارد ضغطا حريريا على القارئ للالتفات و الالتفاف حول ظاهرة الاغتصاب أو ظاهرة الحرمان من الحق في التعلم؟ - هل يكتفي السارد برصد الواقع المتعيّن في فترة الاستعمار و المقاومة ولوضع المرأة داخل هذا السياق الزمني و الحضاري؟ - ألا تكفينا الدراسات الموثِّقة و الموثَّقة النازحة من رفوف البحث العلمي لرصد واقع الأنثى بكل الدقة و العلمية الممكنتيْن ؟ - لماذا تأخذ البتول، و هي نموذج الإنسان-الضحية كل هذا الحجم السردي في الرواية؟ - لماذا تمحور الحديث عليها علما بأن الرواية وسمها صاحبها بالإسناد الذكوري (اولاد الكريان)؟ هذه أسئلة و أخرى تتناسل في هذا الاتجاه، تفيدنا أن المسألة لا تتعلق بتوصيفٍ يقدم للقارئ المعلومة عن مسألة الجندر في زمن الاستعمار والمقاومة، و إنما الأمر يتعلق بتخييل روائي يتجاوز الوثيقة و المرجعية العلمية. إنه تصور فنّيّ يروم السفر بذات المتكلم الواصف من رهان الألفية الثانية زمن تأليف الرواية (2024) إلى رهان البناء لعوالم تخييلية ممكنة تتقاطع فيها البتول الماضوية مع البتول الحاضرة و تطرح السؤال التالي: إلى أي حدّ استطاعت البتول اليوم الخروج من الأسر الثقافي؟... و هكذا نستوعب الدرس جيّدا من السارد و هو يرمي في آذاننا و في وجداننا أن الضحية أكبر من البتول... فالطاهر ضحية، و الأم ضحية والتباع ضحية و مسعود و علال وغيره ، ضحايا. و الإنسان-الضحيةُ في الرواية ينقلب من حالة اجتماعية يمكن رصدها في دراسات علم الاجتماع، و في غيره من العلوم، إلى حالة إبداعية تدين السياق التاريخي كله، و فيه تنبّه الرواية شرائح المتلقين إلى أبعد من وصف و توصيف، و من تخييل... تنبّههم إلى صيرورة استعمارية استغلت معطيات الجهل و افقر آنذاك، وحوّلتها بفعلٍ مبيّت وممنهج من استعمار مسلح إلى استعمار فكري يحلل الخلل في بنيات الإنسان و المجتمع بصورة مركبة أشد التركيب، ومستعصية أشد الاستعصاء على الفهم و الاستيعاب و الإحاطة و المعالجة. تأتي الرواية لتفتح للقارئ منافذ أخرى لاستيعاب القضية من وجهة نظر أدبية تخييلية تكشف أوراق الاستعمار و تفضح صيرورته المبيّتة في الفتك بالهوية. و هي منافذ و نوافذ تجعل قراءة التاريخ ممكنة خارج قصدية الاعتبار وحده، كما دأبت الرؤية الخلدونية تفعل ذلك، إلى قصدياتٍ أخرى أكثر ارتباطا بالرؤيا بألف ممدودة ومنفتحة على ثقافة السؤال ثم الإدانة من داخل عوالم الأدب لا من داخل الوثيقة. و الفرق بين العالمين لا يحتاج إلى شرح أو تفسير. 3 – الإنسان الشهواني: ندلف إلى هذا النمط من خلال ولد اغضيفة الذي رسمته الرواية جبارا في الحومة لا يُرفض له طلب، و تهابه الساكنة وتشتري رضاه بالأداء و العطايا... لا تهمنا صورته في الرواية، و تهمنا تداعياتُ حضوره كحمولة إنسانية (بالمفهوم الوجودي لا بالمفهوم القيمي) قابلة لتفجير الكثير من التأويلات. و هو لا يمثل ذاته فحسب، و إنما يمثل شريحة واسعة في الواقع و في المتخيل الروائي، ارتضت أو ارتضى لها قدرها أو ارتضى لها السارد ألا تنخرط في الفعل الإيجابي (المقاومة مثلا). و انخرطت في مسالك رخيصة نتيجة ظروف ذاتية و موضوعية لم يبحث فيها السارد و لا القارئ. فهي في حكم المعلوم الرتيب و المألوف. ولد اغضيفة و في تغييب تامٍّ لاسم الأب، يشي بالوجود الهجين، و وضعية النشاز. تتمثل شهوانية الإنسان في سياق الرواية داخل ثلاثِ محطات: اثنتان صارختان هما: محطة اغتصاب البتول، ثم محطة اغتصاب مسعود...وثالثة مسكوتٌ عنها هي اغتصاب التباع... و هو الفعل الذي ترسمه سياقات الرواية بنوع من التكتّم و المحافظة تزيد تكتمه و محافظتَه بلاغة السارد. الإنسان في هذا السياق الروائي الماكرمُفْرغٌ من أدنى حسى إنساني، وأتساءل إلى أي حد كان بإمكان المغتصب أن يقف عند حدّ ممكن ؟ هذا الفراغ الإنساني مفارقٌ في ذاته و مفارق في غيريته، بدليل أنه تحوّل إلى كائن تصنعه مادة النهم و اللاشبع. قال (سأكون أنا البادي. و لن يمسّها غيري. هي لي أنا وحدي من الآن فصاعدا. هل من معترض – الرواية ص 6) لاحظ معي أيها القارئ منطلق حديث المغتصب و كلامه. إنه التصور الرخيص الذي تبنيه ثقافة الشارع، و فيها يلغي الإنسانُ الإنسانَ و يشيّؤُهُ ويقصي إنسانيته إلى درجة تحويله إلى نكرة تشبه البضاعة (هي لي أنا وحدي) في سردٍ تصويريٍّ يبلغ بالمعنى أقصى حدود القسوة و الوخز الدلالي. و في اتجاهٍ آخر، و معاكس، يتحول الإنسان إلى كائن مفترس يترصد الضعف أينما كان و ينقضّ عليه ليمارس عليه علويته المرضية و قوته الوهمية وشهوانيته المقيتة. قال الحاكي (و لأنه بضٌّ و جميل أثار شهية ولد اغضيفة، و شهية ولد اغضيفة أمر لا مناص من إرضائه – الرواية ص 19). هذه الشهوانية تيمةٌ تتعقّبها الرواية في محطات أخرى منها شهوانية عبدالقادر و شهوانية الفقيه سي عيسى و ... و أكاد أقول إنها شهوانيات عابرة في مساحة الرواية السردية، و لكنها مرضية مادامت تمارس شبقها على البراءة. تجد هذه الحالة المرضية تعبيرها الروائي المشحون بالقسوة و النهم في قول السارد (صرف الفقيه التلاميذ وأمر البتول بأن تستظهر أمامه حزبا كاملا. " سبّح باسم ربك الأعلى ". استظهرته دون تلكؤ فأبدى إعجابه بها، عانقها، ضمّها إليه بحنان خاص. قبّل وجنتيْها، ثمّ امتصّ شفتيْها الصغيرتيْن من فرحته بنجابة تلميذته. حكت البتول لوالدتها عن فرحة الفقيه بها و لم تخفِ عنها شيئا – الرواية ص 9). أنظر معي للوصف كيف جمع بين إدانةِ الفعل و بين وخز الفعل، في تصوير فنيّ لا يغلّف الحكاية بزينة البلاغات بقدر ما يًبرّز الفعل في أقصى حالات الهبوط المرضي للإنسان المدّعي فقها أو على أقل تقدير حملاً لكتاب الله في صدره. و كأنني بالقارئ الآن يستدعيه السارد في هذا السياق كي يكون ثالث ثلاثة ليأخذ بعنق الفقية و يوسعه ضربا مبرحا. 4 – الإنسان- الجسد: نقصد بذلك اشتغال الرواية على تيمة الجسد كخطيئة في سياقٍ محظور تملي ضوابطَه الملةُ و الدين و العرف و الاجتماع و كل المواضعات. نرصد هذه التيمة داخل شخص مسعود الملقّب في الحكاية بالمزغوب في إطار لعبة دلالية مفارقة، كما شأن السارد في توليفات علامة اسم البتول في نقيض ما وقع لها. يقدم السارد شخصية مسعود كائناً جميلا يشبه والدته. و قد قيل عنه إنه كان أجدر به أن يُخلق أنثى. لا يمثل مسعود ذاته في خلاء العبارة و جفاف الإشارة بقدر ما يمثل شريحة اجتماعية، هي على قلّتها تعاني قديما و حديثا من وضعٍ اعتباريٍّ لا يرحمها، ولا يضعها الموضع المناسب لتمارس حقّها في الوجود السويّ دون مواربة أو خوف أو شعور بالنقص. و السارد هنا يمارس فعل الحكي أولا لهذه الظاهرة، و ثانيا يخبرنا أن الكتابة عن هذه الظاهرة لابد أن تخرج من أقبية التابوهات إلى الاستجابة الثقافية للمستجدات و الظواهر الحادثة و الحاملة لعلامات النشاز في المجتمع العربي و المغربي خاصة. و حتى لا يقولّني القارئ ما لم أقل فأنا لا أتبنّى خروج الظاهرة إلى العراء و الإعلان في سياق الشرعية أو اللاشرعية، فهذا مقام لا أخوض فيه. و كأن حساسية الموضوع التي شكّلت حرجاً لبعض الكتاب العرب وجدتْ هنا و في رواية (اولاد الكريان) يراعاً جريئاً فسح لها المجال في جمالية سرديةٍ متميّزة، للتجلّي و التمظهر أو للهمس و الصراخ، أو للكشف والبيان. و في أقل تقدير ممكن فالرواية فسحت للظاهرة مساحة فنيةً للحضور من زاوية القيم، وأقصد بذلك قيمة الحرية. إن إشكالية علاقة الجسد بمثله إشكالية تأخذ هنا بعدين: واحدٌ واقعي تلفّه طبقاتٌ من التّكتّم و الغموض بحكم رقابة الدين و الأعراف. و ثانٍ تخييلي يمتطي صهوة الشكل الروائي، و ينحت طريقه إلى القارئ في تؤدة ملحوظة نظرا لوطأة الموضوع على المتلقي العربي. (ثم اقترب و اقترب أكثر. كان يحب عينيه. نظرته كانت تشله. شرع مسعود يداعب مكامن الإثارة في خليله ويضحك. و الآخر يردد: كم أحبّ ضحكتك. – الرواية ص 23). إن المتخيّل الروائي في (اولاد الكريان) لا يهمه ما وقع للجسد في صحبة الجسد بقدر ما يهمه الصدق الفني في نقل الواقعة في اتّجاهٍ، سمِّهِ أنت اعتبارا، و أسميه أنا انتقادا، و يسميه ثالثٌ جراةً، و يسميه رابع إخلاصا لنسغ العلاقة بين الواقعي و المتخيل، ويسمّيهِ خامسٌ و سادسٌ و هلم تأويلا، في إطار تحدثنا عنه في المقدمة المنهجية القاضية بترك الدلالة في وضعٍ تأجيلي إنصافاً لكل التأويلات الممكنة. و تأويلنا للظاهرة لا يشط بعيدا و نحن نقول إن الرواية لا تدين الفعل فحسب، بل و أيضاً و أساساً، تمارس قراءتها للظاهرة داخل نسق نفسي لا ننتبه إليه إلا لماما، هو أن الشعور بالوسامة الذكورية لا ينبغي لأن يكون مدعاةً للخوف و القلق و الاستلاب في الهوية الذكورية. و أركز على قراءة الرواية للجانب النفسي لأن مسار الحكي أفشى ما في قلب مسعود الذي تحوّل من كائن مستسلم إلى كائن مشتعل بروح الانتقام و عامر بالغضب. و الأمر في آخره يكون إدانة لا لسلوك فردي و إنما هو إدانة لظاهرة جمعية موجودة في الواقع، و تدخل الرواية المجال لتقول في المسألة شيئا ممكنا تخييلياً و فنيا... لا يسعنا في هذا المقام إلا أن نكتفي بهذه الأنماط في تشكل الإنسان داخل الرواية، علما أن المسار طويل و متشعب، لأن الرواية تتناسل فيها الأشكال وتتداخل و تتشعب. نذكر منها الإنسان التقليدي في شخص والدة البتول وخناثة اللتين تمثلان شريحة المرأة-الشبح التي لا تمارس دورها إلا في العلاقات الاجتماعية التقليدية العادية. و لا تحضر في الرواية كأصوات متميزة و كعلامات لا تنتج الدلالة إلا داخل مقولة القبول و الاستسلام للسائد. و منها تشكل الإنسان السلبي والانتهازي الذي يركب الأحداث ليرتقي في السلم الاجتماعي، و نذكر هنا شخصية التباع الذي يمثل هذه الدلالة في حضورٍ روائيٍّ تباينت فيه مواقع التباع من حضور سلبي امتطى فيه المقاومة لاحتلال منصب إداري، إلى حضور إيجابي تمثل خاصة في إنقاد البتول من وضعية الانتظار، ولو بشكل عابر و مؤقت قبل أن يكتشف عجزه البيولوجي الفاتك بوجوده فتكاً صمتت عنه الحكاية، و تركته مفتوحاً في أفق تحريك تأويلات ممكنة... + خاتمة: لم نأل جهدا في البحث عن تشكلات الإنسان القوي في رواية (اولاد الكريان) انسجاما مع عنوان المقاربة و أخلاصا لنسغها في البحث المتواضع عن صور لهذا الإنسان في انحداره البشري. علماً أن مبدأ القوة واردٌ بشكل ملفتٍ في الرواية، و أكاد أجزم بأن المؤلّف تبنى رهان القوة في رسم معالم الإنسان داخل منظومة المقاومة عبر شخوص و قوى فاعلة لامس السارد من خلالها كثيرا من القضايا، مثل شخصية الغريب وشخصية رفائيل و مينة الحريزية و غيرهم ممّن حضروا في المتخيل الروائي حضورا ممتدّاً غيّروا من خلاله مسارات الأحداث. و ارتأينا أن نركز على سمات الضعف لا لترجيحٍ أو مفاضلة بقدر ما الأمر قد تعلّق أساساً باختيار لزاوية نظر و نحن نروم مقاربة رواية في حجم (اولاد الكريان) و هي تتحدّانا بقدرتها الفنية على صناعة التخييل السردي داخل نسق إبداعي رمى يكل الثقل على الذاكرة و التاريخ و الإنسان. و في هذا النزوع رسمت الرواية لوحاتٍ قويّةً لغةً و حكياً و بناءً لإنسان الهامش في منطقة بيضاوية موسومة باسمٍ قدحي في الوجدان الشعبي المغربي الذي ألبسَ مفردة الكريان صبغةَ النقصان و الدونية، فيما الأمر عكسٌ و نقيضٌ تمام العكس و النقيض... ذلك أن الكريان مقولةٌ مكانية مشبعةٌ بالزمان والإنسان و الثقافة، و هي مقولة حمّالة أوجهٍ كثيرة، ترفل فيها دلالاتُ الثراء الفكري و الثقافي والسياسي و الشعبي و غيره من أشكال الثراء المعنوي. ولقد أشارت الرواية إلى ذلك في منعطفات متعددة من الحكي نذكر منها على سبيل التمثيل كلّاً من مقولة المقاومة، و مقولة التحول النسقي والوجودي في عقليات الشخوص و مصائرها مثل تحول علال و عبدالقادر من حالات التسكع و التيه إلى كينونة الإبداع و التصالح مع الذات و الواقع: علال يتحول إلى مسرحي و عبدالقادر إلى ملاكم و ولد اغضيفة إلى كائن ورع و متصالح... إن ذكاء السارد كمُنَ في الإشارات البسيطة و التفاصيل الأبسط حيث تقيم الدهشة الروائية الإبداعية، و مثال ذلك إضاءاته المتعلقة بتفاصيل الشموع وقناديل الزيت التي كان يستضيئُ بها أهل الكريان إبّان الاستعمار، و هي الأدوات نفسُها التي استضاء بها في زمن الاستقلال، في إشارة واخزة من السارد إلى أن دار لقمان بقيت على حالها، إدانةً لعمليات التغيير النازحة من قرار الاستقلال و التي لم تطل هذا الفضاء الذي يُشار إليه في كثير من السياقات أنه حيٌّ كان وراء استقلال أمّةٍ بكاملها.
#نورالدين_حنيف (هاشتاغ)
Noureddine_Hanif#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أنساقُ الإشراق
-
ترْبِيبُ الكلام في سِفْرِ الْغرام
-
الشجرةُ في سيمياء النّون
-
شاعِرٌ يَكْرَهُ الْأقْنِعَة
-
زنبقةٌ سوداء (قصّة قصيرة)
-
في الكتابة الانهزامية
-
سِتُّ ملاحظاتٍ في منظُومةِ الخطّ العربيّ
-
ظُلْمُ النّصّ
-
تَجوعُ الثقافةُ ولا تَأكلُ بثدييْهَا
-
رمزية الشاهين
-
ترانيمُ الصّدى
-
تقاسمُ الحِكمة
-
الجسد يُنتج القيمة
-
اِهْمِسْ كيْ أسْمَعَك
-
اِهْمِسْ كيْ أسْمًعَك
-
اِسْتِعارَةٌ مَائِيّة
-
تأويلُ الجسدِ في فنّ الأيكيدو
-
وِصايَة
-
في الكذب السياسي
-
كِتابةُ التشيّؤ
المزيد.....
-
أبل تكشف ملامح iOS 27.2 بتعديلات جوهرية في الرسائل والمنزل و
...
-
باراماونت تبدأ إنتاج فيلم «ريد رايزينغ» بإخراج فرانسيس لورنس
...
-
فاز بكأس العالم 1998.. صدفة تقود أسطورة أرسنال إلى عالم السي
...
-
تضارب الروايات بشأن توقيف متهم بمجازر في سوريا.. هل -اختُطف-
...
-
فيلم -قتل آنا-.. كواليس تحقيق صحفي وراء إسقاط سفاح مجزرة الت
...
-
تضميد جراح الحرب والذكريات.. أب وابنته يرممان سجادا عمره قرو
...
-
فرقة -آي يولا- البشكيرية تدخل الجولة الأولى من التصويت لجوائ
...
-
الذكاء الاصطناعي يعيد بانديراس شابا في فيلم عن غزو المكسيك
-
بمشاركات قياسية.. -كتارا- تتوج الفائزين بجائزتها للرواية الع
...
-
رواية -صفر فاصل خمسة-.. كيف يهرب الإنسان من واقعه إلى سجون ا
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|