أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - فرست مرعي - نشأة الخوارج وتطورهم عبر التاريخ الإسلامي















المزيد.....

نشأة الخوارج وتطورهم عبر التاريخ الإسلامي


فرست مرعي
كاتب

(Farsat Marie)


الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 02:53
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


تُعدّ الخوارج من أقدم الفرق السياسية والعقدية التي ظهرت في التاريخ الإسلامي، وقد نشأت في سياق الصراعات التي شهدها المجتمع الإسلامي في القرن الأول الهجري، ولا سيما الفتنة الكبرى والخلاف حول الخلافة، وموقف المسلمين من النزاع بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. ثم تطورت هذه الحركة من انشقاق سياسي وعسكري إلى اتجاهات متعددة تناولت قضايا الإمامة والإيمان والكفر ومرتكب الكبيرة ومشروعية الخروج على الحكام، واختلفت في أحكامها ومواقفها من المسلمين المخالفين.
ولا يمكن فهم تاريخ الخوارج من خلال صورة واحدة ثابتة؛ فقد اتسمت بعض فرقهم بالتشدد في التكفير واستباحة دماء المخالفين، في حين تطورت الإباضية إلى مدرسة دينية وفقهية مستقلة استمرت عبر القرون. كما أن مصطلح «الخوارج» استُخدم في المصادر الإسلامية بمعانٍ مختلفة، ولم يكن بالضرورة الاسم الذي اختارته جميع الجماعات لنفسها. لذلك تقتضي الدراسة التاريخية التمييز بين المحكّمة الأوائل، والحرورية، والأزارقة، والنجدات، والصفرية، والعجاردة، والإباضية، مع تتبع أبرز قادة هذه الاتجاهات وتواريخ وفاتهم أو مقتلهم، وعدم إسقاط المواقف التي ظهرت في مرحلة متأخرة على جميع الجماعات التي سبقتها.

أولًا: الظروف السياسية لنشأة الخوارج وظهور المحكّمة والحرورية (35–38هـ/656–658م)
تعود الجذور التاريخية لنشأة الخوارج إلى الأحداث التي أعقبت مقتل الخليفة عثمان بن عفان سنة 35هـ/656م، حين بويع علي بن أبي طالب بالخلافة، لكنه واجه معارضة سياسية طالبت بالقصاص من قتلة عثمان. وتطورت الأزمة إلى معركة الجمل سنة 36هـ/656م، ثم إلى الصراع مع معاوية بن أبي سفيان، والي الشام، الذي لم يعترف بخلافة علي قبل الاقتصاص من قتلة عثمان.
وفي سنة 37هـ/657م، وقعت معركة صفين بين الطرفين، واستمر القتال حتى رُفعت المصاحف ودُعي إلى الاحتكام إلى كتاب الله. وقَبِل علي مبدأ التحكيم بعد ضغط من جماعات داخل جيشه، رغم اعتراضه على الظروف التي جرى فيها توظيف رفع المصاحف. وأثار هذا القرار اعتراض عدد من أنصاره الذين رفعوا شعار «لا حكم إلا لله»، ورأوا أن قبول التحكيم البشري في النزاع يمثل مخالفة لحكم الله.
انسحبت جماعة من هؤلاء إلى حروراء بالقرب من الكوفة، فأُطلق عليهم اسم الحرورية نسبةً إلى الموضع الذي نزلوا فيه، كما عُرفوا باسم المحكّمة الأولى بسبب موقفهم الرافض للتحكيم. أما تسمية «الخوارج»، فقد اتسع استعمالها لاحقًا لتشمل جماعات متعددة خرجت على السلطة التي رفضت شرعيتها، وإن اختلفت هذه الجماعات في معتقداتها وأحكامها.
ولا ينبغي افتراض أن الحرورية الأوائل كانوا يتبنون منذ البداية جميع الآراء التي عُرفت لاحقًا عند الأزارقة وغيرهم؛ فقد كان الاعتراض على التحكيم نقطة الانطلاق التاريخية، ثم تبلورت المواقف العقدية تدريجيًا، وظهرت اختلافات واسعة حول حكم المخالفين ومرتكبي الكبائر.
حاول علي بن أبي طالب معالجة الأزمة بالحوار، وناقش المعترضين في تفسيرهم للشعار الذي رفعوه، لكن الخلاف لم ينتهِ إلى تسوية دائمة. وفي سنة 38هـ/658م، وقعت معركة النهروان بين جيش علي والخوارج، وانتهت بهزيمتهم ومقتل عدد كبير منهم، ومن أبرز قادتهم عبد الله بن وهب الراسبي، الذي تذكره الروايات بوصفه قائدًا للمحكّمة في تلك المرحلة.
ومع أن معركة النهروان أضعفت الحركة عسكريًا، فإنها لم تقضِ عليها؛ فقد بقي أفراد وجماعات يحملون أفكارها، وانتشرت اتجاهات خارجية في مناطق مختلفة، وأخذت تنقسم إلى فرق ذات تصورات متباينة بشأن الإمامة والتكفير والقتال.
أما علي بن أبي طالب، فقد اغتيل في الكوفة سنة 40هـ/661م على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي، الذي تنسبه المصادر إلى الخوارج. غير أن جريمة ابن ملجم لا تبرر تعميم موقفه على كل الفرق الخارجية التي ظهرت لاحقًا، كما لا تثبت أن جميع من اعترضوا على التحكيم كانوا متفقين على اغتيال علي أو على تكفيره.

ثانيًا: أبو بلال مرداس بن أُدَيّة وبداية التمايز بين اتجاهات الخوارج
بعد معركة النهروان، لم تختفِ المعارضة الخارجية، بل ظهرت شخصيات حاولت مقاومة الحكم الأموي من دون تبني جميع صور العنف التي ارتبطت لاحقًا بالأزارقة. ومن أبرز هذه الشخصيات أبو بلال مرداس بن أُدَيّة التميمي، الذي ارتبط اسمه باتجاه خارجي اتسم بالزهد والتشدد في معارضة الظلم، مع اختلافه عن جماعات أخرى في أساليب المواجهة.
تذكر الروايات أن مرداس خرج في عهد عبيد الله بن زياد، والي العراق، وقُتل سنة 61هـ/680م تقريبًا، وإن اختلفت الروايات في تفاصيل مقتله وسياقه. وقد اكتسب مكانة مهمة في الذاكرة الخارجية، ولا سيما لدى الاتجاهات التي أرادت التمييز بين المعارضة القائمة على الورع الديني وبين الغلو في تكفير المخالفين واستباحة دمائهم.
وتكشف سيرته عن أن الخوارج لم يكونوا منذ البداية كتلة واحدة تتبنى سياسة موحدة تجاه السلطة والمجتمع؛ فقد ظهرت داخلهم اتجاهات متباينة بشأن استخدام القوة، وموقفهم من المسلمين الذين لا يوافقونهم، وحدود الخروج على الحاكم.

ثالثًا: الأزارقة ونافع بن الأزرق واستباحة دماء المخالفين (64–65هـ/684–685م)
شهدت الفتنة الثانية، التي أعقبت وفاة يزيد بن معاوية سنة 64هـ/683م، انقسامات سياسية واسعة، ووجدت الجماعات الخارجية فرصة لإعادة تنظيم صفوفها. وفي هذا السياق برز نافع بن الأزرق الحنفي، الذي أصبح قائدًا لاتجاه عُرف باسم الأزارقة، نسبةً إليه.
انتقل نافع وأتباعه إلى الأهواز ومناطق من جنوب غربي فارس(= ايران الحالية)، واتخذوا منها قواعد لمقاومة السلطات القائمة. وقد تميزت الأزارقة بتشددها في مسائل الإيمان والكفر والانتماء إلى الجماعة، ورفضت الاتجاهات التي رأت أنها تتساهل مع المخالفين أو تقبل البقاء تحت سلطة لا تعترف بشرعيتها.
ومن أبرز ما نُسب إلى الأزارقة تكفير المسلمين الذين لم يوافقوهم، واشتراط الهجرة إلى جماعتهم وفق تصوراتهم الخاصة، واعتبار البقاء مع المخالفين دليلًا على فساد الاعتقاد. كما نسبت إليهم كتب الفرق إباحة قتل النساء والأطفال من مخالفيهم، وهي من أكثر المسائل التي تميزت بها عقيدتهم المتشددة.
ولا تعني هذه الأحكام أن كل الجماعات الخارجية تبنت الموقف نفسه؛ بل إن الخلاف حولها أسهم في انقسام الحركة نفسها. فقد رفضت اتجاهات خارجية أخرى عددًا من مواقف الأزارقة، ولم تجعل جميع المخالفين في حكم واحد، ولم تتبنَّ بالضرورة استباحة دماء النساء والأطفال.
قُتل نافع بن الأزرق سنة 65هـ/685م في معركة دولاب بالأهواز، وفق التأريخ الذي ترجحه مراجع تاريخية حديثة، بعد مواجهات مع القوات التابعة لابن الزبير. ولم يؤدِّ مقتله إلى نهاية الأزارقة، إذ تولى قيادتهم بعده قطري بن الفجاءة، الذي استمر في مقاومة السلطات الأموية في فارس وكرمان.
وقد استمر قطري في قيادة الأزارقة سنوات طويلة، واتخذ لنفسه لقب «أمير المؤمنين»، وضرب نقودًا تحمل نقوشًا عربية وبهلوية، في دلالة على محاولته إقامة سلطة سياسية مستقلة. وتوفي نحو سنة 78هـ/697م بحسب التأريخ الشائع، بعد صراع طويل مع القوات الأموية.
أما القضاء على الأزارقة بوصفهم قوة عسكرية كبرى، فقد تحقق تدريجيًا خلال حملات المهلب بن أبي صفرة، الذي كان من أبرز قادة الدولة في قتالهم. ولا يصح ربط نهاية الفرقة بمقتل نافع وحده؛ فقد استمرت بعده، وإن فقدت لاحقًا قدرتها على تهديد الدولة على النطاق نفسه.
رابعًا: النجدات ونجدة بن عامر والخلاف مع الأزارقة (65–72هـ/685–692م)
تزامن صعود الأزارقة مع ظهور اتجاه آخر ارتبط بـ نجدة بن عامر الحنفي، الذي أسس جماعة عُرفت بالنجدات. وقد نشأ الانقسام بين أتباع نافع بن الأزرق وأتباع نجدة بسبب خلافات تتعلق بالتكفير والهجرة وشروط الانضمام إلى الجماعة، وبسبب رفض بعض الخوارج غلو الأزارقة في أحكام المخالفين.
تمكن النجدات خلال فترة من السيطرة على مناطق في اليمامة والبحرين وحضرموت، كما امتد نفوذهم إلى أجزاء من الجزيرة العربية. وقد اختلفوا عن الأزارقة في عدد من الأحكام، ومن بينها المواقف المتعلقة بمن لا يهاجر إلى جماعتهم، وحكم بعض المسلمين المخالفين لهم. غير أن هذا الاختلاف لا يعني أن النجدات تخلوا عن جميع المواقف المتشددة، فقد ظلت لديهم تصورات خاصة بشأن الإيمان والإمامة والسلطة.
وانقسم النجدات بدورهم، إذ اعترض بعض أتباعهم على آراء نجدة وسياساته، واتسع الخلاف إلى حد خلعه وقتله. وقُتل نجدة بن عامر سنة 72هـ/691م تقريبًا، وفق التأريخ الشائع، على يد جماعة من أتباعه المعارضين، ثم برز أبو فُدَيك قائدًا لاتجاه منهم.
ولم يستمر نفوذ أبي فديك طويلًا؛ فقد هُزمت قواته أمام القوات الأموية سنة 73هـ/692م تقريبًا، وقُتل في المعركة. وهكذا انتهت النجدات بوصفها قوة سياسية كبرى، لكن خلافاتها ظلت مهمة في تاريخ الفرق الخارجية، لأنها تظهر أن التنازع حول تكفير المخالفين واستباحة دمائهم كان من أسباب الانشقاق الداخلي، وليس مجرد خلاف نظري هامشي.

خامسًا: الصفرية وشبيب بن يزيد الشيباني والثورات في العراق
ظهرت الصفرية ضمن الاتجاهات الخارجية التي تمايزت في أواخر القرن الأول الهجري، واختلفت عن الأزارقة في عدد من المسائل المتعلقة بالتكفير وحكم المخالفين. وتُنسب التسمية إلى صفر بن يعسوب، بحسب ما تذكره بعض كتب الفرق، لكن تاريخ نشأة الفرقة وتحديد دور مؤسسها ليسا واضحين بالدرجة نفسها التي تتضح بها سيرة قادة الأزارقة.
ومن أبرز الشخصيات المرتبطة بالحركات الخارجية المسلحة في العراق شبيب بن يزيد الشيباني، الذي قاد ثورة واسعة ضد الدولة الأموية في أواخر القرن الأول الهجري. وقد ألحق بقوات الدولة هزائم متتابعة، وهدد الكوفة ومناطق أخرى، واضطرت السلطات إلى تعبئة قوات كبيرة لمواجهته.
وقُتل شبيب سنة 77هـ/696م تقريبًا، بعد أن سقط في نهر أثناء فراره في إحدى المواجهات، وفق الرواية التاريخية المشهورة. ولا ينبغي تصنيفه بصورة قطعية ضمن الصفرية دون بيان اختلاف المصادر في تحديد الانتماء المذهبي الدقيق لبعض قادة الحركات الخارجية؛ فالتصنيفات التي أوردتها كتب الفرق لم تكن دائمًا متطابقة.
وتُظهر ثورة شبيب أن الخوارج لم يقتصروا على الاحتجاج العقدي، بل شكلوا في بعض المراحل قوة عسكرية هددت استقرار الدولة الأموية، واستطاعت الاستفادة من التوترات القبلية والظروف السياسية المضطربة.
سادسًا: العجاردة والانقسامات الداخلية
ارتبطت العجاردة بعبد الكريم بن عجرد، الذي ظهر ضمن الاتجاهات الخارجية في أواخر القرن الأول الهجري. وقد تميز هذا الاتجاه بتعدد فروعه واختلاف أتباعه في قضايا عقدية وفقهية، منها الهجرة، وحكم الأطفال، وحدود التكفير، وطبيعة الانتماء إلى الجماعة.
ولا تتوافر تواريخ ثابتة ومتفق عليها لوفاة عبد الكريم بن عجرد، كما أن أخبار بعض فروع العجاردة وقادتها أقل وضوحًا من أخبار الأزارقة والنجدات. ولهذا ينبغي تجنب تقديم تواريخ دقيقة لوفاة شخصياتها ما لم تدعمها مصادر تاريخية محددة.
وتكشف هذه الانقسامات أن الحركة الخارجية لم تكن ذات قيادة مركزية موحدة؛ بل تشكلت من جماعات مستقلة نسبيًا، كانت تنشأ وتندمج وتنقسم بحسب الخلافات العقدية والسياسية والظروف الإقليمية. كما أن بعض الخلافات تناول مسائل شديدة التفصيل، لكنها كانت قادرة على إنتاج انقسامات كبيرة عندما ارتبطت بتحديد من يُعد عضوًا في الجماعة ومن يجوز التعامل معه بوصفه مخالفًا.
سابعًا: الإباضية وجابر بن زيد وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة
تحتل الإباضية موقعًا مختلفًا في تاريخ الخوارج؛ فقد ارتبطت بجذور الحركة الخارجية المبكرة، لكنها تطورت إلى مدرسة دينية وفقهية مستقلة، ورفضت عددًا من المواقف المتشددة التي نُسبت إلى الأزارقة، ولا سيما التوسع في تكفير المسلمين واستباحة دماء المخالفين.

ومن أبرز الشخصيات المرتبطة بالتاريخ المبكر للإباضية جابر بن زيد الأزدي، العالم الذي عاش في البصرة، وتوفي نحو سنة 93هـ/711م أو سنة 103هـ/721م، بحسب اختلاف الروايات. ويُعد جابر من الشخصيات المركزية في الذاكرة العلمية الإباضية، وإن كانت طبيعة علاقته بالتنظيم المبكر للحركة وتفاصيل دوره التاريخي موضع بحث بين الدارسين.
كما برز أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، الذي عاش في القرن الثاني الهجري، وأدى دورًا مهمًا في تنظيم التعليم الإباضي وإرسال الدعاة إلى مناطق مختلفة من العالم الإسلامي. ولا يتوافر تاريخ وفاة ثابت ومتفق عليه له، ولذلك يُكتفى بوضع نشاطه في سياق القرن الثاني الهجري بدل اختلاق تاريخ محدد.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الإباضية اتجهت إلى تنظيم نشاطها الديني من خلال التعليم وإرسال العلماء والدعاة، بدل الاعتماد على الثورة المسلحة وحدها. وقد ساعد هذا النهج على انتشارها في مناطق بعيدة عن البصرة، وتأسيس مجتمعات دينية استمرت قرونًا.
وفي عُمان، تطور المذهب الإباضي إلى تقليد ديني وسياسي راسخ، كما انتشر في شمال أفريقيا. وقد أقام الإباضيون دولة الرستميين في تاهرت، وكان من أبرز مؤسسيها عبد الرحمن بن رستم، الذي توفي سنة 171هـ/788م تقريبًا. وتمثل هذه الدولة محطة مهمة في انتقال الإباضية من مرحلة الجماعات المعارضة إلى بناء مؤسسات سياسية وعلمية مستقرة.
كما برز الربيع بن حبيب في التراث الحديثي الإباضي، لكن تفاصيل حياته وتاريخ وفاته محل اختلاف، ولا يصح الجزم بتاريخ محدد دون توثيق مستقل.
وتؤكد هذه المسيرة أن الإباضية لا يمكن اختزالها في تاريخ الأزارقة أو في المواقف التي نسبت إلى أكثر الفرق الخارجية تشددًا. فالتشابه في بعض الجذور التاريخية لا يلغي الاختلافات العقدية والفقهية التي تبلورت لاحقًا.
ثامنًا: الخوارج في العصر العباسي وحمزة بن آذرك (179–213هـ/795–828م)
لم تنتهِ الحركات الخارجية بسقوط الدولة الأموية سنة 132هـ/750م، بل استمرت في مناطق متعددة، ولا سيما في سجستان وخراسان وأجزاء من بلاد فارس. وقد ارتبط استمرارها بعوامل دينية وسياسية واجتماعية، من بينها معارضة سلطة الخلافة، والاحتجاج على سياسات الولاة والجباية، والتوترات المحلية.
ومن أبرز قادة هذه المرحلة حمزة بن آذرك، المعروف أيضًا بحمزة الخارجي، الذي بدأ حركته في سجستان نحو سنة 179هـ/795م. وامتد نشاطه إلى سجستان وخراسان، ودخل في مواجهات مع القوات العباسية، كما اتخذ لنفسه لقب «أمير المؤمنين». وقد عكست حركته أبعادًا اجتماعية وسياسية، إلى جانب خلفيتها الدينية، إذ استهدفت سلطات الدولة وجباة الضرائب، وأثرت في استقرار الأقاليم الشرقية.
واستمرت حركة حمزة نحو ثلاثة عقود، وتمكنت من إزعاج السلطات العباسية في عهد هارون الرشيد وخلفائه. وتوفي حمزة في جمادى الآخرة سنة 213هـ/أغسطس–سبتمبر 828م، لكن وفاته لم تؤدِّ إلى اختفاء النشاط الخارجي في المنطقة؛ فقد بقيت جماعات مسلحة وتقاليد معارضة استمرت في بعض مناطق المشرق الإسلامي.

وتكتسب هذه المرحلة أهميتها من أنها توضح أن الخوارج لم يكونوا ظاهرة محصورة في الفتنة الكبرى أو العصر الأموي، بل استمر بعض اتجاهاتهم في ظروف سياسية مختلفة، وتفاعلت مع المجتمعات المحلية وقضايا السلطة والضرائب والعدالة.
تاسعًا: تراجع الحركات الخارجية المسلحة واستمرار التقاليد المذهبية
شهدت القرون اللاحقة تراجعًا تدريجيًا لعدد من الحركات الخارجية المسلحة، نتيجة الحملات العسكرية التي شنتها الدولتان الأموية والعباسية، وتغير الظروف السياسية، وانقسامات الجماعات نفسها. ولم يحدث هذا التراجع في وقت واحد؛ فقد انتهت بعض الفرق بوصفها قوى سياسية مستقلة، بينما بقيت جماعات أخرى في مناطق مختلفة، وتطورت تقاليدها الدينية.
وفي سجستان، استمرت جماعات خارجية حتى القرن الثالث الهجري وما بعده، ثم أسهم صعود الصفاريين في إضعاف وجودها العسكري والسياسي. وتدل هذه التطورات على أن نهاية قائد أو هزيمة جيش لا تعني بالضرورة اختفاء الفكرة التي حملتها الجماعة، فقد تستمر بعض المعتقدات أو الجماعات المحلية بعد زوال التنظيم السياسي.
أما الإباضية، فقد حافظت على وجودها من خلال المؤسسات العلمية والفقهية والمجتمعات الدينية، في عُمان وشمال أفريقيا وغيرهما. وبذلك اختلف مسارها عن مسار الأزارقة والنجدات، اللتين انتهتا بوصفهما قوتين سياسيتين كبيرتين في وقت مبكر نسبيًا.
ومن المهم أيضًا التمييز بين استمرار بعض التقاليد المذهبية الخارجية وبين استمرار الاسم نفسه؛ فالمصادر الإسلامية استخدمت لفظ «الخوارج» أحيانًا استعمالًا واسعًا يشمل جماعات متباينة، كما استخدمته في سياقات جدلية لوصف حركات معارضة. ولهذا يحتاج تحديد الانتماء المذهبي لكل حركة إلى فحص المصادر التاريخية، وعدم الاكتفاء بالتسميات التي أطلقها الخصوم.
خاتمة
يتبين من هذا العرض أن الخوارج نشأوا في سياق الفتنة الكبرى(35 -41هـ/655-661م)، وأن التحكيم بعد معركة صفين كان الحدث المباشر الذي أدى إلى انشقاق المحكّمة الأولى، المعروفة أيضًا بالحرورية. ثم تطورت الحركة إلى فرق متعددة، من أبرزها الأزارقة والنجدات والصفرية والعجاردة والإباضية، واختلفت هذه الفرق في مسائل جوهرية تتعلق بالإيمان والكفر ومرتكب الكبيرة والإمامة والهجرة وموقفها من المسلمين المخالفين.
وتوضح هذه المسيرة أن دراسة الخوارج لا ينبغي أن تقتصر على المعارك والثورات، بل يجب أن تتناول تطور أفكارهم، وأسباب انقساماتهم، والفروق بين مواقفهم من التكفير والقتال. كما تقتضي التمييز بين الروايات التاريخية المبكرة والتصنيفات المذهبية اللاحقة، لأن بعض التفاصيل المتعلقة بقادة الفرق وتواريخ وفاتهم ومعتقداتهم لا تزال محل اختلاف بين المصادر.



#فرست_مرعي (هاشتاغ)       Farsat_Marie#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نشأة المذهب الشيعي وتطوره عبر القرون: من الخلاف على الخلافة ...
- من مدارس الصحابة في الكوفة والمدينة ومكة إلى نشأة المذاهب ال ...
- عثمان بن عفان وسخاء العطاء: من سقاية بئر رومة إلى الوقف الخي ...
- الأمير محمد الرواندزي: مشروع الدولة الكردية في القرن التاسع ...
- حكومة علي الزيدي ومعادلة إضعاف الكورد: هل تتغير قواعد الشراك ...
- بين الأصالة والمعاصرة في كردستان: الهوية الإسلامية وتحديات ا ...
- كوردستان بين إيمان الهوية وارتهان السياسة: هل يتخلى الغرب عن ...
- براهين وجود الله ومواجهة الإلحاد المعاصر: قراءة عقلية في ترا ...
- سلاح الفصائل العراقية بين الدولة والمحور: قراءة في مواقف الإ ...
- الرد على الإلحاد وصوره في ضوء القرآن والسنة والفقه الإسلامي
- تحولات الخطاب الإلحادي المعاصر: نقد المرجعية الدينية وتعدد م ...
- مؤسسات الإلحاد المعاصر ودورها في تعزيز المشروع اللاديني
- الكتاب خلف القضبان: سجن الموصل سنة 1984م وشهادة على الرقابة ...
- الدولة والقبيلة في الشرق الأوسط: صراع السلطة بين الإدارة الم ...
- ديوالي آغا الدوسكي: الزعامة العشائرية والدور الاجتماعي والسي ...
- عام الفيل بين الرواية الإسلامية والقراءات الاستشراقية الحديث ...
- من اللاهوت إلى الاحتجاج السياسي: الكلدان والسريان والآشوريون ...
- من العمادية إلى روما: قصة بطرس جيسي... أول كردي مسلم توثّق ا ...
- الملا أمين الباطوفي الكولي... كلمة حق في زمن الأنفال، وكفاح ...
- الإرساليات البروتستانتية والنشاط التبشيري في كردستان العراق ...


المزيد.....




- نائب من حزب -البديل-: الألمان يرغبون في وقف إمدادات المساعدا ...
- تقرير أمريكي عن أهداف تدرس واشنطن وتل أبيب ضربها في إيران
- -كان-: تحفظات أمنية إسرائيلية على مهاجمة إيران قبل الانتخابا ...
- سوريا.. القوات الإسرائيلية تنشر قناصين فوق منازل المدنيين أث ...
- الرئيس التنفيذي لمصر الخير : التعاون بين التضامن و المجتمع ا ...
- مايا مرسي: 52.5 مليار جنيه تمويلًا تراكميًا للعمل الأهلي خلا ...
- مايا مرسي: 8.3 مليون أسرة استفادت من «تكافل وكرامة».. ولا قو ...
- مايا مرسي: دعم 149 ألف طالب من الأسر الأولى بالرعاية بالجامع ...
- التضامن : الموافقة على 1,828 منحة أجنبية بقيمة 13 مليار جنيه ...
- 7 مليارات متأخرات النفقة .. هل تنجح إجراءات التحصيل في إنقاذ ...


المزيد.....

- المرأة ملاك أم شيطان؟ / مريوان هلبجي
- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - فرست مرعي - نشأة الخوارج وتطورهم عبر التاريخ الإسلامي