|
|
بين نقد التروتسكية وحدود النقد الماوي: من يفسر هزيمة الثورة؟
سعد بن علال
الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 22:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إن مقال عادل المغربي، «أزمة التجربة السوفياتية وحدود النقد التروتسكي»، يطرح أسئلة مشروعة حول الطريقة التي تستعمل بها أزمة الاتحاد السوفياتي لتأكيد صحة أطروحات تروتسكي بأثر رجعي، فمن المؤكد أن انهيار تجربة تاريخية لا يمنح صك براءة تلقائيا لكل من عارضها، مثلما أن كشف أخطاء ستالين لا يكفي وحده لإثبات صحة البرنامج التروتسكي برمته، لكن الإشكال يبدأ حين يتحول هذا الاعتراض المنهجي إلى مدخل لإعادة بناء سردية مقابلة، تصبح فيها التجربة الصينية والسجال الصيني السوفياتي المرجعية الأساسية لتفسير الأزمة السوفياتية، ويعاد من خلالها توزيع أحكام الصواب والخطأ بين التيارات المتنازعة داخل الحركة الشيوعية.
إن تجاوز التروتسكية لا يتحقق بمجرد إثبات حدودها، مثلما أن تجاوز الستالينية لا يتحقق بإعادة الاعتبار إلى ماوية لا تخضع بدورها للنقد التاريخي، فالماركسية ليست محكمة لتبرئة هذا القائد وإدانة ذاك، ولا أرشيفا ننتقي منه النصوص التي تؤكد صحة مواقفنا السابقة، إنها قبل كل شيء، منهج لفهم المجتمع والصراع الطبقي، واختبار النظريات في ضوء حركة الواقع، لا في ضوء قدرة كل تيار على بناء رواية متماسكة عن انتصاراته وهزائمه.
أولا: هل تكفي هزيمة التروتسكية لإسقاط نقدها للستالينية؟
يصيب المقال حين يرفض الاستنتاج الآلي الذي ينتقل من إخفاق التجربة السوفياتية إلى إثبات صحة التروتسكية، لكنه يظل مطالبا بتطبيق المعيار نفسه على الأطروحات التي يدافع عنها، فإذا كان عجز الأممية الرابعة عن التحول إلى قيادة جماهيرية منتصرة يطرح أسئلة جدية حول استراتيجيتها وبرنامجها وعلاقتها بالحركة العمالية، فإن انتصار الثورة الصينية سنة 1949 لا يكفي، في المقابل لإثبات صحة جميع الاستنتاجات النظرية والسياسية التي طورتها القيادة الماوية لاحقا.
فالانتصار الثوري ليس برهانا مطلقا على صحة كل عناصر النظرية التي استرشد بها المنتصر، كما أن الهزيمة ليست دليلا قاطعًا على خطأ كل ما دافع عنه المهزوم، التاريخ أكثر تعقيدا من هذه المعادلة، قد تنتصر حركة بفضل قدرتها على استيعاب تناقضات مرحلة معينة، ثم تعجز عن حل التناقضات التي تنتجها سلطتها الجديدة، وقد تقصى أقلية ثورية من قيادة حزبها، دون أن يعني ذلك أن جميع تقديراتها كانت صحيحة أو أن برنامجها كان كافيا لحل المشكلات التي واجهتها الثورة.
لهذا ينبغي أن يطرح السؤال بصورة مزدوجة: لماذا عجزت التروتسكية عن التحول إلى قوة جماهيرية قادرة على قيادة الثورة الاشتراكية؟ ولماذا لم تتمكن التجربة الصينية، رغم انتصارها التاريخي وما حققته من تحولات اجتماعية، من ضمان استمرار السيطرة المباشرة للمنتجين على السلطة ووسائل الإنتاج، وانتهت إلى مسار توسعت فيه علاقات السوق والملكية الرأسمالية الخاصة؟
إن وضع السؤال الثاني إلى جانب الأول يمنع تحويل النقد إلى امتياز تمنحه النتائج التاريخية لطرف دون آخر، ويعيد النقاش إلى ميدانه الحقيقي: العلاقة بين البرنامج الثوري، والبنية الاجتماعية، وأشكال السلطة والتنظيم، والقدرة على مواجهة التناقضات التي تنشأ بعد انتصار الثورة.
ثانيا: البيروقراطية ليست تفسيراومكتملا، والتروتسكية ليست مجرد نقد للقيادة
يقدم المقال نقدا مهما للتصور الذي يختزل الأزمة السوفياتية في انحرافات ستالين الشخصية، ويشدد على ضرورة البحث عن الأسس الاجتماعية للبيروقراطية والتحريفية، غير أن هذا المنظور لا ينبغي أن يتحول إلى اختزال معاكس، تصبح فيه كل التحولات السياسية تعبيرا مباشرا عن مصالح فئة اجتماعية متبلورة داخل أجهزة الدولة والحزب.
إن تفسير صعود البيروقراطية يقتضي تحليل الظروف المادية التي ساعدت على نموها: عزلة الثورة، وتراجع المبادرة المستقلة للطبقة العاملة، والدمار الاقتصادي، وتراجع التنظيمات العمالية المستقلة، واتساع تقسيم العمل، واحتكار أجهزة الحزب والدولة لقرارات الإنتاج والتوزيع، كما يقتضي فهم كيفية تحول هذه الشروط إلى علاقات سياسية ومؤسساتية تعيد إنتاج انفصال الحكام عن المحكومين.
لكن هذا التحليل يظل ناقصا إذا لم يحدد طبيعة السلطة الناتجة عن هذه السيرورة، وحدود استقلال البيروقراطية، والعلاقة بين امتيازاتها وبين الملكية العامة، ومدى استمرار التناقض بين مصالحها ومصالح المنتجين المباشرين، فالبيروقراطية ليست بالضرورة طبقة رأسمالية مكتملة لمجرد تمتعها بامتيازات إدارية، كما أن غياب الملكية الخاصة الفردية لا يكفي وحده لإثبات أن العمال يمارسون السلطة فعلا.
وهنا تبرز أهمية نقد التصور الذي يجعل تأميم وسائل الإنتاج مرادفا للاشتراكية، فالملكية العامة لا تكتسب مضمونها الاشتراكي من صيغتها القانونية وحدها، بل من طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تنظم الإنتاج، ومن الجهة التي تقرر كيفية استخدام الفائض الاجتماعي، ومن قدرة العمال والفلاحين على مراقبة أجهزة الإدارة ومحاسبتها والمشاركة الفعلية في اتخاذ القرار.
غير أن هذه الإشكالية لا تخص التجربة السوفياتية وحدها، ولا يجوز التعامل معها كما لو أن النقد الماوي قد حسمها نهائيا، فإذا كانت الثورة الثقافية قد حاولت مواجهة خطر إعادة الرأسمالية عبر تعبئة الجماهير ضد الاتجاهات البيروقراطية، فإن تقييمها لا يمكن أن يقتصر على الأهداف المعلنة أو على الخطاب الذي رفعته قيادتها، بل ينبغي أن يشمل نتائجها الفعلية، وأشكال التنظيم المستقلة التي أتاحت للجماهير بناء سلطتها، وحدود قدرتها على مراقبة القيادة السياسية نفسها، وما إذا كانت التعبئة الجماهيرية قد أفضت إلى مؤسسات دائمة للديمقراطية العمالية أم ظلت رهينة الصراع داخل قمة الحزب.
إن السؤال الحاسم ليس فقط: من يقود الدولة؟ بل أيضا: كيف تستطيع الطبقة العاملة أن تفرض رقابتها على من يقودها، وأن تغير قيادتها، وأن تصحح مسار السلطة دون أن تحتاج إلى إذن من الجهاز الذي يفترض أن تراقبه؟
ثالثا: الثورة العالمية ليست نقيض البناء الاشتراكي
يضع المقال مسألة بناء الاشتراكية في بلد واحد في سياق تاريخي، ويشير بحق إلى ضرورة التمييز بين انتصار الثورة في بلد معين وبين إمكان استكمال التحول الاشتراكي في ظل استمرار الهيمنة الرأسمالية العالمية، لكن الخلاف بين ستالين وتروتسكي لا يمكن حسمه بالقول إن البناء الاشتراكي داخل حدود دولة واحدة كان ضرورة تاريخية، لأن هذا الجواب يفسر ضرورة الحفاظ على السلطة السوفياتية، لكنه لا يحسم وحده طبيعة الاستراتيجية المطلوبة لتطويرها.
لم يكن جوهر النقد التروتسكي مجرد الاعتراض على بناء الاقتصاد داخل الاتحاد السوفياتي، ولا الدعوة إلى انتظار الثورة العالمية قبل الشروع في التحولات الاجتماعية، فقد ارتبط نقده أيضا بمخاطر تحول العزلة الدولية إلى أساس لاستقلال الجهاز البيروقراطي عن الطبقة العاملة، وبكيفية تأثير المصالح الدبلوماسية للدولة السوفياتية في سياسات الحركة الشيوعية العالمية.
ويمكن رفض الاستنتاجات التروتسكية التي لا تصمد أمام الاختبار التاريخي، دون تجاهل هذا السؤال المركزي: كيف يمكن لدولة خرجت من ثورة عمالية أن تحافظ على طابعها الثوري، إذا أصبحت المحافظة على مصالح جهازها الإداري والدبلوماسي معيارا يحدد سياسة الأحزاب الشيوعية ونضالات الطبقات العاملة في البلدان الأخرى؟
إن الثورة العالمية ليست شعارا يضاف إلى برنامج وطني مكتمل، كما أن البناء الاقتصادي داخل دولة واحدة لا يشكل بديلا عن الأممية، فالعلاقة بينهما جدلية: تحتاج السلطة الثورية إلى تطوير قاعدتها الاقتصادية والاجتماعية، لكنها تحتاج أيضا إلى توسيع مجال الثورة عالميا حتى لا تتحول العزلة إلى عامل يعيد إنتاج التراتب والامتيازات داخل الدولة والحزب.
ولذلك فإن المعيار ليس المفاضلة المجردة بين شعار الثورة الدائمة وشعار البناء الاشتراكي في بلد واحد، بل تحديد الاستراتيجية القادرة على الجمع بين الدفاع عن مكاسب الثورة، وتوسيع الديمقراطية العمالية، ودعم الثورات الأخرى، ومنع إخضاع مصالح الطبقة العاملة العالمية لحسابات الدولة القائمة.
رابعا: السجال الصيني السوفياتي ليس كلمة الفصل في تاريخ الاشتراكية
يمنح المقال السجال الصيني السوفياتي مكانة مركزية، معتبرا أن أطروحات الحزب الشيوعي الصيني حول استمرار الصراع الطبقي في المجتمع الاشتراكي تساعد على فهم التحولات التي مهدت لاستعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفيات، وهذه مساهمة تستحق المناقشة، خصوصا حين ترفض الاعتقاد بأن تغيير الملكية القانونية يكفي وحده لإلغاء التناقضات الاجتماعية.
لكن ينبغي التمييز بين القيمة التفسيرية لبعض أطروحات السجال وبين تحويلها إلى نظرية مكتملة تفسر مجمل تاريخ الاتحاد السوفياتي، فالتنبؤ بإمكان نشوء اتجاهات رأسمالية داخل الحزب والدولة لا يساوي وحده تقديم تفسير شامل لكيفية نشأتها، ولا يثبت أن التوصيفات الطبقية التي صاغتها القيادة الصينية كانت دقيقة في جميع مراحل الصراع.
كما أن انتقاد التعايش السلمي حين يتحول إلى إخضاع الثورات لمصالح الدبلوماسية السوفياتية لا يبرر رفض كل أشكال التفاوض أو التعايش بين الدول، والمسألة هنا، كما في قضية الانتقال السلمي، ليست تقديس شكل معين من الصراع، بل تحديد الشروط التي يصبح فيها خيار سياسي ما أداة لتطوير النضال الطبقي، أو وسيلة لاحتوائه وإخضاعه.
ومن الضروري كذلك التمييز بين الدفاع عن التجربة السوفياتية في مواجهة التصفية الليبرالية وبين تبرير سياسات القيادة السوفياتية، فليس ثمة تناقض بين الاعتراف بإنجازات التخطيط والتصنيع والتعليم والصحة، وإدانة القمع السياسي وإضعاف المبادرة العمالية، كما لا يجوز جعل هذه الإنجازات دليلا على أن السلطة ظلت، في جميع مراحلها، تعبيرا مباشرا عن مصالح الطبقة العاملة.
إن التاريخ لا يقدم لنا خيارا بين تمجيد الاتحاد السوفياتي أو إنكار كل ما أنجزه، بل يفرض علينا فهم كيف أمكن لتحقيق تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة أن يتزامن مع تضييق المجال السياسي المستقل للعمال، وكيف أمكن لهذه التناقضات أن تتفاقم حتى أصبحت الدولة عاجزة عن تجديد شرعيتها الاجتماعية وحماية ما تبقى من مكتسبات الثورة.
خامسا: الثورة الصينية وانتصار لا يعفي من المحاسبة التاريخية
يستند المقال إلى الثورة الصينية لتأكيد حدود التصورات التي تقلل من إمكان قيام ثورة ناجحة في بلد تسود فيه الفلاحية، وتقودها حركة شيوعية تستند إلى تحالف العمال والفلاحين، ولا شك أن انتصار الثورة الصينية سنة 1949 شكل حدثا تاريخيا بالغ الأهمية، وأظهر أن مسارات الثورة لا يمكن اختزالها في نموذج واحد.
لكن ينبغي التمييز بين نجاح حزب في الاستيلاء على السلطة وبين طبيعة المجتمع الذي يبنيه بعد ذلك، وبين قدرة حركة على هزيمة النظام القديم وقدرتها على منع نشوء علاقات هيمنة جديدة داخل النظام الذي أقامته.
إن الثورة الصينية طرحت مشكلات حقيقية تتعلق بالتحالفات الطبقية، وبالعلاقة بين الفلاحين والعمال، وبالاستقلال الوطني، وبكيفية الانتقال من التحرر من السيطرة القديمة إلى بناء علاقات اجتماعية اشتراكية، لكنها لم تحل هذه المشكلات بصورة نهائية بمجرد انتصارها العسكري والسياسي.
ومن هنا، فإن الثورة الثقافية نفسها تحتاج إلى تقييم مزدوج: من جهة، ينبغي أخذ محاولتها التصدي للبيروقراطية وخطر استعادة الرأسمالية على محمل الجد؛ ومن جهة أخرى، يجب فحص حدود الأشكال السياسية التي اتخذتها، وموقع العمال والجماهير في اتخاذ القرار، ومدى قدرتها على إقامة آليات مستقرة للمحاسبة الديمقراطية.
إن استدعاء الثورة الثقافية بوصفها دليلا على صحة التحليل الماوي، دون فحص نتائجها وتناقضاتها، يعيد إنتاج المنهج نفسه الذي ينتقده المقال لدى مايتان: الانتقال من وجود نقد صحيح إلى افتراض صحة الإطار النظري والسياسي بأكمله.
فالاختبار التاريخي لا ينتهي عند إسقاط طبقة حاكمة، ولا عند هزيمة جناح بيروقراطي داخل الحزب، بل يمتد إلى قدرة المجتمع الجديد على تحرير المنتجين من التبعية السياسية والاقتصادية، وتوسيع حريتهم في التنظيم والنقاش، وإخضاع أجهزة الدولة والحزب لرقابتهم المستمرة.
سادسا: هل تكفي أزمة القيادة لتفسير هزائم الثورة؟
يصل المقال في خاتمته إلى إحدى المشكلات المتكررة في الخطاب التروتسكي: الميل إلى تفسير هزائم الثورات أساسا بأزمة القيادة، وكأن الجماهير تمتلك دائمًا الشروط الموضوعية للانتصار، ولا يفصلها عنه سوى غياب قيادة تمتلك البرنامج الصحيح.
إن هذا النقد مهم، لكنه يحتاج إلى تدقيق، فليست جميع التيارات التروتسكية متطابقة في تفسير الهزائم، كما أن نقد مركزية القيادة لا يقتضي إهمال الدور الحاسم للبرنامج والتنظيم والاستراتيجية، فالقيادة الثورية ليست تفصيلا ثانويا، لكنها ليست قوة مستقلة عن المجتمع، قادرة على تعويض جميع الشروط الموضوعية والذاتية التي لم تنضج بعد.
وفي المقابل، لا يكفي أن نفسر الهزائم بالظروف الموضوعية أو بموازين القوى الدولية، فهذه العوامل لا تلغي مسؤولية التنظيمات السياسية عن خياراتها، ولا تعفينا من دراسة أثر سياساتها في إضعاف الحركة العمالية أو تقويتها، وفي توسيع استقلال الجماهير أو إخضاعها للأجهزة القائمة.
إن العلاقة بين القيادة والجماهير ليست علاقة طرف يمتلك الحقيقة وطرف ينتظر توجيهاته، إنها علاقة متبادلة تتشكل في النضال، ويختبر فيها البرنامج من خلال قدرة العمال على استيعابه وتطويره وممارسته، ومن خلال قدرة التنظيم على التعلم من التجربة وتصحيح أخطائه.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي توجيهه إلى التروتسكية لا يقتصر على سبب عجز الأممية الرابعة عن قيادة ثورة منتصرة، بل يشمل أيضا مدى قدرتها على فهم التحولات التي عرفتها الطبقة العاملة، وتطوير أشكال التنظيم الملائمة لها، وتجاوز الانقسامات المتكررة، وبناء قوة سياسية تتجاوز حدود المجموعات الصغيرة.
لكن السؤال نفسه يجب أن يوجه إلى الماوية وإلى كل تيار ثوري: هل استطاع بناء مؤسسات تتيح للمنتجين ممارسة السلطة بصورة مستقلة ومستدامة؟ هل قدم تفسيرا مقنعًا لانهيار التجارب التي استلهمته؟ وهل استطاع أن يحول نقد البيروقراطية إلى ضمانات سياسية واجتماعية تمنع إعادة إنتاجها؟
خاتمة: لا ثورة بلا نقد، ولا نقد بلا محاسبة
إن تجاوز حدود التروتسكية لا يمر عبر استبدال روايتها للتاريخ برواية مضادة تعيد الاعتبار إلى الستالينية أو الماوية، بل عبر بناء نقد مادي شامل لتجارب الثورة الاشتراكية، نقد لا يفصل البرنامج عن القوى الاجتماعية، ولا يفصل السلطة عن علاقات الإنتاج، ولا يفصل انتصار الثورة عن مصير الديمقراطية العمالية بعدها.
لقد أثبت انهيار الاتحاد السوفياتي أن الملكية العامة والتخطيط الاقتصادي لا يشكلان ضمانة أبدية ضد عودة الرأسمالية، لكنه لا يثبت، في المقابل، أن كل أطروحة تروتسكية كانت صحيحة، ولا أن السجال الصيني السوفياتي قدم إجابات نهائية عن جميع تناقضات الانتقال الاشتراكي.
إن القيمة الحقيقية لأي نظرية ثورية لا تكمن في قدرتها على تفسير أخطاء الآخرين فحسب، بل في استعدادها لإخضاع تجربتها الخاصة للنقد نفسه، فالتروتسكية مطالبة بتفسير إخفاقاتها التنظيمية والاستراتيجية، والماوية مطالبة بتفسير تناقضات التجربة الصينية ومآلاتها، والستالينية مطالبة بمواجهة مسؤوليتها عن تضييق المجال السياسي المستقل للطبقة العاملة، وعن السياسات التي أضعفت قدرتها على مراقبة السلطة وتصحيح مسارها.
إن القضية التي ينبغي أن تجمع النقد الماركسي ليست البحث عن تيار لم يخطئ، أو قيادة لم تنحرف، أو تجربة انتصرت مرة واحدة، بل البحث عن الشروط التي تجعل تحرر العمال عملا واعيا يقومون به بأنفسهم، لا مشروعا تنجزه أجهزة تتحدث باسمهم ثم تستقل عنهم.
فالاشتراكية ليست مجرد تغيير في ملكية وسائل الإنتاج، بل تحول في علاقات السلطة ذاتها؛ وليست انتصار حزب يدعي تمثيل الطبقة العاملة، بل تحرر الطبقة العاملة من كل علاقة تجعلها موضوعا لقرار الآخرين. ومن دون ديمقراطية عمالية فعلية، وتنظيم جماهيري مستقل، ورقابة مستمرة على أجهزة السلطة، يظل خطر إعادة إنتاج الهيمنة قائما، مهما كانت الشعارات الثورية التي ترفعها القيادة.
وهنا تحديدا ينبغي أن يبدأ النقاش من جديد: لا من سؤال من كان على حق في الصراع بين ستالين وتروتسكي، بل من سؤال كيف يمكن بناء ثورة لا تتحول انتصاراتها إلى مقدمات لهزيمتها، وكيف يمكن للطبقة العاملة أن تصبح صاحبة السلطة فعلا، لا مجرد مصدر لشرعيتها المعلنة.
#سعد_بن_علال (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نضالات الحركة التلاميذية في فرنسا
-
الذين يمشون على أقدامهم والذين يزحفون على مواقفهم
-
الفلاح المغربي المدافع عن العرش: حين تصبح البادية قاعدة لإعا
...
-
إسحاق دويتشر وتروتسكي: بين إنقاذ الذاكرة واغتيال الصورة السي
...
-
ليون تروتسكي: الثورة، الديمقراطية ومأزق السلطة في ذكرى اغتيا
...
-
الرجل الضاحك: حين يصبح وجه الإنسان مرآة لمجتمع مشوه
-
ابراهام السرفاتي: مسار مناضل وسؤال اليسار المغربي
-
جيل Z: حين يطرق المستقبل أبواب اليسار
-
دانييل بنسعيد: الماركسية بعد انهيار اليقين
-
عبد المجيد بنخالي... الكلمة حين ترفض أن تتصالح مع الهزيمة
-
فروغ فرخزاد: الشعر بوصفه مقاومة... والمرأة بوصفها سؤالا تاري
...
-
فيكتور سيرج: الرواية متهمة ضد الطغيان
-
جيل من الضباع: النيوليبرالية وصناعة الإنسان المفترس
-
أنا الذي مشيتُ فوق الحطام ولم أصرخ
-
-سجون نختار أن نعيش فيها-: تفكيك القفص الذي نحمله في رؤوسنا
-
حين يصنع المجتمع جلاده: قراءة في رواية -نصف مواطن محترم- لها
...
-
الحلم المشترك وصناعة الممكن
-
وليمة لأعشاب البحر: الرواية بوصفها محاكمة للهزيمة
-
وداعًا اسبارتاكوس: حين يرحل المتمرّدون ويبقى الأثر
-
20 يونيو: بين الذاكرة والاحتجاجات المؤجلة
المزيد.....
-
ترامب: حرب إيران -من أعظم الإنجازات التي حققناها- لهذا السبب
...
-
-اي بي سي-: واشنطن تسحب قواتها من قواعد عسكرية في الأردن وقط
...
-
السعودية تعلن حصيلة الضحايا والمصابين بعد هجوم حوثي استهدف م
...
-
استعداد روسي لتفاوض ثلاثي بشأن أوكرانيا
-
الخارجية الروسية: موسكو مستعدة للقيام بدور الوسيط في الشرق ا
...
-
قطر وفرنسا تدينان الهجمات الإيرانية وتطالبان بحرية الملاحة ف
...
-
رئيس السلفادور يعلن إطلاق عملية لتحرير الرهائن في هايتي
-
ما هو -مكعب روبيك- الذي استخدمه مبعوث ترامب لوصف مستقبل سوري
...
-
واشنطن تأمر بعض دبلوماسييها بمغادرة السعودية
-
Axios: مقاتلات إسرائيلية عبرت أجواء سوريا والعراق ونفذت -است
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|