|
|
هل يعيش الكون خارج الزمن؟ .. وأين يعيش الزمن؟
محيي الدين ابراهيم
الحوار المتمدن-العدد: 8865 - 2026 / 10 / 21 - 17:19
المحور:
قضايا ثقافية
قراءة نقدية في أطروحة ج. إليس مكتاغارت "لا واقعية الزمن" (The Unreality of Time) يضع ج. إليس مكتاغارت (J. Ellis McTaggart) في مقاله الشهير "The Unreality of Time"، المنشور في مجلة "Mind" سنة 1908، واحدة من أكثر القضايا الفلسفية إثارة للقلق الفكري أمام العقل الإنساني: هل الزمن حقيقة قائمة في بنية الوجود، أم أنه صورة ذهنية ننظم من خلالها إدراكنا للأشياء، بينما الواقع في جوهره لا يخضع للماضي والحاضر والمستقبل؟ ليست خطورة هذا السؤال في أنه يشكك في الساعة التي نقيس بها أعمارنا، ولا في التقويم الذي نرتب عليه أحداث حياتنا، وإنما في أنه يقترب من الأساس الذي تقوم عليه خبرتنا بالوجود نفسه؛ فنحن لا نعيش الزمن باعتباره مفهومًا مجردًا، بل نعيشه بوصفه فقدًا وانتظارًا وذاكرة وأملًا وتغيرًا، ونبني عليه شعورنا بهويتنا واستمرارنا، ثم نتصرف كما لو أن كل ما نعرفه عن العالم يستمد معناه من هذه الحركة التي لا نكاد نتوقف لحظة واحدة للتساؤل عن طبيعتها. ومن هنا تتولد المفارقة الكبرى في مشروع مكتاغارت: كيف يمكن للعقل أن يختبر الزمن بصورة تبدو له بديهية، ثم يصل بالتفكير المنطقي إلى استنتاج أن الزمن، بالمعنى الذي نعتقد أنه موجود به، غير حقيقي؟ تكمن أهمية مكتاغارت في أنه لا يكتفي باستدعاء تقاليد فلسفية وروحية سابقة شككت في واقعية الزمن، ولا يطلب منا قبول موقف ميتافيزيقي لأن فلاسفة كبارًا تبنوه أو لأن بعض التقاليد الدينية والتأملية وجدت فيه ما ينسجم مع تصوراتها عن الحقيقة المطلقة. إنه يريد أن يشق طريقًا استدلاليًّا مستقلًّا، وأن يجعل من مفهوم الزمن نفسه موضوعًا للمساءلة، لا من خلال إنكار خبرتنا به ابتداءً، بل عبر تحليل مكوناتها واختبار قدرتها على الصمود أمام مقتضيات المنطق. وهذه نقطة القوة الأولى في المقال؛ إذ لا يتعامل صاحبه مع المفاهيم الأكثر رسوخًا في وعينا باعتبارها حقائق تعفي نفسها من الفحص، وإنما يجعل شدة ألفتنا بها سببًا إضافيًّا للتدقيق فيها. فكم من الأشياء التي اعتقد الإنسان أنها خصائص مطلقة للعالم، ثم اكتشف أنها ترتبط بالطريقة التي يدرك بها العالم أو باللغة التي يصفه بها؟ غير أن الشك الفلسفي، مهما بلغت شجاعته، لا يصبح برهانًا بمجرد قدرته على زعزعة المألوف؛ إذ ينبغي أن نميز دائمًا بين كشف صعوبة في تفسير الواقع وإثبات استحالة وجود ذلك الواقع. وهذه المسافة بين الأمرين هي التي ستصبح، في تقديري، المعيار الحاسم لتقييم حجة مكتاغارت بأكملها. ينطلق المؤلف من تمييز تأسيسي بين سلسلتين زمنيتين، يمنح كلًّا منهما اسمًا اصطلاحيًّا يحدد وظيفتها داخل حجته. يسمي الأولى السلسلة A، وهي التي تتوزع فيها الأحداث على الماضي والحاضر والمستقبل، بحيث ينتقل الحدث، وفق تصورنا المعتاد، من المستقبل إلى الحاضر ثم إلى الماضي. أما السلسلة B، فهي التي ترتب الأحداث بحسب علاقات الأسبق واللاحق؛ إذ يأتي حدث قبل آخر، ويأتي الثاني بعد الأول، وتظل العلاقة بينهما ثابتة مهما تغير موقعهما بالنسبة إلى حاضرنا. ويضيف مكتاغارت سلسلة ثالثة يسميها C، وهي ترتيب للأشياء أو الوقائع وفق علاقات ثابتة، من دون أن تكون هذه العلاقات زمنية بالضرورة. قد يبدو هذا التقسيم، للوهلة الأولى، مجرد تصنيف تقني، لكنه في الحقيقة يمثل العمود الفقري للمقال كله؛ لأن مكتاغارت يريد أن يثبت أن السلسلة A ليست وصفًا عارضًا نضيفه إلى الزمن، وإنما هي شرط لا غنى عنه لوجوده. فإذا كانت السلسلة B تمنح الأحداث ترتيبًا ثابتًا، فإنها لا تمنحنا، في رأيه، التغير الذي يجعل الزمن زمنًا. فكون الحدث الأول أسبق من الثاني لا يعني، بمجرده، أن شيئًا قد تغير؛ إذ يمكننا أن نتصور ترتيبًا ثابتًا للأحداث، مثل ترتيب الحروف الأبجدية، من دون أن يتضمن هذا الترتيب حركة أو حدوثًا. وبذلك يضع مكتاغارت يده على مشكلة حقيقية في فلسفة الزمن: هل يكفي أن توجد علاقات ثابتة بين الوقائع لكي نقول إن هناك زمنًا، أم أن الزمن يتطلب، بالإضافة إلى هذا الترتيب، معنى خاصًّا للصيرورة، أي أن يكون هناك ما يجعل حدثًا مستقبلًا، ثم حاضرًا، ثم ماضيًا؟ إن قوة هذا السؤال لا تتوقف على قبول الإجابة التي يقدمها المؤلف؛ بل ربما تتجلى أهميته أكثر حين نفصل بين المشكلة والاستنتاج الذي يترتب عليها. فالترتيب الزمني ليس هو التغير بالضرورة، ولكن هل يلزم من ذلك أن التغير لا يمكن فهمه إلا من خلال انتقال الأحداث بين المستقبل والحاضر والماضي؟ هنا يبدأ الخلاف الحقيقي. إن مكتاغارت لا يكتفي بالقول إن السلسلة B وحدها قد لا تكون كافية لتفسير كل ما نقصده بالزمن، بل يذهب إلى أن غياب السلسلة A يعني غياب التغير، وأن غياب التغير يعني غياب الزمن. ومن ثم يصبح إثبات ضرورة السلسلة A الخطوة الأولى في مشروعه لإثبات لاواقعية الزمن. غير أن هذه الخطوة، على الرغم من تماسكها داخل بنائه المفهومي، تحمل افتراضًا يحتاج إلى برهان مستقل: أن التغير لا يمكن تفسيره إلا بوصفه انتقالًا في صفة الحاضرية، وأن أي تصور بديل للتغير سيكون عاجزًا عن استيفاء معنى الزمن. ولكي يدعم حجته، يواجه مكتاغارت سؤالًا يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه شديد التعقيد في دلالته: ما الذي يتغير حين نقول إن شيئًا يتغير؟ إذا كان الحدث موجودًا في موضع معين من السلسلة B، فإن علاقاته بالأحداث الأخرى لا تتبدل. فحدث يسبق حدثًا آخر يظل سابقًا له، ولا يتحول إلى حدث لاحق له. وإذا كانت الوقائع تحتفظ بعلاقاتها الثابتة، فأين يقع التغير إذن؟ يرفض مكتاغارت أن يكون التغير مجرد اختفاء حدث وظهور آخر؛ لأن الحدث، وفق تصوره، لا يفقد هويته باعتباره حدثًا واقعًا في موضع معين من السلسلة. ويرفض كذلك أن يكون التغير تحول حدث إلى حدث آخر، لأن ذلك يفترض أن الحدث الأول يتوقف عن كونه نفسه، بينما يظل موقعه في الترتيب ثابتًا. وبهذا يصل إلى أن التغير الوحيد الذي يبدو ممكنًا هو التغير في تحديد الحدث باعتباره مستقبلًا أو حاضرًا أو ماضيًا. هنا يتكشف العمق المنطقي لحجته، لكنه يكشف أيضًا عن موضع هشاشتها. فمكتاغارت ينظر إلى الحدث كما لو أن ثبات هويته وعلاقاته الترتيبية يمنع أي تفسير آخر للتغير، مع أن ثبات علاقة بين حدثين لا يستلزم ثبات جميع خصائصهما، ولا يعني أن العالم الذي ينتميان إليه لا يشهد عمليات وتحولات. إن احتراق ورقة، مثلًا، يمكن وصفه باعتباره عملية تتغير خلالها خصائص مادية محددة، ويمكن تمييز مراحل العملية وفق ترتيب زمني، من دون أن نحتاج، في كل خطوة من خطوات التفسير، إلى افتراض أن الحدث نفسه يكتسب صفة الحاضرية ثم يفقدها. إن ما يتغير هنا هو حالة النظام المادي، أو خصائصه، أو العلاقات السببية بين مراحله. وقد يرد مكتاغارت بأن هذا الوصف يفترض الزمن سلفًا، وهو اعتراض يستحق النظر، لكنه لا يحسم القضية؛ لأن المطلوب ليس أن نفسر التغير من خارج كل مفهوم زمني على نحو مطلق، وإنما أن نعرف هل يستحيل تفسيره من خلال العلاقات بين الحالات المختلفة، أم أن المؤلف قد ضيق مفهوم التغير حتى جعله مطابقًا لنوع واحد من التغير، ثم أعلن أن الأنواع الأخرى عاجزة عن تفسيره. ومن هذه النقطة ينتقل المقال إلى التمييز الأعمق بين ثبات العلاقات الزمنية وتبدل صفات الأحداث. إن موت الملكة آن، كما يضرب مكتاغارت مثالًا، يظل موتًا لملكة إنجليزية، وتظل له أسبابه وآثاره، ولا تتغير هذه الخصائص لمجرد مرور الزمن. لكن الحدث كان مستقبلًا، ثم أصبح حاضرًا، ثم صار ماضيًا، ويواصل الابتعاد عن الحاضر كلما تقدمنا في الزمن. ولهذا يخلص المؤلف إلى أن التغير، إن كان حقيقيًّا، فلا بد أن يقع في خصائص الأحداث المتصلة بالسلسلة A. غير أن هذا الاستدلال يفتح سؤالًا لا يقل أهمية عن السؤال الذي يحاول الإجابة عنه: هل كوننا لا نرى تغيرًا في بعض العلاقات يعني أن التغير لا يقع إلا في علاقة الحدث بالحاضر؟ إن ثبات هوية الحدث بوصفه واقعة تاريخية لا ينفي تغير العالم، بل يحدد فقط أن الواقعة نفسها لا تتحول إلى واقعة أخرى لمجرد أن موقعها الزمني أصبح أبعد عن اللحظة التي نعيشها. إن حدثًا وقع بالفعل لا يعيد تشكيل ذاته في الماضي كلما تقدمنا في العمر، ولكن آثار الحدث قد تتغير، ومعرفتنا به قد تتبدل، وتأويلنا له قد ينقلب. ولا يعني ذلك أن الواقعة التاريخية ذاتها تتغير بالضرورة، بل يعني أن التغير أوسع من مجرد تبدل صفة الماضي والحاضر والمستقبل. ومن هنا يبدو أن مكتاغارت يقترب من حقيقة مهمة حين يميز بين ثبات العلاقات النسبية وتبدل خبرتنا بالزمن، لكنه يبالغ حين يجعل التبدل في هذه الخبرة هو الطريق الوحيد الممكن إلى فهم التغير. وتتقدم الحجة بعد ذلك إلى مستوى أكثر تجريدًا، حين يحاول مكتاغارت تفسير نشوء الزمن من خلال الجمع بين السلسلتين A وC. فالسلسلة C تمنح الوقائع ترتيبًا لا يتغير، لكنها لا تحدد اتجاهًا ذاتيًّا لهذا الترتيب؛ إذ يمكننا أن نقرأ تسلسلًا من اليمين إلى اليسار أو من اليسار إلى اليمين من دون أن تتغير العلاقات التي يتضمنها. أما السلسلة A، بما تمنحه من تمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل، فهي التي تضفي، في تصوره، اتجاهًا على الترتيب، فتجعل ما كان حاضرًا ماضيًا، وما كان مستقبلًا حاضرًا. ومن اجتماع السلسلتين تتولد السلسلة B بوصفها ترتيبًا زمنيًّا للأحداث. إن هذه الفكرة جديرة بالتأمل؛ لأنها تفصل بين مجرد الترتيب وبين الاتجاه الذي نختبره في الزمن. لكن علينا ألا نخلط بين ثلاثة أمور مختلفة: الترتيب، والاتجاه، والشعور بالتدفق. فكون الأحداث مرتبة لا يعني أن ترتيبها يمكن قلبه في الواقع؛ لأن إمكان قراءة ترتيب ما في اتجاهين لا يثبت أن الوقائع التي يمثلها يمكن أن تقع في اتجاهين. كما أن اتجاهًا فيزيائيًّا لعملية ما لا يساوي بالضرورة الإحساس الذاتي بمرور الزمن. وحين يجعل مكتاغارت السلسلة A أساسًا لاتجاه الزمن، فإنه يقترب من مشكلة عميقة، لكنه لا يقدم في هذا الموضع تفسيرًا مكتملًا للعلاقة بين الاتجاه الموضوعي والتجربة الذاتية. والأهم أن وجود ترتيب ثابت لا يثبت وحده أن العالم ساكن، مثلما أن اختلاف إدراكنا للتغير لا يثبت وحده أن العالم يتحرك وفق الكيفية التي نشعر بها. ومع ذلك، فإن هذه المرحلة من المقال تمهد للانتقال من تحليل مفهوم الزمن إلى الحكم على واقعيته. فإذا كانت السلسلة A ضرورية لوجود الزمن، وكان من الممكن إثبات استحالة وجودها، فإن النتيجة التي يريد مكتاغارت الوصول إليها تصبح واضحة: الزمن غير حقيقي. وهنا لا يعود الخلاف متعلقًا بتفسير ظاهرة جزئية، بل يصبح متعلقًا بإمكان أن تكون المفاهيم التي ننظم بها خبرتنا صادقة في وصف الواقع كما هو في ذاته. يبدأ مكتاغارت القسم الحاسم من حجته بالقول إن صفات الماضي والحاضر والمستقبل متعارضة؛ فالحدث الواحد لا يمكن أن يكون ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا في الوقت نفسه، ومع ذلك يبدو أن كل حدث يحمل الصفات الثلاث جميعًا. فالحدث الذي نعتبره مستقبلًا سيصبح حاضرًا، ثم يصير ماضيًا، والحدث الذي نعتبره حاضرًا كان مستقبلًا وسيصبح ماضيًا. ومن هنا ينشأ التناقض الذي يعتقد المؤلف أنه يهدم السلسلة A من أساسها. فإذا قلنا إن الحدث كان مستقبلًا وأصبح حاضرًا وسيكون ماضيًا، فإننا، في رأيه، نستخدم الزمن لتفسير التغير في الصفات الزمنية نفسها، مع أن هذه الصفات هي التي يفترض أن تفسر وجود الزمن. وهكذا نقع في دائرة منطقية مغلقة، نستعين فيها بالشيء الذي نريد تفسيره لتفسير نفسه. MCTTUO.1.txt ثم يذهب إلى أبعد من ذلك، فيرى أن محاولة الإفلات من هذا التناقض تؤدي إلى تسلسل لا نهائي. فإذا قلنا إن الحدث حاضر الآن، لكنه كان مستقبلًا في الماضي وسيكون ماضيًا في المستقبل، فقد افترضنا سلسلة زمنية ثانية لتفسير السلسلة الأولى، ثم نحتاج إلى سلسلة ثالثة لتفسير الثانية، وهكذا من دون نهاية. وبذلك يرى أن التناقض لا يمكن حله، وأن الزمن لا يمكن أن يكون خاصية حقيقية للواقع. هنا يبلغ المقال ذروته الفلسفية، وهنا أيضًا يجب أن نكون أكثر صرامة في تقييمه. إن مكتاغارت ينجح في إظهار أن تفسير الزمن بواسطة تعبيرات زمنية أخرى قد يقود إلى الدور المنطقي إذا لم نحدد أساسًا مستقلًّا للشرح. لكنه لا يثبت، بمجرد ذلك، أن كل استخدام للمفاهيم الزمنية متناقض. فهناك فرق جوهري بين القول إن الحدث ماضٍ بالنسبة إلى حاضر معين، والقول إن الحدث ماضٍ وحاضر ومستقبل في اللحظة نفسها ومن الجهة نفسها. التناقض لا ينشأ من إسناد صفات زمنية مختلفة إلى واقعة واحدة عبر أزمنة مختلفة، إلا إذا افترضنا مسبقًا أن هذه الإسنادات جميعًا تقع في مستوى واحد من الزمن، وبالشروط نفسها، ومن دون تمييز بين الأزمنة التي يُحكم انطلاقًا منها. إن عبارة "كان مستقبلًا" لا تعني أن الحدث مستقبل الآن، كما أن عبارة "سيكون ماضيًا" لا تعني أنه ماضٍ الآن. نحن هنا أمام علاقات تختلف بحسب موضع الحكم الزمني، وليس أمام إثبات أن الحدث يحمل الصفات المتعارضة في آن واحد. ويستطيع المدافع عن واقعية الزمن أن يقول إن الحدث يقع في موضع محدد من الترتيب الزمني، وإن وصفه بالماضي أو الحاضر أو المستقبل يعتمد على اللحظة التي ننظر منه إليها. وقد يعترض مكتاغارت بأن هذا الحل يعيد إدخال الزمن إلى تفسير الزمن، لكن الاعتراض يحتاج إلى إثبات أن كل تفسير للعلاقات الزمنية لا بد أن يكون تفسيرًا دائريًّا، لا مجرد الإشارة إلى أن بعض المفاهيم الأساسية لا يمكن تعريفها من دون استعمالها أو استعمال مفاهيم قريبة منها. فليست كل حقيقة لا يمكن ردها إلى تعريف أبسط حقيقة متناقضة، وليست كل محاولة لتفسير مفهوم أساسي باستخدام لغة تتضمنه محاولة فاسدة بالضرورة. قد تكون بعض المفاهيم أولية داخل نسق نظري، ويكون المطلوب بيان كيفية عملها وعلاقاتها بالمفاهيم الأخرى، لا اختزالها إلى مفردات تخلو تمامًا من أي مضمون زمني. ولذلك فإن السؤال الذي يتركه مكتاغارت مفتوحًا، من حيث لا يقصد، هو ما إذا كان الزمن يحتاج إلى تفسير من خارج الزمن، أم أن مطلب التفسير نفسه يصبح مضللًا حين نتعامل مع مفهوم أساسي كما لو كان ظاهرة يمكن فصلها عن جميع الشروط التي تجعلها قابلة للفهم. ولا تتوقف صرامة المقال عند هذا الحد؛ إذ يحاول مكتاغارت دعم شكه في واقعية الزمن من خلال تحليل الخبرة الإنسانية ذاتها. فهو يلاحظ أن ما نسميه الحاضر يرتبط بالإدراك المباشر، بينما يرتبط الماضي بالذاكرة، والمستقبل بالتوقع. وهذه الحالات النفسية ليست متطابقة؛ فالتذكر يختلف عن الإدراك، والتوقع يختلف عنهما معًا. لكن من أين نستنتج أن هذه الفروق في خبرتنا تعكس صفات موضوعية في الأحداث ذاتها؟ قد يكون ما نسميه الحاضر مرتبطًا ببنية وعينا، ثم نعمم هذا التمييز على العالم، فنمنح الأشياء صفة الحاضرية كما لو كانت خاصية مستقلة عن علاقتنا بها. إن هذا السؤال يضعنا أمام تمييز مهم بين الزمن كما نختبره والزمن كما نفترض وجوده في الواقع. فالإنسان لا يستقبل العالم من موقع محايد تمامًا، وإنما من خلال إدراك محدود، وذاكرة قابلة للنقص، وتوقعات تتفاوت في دقتها. ومن الممكن أن تكون خبرتنا بالزمن مشروطة بهذه البنية النفسية، من دون أن يعني ذلك أن الزمن كله اختراع ذهني. فمحدودية أدواتنا في الإدراك لا تكفي وحدها لإثبات أن موضوع الإدراك غير موجود، مثلما أن اختلاف خبرة شخصين بمدة حدث معين لا يثبت أن الحدث لا يمتلك أي امتداد موضوعي. ويذهب مكتاغارت إلى أن الحاضر الذي نختبره ليس نقطة رياضية عديمة الامتداد، بل نطاق من الخبرة المباشرة تختلف مدته من شخص إلى آخر ومن ظرف إلى آخر. وقد تكون واقعة ما حاضرة في خبرة شخص، بينما أصبحت ماضية في خبرة شخص آخر، بسبب اختلاف ما يسميه المؤلف "الحاضر الممتد" أو "الحاضر الظاهري". وإذا أردنا أن نجعل هذا الحاضر أساسًا للزمن الموضوعي، واجهتنا صعوبة في تفسير اختلاف مدته. وإذا افترضنا بدلًا منه حاضرًا موضوعيًّا ثابتًا لا يتوقف على خبرتنا، فقد يصبح هذا الحاضر مختلفًا تمامًا عن الحاضر الذي نعرفه مباشرة. تلك واحدة من أكثر لحظات المقال إثارة للتفكير؛ لأنها تكشف المسافة بين الزمن الذي نعيشه والزمن الذي نحاول بناء نظرية عنه. فالإنسان قد يشعر بأن لحظة الانتظار طويلة، بينما تمر ساعات من الانشغال من دون أن ينتبه إلى مرورها. وقد يبدو حدث بعيد في الذاكرة قريبًا من الوجدان، بينما يصبح حدث حديث غريبًا عنا كأنه ينتمي إلى حياة أخرى. لكن هذه الاختلافات تثبت أن الإحساس بالمدة ليس مطابقًا دائمًا للمدة المقاسة، ولا تثبت أن كل مدة موضوعية مستحيلة. إن اختلاف خبرتنا بالوقت لا يلزم منه غياب كل معيار مستقل لقياسه، كما أن اختلاف الأفراد في تقدير المسافات لا يعني أن المكان غير موجود. وهنا تتبدى إحدى الحدود المنهجية في استدلال مكتاغارت: فهو ينتقل من اختلاف الحاضر كما يظهر في الوعي إلى التشكيك في إمكان وجود حاضر موضوعي، ثم يستخدم صعوبة تعريف هذا الحاضر لتدعيم الحكم على الزمن كله. لكن من الممكن الاعتراض بأن الحاضر النفسي والحاضر الفيزيائي ليسا مفهومًا واحدًا، وأن عدم التطابق بينهما لا يستلزم استحالة وجود أحدهما. إن عدم قدرتنا على رصد حد فاصل واحد للحاضر في التجربة اليومية لا يثبت أن كل تصور موضوعي للزمن متناقض؛ بل قد يكشف أن السؤال يحتاج إلى تحديد أدق لما نعنيه بالحاضر، وللمستوى الذي نبحث فيه عن معناه. ومع ذلك، فإن إنصاف مكتاغارت يقتضي ألا نختزل مشروعه في هذه الاعتراضات. فالمقال لا يدعي أن الزمن يبدو غير حقيقي لأننا لا نشعر به على نحو موحد فحسب، بل يبني حجته من تضافر تحليل مفهومي واستدلال منطقي ومراجعة لتجربتنا النفسية. إن أهميته تنبع من أنه يجبرنا على التمييز بين ثلاثة أسئلة كثيرًا ما نخلط بينها: هل نختبر الزمن؟ وهل يتضمن مفهوم الزمن تناقضًا؟ وهل يكفي ترتيب الوقائع في علاقات ثابتة لتفسير ما نطلق عليه التغير؟ والإجابة بالإيجاب عن السؤال الأول لا تحسم السؤالين الآخرين، كما أن إثارة الشك في أحدهما لا تبرر القفز مباشرة إلى نفي الزمن من الواقع. واللافت أن مكتاغارت لا ينتهي إلى القول إن ما ندركه مجرد فوضى لا نظام فيها، بل يترك الباب مفتوحًا أمام احتمال أن تكون الوقائع التي ندركها باعتبارها أحداثًا زمنية مرتبة في سلسلة غير زمنية يسميها C. فربما لا تكون العلاقات التي نختبرها بين الأحداث وهمًا خالصًا، وإنما يكون الخطأ في تفسير هذه العلاقات بوصفها علاقات زمنية. وقد تكون هناك بنية واقعية تحتفظ ببعض خصائص الترتيب الذي ندركه، من دون أن تتضمن الماضي والحاضر والمستقبل بالطريقة التي نتصورها. وهو بذلك لا يهدم كل إمكان للمعرفة، بل يميز بين ما قد يكون صحيحًا في خبرتنا من حيث العلاقات والترتيب، وما قد يكون مضللًا في الصورة الزمنية التي نصوغ بها تلك الخبرة. لكن السلسلة C تظل، في المقال، فرضية أكثر منها نتيجة مكتملة. فمكتاغارت يعترف بأن إثبات وجودها الموضوعي يحتاج إلى بحث آخر، وأنه لا يقدم هنا حلًّا نهائيًّا للأسئلة التي تترتب على افتراضها. ما طبيعة العلاقات التي تربط عناصرها؟ وهل ترتيبها حقيقة أولية لا تحتاج إلى تفسير، أم أنه يعتمد على خصائص مشتركة بين الوقائع؟ وكيف يمكن تفسير ظهور هذا الترتيب غير الزمني لنا في صورة زمنية؟ إن هذه الأسئلة لا تمثل تفاصيل هامشية يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى، بل تمس جوهر البديل الذي يقترحه المؤلف. فإذا كان الزمن غير حقيقي، فما طبيعة البنية التي تحل محله؟ وكيف يمكن أن تفسر خبرتنا بالذاكرة والتوقع والتغير؟ وهل تستطيع هذه البنية تفسير الفروق بين الأحداث من دون أن تستعير المفاهيم الزمنية التي رفضتها؟ إن الاعتراف بهذه الفجوات لا يبطل قيمة المقال، لكنه يمنعنا من التعامل مع خلاصته كما لو كانت حقيقة نهائية حسمت قضية الزمن. فمكتاغارت يقدم حجة فلسفية مؤثرة ضد تصور معين للزمن، ويكشف عن صعوبات حقيقية في فهم الحاضر والتغير والعلاقة بين الإدراك والواقع، لكنه لا يبرهن بصورة قاطعة على أن كل تصور ممكن لواقعية الزمن يقع في التناقض نفسه. إن الانتقال من نقد نموذج محدد إلى نفي الظاهرة التي يحاول النموذج تفسيرها يحتاج إلى استبعاد البدائل المنافسة، وهذا ما لا يستوفيه المقال بالكامل. وتتضح هذه الملاحظة بصورة أكبر إذا نظرنا إلى العلاقة بين السلسلتين A وB. فالمؤلف يجعل السلسلة A شرطًا ضروريًّا للزمن، ثم يحاول إثبات استحالة هذه السلسلة، فيستنتج استحالة الزمن. لكن من الممكن أن يعترض ناقد بأن مفهوم الزمن يمكن صياغته من خلال العلاقات الثابتة بين الأحداث، وأن ما نطلق عليه انتقال الحاضر ليس انتقالًا موضوعيًّا يحدث للأحداث نفسها، بل طريقة بشرية لوصف موضعنا داخل الترتيب الزمني. هذا الاعتراض لا يحسم وحده طبيعة الزمن، لكنه يكشف أن النتيجة التي يصل إليها مكتاغارت تتوقف على تعريف محدد للزمن، وليس على استحالة كل تعريف بديل له. فإذا كان الزمن لا بد أن يتضمن صيرورة موضوعية بالمعنى الذي يشترطه المؤلف، فإن حجته تصبح أكثر قوة؛ أما إذا كان بالإمكان تفسير الزمن باعتباره شبكة من العلاقات بين الوقائع، فإن رفض السلسلة A لا يؤدي بالضرورة إلى رفض كل واقعية زمنية. إن الفارق هنا يشبه الفارق بين القول إننا لم ننجح في تفسير ظاهرة ما ضمن إطار نظري محدد، والقول إن الظاهرة لا وجود لها. فالأول نتيجة نقدية قد تكون بالغة الأهمية، أما الثاني فيحتاج إلى حجة أوسع. ومكتاغارت، في تقديري، ينجح بدرجة أكبر في المهمة الأولى منه في الثانية. إنه يكشف عن أزمة حقيقية في تفسير الزمن باعتباره تدفقًا موضوعيًّا تتبدل فيه الأحداث من المستقبل إلى الحاضر ثم إلى الماضي، لكنه لا يستبعد كل تصور يمكن أن يفسر الزمن من دون افتراض هذا التدفق بالصورة التي ينتقدها. ومن منظور أوسع، يمكن قراءة المقال بوصفه محاولة لتفكيك المسافة بين الوجود كما هو، والوجود كما يظهر لنا. وهذه المسافة ليست مشكلة زمنية فحسب، بل واحدة من أعمق المشكلات التي واجهت الفلسفة عبر تاريخها: هل تمنحنا التجربة صورة مباشرة عن العالم، أم أنها تقدم لنا العالم بعد أن تمر به شروط الإدراك والتصور واللغة؟ إن مكتاغارت ينتمي، في هذا الجانب، إلى تقليد فلسفي يرفض مساواة المألوف بالحقيقة، ويطالب العقل بأن يختبر حتى أكثر مسلّماته رسوخًا. غير أن هذا التقليد يحمل خطرًا مقابلًا؛ إذ قد يتحول الشك في حدود المعرفة إلى شك في موضوع المعرفة نفسه، وقد يصبح عجزنا عن تفسير حقيقة معينة دليلًا متسرعًا على أنها ليست حقيقة. ولعل القيمة الإنسانية الأعمق للمقال تظهر حين نعيد السؤال إلى علاقتنا بالحياة. فالزمن بالنسبة إلى الإنسان ليس ترتيبًا محايدًا للأحداث، بل أفقًا تتحدد داخله إمكاناته. نحن نتذكر لأن ما وقع لم يعد متاحًا بالطريقة التي كان عليها، ونتوقع لأن ما لم يقع بعد يظل مفتوحًا أمام احتمالات متعددة، ونتصرف لأننا نعتقد أن أفعالنا تستطيع أن تحدث فرقًا في ما سيأتي. وإذا كان الماضي والحاضر والمستقبل لا تمثل خصائص أساسية في الواقع، فكيف نفهم هذه البنية التي تنظم وعينا ومسؤوليتنا وقراراتنا؟ وهل يعني ذلك أن الحياة وهم، أم أن الوهم، إن صح التعبير، يكمن في الصورة التي نمنحها للحياة لا في وجودها ذاته؟ لا يقدم مكتاغارت إجابات مكتملة عن هذه الأسئلة الوجودية، لكنه يفتح الطريق إليها. فالقول بلاواقعية الزمن لا يعني تلقائيًّا أن الذكريات لم تقع، أو أن الآلام لم تُعش، أو أن الأفعال فقدت معناها الأخلاقي. إن نفي حقيقة الزمن، إذا أمكن البرهنة عليه، لا يساوي نفي كل ما نختبره من وقائع وعلاقات؛ بل يقتضي إعادة التفكير في طبيعة هذه الوقائع وفي الطريقة التي تتصل بها بعضها ببعض. وهنا ينبغي أن نكون حذرين من تحويل النتيجة الميتافيزيقية إلى شعار وجودي؛ لأن السؤال عن طبيعة الزمن يختلف عن السؤال عن قيمة الحياة، حتى وإن كان الأول قادرًا على تغيير الطريقة التي نفهم بها الثاني. وإذا كان الإنسان يجد في الزمن معنى للفقد، فإن الزمن نفسه يضعه أمام مفارقة أشد تعقيدًا: نحن نريد أن نعرف ما الذي يتغير، لكننا نحتاج إلى شيء ثابت نقيس به التغير؛ ونريد أن نفهم الحاضر، لكننا لا نستطيع وصفه إلا باستخدام ذاكرة الماضي وتوقع المستقبل؛ ونريد أن نعرف الواقع كما هو، لكننا لا نملك وسيلة للمعرفة لا تمر عبر خبرتنا المحدودة. لقد نجح مكتاغارت في جعل هذه المفارقات جزءًا من سؤال فلسفي منظم، بدل أن تبقى مجرد إحساس غامض بأن الزمن شيء مألوف يستحيل الإمساك بجوهره. ومع ذلك، فإن النضج النقدي يقتضي أن نرفض الإغراء الذي تمارسه النتائج القصوى حين تبدو أكثر إثارة من البدائل المتدرجة. فليس مطلوبًا من الفيلسوف أن يختار بين التسليم الكامل بكل ما تقوله خبرتنا عن الزمن، وبين إنكار الزمن كله. يمكننا أن نقبل أن إدراكنا للحاضر محدود، وأن إحساسنا بالتدفق لا يطابق بالضرورة بنية العالم، وأن مفهوم الزمن يواجه مشكلات ميتافيزيقية حقيقية، من دون أن نعتبر هذه الملاحظات برهانًا نهائيًّا على أن الزمن غير موجود. وقد تكون النتيجة الأكثر اتزانًا هي أن نعيد النظر في معنى الزمن، وفي العلاقة بينه وبين التغير والوعي والسببية، بدل أن نستعجل الحكم على واقعيته قبل استنفاد الاحتمالات النظرية المتاحة. إن مكتاغارت، بهذا المعنى، ليس مهمًّا فقط لأنه أعلن أن الزمن غير حقيقي، بل لأنه كشف عن مقدار ما تتضمنه هذه العبارة من افتراضات تحتاج إلى الفحص. لقد جعل من كلمة "الآن" مشكلة فلسفية، ومن الانتقال من المستقبل إلى الماضي سؤالًا عن طبيعة الواقع، ومن العلاقة بين الذاكرة والإدراك والتوقع مدخلًا إلى نقد المفاهيم التي ننظم بها وجودنا. غير أن قيمة الفيلسوف لا تقاس فقط بجرأة النتيجة التي يصل إليها، بل أيضًا بقدرته على إظهار أن الطريق إليها لا يستبعد احتمالات أخرى إلا بأدلة كافية. ومن هذه الزاوية، تبدو قوة مكتاغارت في تفكيك التصور التقليدي للزمن أوضح من قوته في إثبات استحالته المطلقة. إن الخلاصة التي أخرج بها من هذا المقال ليست أن الزمن وهم ثبت بطلانه، ولا أن اعتراضات مكتاغارت يمكن إهمالها لأنها تصطدم بخبرتنا اليومية، بل أن الزمن مفهوم أكثر تعقيدًا من أن تختزله الساعة أو الذاكرة أو الإحساس بالتدفق. لقد نجح المؤلف في كشف أن ثبات الترتيب لا يساوي التغير، وأن التجربة النفسية لا تقدم بالضرورة صورة كاملة عن الواقع، وأن التفسير الذي يعيد افتراض ما يريد تفسيره يظل معرضًا للدور المنطقي. لكنه لم يثبت، بالقدر نفسه من القوة، أن كل تفسير بديل للزمن محكوم بالتناقض، ولا أن غياب السلسلة A يستلزم غياب كل حقيقة زمنية ممكنة. وهنا تكمن المفارقة التي تجعل المقال جديرًا بالقراءة والنقد معًا: لقد أراد مكتاغارت أن يحرر العقل من وهم الزمن، فإذا به يكشف عن عمق اعتماد العقل على الزمن في بناء مفاهيمه وصياغة أحكامه. أراد أن يثبت أن الماضي والحاضر والمستقبل لا يمكن أن تكون خصائص حقيقية للوجود، لكنه اضطر إلى المرور عبر هذه المفاهيم نفسها كي يصوغ حجته. وليس هذا وحده دليلًا على بطلان مشروعه، لكنه يذكرنا بأن نقد المفاهيم الأساسية يختلف عن نقد المفاهيم العادية؛ لأن العقل لا يستطيع دائمًا أن يقف خارج الإطار الذي يستخدمه في التفكير كي يحكم عليه من موضع محايد تمامًا. لذلك أرى أن "لاواقعية الزمن" ليست خاتمة نهائية لمشكلة الزمن، بقدر ما هي لحظة حاسمة في تاريخ مساءلته. لقد فتح مكتاغارت جرحًا في يقيننا بالمألوف، وأجبرنا على التمييز بين ما نعيشه وما نستنتجه، وبين ترتيب الوقائع والشعور بحركتها، وبين صعوبة التفسير واستحالة الوجود. وهذه، في تقديري، هي القيمة الأعمق للعمل: أنه لا يمنحنا حقيقة جاهزة بقدر ما يسلبنا الحق في الاطمئنان السهل إلى ما نعتقد أننا نعرفه. فالفلسفة لا تبلغ ذروتها حين تستبدل يقينًا بيقين، وإنما حين تجعل اليقين نفسه موضوعًا للفحص، وتعيد فتح الأسئلة التي ظننا أن ألفتنا بها قد أعفتنا من التفكير فيها. ويبقى السؤال الذي يتركه مكتاغارت معلقًا فوق رؤوسنا: إذا كان الزمن ليس حقيقة أساسية في الواقع، فما الذي يجعل العالم يبدو لنا متغيرًا، وما الذي يمنح أحداثه ترتيبها، وما الذي يجعلنا نختبر أنفسنا باعتبارنا كائنات تمتد حياتها بين ما كان وما هو كائن وما قد يكون؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن أن تُختزل في إعلان أن الزمن حقيقي أو غير حقيقي؛ بل تتطلب حوارًا مستمرًّا بين المنطق والميتافيزيقا ونظرية المعرفة وفلسفة العقل، مع استعداد دائم لمراجعة المفاهيم التي نستخدمها. وربما لا تكمن الحرية الفكرية في أن نتحرر من الزمن كما تخيل مكتاغارت، بل في أن نتحرر من الاعتقاد بأن خبرتنا به قد قالت كلمتها الأخيرة عن حقيقة الوجود.
#محيي_الدين_ابراهيم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هل نعيش بالفعل داخل -ماتريكس-؟
-
هل الزمن حقيقة الكون أم اللغة التي يصوغ بها الوعي وجوده؟
-
حين يصبح تصميم الأزياء هو الشخصية الأهم على خشبة المسرح:
-
حين يصبح الزي هو الشخصية الأهم على خشبة المسرح
-
صراع حورس ضد ست الذي تحول من معركة العرش إلى ميلاد القانون:
-
المسرحية الغنائية -هادستاون- على مسرح -ليريك- في لندن
-
المسرح المصري في هوليوود ... حين تتحول السينما إلى ذاكرة لا
...
-
لماذا سيد درويش؟
-
حين بدأ الخلق من نقطة - ضرورة الخالق وأخلاقيات الإيمان:
-
كيف يري الغرب توفيق الحكيم
-
أخطر عشرة مسرحيات في تاريخنا المعاصر
-
قراءة في الرواية القصيرة -المعجزة السرية- للكاتب الأرجنتيني
...
-
من الأيديولوجيا إلى الإرث: أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياس
...
-
الثقافة الإيرانية في سينما ومسرح بهرام بيضائي .. نماذج الوجو
...
-
ميني دراما -حكمت المحكمة حضورياً-
-
أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياسة المعاصرة ( الجزء الثاني )
-
من الأيديولوجيا إلى الإرث: أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياس
...
-
تحت المظلة لنجيب محفوظ .. حين يتحول الإنسان من فاعل إلى متفر
...
-
حين يخشى العقل الحياة
-
قراءة في مسرحية نشيد الأنشاد لتوفيق الحكيم في ضوء المدرسة ال
...
المزيد.....
-
ترامب: حرب إيران -من أعظم الإنجازات التي حققناها- لهذا السبب
...
-
-اي بي سي-: واشنطن تسحب قواتها من قواعد عسكرية في الأردن وقط
...
-
السعودية تعلن حصيلة الضحايا والمصابين بعد هجوم حوثي استهدف م
...
-
استعداد روسي لتفاوض ثلاثي بشأن أوكرانيا
-
الخارجية الروسية: موسكو مستعدة للقيام بدور الوسيط في الشرق ا
...
-
قطر وفرنسا تدينان الهجمات الإيرانية وتطالبان بحرية الملاحة ف
...
-
رئيس السلفادور يعلن إطلاق عملية لتحرير الرهائن في هايتي
-
ما هو -مكعب روبيك- الذي استخدمه مبعوث ترامب لوصف مستقبل سوري
...
-
واشنطن تأمر بعض دبلوماسييها بمغادرة السعودية
-
Axios: مقاتلات إسرائيلية عبرت أجواء سوريا والعراق ونفذت -است
...
المزيد.....
-
محمد أركون ونقد الأنوار.
/ ابراهيم ازروال
-
ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
/ حكمت الحاج
-
الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي
/ كريم الوائلي
-
تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة
/ كريم الوائلي
-
التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت
...
/ كريم الوائلي
-
أزمة التعليم في العرا ق
/ كريم الوائلي
-
منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث
/ كريم الوائلي
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
المزيد.....
|