|
|
الحصانة الذاتية وسيكولوجيا الجماهير الأيديولوجية: من أوهام المسرح إلى استقلال العقل
مظهر محمد صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8864 - 2026 / 10 / 20 - 10:11
المحور:
قضايا ثقافية
(قراءة فلسفية في ضوء فرانسيس بيكون ورؤية حسين العادلي). ليست أخطر أشكال التبعية أن يفقد الإنسان حريته في التعبير عن أفكاره، بل أن يفقد حريته في تكوينها، ثم يعتقد، بكل ثقة، أنه يفكر بإرادته المستقلة. فثمة مسافة شاسعة بين عقلٍ يتبنى الأفكار بعد مساءلتها، وعقلٍ يستعيرها من محيطه ثم يدافع عنها كما لو كانت اكتشافًا شخصيًا أو حقيقة لا تقبل الجدل. وفي هذه المسافة تحديدًا تتشكل إحدى أعقد إشكاليات الوعي الإنساني: كيف نميز بين ما نؤمن به لأننا اقتنعنا به، وما نؤمن به لأن الآخرين نجحوا في إقناعنا بأن الاقتناع به واجب؟ من هنا تبرز أهمية مفهوم الحصانة الذاتية، لا بوصفه انغلاقًا على الذات أو رفضًا للتأثير الخارجي، وإنما باعتباره قدرة العقل على حماية استقلال حكمه، وقدرة الضمير على مقاومة الإغراء، وقدرة الإنسان على التمييز بين قناعاته الحقيقية وما تفرضه عليه الجماعة من مسلّمات. فالحصانة، في معناها الفلسفي، ليست جدارًا يعزل الإنسان عن العالم، بل وعيٌ نقدي يسمح له بالتفاعل مع العالم دون أن يفقد ذاته داخله.
أولًا: فرانسيس بيكون وأوهام العقل.
حين تناول الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون في كتابه الأورغانون الجديد (Novum Organum)، الصادر عام 1620، شارحا أن العقل البشري قد يقع في أوهام وانحيازات تمنعه من إدراك الحقيقة أوهام العقل الأربعة، لم يكن يصف أخطاء معرفية عابرة فحسب، بل كان يكشف عن العوائق التي تحول بين الإنسان وإدراك الحقيقة. (فأوهام القبيلة ) تنبع من الطبيعة البشرية المشتركة، و (أوهام الكهف ) تتصل بتجارب الفرد وميوله وتربيته، و (اوهام السوق ) تنشأ من اضطراب اللغة وسوء استخدام الكلمات في التواصل، أما (أوهام المسرح ) فتتمثل في الأنساق الفلسفية والفكرية التي يتلقاها الإنسان ويمنحها سلطة تفسير العالم، كما لو كانت مسرحيات محكمة البناء، لكنها ليست بالضرورة مطابقة للواقع.
إن خطورة (أوهام المسرح) تكمن في أن الإنسان قد لا يكتفي بتلقي منظومة فكرية معينة، بل يجعلها معيارًا وحيدًا للحقيقة، ثم يبدأ في تفسير الوقائع بما ينسجم معها، بدلًا من إخضاعها للاختبار. وعندما تصطدم الوقائع بقناعاته، لا يتراجع عن الفكرة، بل قد يلجأ إلى تأويل الوقائع أو إنكارها أو التشكيك في كل من يكشف تناقضها.
وهنا يتحول الفكر من أداة لفهم الواقع إلى قفص يحجب الواقع عن صاحبه.
فالأيديولوجيا، حين تتحول من إطار تفسيري قابل للنقد إلى عقيدة مغلقة، لا تعود مجرد مجموعة من الأفكار، بل تصبح هوية نفسية واجتماعية يدافع عنها الإنسان دفاعه عن ذاته. ولذلك قد يشعر بالنقد الموجه إلى فكرته بوصفه اعتداءً على كرامته أو انتمائه، لا بوصفه فرصة لمراجعة موقفه.
إن الإنسان لا يقع في أسر الأفكار لأنه يجهلها دائمًا، بل قد يقع في أسرها لأنه يتماهى معها إلى الحد الذي يعجز فيه عن التمييز بين نقد الفكرة وانتقاص الشخص.
ثانيًا: سيكولوجيا الجماهير الأيديولوجية وضياع الواقعية.
تتضاعف هذه الإشكالية حين ينتقل العقل من دائرة الفرد إلى دائرة الجماعة. فالجماعة لا تمنح الفرد شعور الانتماء فحسب، بل قد تمنحه أيضًا شعورًا باليقين والقوة والتفوق الأخلاقي. وعندما تتأسس الجماعة حول أيديولوجيا مغلقة، يصبح الاتفاق الداخلي معيارًا للصواب، ويغدو الاختلاف علامة على الخيانة أو الجهل أو الانحراف.
في مثل هذه البيئة، لا تعود الحقيقة هي التي تحدد موقف الجماعة، بل قد تصبح الجماعة هي التي تحدد ما يجوز اعتباره حقيقة.
وهنا تتشكل سيكولوجيا الجماهير الأيديولوجية: أفراد يكررون الأفكار ذاتها، ويتبادلون المواقف نفسها، ويستمدون يقينهم من كثافة التوافق المحيط بهم، لا من قوة الأدلة التي تستند إليها معتقداتهم. ومع تصاعد هذا النمط، يحل الضجيج محل الحوار، والشعار محل الحجة، والانفعال محل التحليل، والولاء محل الكفاءة النقدية. ويصبح المشهد العام ساحة تتنافس فيها الجماعات على امتلاك الرواية، لا على اختبار صحتها ، وتُقاس قوة الفكرة بقدرتها على التعبئة والاستقطاب، لا بقدرتها على تفسير الواقع. وقد يُتهم من يطالب بالدليل بأنه متردد، ومن يعترف بالتعقيد بأنه ضعيف، ومن يراجع موقفه بأنه متناقض، في حين يُمنح صاحب اليقين الصاخب مكانة لا تتناسب بالضرورة مع معرفته أو نزاهته.
لكن المشكلة الأعمق ليست في وجود الجماعات أو الأيديولوجيات بحد ذاتها، فكل مجتمع يحتاج إلى أفكار مشتركة وأطر لفهم مصالحه وتاريخه. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأطر إلى مرجعيات فوق النقد، وعندما تصبح الجماعة مصدرًا للحقيقة بدلًا من أن تكون طرفًا في البحث عنها.
عندئذٍ يفقد المجتمع واقعيته ، أي قدرته على رؤية الوقائع كما هي، والاعتراف بأخطائه، والتمييز بين ما يرغب في حدوثه وما يحدث بالفعل. وحين تفقد الأمم هذه القدرة، تصبح قراراتها أسيرة التصورات والرغبات والشعارات، وتتراجع إمكانات التصحيح، لأن الاعتراف بالخطأ يغدو تهديدًا للهوية الجماعية بدلًا من أن يكون شرطًا للتقدم.
ثالثًا: الحصانة في رؤية حسين العادلي: حين تنتصر الإرادة على الرغبة.
في تأملاته عن الحصانة، ينقل المفكر حسين العادلي المفهوم من حدود الحماية الخارجية إلى أعماق المسؤولية الأخلاقية، حين يقول:
«الحصانةُ: أن يبقى لإرادتكَ الحسمُ، حين تكونُ لرغبتكَ السطوةُ».
تكمن قوة هذه العبارة في التمييز بين امتلاك الرغبة والقدرة على الانقياد لها. فالإنسان ليس حرًا لمجرد أنه يستطيع أن يفعل ما يشاء، بل تتجلى حريته أيضًا في قدرته على الامتناع عما يشتهيه حين يتعارض مع مبادئه. فالرغبة قد تكون سريعة، ملحّة، ومشحونة بالإغراء، أما (الإرادة الأخلاقية ) فتحتاج إلى وعي وتقدير للعواقب واستعداد لتحمل كلفة القرار.
وبالقياس إلى المجال الفكري، يمكن القول إن الحصانة هي أن تبقى لإرادة العقل سلطة الحسم، حين تكون للرغبة في الانتصار للرأي أو إرضاء الجماعة أو حماية الصورة الذاتية سطوتها. فقد يرغب الإنسان في تصديق ما يطمئنه، أو في سماع ما يؤكد قناعاته، أو في الانتصار لرأيه أمام الآخرين، لكن الحصانة الفكرية تقتضي ألا تتحول هذه الرغبات إلى أحكام نهائية.
إنها القدرة على مقاومة لذة اليقين حين يكون الشك أكثر أمانة، ومقاومة إغراء التصفيق حين تكون المراجعة أكثر ضرورة، ومقاومة ضغط الجماعة حين تتعارض مواقفها مع الوقائع والأدلة.
ويضيف العادلي:
«لا تثقْ بحصانةٍ لم تُمتحن بالإغراءِ، فكلُّ منَعةٍ قبل الاختبارِ ادّعاءٌ».
وهذه الفكرة تضع الحصانة في ميدان الاختبار لا في ميدان الادعاء. فليس كافيًا أن يعلن المرء استقلاله الفكري في بيئة تسمح له بذلك، بل يظهر استقلاله حين تصبح المجاملة مربحة، وحين يكون الصمت أقل كلفة من قول الحقيقة، وحين يحقق الانتماء مكاسب لا يمكن الحصول عليها إلا بالتنازل عن بعض المبادئ.
وإذا كان الإغراء الأخلاقي قد يتجسد في المال أو المنصب أو المصلحة، فإن الإغراء الأيديولوجي قد يكون أكثر خفاءً: سلطة الجماعة، ودفء الانتماء، ولذة التفوق على المختلف، والخوف من العزلة، والرغبة في أن يكون الإنسان جزءًا من قوة كبرى تمنحه الشعور بالأهمية.
عند هذه النقطة يصبح الاختبار الحقيقي للمثقف هو قدرته على الاحتفاظ باستقلاله عندما يكون التنازل عنه أكثر راحة، لا مجرد قدرته على إعلان مواقفه النقدية عندما لا يدفع ثمنًا لها.
رابعًا: حين تتحول الحصانة إلى فضيلة فكرية وأخلاقية
يقول العادلي:
«لا حصانةَ لثلاثٍ: عقلٍ يستثقلُ السؤالَ، وضميرٍ يلتمسُ التبريرَ، وكرامةٍ تطلبُ الإذن».
تضع هذه العبارة ثلاثة شروط لانهيار الحصانة.
أولها عقل يستثقل السؤال ، وهو عقل يخشى المساءلة لأنه اعتاد التعامل مع قناعاته بوصفها مسلّمات. وهذا العقل لا يفتقر بالضرورة إلى المعلومات، لكنه يفتقر إلى الشجاعة المعرفية التي تسمح له بإعادة النظر فيما يعرفه.
وثانيها ضمير يلتمس التبرير، وهو ضمير لا يتخلى عن الأخلاق بصورة مباشرة، بل يعيد صياغة الخطأ حتى يبدو صوابًا، ويبحث عن الأعذار التي تسمح له بالاحتفاظ بصورة إيجابية عن ذاته. وهنا تصبح الأيديولوجيا وسيلة لتبرير المواقف، بدلًا من أن تكون موضوعًا للفحص والمراجعة.
أما ثالثها فكرامة تطلب الإذن ، وهي كرامة معلقة باعتراف الجماعة ورضاها، لا بقدرة الإنسان على الوفاء بمبادئه. فالشخص الذي يحتاج دائمًا إلى موافقة محيطه قبل أن يقول ما يعتقد أنه صحيح، قد يجد نفسه مضطرًا إلى الصمت كلما تعارضت الحقيقة مع مصالح الجماعة أو حساسياتها.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن اختزال الحصانة الذاتية في الذكاء أو الثقافة أو كثرة القراءة. فقد يكون الإنسان واسع الاطلاع، لكنه يوظف معرفته للدفاع عن تحيزاته ، وقد يكون شديد الفصاحة، لكنه لا يستخدم اللغة إلا لتبرير ما قرره مسبقًا. فالحصانة الحقيقية تحتاج إلى اجتماع الكفاءة العقلية والنزاهة الأخلاقية والشجاعة النفسية.
ولعل أكثر ما يهدد المثقف ليس جهله بحقيقة معينة، بل استعداده لتجاهلها حين تتعارض مع مصلحته أو صورته أو موقعه داخل الجماعة.
خامسًا: المثقف النقدي خارج القطيع الأيديولوجي.
إن الانتقال من التابع الأيديولوجي إلى المثقف النقدي لا يتحقق بتغيير الانتماء فحسب، ولا بالانتقال من معسكر فكري إلى آخر. فقد يخرج الإنسان من تبعية قديمة ليقع في تبعية جديدة، وقد يرفض عقيدة مغلقة ليبني لنفسه عقيدة مضادة لا تقل انغلاقًا عنها.
فالتحرر الحقيقي ليس في استبدال يقين بيقين، وإنما في تغيير العلاقة التي تربط الإنسان بأفكاره.
المثقف النقدي هو الذي يمنح الفكرة حق الاختبار، لا حق الحصانة من السؤال. وهو الذي يميز بين احترام الأشخاص وتقديس آرائهم، وبين الانتماء إلى الجماعة والتنازل لها عن استقلال الحكم. كما أنه لا يجعل مخالفة الآخرين غاية في ذاتها، لأن الرفض المستمر ليس دليلًا على الحرية، تمامًا كما أن الموافقة المستمرة ليست دليلًا على الحكمة.
إن معيار الاستقلال الفكري ليس أن تقول عكس ما تقوله الجماعة، بل أن تمتلك أسبابك الخاصة لما تقول، وأن تكون مستعدًا لمراجعة موقفك إذا تغيرت الأدلة.
ومن هنا تتجلى الصلة العميقة بين الحصانة الذاتية والمنهج النقدي: الأولى تمنح الإنسان القدرة على الصمود أمام الضغوط والإغراءات، والثاني يمنحه الأدوات التي يختبر بها أفكاره وأفكار الآخرين. فالحصانة بلا نقد قد تتحول إلى عناد، والنقد بلا حصانة قد ينهار أمام المصالح والخوف والضغوط الاجتماعية.
ولذلك فإن المثقف النقدي لا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، بل يسعى إلى الاقتراب منها، ولا يرى في الاعتراف بالخطأ انتقاصًا من مكانته، بل دليلًا على قدرته على التعلم. إنه لا يخشى أن تتغير أفكاره بقدر ما يخشى أن يتوقف عن التفكير.
سادسًا: من حصانة الفرد إلى حصانة المجتمع.
لا تتوقف آثار الحصانة الذاتية عند حدود الفرد، فهي ترتبط بقدرة المجتمع على حماية المجال العام من التزييف والتضليل والتواطؤ. فالمجتمع الذي يعاقب السؤال، ويشكك في نوايا الناقد، ويمنح الولاء قيمة أعلى من النزاهة، يهيئ بيئة تزدهر فيها الأوهام الجماعية وتضعف فيها فرص التصحيح.
وفي هذا السياق، يقول العادلي:
«تُنزعُ حصانةُ المجتمعِ حين تصيرُ المكاشفةُ عاراً، والتواطؤُ مروءةً، والمحاسبةُ فتنةً».
تكشف هذه العبارة عن مفارقة أخلاقية خطيرة: قد يحتفظ المجتمع بمؤسساته وشعاراته ومظاهر تماسكه، لكنه يفقد تدريجيًا قدرته على تصحيح ذاته عندما يصبح كشف الخلل فعلًا مدانًا، ويُقدَّم الصمت بوصفه حكمة، ويُصوَّر التستر على الأخطاء بوصفه وفاءً.
إن المجتمع الذي يخلط بين النقد والعداء، وبين المحاسبة والتشهير، وبين الوحدة وإلغاء الاختلاف، يضعف مناعته الداخلية. فالمكاشفة المسؤولة ليست هدمًا للمجتمع، بل وسيلة لحمايته من تراكم الأخطاء. والمحاسبة العادلة ليست تهديدًا للاستقرار، بل إحدى وسائل بناء الثقة. أما التواطؤ، مهما ارتدى من لغة المصالح الوطنية أو وحدة الصف أو الحفاظ على السمعة، فإنه يحوّل الأخطاء من مشكلات قابلة للإصلاح إلى أزمات تتغذى على الصمت.
ومن هنا يمكن فهم الحصانة المجتمعية بوصفها امتدادًا للحصانة الذاتية: مجتمع يمتلك أفرادًا قادرين على التفكير المستقل، ومؤسسات تسمح بالنقد والمساءلة، وثقافة لا تجعل الاعتراف بالخطأ عارًا. فالأمم لا تفقد واقعيتها لأنها تفتقر إلى الشعارات، بل لأنها قد تصبح أسيرة شعاراتها، ولا تتعثر دائمًا بسبب غياب المعرفة، بل أحيانًا بسبب عجزها عن مواجهة المعرفة التي لا تعجبها.
صفوة الكلام : الحصانة ليست أن تكون بمنأى عن التأثير، بل أن تكون سيد موقفك
إن الحصانة الذاتية، في جوهرها الفلسفي والأخلاقي، هي القدرة على ألا يتحول العقل إلى تابع، والضمير إلى مبرر، والانتماء إلى قيد. وهي ليست ادعاء العصمة من الخطأ، لأن الإنسان يظل معرضًا للأوهام والتحيزات مهما اتسعت معارفه، وإنما هي الاستعداد الدائم لمراجعة الذات، ومقاومة الإغراء، والتمييز بين الحقيقة وما نرغب في أن تكون عليه الحقيقة.
لقد كشف فرانسيس بيكون عن الأوهام التي تتسلل إلى العقل وتشوّه علاقته بالواقع، بينما تمنحنا تأملات حسين العادلي في الحصانة بعدًا أخلاقيًا يوضح كيف يمكن للإنسان أن يقاوم ما يهدد استقلال إرادته ونزاهة ضميره. وبين الرؤيتين تتشكل دعوة إلى بناء ذات قادرة على التفكير دون وصاية، والانتماء دون ذوبان، والاختلاف دون عداء، والنقد دون استعلاء.
فليس المطلوب أن نخرج من كل مسرح فكري لنقف في مسرح آخر، ولا أن نعلن الحرب على الجماهير والأيديولوجيات، بل أن نتعلم كيف نرى ما وراء الستار، وكيف نميز بين العرض والحقيقة، وبين قوة الشعار وقوة الدليل.
إن الحصانة الحقيقية ليست أن تحمي أفكارك من النقد، بل أن تحمي عقلك من الخضوع لها حين تصبح خاطئة، وليست أن تمتلك إرادة لا تتأثر، بل إرادة تعرف متى تقاوم، وعقلًا يعرف متى يراجع، وضميرًا لا يحتاج إلى تبرير ما يعرف في أعماقه أنه خطأ.
وعندئذٍ يغادر الإنسان موقعه في القطيع الأيديولوجي، لا ليصبح تابعًا لوحدته الفردية فحسب ، بل ليصبح شريكًا واعيًا في صناعة الحقيقة، ويغادر مسرح الأوهام، لا مدعيًا أنه بلغ اليقين المطلق، بل مدركًا أن الحرية الفكرية تبدأ من الشجاعة في السؤال، وأن كرامة العقل لا تكمن في ألا يخطئ، بل في ألا يتخذ من خطئه عقيدة يدافع عنها إلى الأبد.
فحين تكون للإرادة سلطة على الرغبة، وللدليل سلطة على الانتماء، وللضمير سلطة على المصلحة، تصبح الحصانة ممارسة يومية للحرية، ويصبح المثقف النقدي ضرورة لحياة الأمم، لا مجرد صوت مختلف في ضجيجها.
فالأمم التي تحمي حق السؤال تحمي قدرتها على البقاء، والإنسان الذي يمتلك شجاعة مراجعة ذاته لا يحتاج إلى قطيع يحرس أفكاره، لأن عقله لم يعد سجينًا لها.
#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رهانات الحياة في حانة بريطانية.
-
المثقف بين سيكولوجيا الجماهير الرقمية وصمت العقلاء..!
-
معمل أبي غريب… حين كانت أحلامنا تمرّ من هنا
-
غسل الأموال وتشوهات التراكم الرأسمالي: من الجريمة الاقتصادية
...
-
العبث بين أزمة المعنى وسلطة القطيع وانهيار المسؤولية.
-
عبد الرحمن البزاز: رجل من بلادي صديق أبي… وذكرى من طفولتي
-
حين تتحول الغَلَبة إلى ثقافة، والإحباط إلى نظام اجتماعي
-
المَخرَج… حين يصبح الخلاص امتحانًا للإنسان. (قراءة في فلسفة
...
-
من الوعي إلى الذكاء الاصطناعي: هيغل ونوري جعفر
-
من سلطة الماضي إلى ثقافة الحياة: (العقل الماضوي والاستدعاء ا
...
-
تشرين بغداد: زقزقة العصافير ومتلازمة المطر
-
إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني
...
-
إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء (تأمل إنساني ع
...
-
إريك فروم وحقيقة الحب: من الاغتراب إلى اللقاء. (تأمل إنساني
...
-
ذلك الكرسي
-
عندما تهرم الذئاب
-
حوت في دفتر الفيزياء: ذكريات من الخامس من حزيران 1967
-
دموع أبي.. وذاكرة قصر النهاية في الذكرى الخامسة والخمسين
-
لَوْعَةُ الوعي
-
تشظّي الهابيتوس السياسي: ديناميات الانقسام داخل المكوّن الوا
...
المزيد.....
-
توسك يطالب كييف بتقديم تفسير حول تحليق مسيرة أوكرانية فوق بو
...
-
فساد في صفقات المسيرات بأوكرانيا يكبد الدولة 5.6 مليون دولار
...
-
طبيبة أعصاب توضح تأثير التغذية على الحالة المزاجية
-
على أساس منصات مستوردة.. ممَّ تُجمَّع الأسلحة -الأمريكية الخ
...
-
نوع من الشاي يحمينا من تراكم الدهون في الكبد
-
الخارجية الجورجية تتهم الاتحاد الأوروبي بالتدخل في شؤونها ال
...
-
وزير الدفاع الإيطالي: أحداث الشغب جاءت بسبب -حرب هجينة- تسته
...
-
-الحوثيون- ينشرون مشاهد لاستهداف قوات سعودية من جبل هان غرب
...
-
15 عاما على مقتل القذافي.. خبراء يقدمون قراءة للمشهد الليبي
...
-
ألعاب نارية وقنابل حارقة وخراطيم مياه: تصاعد الاضطرابات في أ
...
المزيد.....
-
محمد أركون ونقد الأنوار.
/ ابراهيم ازروال
-
ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري
/ حكمت الحاج
-
الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي
/ كريم الوائلي
-
تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة
/ كريم الوائلي
-
التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت
...
/ كريم الوائلي
-
أزمة التعليم في العرا ق
/ كريم الوائلي
-
منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث
/ كريم الوائلي
-
حرير فراشة الحكايات
/ ميرفت الخزاعي
المزيد.....
|