مظهر محمد صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8848 - 2026 / 10 / 4 - 00:46
المحور:
اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
في اليوم الدولي للاعنف، لا تبدو مواجهة العنف قضية أمنية أو قانونية فحسب، بل هي قبل ذلك قضية تتصل بتكوين الإنسان ووعيه، وبالطريقة التي ينظر بها إلى ذاته وإلى الآخر وإلى الحياة. فالعنف لا يبدأ دائماً من لحظة استخدام القوة، وإنما قد يبدأ قبل ذلك بكثير ، من فكرة مغلقة، أو هوية مأزومة، أو شعور بالتهميش، أو حاجة غير مشبعة إلى الانتماء، أو عجز عن العثور على معنى للحياة. وحين تتجمع هذه العوامل داخل بيئة فكرية واجتماعية مغلقة، يمكن أن تتحول الفكرة إلى سلطة، والسلطة إلى امتثال، والامتثال إلى إلغاء للذات أو للآخر.
ومن هنا تكتسب العلاقة بين العقل الماضوي والاستدعاء الأيديولوجي وأزمة الهوية وثقافة العنف أهمية خاصة في فهم بعض الظواهر التي شهدتها مجتمعاتنا، ولا سيما ظاهرة انجذاب بعض الشباب إلى الجماعات المتطرفة والمنظمات التي تجعل الموت والتضحية العمياء جزءاً من منظومتها الفكرية.
وقد أثار اهتمامي في هذا السياق ما كتبه المفكر العراقي الكبير الدكتور ليث السامرائي في سرديته الواقعية الموسومة «انتماء الشباب إلى منظمات الموت: الأسباب والمعالجات»، إذ يضع يده على مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والفكرية التي يمكن أن تجعل بعض الشباب أكثر قابلية للاستدراج إلى الجماعات المغلقة.
((…فالشاب الذي يعاني أزمة في الهوية، أو عزلة اجتماعية، أو تهميشاً، أو تفككاً أسرياً، قد يبحث عن بيئة تمنحه ما يفتقده: الانتماء، والقبول، والاهتمام، والشعور بأنه ذو قيمة. وهنا قد تظهر الجماعة المتطرفة بوصفها «عائلة بديلة»، لا تقدم للفرد مجرد أفكار، وإنما تمنحه هوية جاهزة ومكانة ومعنى وشعوراً بالانتماء.
وتزداد خطورة الأمر عندما يتزامن ذلك مع مرحلة البحث عن معنى وغاية للحياة. فالشباب يمرون بطبيعة الحال بمرحلة تتشكل فيها هويتهم وتتبلور أسئلتهم حول المستقبل والقيمة والغاية. وإذا عجز المجتمع عن تقديم إجابات إنسانية واقعية لهذه الأسئلة، فقد تستغل الجماعات المغلقة هذا الفراغ لتقديم إجابة واحدة ونهائية، وتحويل قضية محددة إلى «مهمة مقدسة» تمنح الحياة والموت معاً معنى مبالغاً فيه….)).
وهنا يبدأ الانتقال من البحث الطبيعي عن المعنى إلى احتكار المعنى.
فالجماعة لا تقول للفرد فقط ماذا يفعل، وإنما تبدأ بإعادة تعريف من يكون، ومن يكون الآخر، وما الذي يستحق الحياة، وما الذي يستحق الموت.
وهذه النقطة تقودنا إلى مفهوم الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير حول (الاستدعاء الأيديولوجي - Ideological Interpellation).
فالأيديولوجيا، في هذا التصور، لا تعمل فقط من خلال فرض الأفكار على الإنسان من الخارج، وإنما تستدعيه لكي يتعرف على نفسه بوصفه «ذاتاً» داخل منظومتها. أي أنها لا تكتفي بأن تقول للإنسان: افعل هذا، بل تسهم في صياغة الإجابة عن سؤال أكثر عمقاً: من أنت؟
وعندما تصبح الإجابة عن هذا السؤال مستمدة بالكامل من الجماعة أو العقيدة المغلقة، تنتقل السلطة من الخارج إلى الداخل. لم يعد الإنسان بحاجة إلى من يراقبه في كل لحظة، لأنه يبدأ بمراقبة نفسه بنفسه، ولم يعد بحاجة إلى من يأمره باستمرار، لأنه أصبح حارساً على الأفكار التي تشكل وعيه. وهنا تكمن إحدى أخطر صور السيطرة: أن يتحول الإنسان من موضوع للسلطة إلى أداة لإعادة إنتاجها.
وقد تبدأ المشكلة في بعض البيئات الاجتماعية المغلقة من عملية تنشئة لا تسمح بالسؤال، ولا تمنح الاختلاف مساحة كافية، ولا تميز بين احترام القيم وبين تحويلها إلى منظومة مطلقة من الطاعة. وفي هذه الحالة يمكن للأسرة، أو الجماعة، أو المؤسسة الفكرية، أن تتحول من فضاء للحماية والتكوين إلى فضاء يصادر استقلال الفرد.
فالمشكلة ليست في الأسرة أو الدين أو التراث أو الانتماء في حد ذاتها، وإنما في اللحظة التي تتحول فيها هذه العناصر إلى سلطة مغلقة تمنع السؤال وتصادر الاختيار.
وعندما يخرج الشاب إلى العالم وهو يحمل حاجة عميقة إلى القبول، ثم يجد جماعة تمنحه هوية جاهزة واهتماماً غير مشروط، فقد يصبح الانتماء إليها أكثر جاذبية من مواجهة تعقيدات الواقع. وتزداد الخطورة عندما تبدأ الجماعة بعزل الفرد تدريجياً عن مصادره السابقة للمعرفة والدعم، فتضعف صلته بأسرته وأصدقائه، وتصبح الجماعة وقائدها المصدر شبه الوحيد للمعلومات والتفسير والدعم العاطفي.
وعندها يصبح الانفصال عن الجماعة مكلفاً نفسياً واجتماعياً، لأن الفرد لا يشعر بأنه سيترك جماعة فحسب، وإنما يشعر بأنه سيفقد ذاته وهويته ومعنى وجوده.
ولا يمكن، بطبيعة الحال، تفسير التطرف بعامل واحد. فالتطرف والعنف ظواهر مركبة تتداخل فيها عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية ونفسية وتعليمية وتاريخية. وقد تتفاعل البطالة والحروب والظلم والتهميش وغياب الأفق والصدمات النفسية والشعور باليأس مع أزمة الهوية والحاجة إلى الانتماء.
لكن (الأيديولوجيا المغلقة ) تؤدي وظيفة خطيرة عندما تقدم للفرد تفسيراً نهائياً للعالم. فهي تقسم الواقع إلى ثنائيات حادة: نحن والآخر، الحق والباطل، الخلاص والهلاك، الطهر والانحراف. وحين يختفي اللون الرمادي من التفكير، يصبح الاختلاف تهديداً، ويصبح الحوار تنازلاً، ويصبح الآخر موضوعاً للحكم بدلاً من أن يكون إنساناً يستحق الفهم.
وهنا يمكن أن يتحول التفكير من البحث عن الحقيقة إلى الدفاع عن الهوية.
وفي هذا السياق يظهر مفهوم (العقل الماضوي ) .فالعقل الماضوي لا يعني مجرد احترام الماضي أو الاعتزاز بالتراث، وإنما يعني تحويل الماضي من مجال للمعرفة والفهم والنقد إلى مرجعية إلزامية لمصادرة الحاضر والمستقبل.
إنه لا يقول: «هكذا كان الأمر»، بل ينتقل إلى: «ولذلك يجب أن يبقى الأمر كذلك».
وهنا تتحول الذاكرة إلى أيديولوجيا، ويتحول التاريخ إلى سلطة، ويصبح المستقبل تهديداً للنموذج القديم. وحين يصبح سؤال «ماذا كان؟» أقوى من سؤال «ماذا ينبغي أن يكون؟»، يتحول التاريخ إلى سجن.
فاحترام الماضي لا يعني الخضوع له، والحفاظ على الذاكرة لا يعني تحويلها إلى سلطة مطلقة، والتراث لا ينبغي أن يكون سجناً للعقل، بل مادة للفهم والنقد والإبداع.
إن المجتمع الحي هو الذي يستطيع أن يحترم ماضيه دون أن يسكن فيه، وأن يحافظ على هويته دون أن يلغي الآخر، وأن يستفيد من تراثه دون أن يحرم الأجيال الجديدة من حقها في صناعة مستقبل مختلف.
وهنا تبلغ المسألة ذروتها، فالإنسان الذي يفقد القدرة على امتلاك حياته قد يُقنع بأنه يستعيد حريته من خلال التخلي عنها. وقد يظهر ذلك في صورة إيذاء الذات أو تمجيد الموت، لكنه يصبح أكثر خطورة عندما تتحول الذات إلى أداة لإلغاء الآخرين.
وهنا لا يعود العنف مجرد فعل ضد الآخر، وإنما يصبح نتيجة لمسار فكري طويل جرى خلاله إلغاء قيمة الإنسان، أولاً في الوعي، ثم في الواقع. وهذا ما جعل التنظيمات الإرهابية، ومنها تنظيم داعش ومثيلاته، تعتمد على تحويل الإنسان إلى أداة لتنفيذ فكرة مغلقة، وإلى وسيلة لإنتاج المزيد من الخوف والدمار.
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال هذه الظاهرة في العامل الأيديولوجي وحده ، فالأيديولوجيا لا تعمل في الفراغ، وإنما تجد بيئة أكثر قابلية عندما تتوافر الأزمات الاجتماعية والنفسية والسياسية والاقتصادية.
ولهذا فإن مواجهة التطرف لا تبدأ فقط من لحظة ظهور السلوك العنيف، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، من الأسرة والمدرسة والجامعة والمجتمع. فالشاب الذي يجد في أسرته أذناً مصغية ومساحة آمنة للتعبير يكون أقل حاجة إلى البحث عن بديل مغلق يمنحه الاعتراف والانتماء.
كما أن المدرسة والجامعة لا ينبغي أن تكونا مكاناً لحفظ المعلومات فقط، بل فضاءً لتعلم السؤال والاختلاف والتحليل والتفكير النقدي. فالتفكير النقدي ليس ترفاً ثقافياً، وإنما وسيلة من وسائل الوقاية من التلاعب.
فالشباب الذين يتعلمون أن يسألوا: من يقول؟ ولماذا يقول؟ وما الدليل؟ وما البديل؟ ومن المستفيد؟ يكونون أكثر قدرة على مقاومة الأفكار التي تطلب منهم التسليم المطلق.
وتحتاج المجتمعات كذلك إلى إعادة الاعتبار إلى قيمة الحياة، من خلال خطاب ديني وأخلاقي وتربوي يعزز حرمة النفس وكرامة الإنسان وقيمة الاختلاف ومسؤولية الفرد تجاه المجتمع. كما ينبغي توفير مساحات حقيقية للشباب كي يجدوا فيها معنى إيجابياً للوجود، في العلم والفن والرياضة والعمل التطوعي والإبداع والمشاركة الاجتماعية.
فالشاب الذي يشعر بأنه قادر على أن يكون مفيداً، وأن صوته مسموع، وأن مستقبله ممكن، وأن المجتمع يحتاج إليه، يكون أقل عرضة لمن يقول له إن قيمته لا تتحقق إلا من خلال التضحية بنفسه أو إيذاء الآخرين.
ومن هنا فإن (ثقافة الحياة) ليست مجرد شعار أخلاقي، وإنما مشروع اجتماعي وتربوي وإنساني.
ومن المهم أيضاً أن تكون الأسرة والمؤسسات التعليمية يقظة تجاه التحولات الجذرية في سلوك بعض الشباب، خصوصاً عندما تتجمع عدة مؤشرات في فترة زمنية قصيرة، مثل العزلة المفاجئة، والانقطاع الحاد عن الأسرة والأصدقاء، والتغير الجذري في طريقة التفكير، والتبني المفاجئ للأفكار المتطرفة، وتمجيد الموت أو إيذاء النفس، والنظر إلى العالم بمنطق «نحن والآخر»، أو الدخول في جماعات مغلقة ومجهولة المصدر.
لكن ينبغي التعامل مع هذه المؤشرات بحذر ، فعلامة واحدة لا تكفي للحكم على الشاب، كما أن العزلة المؤقتة أو تغير الاهتمامات قد تكون جزءاً طبيعياً من مراحل النمو.
والقاعدة الأهم هنا هي أننا لا نواجه هشاشة الشاب بالوصم، ولا نواجه التطرف بالإذلال، ولا نواجه الخوف بالعنف، وإنما نواجهها بالحوار والدعم والتدخل المتخصص عند الحاجة، واستعادة الروابط الإنسانية التي قد تكون الجماعات المتطرفة قد نجحت في تفكيكها.
إن مواجهة العقل الماضوي لا تعني إلغاء الماضي، كما أن نقد التراث لا يعني رفضه. المطلوب هو تحرير الإنسان من احتكار الماضي لمعنى وجوده.
فالماضي ينبغي أن يكون ذاكرة للفهم، لا سلطة على الوجود. والأيديولوجيا ينبغي أن تكون موضوعاً للنقد، لا سجناً للوعي. والهوية ينبغي أن تكون جسراً إلى الآخر، لا سلاحاً ضده. والدين والثقافة والتراث ينبغي أن تكون مصادر للمعنى والقيم، لا أدوات لإلغاء الإنسان. والحرية ينبغي أن تكون قدرة على بناء الحياة، لا ذريعة لإلغائها.
إن الإنسان ليس أداة لفكرة، ولا وقوداً لعقيدة، ولا وسيلة لإعادة إنتاج الماضي، وإنما هو غاية في ذاته.
ومن هنا فإن المعركة الحقيقية ليست بين الماضي والمستقبل، وإنما بين عقل يجعل الماضي سلطة على المستقبل، وعقل يجعل الماضي معرفة لبناء المستقبل. وليست بين الانتماء والاختلاف، وإنما بين انتماء يحمي كرامة الإنسان وانتماء يلغيها. وليست بين الحرية والفوضى، وإنما بين حرية مسؤولة تبني الحياة وأيديولوجيا تستعمل الإنسان وقوداً للفناء.
وفي اليوم الدولي للاعنف، ربما تكون رسالتنا الأهم أن العنف لا يُهزم بالعنف وحده، وإنما يُهزم أيضاً ببناء الإنسان الذي لا يحتاج إلى العنف كي يشعر بقيمته.
فحين نمنح أبناءنا حق السؤال، وحق الاختلاف، وحق إعادة تعريف ذواتهم، وحق الحلم بمستقبل مختلف، فإننا لا نحميهم من التطرف فحسب، وإنما نبني مجتمعاً أقل قابلية لإنتاجه.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الأيديولوجيا المغلقة ليس أن تجعل الإنسان يكره الحاضر، وإنما أن تجعله يفقد القدرة على تخيل مستقبل مختلف.
وعندما يُغلق المستقبل، يصبح الماضي ملاذاً، وقد يصبح الفناء، عند بعض الأفراد، بديلاً زائفاً عن الحرية.
لذلك فإن التحرر الحقيقي يبدأ من استعادة الإنسان لحقه في السؤال، وحقه في الاختلاف، وحقه في اختيار طريقه، وحقه في أن يرى في الحياة قيمة تستحق أن تُعاش.
فالماضي لنا كي نفهمه، لا كي يسجننا، والحاضر لنا كي نعيشه، لا كي نهرب منه ، والمستقبل لنا كي نصنعه، لا كي نخاف منه.
#مظهر_محمد_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟